الصفحة الرئيسية  »  مقالات   »   مشايخ الطيلسات .. وعلاّمات العصر والأوان

مشايخ الطيلسات .. وعلاّمات العصر والأوان

الحمد لله الواحد القهار العزيز الغفار مصرّف الأمور كما يشاء ويختار، أحمده على كل حال ونعوذ بالله من حال أهل النار، وأشهد أن لا إله إلا الله المحيط علماً بالأسرار ، ولأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صفوة العالم المختار، اللهم صلِّ وسلّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه آناء الليل والنهار .

أمّا بعد….
أوصيكم عباد الله ونفسي، بتقوى الله وطاعته، واجتناب نواهيه و زواجره …

لا زلنا نقول ….. الأمة تُذبح رجالها، وتُسبَى نساؤها، وتُهَتَّكُ أعراضُ بناتها،
لا زلنا نقول….. المجاعة تأكل أطفال المسلمين في أفريقيا، والجفاف يسيل على مدنهم وقراهم، .. ولا زال مشايخ السلطان وعلاّمات العصر والأوان، يعيشون البعد الآخرَ من الحدث، .. ويعزفون النشاز من النغم، ويغرّدون خارج السرب غاية مبلغ علمهم، علمٌ يفرّقون به الأمة، وغلُوٌّ في رأى يرهبون به “عدوّ الله وعدوَّهم” من علماء الأمة، القول في القول قولهم، والموءود من الرأي، رأى من خالفهم، فالنسخ والتخصيص صار إليهم، والإيجاب والاقتضاء معقودٌ بخنصر يديهم، الحجة في الأصول حجّتهم، والمذهب في الفروع مذهبهم، لهم مقاليد الأمر .. يقضون بالابتداع على من شاءوا، ويحكمون بالإتباع لمن أرادوا إن رضوا عنك تبسّمت الدنيا إليك، وإن سخطوا رمت بكلكلها عليك، النجيب لا ينجب، ولكنّهم المنجبون، ولكل جوادٍ كبوة، وجيادهم لا يكبون، وإنّ لكل سيف نبوة، وأسيافهم لا ينبون، أم أنزلنا عليهم سلطاناً، فهو يتكلم بما كانوا به يفتون، .. من أراد الفوز والمجد والظهور فعليه برأيهم، ومن رام الخسف والخسران والثبور، فليتعَدَّ حدودهم، .. أم على أبواب بابويةٍ جديدةٍ يدعون، فمن أطاع فصكوك غفرانٍ، ومن عصى فطردٌ وإبعادٌ وحرمان، أم دانت لهم رقاب المخالف، ..أم انكسرت عند محابرهم أقلام المُناكف، ..أم عجز عن وصفهم الشاعر، أو كلّ في مديحهم الناثر، أم أحاطوا بكل شيء علما، إلا ما يحاك وما يدبّر لهذه الأمة، هم وأبراجهم في واد، وجراح الأمة وآلامها في واد، فهم في شغُلٍ عن أمورها فاكهون، ….
يا قومنا أجيبوا داعيَ العقل، وآمنوا به يبيّن لكم …..
العلم ليس قصراً عن أحدٍ دون أحد، ولا هو محصورٌ في بلدٍ دون بلد، فكما أنّ البلاد لا تعصم ساكنيها – كما يقول سادتنا العلماء – وكذلك الجنسيات لا تقدِّم على غيرهم حامليها ومنتسبيها….
يا قومنا .. قامت الأمة على التعدد في الرأي، وعاشت تاريخها الطويل المجيد على التعدد في الرأي، وستعيش ما بقيت على التعدد في الرأي، فالخلاف حتميُّ في العقول، كما تقرِّرُه ضرورة العقول، لأهل النهى من أصحاب العقول ……
وما فرّق الأمة .. وأجهد الأمة .. وأضعف الأمة ..إلا الغلوُّ في الرأي ……. وما خدَم العدو إلا الغلو في الرأي ….وما بغّض الإسلام ودعاة الإسلام للمسلمين وغير المسلمين، إلا الغلو في الرأي ..
فأيننا من قوله صلى الله عليه وسلم ” يسِّروا ولا تعسِّروا ” وهل يُتصوّر عسرٌ ويسرٌ إلا في رأيين، أو قولين، أو أكثر ..

ولنسمع طائفةً من أنوار التوسعة في الرأي حتى تستبين ظلمةُ الغلو فيه :

أخرج الدارمى أنّ حميداً الطويل قال لعمر بن عبد العزيز : لو جمعت الناس على شيء، فقال : ما يسرني أنهم لم يختلفوا، ثم كتب إلى الآفاق، ليقضِ كل قومٍ بما اجتمع فقهاؤهم …
وفى( الرواة ) عن مالك للخطيب، قال الرشيد، يا أبا عبد الله، نكتب هذه الكتب ونفرِّقها في آفاق الإسلام لنحمل الأمة عليها، قال مالك: يا أمير المؤمنين، إنّ اختلاف العلماء رحمةٌ من الله على هذه الأمة، كلٌّ يتبع ما صحَّ عنده، وكلٌّ على هدى، وكلٌّ يريد الله، ….. انظر… كلٌّ على هدى، وليس على شرك…
وقال ابن قدامة المقدسي، والقسطلاّنى، وابن تيمية، رحمهم الله جميعا : ” إنّ إجماعهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة. ”
فهل بعد هذا النور من نور .. وهلا أبقت جهيزة لخطيب من قول …..
فيا مشايخ الطيلسان…. وعلاّمات العصر والأوان….، قولوا للناس من أبراجكم حسنا … أو أمسكوا…….
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم … أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين.

خطبة الجمعة /23 ربيع الأول 1427 هـ // 21 أبريل 2006 م

للشيخ حمد السنان