الدعاء بعد الصلاة المفروضة سنة أم بدعة؟/ د. محمود أحمد الزين

الدعاء بعد الصلاة المفروضة سنة أم بدعة؟

مقدمة

الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين

اللهم سـدّد وأعـن يا كريم، لا إله إلا أنت.
أما بعد

فقد كثر السؤال عن الدعاء بعد الصلاة المكتوبة، أهو من سنة النبي صلى الله عليه وسلم أم لا ؟ وهل يشرع فيه رفع اليدين؟

وهل تشرع فيه الجماعة؟

وهل يشرع الاستمرار عليه بعد كل صلاة؟

وهل لذلك دليل خاص؟

وإن لم يكن فهل تكفي العمومات والإطلاقات الثابتة في القرآن والسنة لإثبات المشروعية باستمرار؟
لقد بينت ذلك في القسم الأول من هذه الرسالة، وناقشت في القسم الثاني اعتراضات المخالفين ، والله ـ سبحانه ـ هو المسؤول أن يجعلنا جميعاً من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.


كثرةُ الكلام في المسألة وَزَعْمُ بعضهم أنها بدعة


والدعاء بعد الصلوات المكتوبة مسألة تكلم فيها كثيرون، وزعم بعضهم أن هذا الدعاء بدعة ، وتأولوا الأحاديث الكثيرة التي جاء فيها ذكر الدعاء دبر الصلاة فقالوا : دبر الشيء آخره وهو منه وزعموا أن المراد بهذه الأدعية أن تكون قبل السلام بعد التشهد ، مع أنه ثبت في السنة استعمال لفظ الدبر في معنى ما بعد الصلاة كرواية مسلم (برقم 595) في التسبيح بعد الصلاة فإن في بعض المواضع ”تسبحون..دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين.. الحديث“.



مناقشة التأويل

وإذا كان الدبر مستعملاً في المعنيين حقيقة ـ على قاعدة من ينكر المجاز ـ فلا يجوز أن يقصروه على الأول منهما إلا أن يذكروا دليلاً يرجحه على المعنى الآخر أو أن يقرّوا بالمجاز ويعتبروا الدبر حقيقة في آخر أجزاء الشيء مجازاً فيما بعده ـ إذ الحقيقة لا تحتاج إلى مرجح ـ

ومع ذلك فلا ثمرة لتأويلهم سوى ترك الاحتجاج بالأحاديث التي تحتمل الوجهين على سنية الدعاء بعد المكتوبة، لكن الأدلة الأخرى تثبتها وتبطل هذا التأويل لأنها لا تقبل التأويل.


استدلال منكري الدعاء بعد صلاة الفريضة


القائلون بأنّ الدعاء بعد الصلاة المكتوبة ليس بسنة احتجوا بحديث مسلم (رقم592): عن عائشة رضي الله عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلّم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: ”اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام“.

ردّ استدلالهم :
وردّ كثير من العلماء هذا الاستدلال بأنّ هذا نفي لعلمها وليس نفياً للواقع، وقد روى الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من هذا عند مسلم نفسه وعند البخاري، وكل صحابي روى ما رأى وسمع ، فهي معذورة ـ إذا اقتصرت على رواية ما تعلمه ـ ولا يعذر من بلغته أحاديث الأصحاب الآخرين

الدليل على أن هذا الدعاء سنة :
وهذه التسبيحات المروية من طريق عائشة رضي الله عنها، رواها مسلم عن ثوبان رضي الله عنه (برقم 591) قبل حديث عائشة رضي الله عنها ، فزاد فيها الاستغفار، فقال:

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً وقال: ”اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام“.

وهذا الحديث صريح بمنع النزاع في أن الدعاء بعد انتهاء الصلاة المكتوبة سنة ، لأن الاستغفار معناه طلب المغفرة ، والطلب من الله تعالى هو الدعاء ، سواء كان بلفظ الطلب ”اللهم اغفر لي“ أو كان بلفظ الخبر ”أستغفر الله“، ولا تحتاج المسألة لدليل آخر، فإنكارها بدعة مخالف صريح السنة، ولاسيما إذا كان الإنكار عاماً لكل دعاء كما يقول هؤلاء.

وقد فصل رواية الاستغفار أبو داود (برقم 1509) باب ما يقول الرجل إذا سلم : عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلم من الصلاة قال: ”اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت ، وما أسررت وما أعلنت ، وما أسرفت وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت“.

وأخرجه ابن حبان عن علي رضي الله عنه وكرم وجهه أيضاً وعنوانه : ”ذكر ما يستحب للمرء أن يسأل الله جل وعلا في عقيب الصلاة “ ولفظـه : ”

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من الصلاة وسلم قال: اللهم اغفر لي …“ إلى أخر الحديث المتقدم ، كما في الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان برقم 2025))

ورواه مسلم أيضاً ضمن حديث طويل في كتاب صلاة المسافرين باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، (وترقيمه العام 771) عن علي رضي الله عنه وكرم وجهه أيضاً فذكره بروايتين:

الأولى (برقم 201) ضمن ترقيم كتاب صلاة المسافرين، فقـال: ثم يكون من آخـر ما يقـول بين التشهد والتسليم: ”اللهم اغفر لي.. “ إلى آخر الحديث

والرواية الثانية (برقم 202) وفيها: وقال: إذا سلّم قال: ”اللهم اغفر لي ما قدمتإلى آخر الحديث، ولم يقل بين التشهد والتسليم. انتهى كلام الإمام مسلم.

ولا يصح أن يقال : إن الروايتين متعارضتان ، تحتاجان إلى دليل يرجح إحداهما ، لأن التعارض المضر هو الذي لا يمكن معه العمل بالروايتين جميعاً ، والعمل هنا ممكن على تقدير أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك حيناً قبل السلام وحيناً بعده ، أو يقوله فيهما .

استدلال آخر :
ويقرب من الاستغفار في هذه المسألة الاستعاذة ، لأن معناها طلب الإعاذة أي الحماية ، والطلب من الله تعالى هو الدعاء ، وقد روى أبو داود (برقم1523) والترمذي (برقم 2903) والنسـائـي (برقم1334) ، وهـو عنـد ابن خزيمة (برقم 755) عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال:

”أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقرأ بالمعوذتين دبر كل صلاة“ وابن خزيمة شرَط في كتابه الصحة كما هو معلوم، فهذا قرآن مشتمل على دعاء وهو أفضل الدعاء .


مذهب البخاري في المسألة

وقد بوب لهذه المسألة الإمام البخاري في كتاب الدعوات فقال : [ باب الدعاء بعد الصلاة ]

وذكر فيه حديث أبي هريرة رضي الله عنه برقم (5970) " تسبحون دبر كل صلاة عشراً وتحمدون عشراً وتكبرون عشراً“

وذكر حديث معاوية رضي الله عنه برقم (808) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر كل صلاة إذا سلّم ”لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد، ولفظ الدبر في حديث التسبيح لا يحتمل إلا معنى ”بعد“ .


وجه استدلال البخاري:
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ([1]):

ومناسبة هذه الترجمة ( أي العنوان الذي وضعه البخاري لهذا الباب ) أن الذاكر يحصل له ما يحصل للداعي إذا شغله الذكر عن الطلـب كمـا في حديث ابن عمر رضي الله عنهما رفعه: ”يقول الله تعالى من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين“ أخرجه الطبراني بسندٍ لين. انتهى كلام ابن حجر .

زيادة مهمة في الاستدلال لعمل البخاري :
وفيه مناسبة أقوى وهي أن الدعاء ذكر، أي هو نوع منه، فحيث كان الذكر مشروعاً فكل أنواعه مشروعة، والدعاء منها، كما في حديث مجالس الذكر الآتي([2]) ، رواه البخاري برقم (6045) وفيه:

”يسألونك الجنة“ وهو دعاء صريح، وفيه مناسبة أخرى هي أن الذكر ـ وإن لم يكن دعاءً صريحاً ـ فيه سؤال وطلب بطريق التعريض لاسيما قوله صلى الله عليه وسلم:”لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت“ فإن المراد به لا نرجو غيرك ولكن نرجوك فأعطنا ، وهذا كقوله تعالى: ( وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له وكشفنا ما به من ضر) [الأنبياء 83 ـ 84]

فقوله سبحانه ( استجبنا له) يعني أنه قد دعا . وهو لم يدع صريحاً إنما ذكر مسّ الضر له، وأثنى على الله تعالى بأنه أرحم الراحمين، وذلك يتضمن معنى ارحمني واكشف ضري

ومثله قوله تعالى: ( ونادي نوح ربه قال ربي إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحـاكمين، قـال يا نوح إنه ليس من أهلك إنـه عمل غير صـالح فلا تسألن مــــا ليس لك بـه علم) [هود 45 ـ 46] ، وهو لم يسأله صراحة .

وروى الحاكم ([3]) حديث: ”أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله“ وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتكرار الحمد بعد الصلاة ثلاثاً وثلاثين، وهذا صريح في مشروعية الدعاء بعد الصلاة المكتوبة.

وهذا أمر معلوم في كل الأعراف، حتى إنك ترى المتسولين يكتفون بالثناء على من يسألونه الصدقة، بل إن العرب ذكرت ذلك في الشعر. فقد سئل سفيان بن عيينة عن أفضل الدعاء يوم عرفة فقال: ”لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير“، فقيل له : هذا ثناء وليس بدعاء ، فقال : أما سمعت قول الشاعر :

أأذكر حاجتي أم قـد كفـاني

حياؤك إنّ شيمتـك الحياء


إذا أثنى عليـك المـرء يومـاً

كفـاه مـن تعـرضـه الثناء

ذكر ذلك بهاء الدين بن قدامة ([4]) .

والأذكار التي رواها الإمام البخاري فيها الثناء على الله وهو يدل على إظهار الافتقار إلى الله سبحانه طلباً لفضله، إذ إن المسلم يقول الأذكار رجاء المغفرة والثواب الذي وعد به النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ”غفرت خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر“ ونحو ذلك .

دليل آخر :
ويؤكد صحة ما فعله البخاري وصحة ما قاله ابن حجر: أن كل من صنف في الأذكار ذكر فيها أدعية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يعني أن الدعاء ذكر ، فحيث كان الذكر مشروعاً فالدعاء مشروع لأنه جزء منه.



رفع الصوت بالذكر والدعاء بعد صلاة الفريضة


وكما دل حديث الذكر بعد الصلاة على مشروعية الدعاء بعدها يدل أيضاً على جواز رفع الصوت بالدعاء، لأن الدعاء ذكر، وقد روى البخاري برقم (805) عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

قال الشافعي في الأم (2/288): ”وهذا من المباح للإمام، وغير المأموم، قال: وأي إمام ذكر الله بما وصفت جهراً أو سراً أو بغيره فحسن“ والعبادة لا تكون إلا مستحبة أو مفروضة، لا إباحة فيها، ولكن أراد أنه لا مانع منه، ثم وصف ذلك بأنه حسن، ثم قال: ”وأختار للإمام وغير المأموم أن يذكر الله بعد الانصراف من الصلاة، ويخفيان الذكر، إلا أن يكون إماماً يجب أن يتعلم منه، فيجهر حتى يرى أنه قد تعلم منه، ثم يسر“، يعني أن هذا أفضل، وإن كان الجهر فاضلاً .

فالمهم أنه ليس بدعة، والمفضول لا يخرج عن كونه سنة، ثم قال في (2/289): ”وأستحب للمصلي منفرداً وللمأموم أن يطيل الذكر بعد الصلاة، ويكثر الدعاء رجاء الإجابة بعد المكتوبة“.


أحاديث أخرى في الدعاء بعد الصلاة


وقد ذكر ابن حجر ([5]) أحاديث أخرى صريحة منها حديث صهيب رضي الله عنه رفعه : ”كان يقول إذا انصرف من الصلاة اللهم أصلح لي ديني ..“ أخرجه النسائي وصححه ابن حبان . انتهى كلام ابن حجر .

وتمام الدعاء عند ابن حبان في كتاب الإحسان (برقم 2026)([6]): ”اللهم أصلح