الركن الثالث / فى الرضيع

الإمتاع فى أحكام الرضاع

أ. د. محمد حسن هيتو

الركن الثالث

في الرضيع

الركن الثالث من أركان الرضاع هو الرضيع ، وهو محل الرضاع ، وهو معدة الصبي الحي ، أو ما في معنى المعدة ، كالدماغ، ففيه ثلاثة قيود تضبطه، المعدة، والصبي، والحياة، وسنتكلم على كل منها بالتفصيل.

المبحث الأول

في المعدة

يشترط في الرضاع حتى يكون محرماً أن يصل اللبن إلى المعدة ، أو ما في معناها ، فلو رضع الصبي اللبن في فمه ، ولم يبتلعه ، لا يثبت التحريم ، لعدم وجود اللبن في المحل، فلو وصل اللبن إليها ، ثبت التحريم ، سواء أرضع الصبي بنفسه ، أو حلب اللبن وأوجره في حلقه حتى وصلها، وسواء أكان الصبي نائماً أم مستيقظا .

الصبي يتقايأ اللبن

إذا ارتضع الطفل اللبن ، وتجاوز حلقه ، فإما أن يصل معدته وإما أن لا يصلها، فإن وصل معدته وتقيأه بعد ذلك ، فقد حصل التحريم ، لوصول اللبن إلى محل التغذي .

أما إذا تقايأه قبل أن يصل معدته ، وبعد مجاوزة الحلق ، فإنه لا يحرم ، لعدم وصوله إلى مكان التغذي ، بخلافه في الصيام(1)، لأن الاعتبار هناك بدخول الجوف .

قال الشافعي : وإذا رضع الصبيُّ ، ثم قاءَ ، فهو كَرَضاعِهِ واستمساكه(2) .

الحق باللبن ووصوله الدماغ

لوحقن الطفل باللبن ، أو قطر في إحليله ، فوصله مثانته ، أو كان على بطنه جراحة ، فصب اللبن فيها ، حتى وصل الجوف ، لم يثبت التحريم على الأظهر(3).

قال البغوي : ولو صب اللبن في جراحة في بطنه ، فوصل المعدة لخرق الأمعاء ، أو وصل الدماغ بالصب في مأمومة ثبت التحريم بلا خلاف .

وأما تحريم اللبن بوصوله إلى الدماغ ، فلأنه محل التغذي كالمعدة ، إذ الأدهان إذا وصلت إليه انتشرت في العروق وتغذت بها كالأطعمة الواصلة إلى المعدة ، كما قاله شيخ الإسلام .

الصب في الأنف والأذن والعين

قال النووي: ولو صب اللبن في أنفه، فوصل دماغه، ثبت التحريم على المذهب، وأما الصب في العين فلا يؤثر بحال ، لأنها ليست منفذاً ، والمتسرب منها إنما هو بطريق المسام ، وهذا لا يؤثر ، كتسرب الماء من مسام الجسد لباطنه في الصيام، وأما الصب في الأذن ، فالأصح أنه لا يؤثر أيضاً كالعين ، وإنما أفطر الصائم بذلك لتعلق الفطر بالوصول إلى ما يسمى جوفاً ، وإن لم يكن معدة أو دماغاً ، بخلافه هنا(4).

قال الإمام الشافعي رضي الله عنه في ” الأم ” : والوُجُورُ كالرَّضاعِ ، وكذا السَعوطُ ، لأن الرأسَ جَوْفٌ(5) .

مذاهب العلماء في السعوط والوجور والحقن

عرفنا أن مذهبنا التحريم بالسعوط والوجور ، وبه قال الشعبي ، والثوري ، وأصحاب الرأي وهو أصح الروايتين

عن أحمد، واختار مالك التحريم في الوجور فقط .

قال ابن المنذر ، وإنما يحرم الوجور والسعوط عندهم على قدر مذاهبهم فيما يحرم من عدد الرضاع .

وذهب أحمد في رواية أخرى له إلى أنه لا يحرم ، وهو مذهب داود وقول عطاء الخراساني في السعوط .

لأن هذا ليس برضاع ، وإنما حرم الله تعالى ورسوله بالرضاع ، وهذا حصل من غير ارتضاع ، فأشبه ما لو دخل من خرج في بدنه(6).

وأستدل الجمهور بما روى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( لا رضاع إلا ما أنشز العظم وأنبت اللحم )) والسعوط والوجور يؤديان إلى هذا ، ولا عبرة بخصوص الارتضاع من الثدي ، لأنه لو حلب اللبن في إناء وشربه الصغير حرَّمَ .

وأما الحقنة فقد عرفنا من مذهبنا أنها لا تحرم، وهو مذهب أحمد، ومالك، وأبي حنيفة(7).

وروي عن الشافعي في القديم أنها تحرم كالرضاع، كما روي عن مالك نحوه من رواية أشهب .

وقال ابن قاسم: إن وقع الغذاء به ثبت التحريم وإلا فلا(8).

وقد نسب ابن قدامة في المغني القول بالتحريم للشافعي ، وهو خطأ ، وإنما هو مذهب الشافعي القديم ، فلو نص على أن هذا مذهبه القديم لأصاب .

المبحث الثاني

في الصبي وضوابطه

القيد الثاني من قيود الرضيع كونه صبياً لم يبلغ سنتين ، فإذا بلغ سنتين فلا أثر لارتضاعه .

قال ابن حجر في ” العباب ” : ولو حكم قاض بثبوت الرضاع بعد الحولين ، نُقِض حكمه ، بخلاف ما لوحكم بتحريمه بأقل من خمس رضعات .

ويعتبر الحولان بالأهلة ( الأشهر العربية )، فإن انكسر الشهر، اعتبر ثلاثة وعشرون شهراً بعده، ويكمل المنكسر ثلاثين يوماً، من الشهر الخامس والعشرين.

ويحسب ابتداء الحولين من وقت انفصال الولد بتمامه على الأصح ، كما قال الإمام النووي ، قال الرافعي : وهو القياس كما في نظائره قال ابن حجر : وإن طال زمن الانفصال .

الأدلة على أن الرضاع لا يؤثر بعد الحولين :

قال الله تعالى : ] وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ [( البقرة : 223 ) فجعل الله عز وجل تمام الرضاع حولين كاملين .

وروى البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي(9) عن عائشة رضي الله عنها قالت : (( دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم وعندي رجلٌ قاعدٌ ، فاشْتَدَّ ذلك عليه ، ورأيتُ الغضبَ في وجهه ، قالتْ : فقلتُ : يا رسول الله ، إنه أخي من الرضاعة ، فقال : انظُرْنَ إخوانَكُنَّ من الرَّضاعةِ ، فإنما الرضاعةُ من المَجَاعَةِ )) .

قال الإمام البغوي : ومعنى قوله : (( إنّما الرضاعَةُ من المجاعَةِ )) أي : الرضاعةُ التي تَثْبُتُ بها الحُرْمَةُ ، ما يكون في الصغر ، حين يكون الرضيع طفلاً ، يسد اللبن جوعته ، فأما ما كان بعد بلوغ الصبي حداً لا يسد اللبن جوعته ، ولا يشبعه إلا الحب ُ وما في معنى الثفل ، فلا تثبت به الحرمة(10)

وروى الترمذي عن أم سلمة رضي الله عنها ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( لا يحْرُمُ من الرضاعِ إلا ما فَتَق الأمْعَاءَ في الثَّدْي ، وكانَ قبلَ الفِطامِ))(11).

وروى الدار قطني والبيهقي عن عبد الله بن عباس : (( لا رضاع إلا ما كانَ في حَوْلين ))(12) .

وروى مالك في “الموطأ “عن عبد الله بن دينار قال : جاء رجل إلى عبد الله بن عمر – رضي الله عنه – وأنا معه عند دار القضاء ، يسأله عن رضاع الكبير ، فقال أبن عمر : جاءَ رجلٌ إلى عمرَ بن الخطاب فقال : إني كانتْ لي وَلِيْدَةٌ أطُؤها ، فَعَمَدَتِ امرأتي إليها ، فأَرْضعتها ،فَدَخلْتُ عليها ، فقالتْ لي: دونَكَ / قد أَرْضَعْتُها، فقال عمر: أوْجعها ، وائتِ جاريَتَكَ ، فإنما الرضاعةُ في الصِّغَرِ(13).

وروى مالك في الموطأ عن يحي بن سعيد ، أن رجلاً سأل أبا موسى الأشعري فقال : إني مصِصْتُ عن امرأتي من ثديها لبناً ، فذهبَ في بطني ، فقال أبو موسى : لا أراها إلا وقد حَرُمَتْ عليك ، فقال عبد الله بن مسعود : أنظر ما تُفْتي به الرجُلَ فقال أبو موسى : فما تقولُ أنت ؟ فقال عبد الله بن مسعود : ” لا رضاعَ إلا ما كان في الحولين ” فقال أبو موسى : لا تسألوني عن شيءٍ ما كان هذا الحَبْرُ بين أظهركم(14).

وروى أحمد ، وأبو داود ، والبيهقي ، عن ابن مسعود : ” لا رضاعَ إلا ما أنْشَرَ العظمَ وأنبتَ اللحم “(15).

وروى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : (( يَحْرُمُ من الرضاعِ ما أنبتَ اللحم والدَّمَ ))(16)

وروى مالك في الموطأ عن أبن عمر – رضي الله عنهما – أنه كان يقول : ” لا رضاعَةَ إلا لِمَنْ رضعَ في الصِّغَرِ ، ولا رضاعَةَ لكبير “(17)

فمجموع هذه الأحاديث والآثار ، يدل دلالة صحيحةً صريحة على أنه لا رضاع إلا ما كان في الصغر ، في الحولين ، فمن رضع بعد تمام الحولين ، فلا رضاع له .

وأما ما رواه البخاري ، ومسلم ، ومالك ، وأبو داود ، والنسائي ، وغيرهم أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة – وكان ممن شهد بدراً مع النبي صلى الله عليه وسلم – كان قد تبنى سالماً ، كما تبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدَ بنَ حارثةَ ، وأنْكَحَهُ بنتَ أخيه الوليد بن عتبة بن ربيعة ، وكان مَنْ تبنى رجلاً في الجاهلية دعاهُ الناس إليه ، وَوَرِثَهُ من ميراثه ، حتى أنزل الله :] ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ [( الأحزاب 5 ) فردوا إلى آبائهم، فمن لم يعلم له أب، كان مولى وأخاً في الدين .

فجاءت سهلةُ بنتُ سهيلِ بن عمرو القرشي، وهي امرأةُ أبي حُذَيْفَةَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالتْ : يا رسولَ اللهِ ، إنا كنا نَرَى سالماً ولداً وكان يأوي معي ومع أبي حُذَيفةَ في بيتٍ واحدٍ، ويراني فَضْلاَ، وقد أنزلَ الله عز وجل ما قد عَلمْتَ، فكيف تَرَى يا رسولَ الله ؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” أرْضِعيه ” فَأَرْضَعَتْهُ خَمْسَ رضعاتٍ، فكان بمنزلهِ ولدِها من الرضاعة(18) .

فهذا رخصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، خاصَّةٌ بسالمٍ وحده، كما قاله الشافعي، وكما ذهب إليه نساءُ رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى عائشة رضي الله عنها، وكنّ يَقُلْنَ : (( واللهِ لا يَدْخُلُ علينا بهذهِ الرَّضاعَةِ أحدٌ، وما نرى الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم سَهْلَةَ بنتَ سُهيل إلا رُخْصَةً في سالم وَحْده )) .

قال ابن المنذر : وليس تخلو قصة سالم أن تكون منسوخاً أو خاصاً لسالم ، كما قالت أم سلمة وسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، وهن بالخاص والعام والناسخ والمنسوخ أعلم (19).

قال الإمام الشافعي بعد أن ساق حديث أبي حذيفة السابق : فعلى هذا من الخبر كانَ أزواجُ النبي صلى الله عليه وسلم في رضاعة الكبير .

قال الشافعي : وهذا والله تعالى أعلم في سالم مولى أبي حذيفة خاصَّةً .

قال الشافعي: فإن قال قائل: ما دلَّ على ما وَصَفْتَ ؟

قال الشافعي : فذكرتُ حديث سالمٍ الذي يقال لهُ : مولى أبي حذيفة ، عن أم سلمة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمَرَ امرأة أبي حذيفة أن ترضعه خمسَ رضعاتٍ يَحْرُمُ بهن ، وقالتْ أمُّ سلمة في الحديث : (( وكانَ ذلك في سالمٍ خاصَّةً )) .

وإذا كانَ هذا لسالمٍ خاصة فالخاصُّ لا يكونُ إلا مُخْرَجًا من حُكْمِ العامِّ وإذا كان مُخْرَجًا من حكم العام ، فالخاصُّ غير العام، ولا يجوزُ في العامِّ إلا أن يكون رضاع الكبير لا يُحَرِّمُ ، ولا بد إذا اخْتَلَفَ الرضاعُ في الصغيرِ والكبيرِ من طلبِ الدلالةِ على الوَقْت ِالذي إذا صار إليه المرضعُ فأُرْضِعَ ، لم يحرم .

قال: والدلالة على الفرق بين الصغير والكبير موجودةٌ في كتاب الله عز وجل، قال الله تعالى:] وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ [( البقرة :233)

وقال:] فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا [(البقرة: 233) يعني والله أعلم : قبل الحولين .

فدل على أن إرخاصه عزوجل في فصال الحولين على أن ذلك إنما يكون باجتماعهما على فصالِهِ قبل الحولين ، وذلك لا يكونُ- والله تعالى أعلم – إلا بالنظر للمولودِ من والديه ، أن يكونا يريانِ أنَّ فصالَهُ قبلَ الحولين خيرٌ له من إتمامِ الرضاع له ، لِعِلةٍ تكونُ به ، أو بِمُرْضِعَتِه ، وأنه لا يُقْبَلُ رضاعُ غيرها ، أو ما أشبه هذا .

وما جعل الله تعالى له غايةً، فالحكم بعد مضيِّ الغايَةِ غيرُهُ قبل مضيها .

فإن قال قائل: وما ذلك ؟

قيل: قال الله تعالى: ] وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرض فليسَ عليكُمْ جُناحٌ أن تَقْصروا من الصَّلاة [الآية .

فكان لهن أن يَقْصُروا مُسافرين، وكان في شرطِ القصر لهم بحالٍ مَوْصُوفَةٍ دليلٌ على أن حُكْمَهُمْ في غيرِ تلكَ الصِّفَةِ غيرُ القصر.

وقال تعالى ] والمطلقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بأنفسهن ثلاثَةَ قروءٍ [ ( البقرة : 228 ) ، فكنَّ إذا مضت الثلاثة الأقْراءُ ، فَحُكْمهنَّ بعدَ مُضِيِّها غيرُ حكمهن فيها . . .

قال الشافعي : وإني قد حَفِظْتُ مِنْ عِدَّةٍ مِمَّنْ لقيتُ من أهلِ العلم أن رضاعَ سالِم خاصٌّ .

فإن قال قائل : فهل في هذا خبرٌ عن أحدٍ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بما قلتَ في رضاع الكبير ؟

قيل : نعم .

أخبرنا مالك، عن أنس، عن عبد الله بن دينار قال: جاء رجل إلى ابن عمر وأنا معه عند دارِ القضاء يسألُهُ عن رضاع الكبير ، فقال ابن عمر : جاءَ رجلٌ إلى عُمَرَ بن الخطاب فقال: كانت لي وليدةٌ، فكنت أطُؤُها، فَعَمَدَتِ امرأتي إليها، فَأرْضَعَتْها ، فدخلتُ عليها ، فقالتْ : دونَكَ، فَقَدْ واللهِ أرْضَعْتُها، فقال عمر بن الخطاب : أَوْجعها ، وائتِ جاريتك فإنما الرضاع رضاع الصغير .

أخبرنا مالك عن نافع ، عن ابن عمر أنه كان يقول لا رضاعَ إلا لمن أرضع في الصِّغَرِ .

أخبرنا مالك عن يحي بن سعيد، أن أبا موسى قال: رضاعةُ الكبير ما أراها إلا تُحَرِّمُ، فقال ابن مسعود: انظر ما تُفْتي به الرجلَ، فقال أبو موسى: فما تقولُ أنتَ ؟ فقال: لا رضاعةَ إلا ما كان في الحولينِ، فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شيءٍ ما كانَ هذا الحَبْرُ بين أظهركم.

قال الشافعي : فَجِماعُ فرقِ ما بين الصغيرِ والكبيرِ أن يكونَ الرضاع في الحولين ، فإذا أُرْضِعَ المولودُ في الحولين خمس رضعات – كما وصفتُ – فَقَدْ كَمُلَ رَضاعُهُ الذي يُحَرِّمُ(20) .

مذهب العلماء في زمن الرضاع :

عرفنا من مذهبنا أن الرضاع المحرم هو ما كان في الحولين، وأما ما كان بعد الحولين من رضاع الكبير فلا يحرم، وهذا قول جماهير العلماء من الصحابة، والتابعين، والأئمة المجتهدين، فقد روي عن عمر، وعلي، وابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة ، وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم سوى عائشة، وإليه ذهب الشعبي ، وابن شبرمة، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، وإسحق ، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وأبو ثور ، ورواه يحي بن سعيد عن مالك ، واختاره ابن المنذر ، وأبو عبيد ومن تبعه، وأدلة هذا القول ما ذكرنا قبل قليل.

وحكي ابن القاسم عن مالك أنه قال : الرضاع في الحولين ، والأيام بعد الحولين .

وحكي عنه الوليد بن مسلم أنه قال : ما كان بعد الحولين من رضاع شهراً أو شهرين، أو ثلاثة، فهو من الحولين ، وما كان بعد ذلك فهو عبث .

وقال أبو حنيفة يحرم الرضاع في ثلاثين شهراً ، لقوله تعالى : ] وَحَمْلُهُ وفصالُهُ ثلاثونَ شهراً [ ولم يرد بالحملِ حَمْلَ الأحشاءِ ، لأنه يكون سنتين ، فعلم أنه أراد الحمل في الفصال ، ولكن هذا عند الأكثرين لأقل مدة الحمل وأكثر مدة الرضاع .

وقال زفر : مدة الرضاع ثلاث سنين .

وذهبت السيدة عائشة رضي الله عنها إلى أن رضاعة الكبير تحرم، ويروى هذا عن عطاء ، والليث ، وداود(21) .

وقد استدلوا بحديث سهلة بنت سهيل في قصة سالم التي سقناها ، فكانت السيدة عائشة رضي الله عنها تأمر بنات أخواتها وبنات إخوتها أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها ويدخل عليها ، وإن كان كبيراً خمس رضعات .

إلا أن أم سلمه أبت ذلك، كما أباه سائر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذهبن إلى أن هذا خاص بسالم وحده، لا يجوز قياس غيره عليه، وقد بينا ذلك بالتفصيل.

هذا وذهب المالكية إلى أن الطفل إن استغنى بالطعام عن اللبن في الحولين استغناء بيناً ، بحيث لا يغنيه اللبن عن الطعام لو عاد إليه ، فإن الرضاعة لا تؤثر فيه بعد ذلك .

فهم مع الجمهور في أن مدة الرضاع هي الحولان – على التفصيل في زيادة الفترة اليسيرة بعدهما – إلا إن استغنى الصبي عن اللبن بالطعام في حالة الفطام، فغاية الرضاع عندهم الفطام أو السنتان أيهما كان أولاً قطع التحريم بالرضاع(22).

الرضاع بعد الحولين

وبناء على ماذكرناه من كون زمن الرضاع في الحولين ، يجب أن تكون جميع الرضعات في الحولين .

فلو ارتضع بعضها في الحولين ، وبعضها بعد الحولين ، فلا تحريم .

ولو ارتضع في الحولين أربع رضعات ، وتم الحولان في خلال الخامسة ، فالأصح ثبوت التحريم ، لأن ما يصل إلى الجوف في كل رضعة غير مقدر، وكذا لو كان يرتضع الخامسة ، فمات أو ماتت المرضعة قبل أن يتمها ، كما ذكره ابن كج .

قال الإمام الشافعي في “الأم “: ولو ارتَضَعَ في الحولين أربعَ رضعات ، وبعدَ الحولين الخامسةَ وأكثَرَ ، لم يُحَرِّمْ ، ولا يُحَرِّمُ من الرضاعِ إلا ما تَمَّ خمسَ رضعات في الحولين .

وقال : وإذا لم تَتِمَّ له الخامسةُ إلا بعدَ استكمالِ سنتينِ لم يحرم ، وإن تمت له الخامسةُ حين يرضع الخامسة ، فيصل اللبنُ إلى جوفِه ، أو ما وصفتُ أنه يقومَ مقامَ الرضاع مع مُضِيِّ سنتين قبل كمالها فقد حَرّمَ ، وإن كان ذلك قبلَ كمالها بَطَرْفَةِ عَينْ ، أو مع كمالها إذا لم يتقدم كمالُها(23) .

المبحث الثالث

في الحياة في الرضيع

القيد الثالث من قيود الرضيع، الحياة ، اتفاقا بين الأئمة، والمراد بها الحياة المستقرة(24) .

فلا أثر لوصول اللبن إلى معدة الميت ، لخروجه عن محل التغذي ، ونباتِ اللحم، وكالميت من وصل إلى حركة المذبوح، فإن حكمة حكم الميت(25) .

وفي الصحيحين ” إنما الرضاعة من المجاعة “(26) وفيه إشارة إلى اشتراط الحياة لأن المجاعة لا تكون إلا مع الحياة.

الفصل الثاني في شرط الرضاع

وهو أن يكون خمس رضعات

ما ذكرناه من التحريم بالرضاع لا يثبت بمطلق الرضاع ، بل لا بد له من شرط ، وهو العدد عندنا ، فلا تثبت الحرمة إلا بخمس رضعات على الصحيح المنصوص .

قال النووي رحمه الله : إلا أنه لو حكم حاكم بالتحريم برضعة واحدة ، لم ينقض حكمه على الصحيح ، خلافاً للإصطخري من أصحابنا .

روى مسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، ومالك ، عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت : (( كانَ فيما أُنْزِلَ من القرآنِ عَشْرُ رَضَعاتٍ معلوماتٍ تُحَرِّمْنَ ، ثم نُسِخْنَ بخمسٍ معلوماتٍ ، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهُنَّ فيما يُقْرأُ من القرآنِ ))(27).

ومعنى هذا : أن النسخ بخمس رضعات تأخر إنزاله، حتى أنه صلى الله عليه وسلم توفي وبعض الناس يقرأ خمس رضعات، ويجعلها قرآناً متلواً ، لكونه لم يبلغه النسخ، لقرب عهده ، فلما بلغه النسخ رجع عن هذه التلاوة، وأجمعوا على أن هذا لا يتلى، وهو مما ثبت حكمه ونسخ رسمه وتلاوته .

وقد استدل أصحابنا بمفهوم هذا الحديث على عدم تحريم الرضعة والرضعتين والثلاث، مما نقص عن الخمس .

فإن قيل : هذا المفهوم معارض بمفهوم ما رواه مسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( لا تُحَرِّمُ المَصَّةُ والمَصَّتَانِ ))(28) وفي رواية لمسلم : (( لا تُحَرِّمُ الإمْلاجَةُ ولا الإملاجََتانِ ))(29) وفي رواية أخرى له (( لا تحرمُ الرَّضْعَةُ ولا الرَّضْعتانِ ، ولا المَصَّةُ ولا المَصَّتانِ ))(30) فمفهوم هذا أن ما زاد عن الرضعتين ، من الثلاث فما فوق يحرم، وهذا معارض لمفهوم الحديث الأول أن ما دون الخمس يحرم، فلا يُقضى بأحدهما على الأخر.

قلنا : إنما قدم مفهوم الحديث الأول على مفهوم الحديث الثاني لاعتضاد مفهوم الأول بالأصل، وهو عدم التحريم .

ولأن كل سبب يؤيد التحريم إذا عري عن جنس الاستباحة افتقر إلى العدد ، كاللعان ، وإن لم يعر عن جنس الاستباحة لم يفتقر إلى العدد كالنكاح .

قال ابن حجر في الاحتجاج بمفهوم الحديث : لا يقال: هذا احتجاج بمفهوم العدد ، وهو غير حجة عند الأكثرين ، لأنا نقول : محل الخلاف فيه حيث لا قرينة على اعتباره، وهنا توجد قرينة عليه، وهو ذكر نسخ العشر بالخمس ، وإلا لم يبق لذكرها فائدة . آه .

قلت ولو قال ابن حجر في مفهوم العدد : وهو مختلف في حجيته ، لكان خيراً من قوله : وهو غير حجة عند الأكثرين .

لأن القائلين بحجية المفهوم أكثرهم على مفهوم حجية العدد، كما هو معروف في كتب الأصول، إلا إذا كان مراده إقحام المنكرين للاحتجاج بالمفهوم مطلقاً ، كالحنفية مثلاً ، وعند ذلك يستقيم كلامه والله أعلم .

فإن قيل : مذهب الشافعي الأخذ بأقل ما قيل ، كما هو معروف في أصوله وفروعه ، فكان من المفروض به أن يأخذ بحديث الرضعة والرضعتين لأنه أقل ما قيل في المسألة بناء على مذهبه (31).

قلنا: إنما لم يأخذ الشافعي بهذه القاعدة، لأن شرط ذلك أن لا يجد دليلاً سواه يدل على المسألة، والسنة ناصة هنا على الخمس، لأن السيدة عائشة رضي الله عنها لما أخبرت أن التحريم بالعشر منسوخ بالخمس ، دل على ثبوت التحريم بالخمس ، لا بما دونها ، ولو وقع التحريم بأقل منها لبطل أن تكون الخمس ناسخة ، ولصارت منسوخة كالعشر .

فإن قيل : حديث السيدة عائشة في التحريم بخمس ، لا يمكن إثبات قرآنيته ، لأنه خبر واحد ، والقرآن لا يثبت إلا بالمتواتر ، وبناء على رفض قرآنيته ، لا يثبت الاحتجاج به .

قلنا : حديث عائشة هذا وإن لم نثبت قرآنيته لأنه خبر واحد ، إلا أننا نثبت حكمه ، والعمل به ، فالقراءة الشاذة ، الثابتة بخبر الواحد ، منزلةٌ منزلةَ خبرِ الواحد في العمل بمضمونها وإثبات حكمها(32) .

قال الإمام الشافعي رضي الله عنه في ” الأم ” : والرضاعُ اسمٌ جامعٌ يقع على المَصَّة ، وأكثر منها ، إلى كمالِ رضاعِ الحولين ، ويقعُ على كلِّ رَضاعٍ وإن كانَ بعد الحولين .

قال : فلما كان هكذا وَجَبَ على أَهْلِ العلم طلبُ الدلالَةِ ، هَلْ يحرمُ الرضاعُ بأقل ما يقع عليه اسمُ الرضاعِ ، أو مَعْنىً من الرَّضاع دونَ غيرِهِ ؟

قال الشافعي: أخبرنا مالك عن عبد الله بن أبي بكرِ بنِ محمدِ بنِ عَمْرو بنِ حزم، عن عَمْرةَ عن عائشةَ أمِّ المؤمنين أنها قالَتْ: كانَ فيما أَنْزَلَ اللهُ تعالى في القرآن (( عَشْرُ رَضَعاتٍ معلوماتٍ يُحَرِّمْنَ ثم نُسِخْنَ بخمسٍ معلوماتٍ )) فتُوُفي النبي صلى الله عليه وسلم وهُنَّ مما يُقْرأ مِنَ القُرْآنِ )) .

أخبرنا سفيانُ ، عن يحي بن سعيد ، عن عَمْرَةَ عن عائشة أنها كانَتْ تقول : نَزَلَ القرآنُ بِعَشْرِ رضعاتٍ معلوماتٍ يُحَرَِمْنَ ، ثم صُيِّرْنَ إلى خَمْسٍ يُحَرِّمْنَ ، فكانَ لا يَدْخُلُ على عائِشَةَ إلا مَنِ استكْمَلَ خَمْسَ رضعاتٍ

أخبرنا سفيان عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن الحجّاجِ بن الحَجّاجِ ، أظنه عن أبي هريرة قال : (( لا يُحَرِّمُ من الرَّضاعِ إلا ما فَتَقَ الأمْعاءَ )) .

أخبرنا سفيان ، عن هشام بن عُرْوة ، عن أبيه ، عن عبدِ الله بن الزُّبير ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( لا تُحَرِّمُ المَصَّةُ والمَصَّتانِ ، ولا الرَّضْعة ولا الرضعتان )) .

أخبرنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، (( أن النبي صلى الله عليه وسلم أَمَرَ امرأةَ أبي حُذَيْفَةَ أن تُرْضِعَ سالماً خمسَ رضعاتٍ تحرم بلبنها ، ففعلت ، فكانت تراه ابناً )) .

أخبرنا مالك ، عن نافع ، أن سالم بن عبد الله أخبره ، أن عائشة أرسلت به وهو يرضع إلى أختها أم كلثوم ، فأرضعته ثلاثَ رضعاتٍ ، ثم مَرِضَتْ ، فلم تُرْضِعْهُ غيرَ ثلاث رضعاتٍ ، فلم أكُنْ أدخلُ على عائِشَةَ من أجلِ أني لم يَتِمَّ لي عَشْرُ رضعاتٍ .

ولعل سالماً أن يكون ذهب عليه قول عائشة في العشر الرضعات :

(( فنسخن بخمس معلومات )) فحدث عنها بما علم بعد أن أرضع ثلاثاً، فلم يكن يدخل عليها، وعلم أنما أمرت أن يرضع عشراً، فرأى أنه إنما يحُلُ الدخولَ عليها عشرٌ، وإنما أخذنا بخمس رضعات عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بحكاية عائشة (( أنهنَّ يُحَرِّمنَ وأنَّهنَّ من القُُرآنِ )) .

قال الشافعي : فإن قال قائل : فلم لم تُحْرِّمْ برضعةٍ واحدة ، وقد قال بعض من مضى : إنها تُحَرِّمُ ؟

قيل : بما حكينا أن عائشة تحكي أن الكتاب يُحَرِّمُ عشرُ رضعات ، ثم نُسِخْنَ بخمسٍ .

وبما حكينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( لا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ ولا الرضعتان )) .

وأمر رسول الله صلى الله عليه ويسلم أن يَرْضَعَ سالمٌ خمسَ رضعات يحرم بهن، فدلَّ ما حكتْ عائشةُ في الكتاب ،وما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم – أن الرضاعَ لا يحرم به على أقل اسم الرضاع ، ولم يكن في أحد مع النبي صلى الله عليه وسلم حجة .

وقد قال بعضُ من مضى بما حكتْ عائشةُ في الكتابِ، ثم في السنة، والكفايةُ فيما حكت عائشة في الكتابِ، ثم في السنة.

فإن قال قائل: فما يُشْبهُ هذا ؟

قيل: قول الله عز وجل: ] والسارِقُ والسارِقَةُ فاقطعوا أيديَهُما [ ، فسن النبي صلى الله عليه وسلم القَطْعَ في رُبُعِ دينارٍ، وفي السَّرِقَةِ من الحِرْزِ.

وقال تعالى: ] الزانيةُ والزاني فاجلِدوا كلَّ واحدٍ منهما مائةَ جلدة [ ، فرجم النبي صلى الله عليه وسلم الزانيينِ الثَّيِّبَينْ ، ولم يَجْلِدْهُما .

فاستَدْللنا بسنةِ رسول الله صلى الله عليه وسلمَ على أن المرادَ بالقطعِ من السارقين، والمائة من الزُّنَاةِ، بعضَ الزُّناةِ دونَ بعض، وبعض السارِقينَ دون بعضٍ، لا مَنْ لَزِمَهُ اسم سرقة وزِنا.

فهكذا استدللنا بسنةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن المراد بتحريمِ الرضاعِ بعضُ المرضعين دونَ بعضٍ ، لا مَنْ لَزِمَهُ اسم رَضاعٍ(33). اه .

ضابط الرضعة

والرجوع في ضبط الرضعة والرضعتين إلى العرف ، وما تنزل عليه الأيمان في ذلك ، لأنه لا ضابط له في اللغة ، ولا في الشرع ، ومالا ضابط له في اللغة ولا في الشرع يرجع به إلى العرف ، كالحرز في السرقة(34) .

قال الأذرعي : وفي الصدر حكمة من قولهم : لو طارت قطرة إلى فيه، واختلطت بريقه ، وعبرته، عد رضعة، ومثله إسعاط قطرة ، وقد ضبطوا ذلك بالعرف ، والظاهر أن أهل العرف لا يعدون هذا رضعة ، وكيف هذا مع ورود الخبر : (( أن الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم )) ؟!

قال ابن حجر : ويجاب بأن المراد بما في الخبر أن من شأنه ذلك ، بأنه لا بعد أن يسمى العرف ذلك رضعة باعتبار الأقل .

قال الشربيني : وهذا نظير قولهم في بدو الصلاح ، يكتفي فيه بثمرة واحدة ، وفي اشتداد الحب بسنبلة واحدة ، حيث لم يكن لها ضابط بقلة ولا بكثرة ، اعتبرنا أقل ما يقع عليه الاسم .

مذاهب العلماء في عدد الرضاع المحرم

عرفنا أن مذهبنا هو التحريم بخمس رضعات ، ولا تحريم بأقل منها ، وهو مذهب أحمد في إحدى الروايات عنه ، وهو الصحيح عند الحنابلة(35).

وبهذا كانت تفتي عائشة رضي الله عنها ، وبعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قول عبد لله بن الزبير، وإسحق ، وابن مسعود ، وعطاء ، وطاووس، وذهب آخرون إلى قليل الرضاع وكثيره سواء في التحريم، ويروى هذا القول عن علي ، وابن عباس ، وابن عمر ، وبه قال سعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، والزهري ، والحسن ، وسفيان الثوري ، وعبد الله بن المبارك ، ومكحول ، وقتادة ، والحكم ، وحماد ، والليث ، ومالك ، والأوزاعي ، ووكيع ، وأبو حنيفة(36) في أصحاب الرأي ، وهو رواية عن أحمد .

واحتجوا بقول الله تعالى : ] وأمهاتُكُمُ اللاتي أَرْضَعْنَكُمْ وأخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ [ .

وبقوله عليه الصلاة والسلام : (( يَحْرُمُ من الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ من النَّسَبِ )) .

ولا حجة في ذلك، لأن السنة بينت أن الرضاعة التي تحرم هي ما كانت مبنية على العدد، فلا تحرم المصة ولا المصتان، كما مر معنا في الحديث الصحيح الصريح.

واحتجوا بما روى عن عُقْبة بن الحارث أنه تزوج أُمَّ يحي بنتَ أبي إهاب فجاءت أمةٌ سوداءُ ، فقالتْ : قد أرضعتُكُما فَذَكَرَتْ ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : (( كيفَ وقد زَعَمَتْ أنْ قَدْ أرْضَعَتْكما )) .

ولا دلالة فيه أيضاً لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمره بالمفارقة أمر إيجاب، وإنما هي إشارة من طريق الورع أخذاً بالاحتياط.

وثانياً، لأنه لا يوجد فيه بيان لعدد الرضاع ، وهو إنما يستشهد به في شهادة المرأة على الرضاع ، لا على عدد الرضاع والله أعلم .

وفي سياقنا لأدلة المذهب ذكرنا وجه الرد لغير هذا من أدلتهم .

وذهبت طائفةٌ من أهل العلم إلى أنه لا يثبت التحريم إلا بثلاث رضعات ، وبه قال أبو ثور ، وأبو عبيد ، وداود ، وهو رواية عن أحمد ، وأختاره أبو بكر بن المنذر ، وعزاه في الإشراف لابن مسعود ، وسليمان بن يسار ، وعائشة ، وسعيدِ بن جبير ، وإسحق ، وابن الزبير .

واستدلوا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا تُحَرِّمُ المَصَّةُ ولا المَصَّتان )) وقد عرفت وجه الرد عليه أثناء استدلالنا للمذهب.

وذكر ابن المنذر قولاً رابعاً ، وهو أنه لا يحرم إلا إذا كان سبع رضعات ، قال : ويحكى ذلك عن عائشة .

وقولاً خامساً ، قال وهو رواية أخرى رويناها عن عائشة ، أنه لا بد من عشر رضعات ، ليقع التحريم ، وذلك أنها أمرت أم كلثوم أختها أن ترضع سالم بن عبد الله عشر رضعات ليدخل عليها .

قال البغوي في (( شرح السنة )) : وهو قول شاذ(37) .

كيفية التعدد في الرضاع

ويحصل التعدد في الرضاع المؤدي إلى التحريم بتخلل الفصل الطويل، فإذا ارتضع الطفل ، ثم قطع الرضاع إعراضاً عن الرضاع ، واشتغل بشيء آخر ، ثم عاد ، وارتضع ثانية ، فهما رضعتان، ولو قطعت المرضعة ، ثم عادت إلى الإرضاع ، فهما رضعتان على الأصح ، كما لو قطع الصبي، هكذا أطلقه النووي، وقيده ابن المقري في ” الروض “، بالطول، بأن قطعت الإرضاع لفترة طويلة، وعلى هذا يحمل كلام النووي، وإن لم يصرح به.

ولا يحصل التعدد بأن يلفظ الثدي ، ثم يعود إلى التقامه في الحال، ولا بأن يتحول من ثدي إلى ثدي ، لنفاد ما في الأول أو لغيره ، شريطة أن يكون الإرضاع من امرأة واحدة ، وإلا فرضعتان ، كما سيأتي، ولا بأن يلهو عن الامتصاص والثدي في فمه، ولا بأن يقطع للتنفس، ولا بأن يتخلله النومة الخفيفة، ولا بأن تقوم وتشتغل بشغل خفيف ، ثم تعود إلى الإرضاع، فكل ذلك رضعة واحدة للعرف .

قال النووي : قلت : قال إبراهيم المروزي : إن نام الصبي في حجرها ، وهو يرضع نومة خفيفة ، ثم انتبه ورضع ثانياً ، فالجميع رضعة ، وإن نام طويلاً ، ثم انتبه وامتص ، فإن كان الثدي في فمه فهي رضعة ، وإلا فرضعتان ، قال الأصحاب: يعتبر ما نحن فيه بمرات الأكل.

فإذا حلف لا يأكل في اليوم إلا مرة واحدة ، فأكل لقمة، ثم أعرض واشتغل بشغل طويل، ثم عاد وأكل، حنث ،ولو أطال أكل على المائدة، وكان ينتقل من لون إلى لون، ويتحدث خلال الأكل، ويقوم ويأتي بالخبز عند نفاده، لم يحنث، لأن ذلك كله يعد في العرف أكلة واحدة(38) .

قال الإمام الشافعي في ” الأم ” : ولا يُحَرِّمُ من الرضاعَ إلا خمسُ رضعات متفرقات .

وذلك أن يرضع المولود ، ثم يقطعَ الرضاعَ ، ثم يرْضَعَ ، ثم يقطع الرضاع .

فإذا رضِعَ في واحدة منهن ما يُعْلمُ أنه قد وصل إلى جَوْفه ، ما قَلَّ منه وكَثُر ، فهي رَضْعةٌ .

وإذا قطع الرضاع ، ثم عاد لمثلها أو أكثر فهي رضعة .

قال الشافعي : وإن الَتَقَمَ الرضيعَ الثديَ ، ثم لَهَا بشيءٍ قليلاً ، ثم عادَ ، كانت رضعةً واحدةً .

ولا يكون القطع إلا ما انفصل انفصالاً بَيِّناً، كما يكونُ الحالفُ لا يأكل بالنهار إلا مرةً، فيكونُ يأكلُ ويتنفسُ بعد الازدراد إلى أن يأكل، فيكون ذلك مرةً وإن طال.

قال الشافعي: ولو قطعَ ذلك قطعاً بَيِّناً بعدَ قليل أو كثيرٍ من الطعام، ثم أكل، كان حانثاً، وكان هذا أكلتين.

قال الشافعي : ولو أخَذَ ثَدْيها الواحِدَ ، فأنفد ما فيه ، ثم تحول إلى الأخر مكانه ، فَأَنْفَدَ مافيه ، كانَتْ هذه رضعةً واحدة .

لأن الرضاعَ قد يكونُ بقية النفسِ والإرسال والعودة ، كما يكون الطعام والشراب بقية النفس ، وهو طعام واحد .

ولا يُنْظَرُ في هذا إلى قَليلِ رَضاعٍ ولا كثيرِهِ ، وإذا وصل إلى جوفَهُ مِنْهُ شيءٌ فهو رَضْعةٌ، وما لم يكن خمساً ، لم يحرم بهن .ا هـ .

تنوع الرضاع

عرفنا في الفقرات السابقة أنه لا بد من الرضعات الخمس ليثبت التحريم ، فلا تحريم بدونها ، ولا يشترط في هذه الرضعات أن تكون على صفة واحدة ، بل لو ارتضع في بعضها ، وأوجر في بعضها ، وأسعط في بعضها الآخر ، حتى تم العدد على هذه الصفات المختلفة ثبت التحريم .

قال الإمام الشافعي : وسواءٌ فيما يُحَرِّمُ الرَّضاعُ ، والوُجورُ، قال: وكذا لو استَعَطَه، لأن الرأسَ جَوْفٌ.

قال : ولو أن صَبِيًا أطْعم لبنَ امرأةٍ في طعام مرةً ، وأُوجِرُه أخرى ، وأُسْعِطَهُ أخرى ، وأُرضع أخرى ، ثم أوجره وأُطْعِمَ حتى يتم له خمسُ مراتٍ ، كان هذا الرضاعُ الذي يُحَرِّمُ، كل واحدٍ من هذا يقومُ مقامَ صاحِبِهِ .

وسواءٌ لو كان من صنفِ هذا خمسُ مِرارٍ ، أو كانَ هذا من أصنافٍ شتّى(39).

حلب مرة وشرب خمسا أو عكس

ما ذكرناه من الصور السابقة أنما هو في الرضعات المنفصلة ، ولكنه لو حلب لبن امرأة في إناء دفعة ، وأوجره الصبي في خمس دفعات ، فهل يحسب واحدة أم خمساً ؟ قولان ، أظهرهما : أنها رضعة واحدة

ولو حلب خمس دفعات ، وأوجره دفعة ، فالمذهب ، أنه دفعة ، نظراً إلى انفصاله في الأولى ، وإيجاره في الثانية(40).

ولو حلب خمس دفعات ، وأوجر في خمس دفعات ، من غير خلط ، فهو خمس رضعات .

وإن حلب خمس دفعات ، وخلط ، ثم فرق ، وأوجر في خمس دفعات فالمذهب أنه خمس رضعات ، وبه قطع الجمهور .

ولو حلب خمس نسوة في إناء ، وأوجره الصبي دفعة واحدة ، حسب من كل واحدة رضعة على الأصح(41).

قال الشافعي : ولو كانَتْ لم تَكْمُلْ خَمْسُ رَضعَاتٍ ، فَحُلِبَ لها لَبَنٌ كثيرٌ ، فَقُطِعَ ذلك اللبنُ ، فأوجِرَهُ صبيٌّ مرتين أو ثلاثاً ، حتى يتمَّ خمسُ رضعات ، لم يُحَرِّمْ ، لأنه لبنٌ واحدٌ ، ولا يكون إلا رضعةً واحدةً ، وليس كاللبنِ يَحْدُثُ في الثديِ ، كلما خَرجَ منه شيء حَدَثَ غَيْرُهُ ، فيفرق فيه الرضاعُ حتى يكون خمساً(42) .

زوجتان خلطتا حلبة منهما

لو كان لرجل زوجتان ، فحلبت كل واحدة من لبنها دفعة، ثم خلطا ، وشربه طفل دفعة، ثبت لكل واحدة منهما رضعة ، ولو شربه مرتين ، فهل يحسب لكل واحدة رضعتان ، اعتباراً بوصول اللبن ، أم رضعة واحدة اعتباراً بالحلب ؟

وجهان وهو كما سبق فيما لو حلب نسوة، وخلط، وشربه الطفل، دفعة أو دفعات(43) .

قلت: الصحيح أنها مرة، اعتباراً بالحلب كما مر والله أعلم.

وهذا بالنسبة للزوجات والأمومة ، وأما بالنسبة للزوج والأبوة ، فالأصح أنه ثبت للرضيع رضعتان ، ونظراً لجمع رضعات الزوجات – والحلب .

الشك في الرضاع

لو شك الرجل في عدد الرضاع ، هل أرضعته خمس رضعات ، أم أقل ، أو هل وصل اللبن إلى جوفه أم لا ؟ فلا تحريم ، لا يخفى الورع .

ولو شك هل أرضعته الخمس في الحولين ، أم بعدهما ، أو شك هل كان كل الرضاع في الحولين ، أم أن بعضه في الحولين وبعضه بعدها ؟ فالأظهر أنه لا تحريم ، خلافاً للصَّيْمَرِيِّ (44) ، وكذا لو شك أنه حلب في حياتها أم بعد موتها(45).

والمراد بالشك مطلق التردد، فيشمل ما لو غلب على ظنه حصول ذلك لشدة الاختلاط، كالنساء المجتمعات في بيت واحد، وقد جرت العادة بإرضاع كل منهن أولاد غيرها، وعلمت كل منهن الإرضاع، لكن لم تتحقق كونه خمساً(46).

قال الإمام الشافعي رحمه الله : ولو شَكَّ رجُلٌ أن تكون امرأة أرضعته خمس رضعات ، قلتُ : الورعُ أن يكُفَّ عن رؤيتها حاسِراً ، ولا يكون محرماً لها بالشك .

ولو نكحها، أو أحداً من بناتها، لم أفْسَخِ النكاحَ، لأني على غيرِ يقينٍ من أنها أم(47). آه .

لبن الرضاع للرجل

اللبن في الرضاع إنما هو للرجل الذي كان سبباً في هذا اللبن ، والمرأة كالظرف له ، وينبني على هذا صور كثيرة .

فإذا كان لبن المرأة لرجل ، فالمرتضع يصير ابناً للرجل ، كما يصير ابناً للمرأة ، خلافاً لابن بنت الشافعي من أصحابنا .

وقد تثبت الأبوة وإن لم تثبت الأمومة ، وقد تثبت الأمومة وإن لم تثبت الأبوة ، كما سيأتي معنا في الصور القادمة إن شاء الله .

وإنما قلنا إن لبن الفحل يحرم لما رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عندها ، وأنها سمعت صوتَ وسلم:تأذِنُ في بيتِ حَفصَة ، فقالت عائشة ، فقلت : يا رسولَ الله هذا رجلٌ يستأذِنُ في بيتِك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” أُراهُ فلاناً ” لعمِ حَفْصَةَ من الرضاعة ، فقلتُ يا رسول الله ، لو كان فلانٌ حياً – لعمها من الرضاعَةِ – أيَدْخُلُ عَلَيَّ ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” نَعَمْ إنَّ الرضاعَةَ تُحَرِّمُ ما يَحْرُمُ من الولادة “(48).

ولما رواه البخاري ومسلم عن عاوسلم: المؤمنين أنها قالت : جاء عَمي من الرضاعةِ ، فاستأذنَ عليَّ ، فأبيتُ أن آذَنَ له ، حتى أسألَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالتْ : فجاءَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسألتُه ، فقال : ” إنه عمُّكِ فأْذَني له ” قالت : فقلتُ يا رسول الله ، إنما أرضعتني المرأةُ ولم يرضِعْني الرجلُ ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إنه عَمُّكِ فَلْيَلجْ عليك ” وذلك بعدما ضرب علينا الحجاب(49).

وسئل ابن عباس عن رجل له امرأتان أرضعت إحداهما غلاماً، والأخرى جارية، فهل يتزوج الغلام الجارية ؟ قال : لا ، اللقاحُ واحدٌ(50).

مذاهب العلماء في لبن الفحل

وهذا الذي ذهب إليه الشافعي من التحريم بلبن الفحل هو رأي الجماهير من الفقهاء ، روى ذلك عن على، وابن عباس، وعطاء ، وطاووس، ومالك، والثوري، والأوزاعى، وأحمد ، وأبي حنيفة، وأبي ثور، وإسحاق، وأبي عبيد ، واختاره ابن المنذر .

وأدلتهم ما ذكرناه في المسألة ، وهو صحيح صريح ، لا يحتاج إلى جدال ونظر .

وذهب بعض أهل العلم إلى أن لبن الفحل لا يحرم ، وهو قول عروة بن الزبير ، وعبد الله بن الزبير ، وبعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، فيروى أن عائشة كانت تأذن لمن أرضعته أخواتها وبنات أخيها ، ولا تأذن لمن أرضعته نساء إخوتها وبني أختها .

وإليه ذهب إسماعيل بن عُلية ، وداود الأصبهاني ، ويروى عن سعيد بن المسيب ، أبي سلمه بن عبد الرحمن ، وسليمان بن يسار، والنخعي ، والقاسم ، وأبي قلابة(51) وهم محجوجون بما ذكرنا من الحديث والأثر في هذه المسألة في الدليل على التحريم في أولى الرضاع وذهب مجاهد ،والحسن البصري، والشعبي إلى كراهته .

ثبوت الأبوة دون الأمومة

بناء على ما ذكرنا من التحريم بلبن الفحل، قد تثبت الأبوة دون الأمومة، لأن اللبن للفحل، والمرأة كالظرف له، وذلك في صور منها:

1-إذا كان لرجل خمس مستولَدات ، أو أربع زوجات ومستولدة ، فأرضعت كل واحدة طفلاً رضعة ، لم يصرن أمهاته ، لأن كل واحدة منهن أرضعته رضعة واحدة ، ولم ترضعه خمساً، وأما الرجل فإنه يصير أباً له بالرضاع في الأصح ، كما قال أبو إسحق وابن القاص، لأن الطفل رضع خمس رضعات من لبنه، وعلى هذا تحرم المرضعات على الطفل الرضيع ، لا لأنهن أرضعنه فإن لم نثبت لهن الأمومة بالرضعة الواحدة وإنما لأنهن موطوءات أبيه أو زوجاته(52)

2 – لو كان لرجل أربع نسوة وأمة موطوءة ، أرضعت كل واحدة طفلة، ولكن ليس بلبنه، وإنما بلبن غيره، بأن كن زوجاته، وحملن منه وولدن ثم طلقهن، وتزوجن الآخر، فاللبن للأول، فإذا أرضعن طفلة، كل واحدة منهن رضعة، فلا تصير الطفلة ربيبة له في الأصح، خلافاً لابن القاص، وذلك لعدم ثبوت أمومة واحدة منهن لها، وإن ثبتت الأبوة لصاحب اللبن ، وهو الزوج الأول (53).

3 – ولو كان تحته صغيرة ، وله خمس مستولدات ،فأرضعنها ، كل واحدة رضعة بلبنه ، فالأصح أنه ينفسخ نكاح الصغيرة، لأنها صارت بنته، وإن لم تثبت أمومتهن، وأما الغرم، فلا غرم عليهن، لأن لا يثبت للإنسان دين على مملوكه .

4 – ولو أرضع نسوته الثلاث ومستولدتاه زوجَتَه الصغيرة بلبنه ، فالأصح أنه ينفسخ النكاح ، لأنه صارت بنته .

وأما غرامة المهر ، فإن أرضعن مرتباً ، فالانفساخ يتعلق بإرضاع الأخيرة، فإن كانت مستولدته ، فلا شيء عليها ،وإن كانت زوجته ، فعليها الغرم، وإن أرضعنه معاً ، بأن أخذت كل واحدة لبنها في مسعط، وأوجرته معاً ن فلا شيء على المستولدتين ، وعلى النسوة ثلاثة أخماس الغرم ، ولا ينفسخ نكاح النسوة ، لأنهن لم يصرن أمهات الصغيرة .

قال في ” شرح الروض ” ولو جهلت الأخيرة من الصنفين ، أو جهل فيما إذا تأخر رضاع الثلاث ، هل أرضعن معاً أو مرتباً ، فالظاهر عدم الغرم ، لأن الأصل براءة الذمة، واشترط الماوردي لتغريم الزوج المرضعةَ – عدمَ إذنه لها في الإرضاع .

وسيأتي معنا تفصيل الغرم في الرضاع القاطع للنكاح مع صور أخرى كثيرة ، في الباب الثالث إن شاء الله .

5 – ولو كان له أربع نسوة ، فأرضعت إحداهن طفلاً رضعتين ، وأرضعته الباقيات رضعة رضعة .أو كان له ثلاث مستولدات فأرضعت إحداهن الطفل بلبنه ثلاث رضعات والباقيات رضعنه رضعة فالأصح أن يصير أباً،ولا يصرن أمهات ، وعلى هذا قياس سائر نظائرهما من الصور .

6 – ولو كان لرجل أو امرأة خمس بنات ، أو أخوات ، فأرضعت كل واحدة طفلاً رضعة ، لم يصرن أمهاته ، ولا أزواجهن آباءه ، وكذا لا تثبت الحرمة بين الرضيع والرجل على المذهب، وذلك لأنه لا يصير الشخص جَداً بإرضاع بناته الخمس طفلاً رضعة رضعة ، ولا خالاً بإرضاع أخواته الخمس طفلاً رضعة رضعة ، أي لا يصير جَداً من أم لمرتضع بناته ، ولا خالاً لمرتضع أخواته ، لأن الجدودة لأم والخؤولة إنما تثبت بتوسط الأمومة ، ولا أمومة هنا ، لعدم الرضعات الخمس من واحدة ، بخلاف الأبوة ، إذ تثبت وإن لم تكن أمومة كما مر معنا .

7 – ولو كان لرجل أم ، وبنت ، وأخت ، وبنت أخ لأب ، وبنت أخت ، فارتضع طفل من كل واحدة رضعة ، لم يصرن أمهاته في هذه الصورة بالأولى، ولا أزواجهن آباءه، ولا تثبت الحرمة بين الرضيع والرجل، خلافاً لابن القاص، ولو بدل إحدى هؤلاء المرضعات زوجة، أو جدة، كان الحكم كما ذكرنا.

ولو أرضعت كل واحدة من هؤلاء زوجة الرجل رضعة ، فلا ينفسخ النكاح على الصحيح والله أعلم .

وسواء في هذا أكان الرضاع متفاصلاً ، أو متوالياً على الأصح ، وكذا إن انتقل الرضيع من ثدي امرأة إلى ثدي أخرى ، يحسب لكل واحدة رضعة ، لأن الاشتغال بالإرضاع من الأخرى قطع الإرتضاع من الأولى ، فصار كالاشتغال بشيء آخر .

8 – ولو كان لرجل ابن ، وابن ابن ، وأب ، وجد ، وأخ ، وارتضعت صغيرة من زوجة كل واحد منهم رضعة ، فلا تحرم على الرجل على الأصح .

9 – ولو كان خمسة إخوة ، ارتضعت صغيرة من لبن زوجة كل واحد رضعة ، فالأصح عدم تحريمها على الإخوة.

10 – ولو كانت امرأة لها بنت ابن ، وبنت ابن ابن ، وبنت ابن ، فأرضعت العليا طفلاً ثلاث رضعات ، والأخريات رضعة رضعة ، فالأصح لا تصير المرأة جدة للرضيع .

ثبوت الأمومة دون الأبوة

ذكرنا فيما سبق أن الأبوة تثبت دون الأمومة، لأن اللبن للرجل، وقد يكون العكس، فتثبت الأمومة، ولا تكون أبوة ، ولكن ليس بدفع الأخوة، وإنما لعدم وجودها، وذلك فيما إذا ثار لبن لبكر، أو ثار لثيب لا زوج لها، وأرضعت طفلاً خمس رضعات، فإنها تصير أما له، وليس له أب من الرضاع، وقد نص الشافعي على هذا(54) .

(1) التحفة 8 / 287؛ ومغني المحتاج 3 / 415.

(2) الأم 5 / 34.

(3) الروضة 9 / 6 .

(4) شرح الروض 3 / 417 .

(5) الأم 5 / 27، والمراد به أنه جوف ينقل الغذاء، لا مطلق الجوف كالصيام،

ووصل اللبن من الأنف للمعدة يحرم من باب أولى.

(6) الإشراف 4 / 114؛ الإفصاح 2 / 179؛ المغني 8 / 173.

(7) المغني لابن قدامة 8 / 174 .

(8) الإفصاح 2 / 179.

(9) البخاري 9 / 126 – 127 نكاح ؛ ومسلم 1455 رضاع ؛ وأبو داود 2058

نكاح؛ والنسائي 6 / 102 نكاح.

(10) شرح السنة 9 / 83 .

(11) السنن 1152 رضاع ، وقال : هذا حديث حسن صحيح .

(12) قال البيهقي : الصحيح أنه موقوف ، وانظر التلخيص الحبير 4 / 5 ؛ وسنن

البيهقي .

(13) الموطأ 2 / 606 في الرضاع بعد الكبر .

(14) الموطأ 2 /607 .

(15) المسند 4114 ؛ وأبو داود 2060 نكاح ؛ والبيهقي 7 /411 سنن .

(16) أبو داود 2059 نكاح .

(17) الموطأ 2 / 603 .

(18) البخاري 9 / 113 نكاح ؛ ومسلم 1453 رضاع ، والموطأ 2 / 605 رضاع

وأبو داود 2061 نكاح ، والنسائي 6 / 104 ؛ والشافعي في الأم 5 / 28 .

(19) الإشراف 4 / 112.

(20) الأم 5 / 28 – 29.

(21) الإشراف 4 / 112؛ المغني 8 /177؛ الإفصاح 2 /178؛ شرح السنة

9 /82؛ القوانين الفقهية ص 230؛ والإنصاف 9 / 234.

(22) وانظر الدسوقي على الشرح الكبير 2 /503 ؛ والقوانين الفقهية ص 230

(23) الأم 5 / 29.

(24) شرح الروض 4 / 416 .

(25) المغني 3 /415؛ والنهاية 7 / 175.

(26) البخاري 9 / 12 – 127 نكاح وغيره من الأبواب؛ ومسلم 1449-

1455 ؛ وأبو داود 2056 – 2058 ؛ والنسائي 6 / 96 – 102.

(27) مسلم 1452 رضاع ، أبو داود 2062 نكاح ؛ الترمذي 1150 رضاع ؛

النسائي 6 / 100 نكاح ؛ الموطأ 2 / 908 رضاع .

(28) مسلم 145نكاح. ؛ أبو داود 2063 ؛ الترمذي 1150 رضاع ؛ النسائي

6 / 101 نكاح .

(29) مسلم 1451 .

(30) انظر كتابنا الوجيز في الأصول ص 429.

(31) انظر كتابنا الوجيز في الأصول، ص 429.

(32) انظر كتابنا الوجيز في أصول الفقه، ص 102.

(33) الأم 5 / 26 – 27.

(34) انظر الأشباه والنظائر للسيوطي ، ص 98 ؛ وقواعد الزركشي 2 /391 .

(35) المغني لابن قدامة 8 / 171 ؛ والإنصاف 9 / 334 .

(36) ابن عابدين 3 / 209؛ بدائع الصنائع 5 / 3178.

(37) انظر الإشراف 4 /110 ؛ شرح السنة 9 /81 ؛ المغني لابن قدامة 8 / 171 ؛

الإفصاح 2 /178 ؛ اختلاف العلماء للمروزي ، ص 146 ؛ اللباب للمنبجي

2 / 692 ؛ الغاية القصوى 2 / 860 .

(38) الأم 5 / 26.

(39) الأم 5 / 29 في فقرات متباعدة .

(40) الروضة 9 / 9 ؛ وشرح الروض 3 / 417 .

(41) الروضة 9 / 9 ؛ وشرح الروض 3 / 417 .

(42) الأم 5 / 31 .

(43) الروضة 9 / 14 .

(44) الروضة 9 / 9 .

(45) معنى المحتاج 3 / 417.

(46) شرواني على التحفة 8 / 290 .

(47) الأم 5 / 31.

(48) البخاري 9 / 119؛ نكاح ومسلم 1444.

(49) رواه البخاري 9 / 295 ؛ ومسلم ومالك في الموطأ 2 / 601 .

(50) شرح السنة 9 / 78 .

(51) الإشراف 4 / 113؛ المغني 8 / 176؛ شرح السنة 9 / 78؛ الإفصاح

2 / 180 ؛ فتح الباري 9 / 130 .

(52) الروضة 9 / 10 .

(53) الروضة 9 / 14 وقد عكس ابن المقرى في الروض فقال بالتحريم ، وهو خطأ

نبه عليه الشيخ زكريا . وانظر شرح الروض 3 / 418؛ والمغني 3 / 418.

(54) قد مر الكلام على لبن البكر، ص 12.