المتفيهقون والسنة النبوية

المتفيهقون

أ. د. محمد حسن هيتو

المتفيهقون والسنة النبوية

لم يقف التفيهق عند حد الجرأة على الفتوى في واقعة معينة ، أو الكلام على حكم معين ، أو التهكم ببعض اجتهادات الأئمة ، على ما بيناه في الفقرات السابقة.

وإنما تعداه إلى أصول الإسلام الأصلية ، فتجرأ بعض الزنادقة على كتاب الله ، ونادوا بحذف بعض الكلمات من القرآن .

وعمد بعضهم الآخر إلى تفسيره تفسيراً باطنياً، حسبما تمليه الشهوة، ويبعث عليه الهوى ، سواء أكان في بعض آياته ، أم في كل الآيات، وعمد فريق ثالث إلى محاولة التسلل لكتاب الله عن طريق ظاهرة باطلة زعمها في كتاب الله ، بهرت كثيراً من الناس في بدايتها ، أراد من خلالها الوصول إلى إثبات مذهب البهائية الباطل، كمحمد رشاد خليفة في أكذوبة الإعجاز العددي في رقم 19، والتي فتن بها كثيراً من الناس، وأراد من خلالها تحريف القرآن الكريم لصالح كفره وإلحاده في مذهبه البهائي .

وكنت ولله الحمد من أوائل من تنبه لهذه الأكذوبة ، وبينت بطلانها (1) .

وتجرأ بعض المتفيهقين على سنَّة رسول الله r ، وأخذوا يطعنون بها ، بكل ما لديهم من وسائل ، وما عندهم من إمكانيات ، فتكلموا على تدوينها، وعلى دواوينها، وعلى رواتها، وعلى أسانيدها، وعلى متونها، حيث لو جمع ما قيل فيها لظهر من خلاله أنه لا يجوز العمل بالسنة ، وهو المراد من كل تلك الطعون التي وجهت إليها .

وهذا من دهاء الأعداء ، لأنهم لو دونوا كل طعونهم ، ووجهوها دفعة واحدة إلى السنة، على لسان إنسان واحد ، لأدى إلى ثورة العامة والخاصة عليها وعلى كاتبها ، ولباءت المحاولة بالفشل .

ولكنهم جزئوا هجومهم وطعونهم على الزمان، والمكان ، والأشخاص، إما بالعمالة المباشرة، وإما بالإيحاءات الباطلة ، والتلقين المنحرف .

وهكذا أصبحنا نسمع كل يوم عن شبهة جديدة في سنة رسول الله r تدعو إلى ترك العمل بها ، أو على الأقل تدعو إلى تقليصها وقصرها على بعض جوانب الحياة .

وهذه الشبهة وإن كانت أو هي من بيت العنكبوت إلا أنها قد تجد قلباً فارغاً، وعقلاً ساذجاً فتستقر فيه، ولذلك وجب ردها وإبطالها ، وبيان ما فيها من الزيف والضلال .

وهذا المقالة رد على نموذج من نماذج الجرأة على سنة رسول الله r ، نفثها قلم متفيهق مغمور، خلاصتها دعوة إلى إخضاع سنة رسول الله r في جميع مصادرها ، حتى ولو كانت في الصحيحين – للعقل البشري ، على ما سنراه في الدعاوى التي قدم بها مقالته (2).

لقد زعم تحت عنوان – الموقف اليوم – أمورا هي :

أن أكثر المؤلفات في علم الحديث والتي تعدو الآلاف قد جعلت مهمة الباحث جد عسيرة أن رسول الله r قد قال في مجال المعاملات أقوالاً باجتهاده الخاص وأنها تحتمل الخطأ.

أن مثل قوله عليه السلام ” احفوا الشارب وأعفوا اللحى ” إنما كان من قبيل الرأي والإرشاد لا من قبيل التشريع .

أن فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية قد خالفوا الأحاديث ، المتفق على صحتها في مئات المسائل ولم يعتبر أحد منهم مخالفا لأصل الدين .

أن جمهور العلماء يكتفي بالصحيحين البخاري ومسلم علماً بأنهما لا يحويان كل الصحيح .

أشار إلى انتقاد بعض العلماء للصحيحين وقدم لهذا بأنهما ليسا معصومين هما ورواتهما من الخطأ ، إشارة إلى أخطائهما .

زعم أن بعض الأحاديث التي حكم لها المسلمون بالصحة، ورواها أئمة الحديث في صحاحهم ليست من أقواله عليه السلام، وأنها تسيء للإسلام وعدد بعضها مع أنه في الصحيحين .

طالب بوضع صحيح عصري يجمع كل الأحاديث الصحيحة التي لم ترد في الصحيحين على أن يجنب تلك الأحاديث التي وردت في الصحيحين ، والتي تسئ إلى الإسلام .

ونحن لا يسعنا إزاء هذه المزاعم الباطلة إلاَّ أن نرد عليه رداً موضوعياً نبين من خلاله خطأه ونعيد به الحق إلى نصابه .

1 – لقد عاب أكثر المؤلفات في علم الحديث فقال : إلا أن أكثر هذه المؤلفات التي تعدو الآلاف قد جعلت مهمة الباحث جد عسيرة ، ويزيد الأمر صعوبة أن من الأحاديث ما صحت متونه ولم تصح أسانيده .

ونقول : إن صعوبة البحث في كتب الحديث ليس راجعاً إلى ذات الكتب بدليل أن علماء المسلمين على مر العصور والدهور منذ أكثر من ألف عام حتى الآن وهم يرجعون إلى هذه الكتب، ويبحثون فيها ويستنبطون منها، ولم نجد واحدا منهم زعم أنها كانت عقبة في سبيل بحثه، أو ما نعاً له من الوصول إلى غايته، لأنهم كانوا قد درسوها وفهموها وطبقوها في واقع حياتهم، ومن ثم حفظوها حتى أصبحت في ذاكرتهم ببداهة الفاتحة في ذاكرتنا، وهذا شأن الباحث في علم يريد معرفته والإحاطة به .

وإنما ترجع الصعوبة في أيامنا هذه إلى بعدنا عن كتب الحديث ومذاكراتها وحفظها ، وإتقانها ، ولا يجوز لنا والأمر هذا أن نعيب كتب الحديث ونصفها بأنها جعلت مهمة الباحث جد عسيرة بل الإنصاف أن نعيب أنفسنا ونصفها بالعجز والقصور، مما أدى إلى قصورنا عن إدراك أمانينا، فأنا إذا ما أردت أن أبحث عن مسألة في علم الطب في أحد كتبه مثلاً ، ثم بطأت بي همتي عن الوصول إلى مسألتي لا يجوز لي أن أقول : إن كتب الطب جعلت مهمة الباحث فيه جد عسيرة ، بل يجب أن أقول : إنني لا أعرف كيفية البحث فيه لأني لم أسلك سبيله ولم أرد موارده ولذلك يلزمني أن أسأل طبيباً عليماً عنها وفي هذه الحالة سيطلعني على المسألة بكل ما فيها ، وهو مغمض العينين مطمئن القلب واثق من الوصول إليها والعثورعليها، ثقة المحدثين عندما يبحثون عن حديث أو بحث في كتاب من كتبه ومصنف من مصنفاته فإنهم يصلون إليه دون جهد أو عناء وبكل بساطة ويسر .

وأما قوله : ويزيد الأمر صعوبة أن من الأحاديث ما صحت متونه ولم تصح أسانيده كما أن منها ما أشكلت متونه وإن سلمت من الطعن روايته – فهذا كلام لا أشم منه إلا رائحة التشكيك فيما لدينا من أحاديث رسول الله r ، وكأن المراد به أنه ليس ثم ضابط يرجع إليه في معرفة الصحيح من غيره وهيهات . . . فإنا لا نعرف علماً عني به العلماء كعلم الحديث ، ولا نعرف علماً وضعت له الضوابط والموازين الدقيقة كالعلم الذي نبحث فيه عن صحيح أقوال رسول الله r وسقيمها

وما أشار إليه من الأحاديث التي صحت متونها ولم تصح أسانيدها كلام لا يلتفت إليه ، فهي على قلة عددها وندرة وجودها لم يتركها العلماء تبعاً لأهواء الباحث وإمكانياته ، وإنما تكلموا عليها بإسهاب وإطناب ، لم يتركوا لها مجالاً لتعقيد أو تشكيك ، فبينوا العلة التي من أجلها ارتقت هذه الأحاديث إلى الصحة من قرينة توجب ذلك ، كتلقي الأمة لها بالقبول خلفا عن سلف ، أو غير ذلك من الأمور مما يطول شرحه ، ومما فاضت به كتب الحديث ومصطلحه ، ومما يرجع إلى قواعد مضبوطة مطردة ، وكيف علمنا أن هناك أحاديث صحت متونها رغم ضعف أسانيدها لولا تنبيه العلماء عليها وذكرهم لها ، وإذا كان الأمر كذلك فما هو وجه الصعوبة ، والتعقيد فيها .. ؟؟

وكل ما يقال في هذا يقال في نظيره من الأحاديث التي صحت أسانيدها وأشكلت متونها وهي أقل من الأولى على قلة أحاديثها .

فأين الصعوبة وأين ما يزيد الأمر صعوبة، وأحاديث رسول الله r كفلق الصبح قد بذل العلماء فيها من الجهد الجهيد في التحقيق والضبط ، والتدقيق ، والتنقيح ما جعلنا ننظر إليها وكأنها تخرج من فم الرسول r دون ريبة أو شك .. وهذا ما يشهد به أعداء المسلمين قبل أن يشهد له المسلمون .

وما الصعوبة إذاً إلا في ذهن من قدَّرَ الله له أن يكون عاجزاً عن بلوغ الغاية التي يستطيع بواسطتها البحث والتنقيب .

2 – زعم كاتب المقال أن الرسول r كان يقول أشياء في مجال المعاملات من قبيل الإجهاد الخاص الذي يحتمل الخطأ ، فقال تتمة لكلامه السابق : كما أنه في مجال المعاملات ما زال يختلط الأمر بين ما قاله الرسول اجتهاداً خاصاً يحتمل الخطأ كالنهي عن تأبير النخل وبين ما قال رأياً وإرشاداً لا للتشريع ، وبين ما قاله تشريعاً ملزماً وهو الكثير .

والذي يهمنا هنا هو الفقرة الأولى ،وأما الثانية فسأتكلم عليها في الفقرة الثالثة : وقبل الخوض فيها أقدم لها بمقدمة حول إجهاده عليه السلام ، فأقول :

ذهب جمهور المسلمين من الفقهاء والأصوليين إلى أنه عليه السلام كان يجوز له الإجهاد في الحوادث كسائر الأنبياء ، وهو مذهب الشافعي وأكثر أصحابه ، وأحمد ، والقاضي أبي يوسف من الأحناف، والقاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري من المعتزلة ، وأختاره الآمدي في الإحكام (4 /134 ) ، وابن الحاجب في المنتهى والمختصر ، والبيضاوي تبعا للرازي كما في الإبهاج ( 3 / 169 ) وهو اختيار الإمام الشيرازي كما في التبصرة ،واللمع ( ص 76 ) . ومن الناس من جوزه في أمور الحرب دون غيرها كالأحكام الشرعية ، كما في الإحكام (4 / 143 ) .

وفصل الأحناف فقالوا : لا يجوز له الإجهاد ما دام راجياً للوحي اذ هو مأمور بانتظاره ، كما في تيسير التحرير ( 4 /183 ) .

وذهب قوم إلى منعه مطلقاً ، وبه قال بعض المعتزلة كأبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم ،كما في الإحكام (4 /143 ) .

والجمهور القائلون بالجواز قد اختلفوا هل وقع منه اجتهاد أم لا ؟

فذهب أكثرهم إلى أنه قد وقع ومنهم الشيرازي والآمدي وابن الحاجب . ومنهم من أنكر وقوعه ، وتوقف المحققون كما قال ابن السبكي في الإبهاج (3/169 ) .

والقائلون بالوقوع قد اختلفوا ، هل كان الخطأ جائزاً على النبي r في إجهاده أم لا ؟؟

فذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز عليه الخطأ فيما اجتهد به من الأحكام ، واليه ذهب الإمام الرازي وتبعه البيضاوي واختاره ابن السبكي وأطنب في نصرته ، وشنع على من قال بخلافه وقال في الإبهاج (3 / 172 ) بعد أن صوب القول بأنه لا يخطئ : وأنا أطهر كتابي أن أحكي فيه قولاً سوى هذا القول ، بل لا نحفل به ولا نعبأ .

وذهب بعضهم إلى أنه كان يجوز عليه الخطأ في اجتهاده ، إلاَّ أنهم اتفقوا على أنه لا يقر عليه ، بل ينزل الوحي ويرشده إليه ،ويبين الصواب فيه ، وهو اختيار الشيرازي في كتابيه التبصرة واللمع ، وحكاه الآمدي عن أكثر أصحابه والحنابلة وأصحاب الحديث وجماعة من المعتزلة، ومن ثم اختاره هو وابن الحاجب وانظر الاحكام (4/187) ، والمنتهى (ص 162) واللمع (ص 76) ، والتبصرة (ق/139/ب) مصور في خزانتنا الخاصة عن نسخة الأزهر، والمستصفي (2/255).

ومن خلال هذه المقدمة الوجيزة نرى أن علماء الأمة قد انقسموا بين محيل للخطأ عليه وبين مجيز له إلاّ أنه يقول بانه لا يقر عليه، ولم نر واحدا من علماء الامة قال: إن الرسولr كان يجتهد في المعاملات، وكأن اجتهاده محتملا للخطأ وكان يقر عليه ولا ينبه إليه، إذا لأصبح الأمر فوضى والتبس الحق بالباطل ولأصبح المسلم لا يدري هل أصاب رسول الله r فيما قال أو أخطأ، وهذا لا يقول به مسلم قد خالطت بشاشة الإيمان قلبه وإن كل ما قاله الرسول r يجب أن تلتزم به الأمة سواء أكان على طريق الوجوب، أم الندب، أم الإباحة، أم الكراهة، أم التحريم وأن حادثة التأبير حادثة واحدة قد نبه الرسول r عليها ولا يجوز لنا أن نقيس بها غيرها من الأمور التى تتعلق بالمعاملات، ولو أن رسول الله r عاد فى السنة الثانية ونهى الناس عن تأبير النخل لوجب عليهم أن يلتزموا أمره وأن يمتنعوا عن تأبيره وإلا سيكونون ممن أعرض عن إتباع شرعه، وكفر برسالته.

وأما قوله عليه السلام: “أنتم أعلم بأمور دنياكم”، فليس المراد منه أن نخالف الأحكام التي يأتينا بها فيما يتعلق بأمور دنيانا وإنما هو إخبار عن حادثة قد وقعت تبين فيها أن الصواب كان في عدم نهيهم عن تأبير النخل كما هو الظاهر في الحديث، وإن كانت لنا في هذا الحديث كلمات لم نخصص هذا المقال من اجلها، آمل من الله تعالى إن أمكن في القريب العاجل منها لبيان الحق فيها.

وإلا فلو كان مراده عليه السلام أن يترك لنا الخيار في أمور دنيانا مما نراه مخالفاً لما جاءنا به ومن اجتهاد خاص له فما معنى إلزامنا بما أمرنا به عليه السلام من أمور المعاملات التي تتعلق بدنيانا؟..

أوليست المعاملات الحالية كالبيع والشراء والإجارة والرهن والهبة، والسلم، والمزارعة، والمخابرة، وإحياء الموات، والقراض، والكفالة، والضمان وغير ذلك من أمور المعاملات مما هو متعلق بأمور دنيانا ومما جاءنا به عليه السلام إما اجتهاداً وإما عن طريق الوحي غير المتلو.

أفيجوز لمسلم أن يقول في هذه المعاملات، هذه معاملات تتعلق بأمور دنيانا ولم ترد في القران وإنما قالها عليه السلام اجتهاداً خاصاً منه يحتمل الخطأ ولذلك سوف لا نأخذ بها ولا نعول عليها؟

لقد أجمعت الأمة وأصبح مما هو معلوم من الدين بالضرورة أن من يقول بهذا إنما هو كافر خارج عن ربقة الإسلام .

فكل ما جاءنا عن رسول اللهّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّ r يجب علينا قبوله والتسليم به والإذعان له، مهما وجدنا فى نفوسنا، وأبصرنا بأعيننا، وسمعنا بآذاننا، إن الحق بخلافه، لأن الذي يرسم لنا طريق الحق والباطل ويبين لنا الصواب من الخطأ فى مثل هذه الأمور هو الشرع وليس أهواؤنا وعقولنا، وما يتراءى لنا أنه الحق إنما هو فى الحقيقة باطل ما دام الشرع بخلافه، لان الشرع لا يخالف الحق بحال واني لاذكر قول الله تعالي : ]فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا[ {النساء/65} سواء كان ما نرفعه إليه ليحكم لنا فيه من أمور ديننا أم دنيانا وهذه الآية نزلت في أمر من أمور دنيانا؟

ولا داعي إذا لما قاله كاتب المقال من أن الرسول r كان يجتهد في المعاملات اجتهاداً خاصاً يحتمل الخطأ.

وإن حادثة كحادثة التأبير أو أسرى بدر، أو الصلاة على المنافقين مما بين الوحي أن الصواب كان بخلافه إنما هي حوادث معدودة، واضحة بينة قد نبه عليها عليه الصلاة والسلام كما أشار إليها القرآن ولم تعد تلتبس بغيرها من الأمور كما يفهم من كاتب المقال، وإن كان للمحققين من العلماء أيضاً مواقف من هذه المسائل لا تحتملها هذه العجالة ولسنا بحاجة بعد هذا البيان إلى التشكيك في صحة ما يصدر عنه عليه السلام ووجوب العمل به.

وأعود فأقول: إنا إن جوَّزْنا الخطأ على النبي r فإنما نجوِّزُه بشرط أن لا يُقَرَّ عليه، حتى لا تلتبس الأحكام على المسلمين ويصير الأمر فوضى لا ضابط له وعلى هذا إجماع المسلمين.

وإن ما لدينا من أحاديث تتعلق بالمعاملات وتخصنا في أمور دنيانا يجب علينا أن نتبعها وأن نعتقد بأنها هي الحق الذى يجب أن يحتكم إليه ويعول عليه، سواء كانت من قبيل الإجهاد أم الوحي غير المتلو ما لم يبين رسول الله r خلافها كما بين في حادثة تأبير النخل وأسرى بدر وغير ذلك.

وإن من يقول بأن اجتهاداته عليه السلام كانت تحتمل الخطأ في المعاملات مما يتعلق بأمور دنيانا إنما هو إنسان ما قدر النبوة حق قدرها، ولا أعطى الشريعة حقها.

وأنه لا فرق في وجوب لزوم أوامره عليه الصلاة والسلام بين ما كان من قبيل العبادة، أو العادة ، أو المعاملة أو القضاء أو الأحوال الشخصية أو غير ذلك، فالكل في وجوب إتباعه وحرمة الإعراض عنه سواء.

والأحاديث في هذا المعني متظاهرة مستفيضة لا تخفى على مسلم ويكفينا منها قوله عليه السلام في حادثة الرهط الذين حرموا على أنفسهم أشياء أبيحت لهم : فمن رغب عن سنتى فليس منى” وقوله عليه السلام: لا ألْفَيَنَّ أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري ما وجدناه في كتاب الله اتبعناه”.

قال البغوي في شرح السنَّة (1/201) : وفى الحديث دليل على أنه لا حاجة بالحديث إلى أن يعرض على الكتاب، وأنه ما ثبت عن رسول الله r كان حجة بنفسه، فإذا كان هذا شأن الحديث مع الكتاب فكيف يكون حاله فيما نراه نحن البشر.. ؟

قال كاتب المقال: “كما أنه في مجال المعاملات لا زال الأمر مختلطاً بين ما قاله الرسول إجهادا خاصاً يحتمل الخطأ … وبين ما قاله رأياً وإرشاداً لا للتشريع، كحديث : “احفوا الشارب وأعفوا اللحى”.

وأقول:

إني لا زلت أتعجب منذ أن قرأت المقال إلى أن كتبت هذه الكلمات من تفريق الكاتب بين ما قاله رأياً و إرشاداً، وبين ما قاله تشريعاً، فإن الذي علمته وقرأته وسمعته من أهل العلم المتخصصين به، الممارسين له،أن الإرشاد الذي يرشد به النبي r أمته هو عين التشريع، ولم أعلم أن أحدا فرق بين أقواله عليه السلام، وقال إن هذا القول يراد به الإرشاد لا التشريع؟!.

إن الذي علمناه من دين الله أن الأوامر الشرعية – سواء صدرت عن النبي r أو عن الله تعالي – قد ترد للوجوب، أو الندب، أو الإباحة، أو الإرشاد، وذكر العلماء ما يزيد عن عشرين معنى ترد له صيغة الأمر، والإرشاد أحد معانيه، فالذي يقابل الإرشاد هو الوجوب والندب وغيرهما ، لا التشريع كما قال صاحب المقال، فما ورد منه عليه السلام على سبيل الإرشاد هو جزء من التشريع، ويجب على الأمة أن تعمل به حسبما ورد له، وليس لها أن تقول: هذا وارد على سبيل الإرشاد لا على سبيل التشريع ولا نريد أن نعمل به:

]وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [{الأحزاب/36}

]مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ [{النساء/80}

] قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ [{آل عمران/31}

وليعلم أيضا أن ما قاله رسول الله r رأيا هو أيضا تشريع، فالنبي r ما ينطق عن الهوى:

]وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى [{ 3}] إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى[ {النجم/3 ،4}

كما بينا ذلك في الفقرة السابقة في اجتهاده عليه السلام، وإذا لم يكن رأيه وإرشاده عليه الصلاة والسلام تشريعاً، فما الذي يكون تشريعاً..؟

ثانياً:

مثَّلَ الكاتب للرأي الذي ليس للتشريع بقوله عليه السلام: “احفوا الشوارب وأعفوا اللحى”إلاَّ أنه قد فاته صدر الحديث الذي رواه البخاري ومسلم: “خالفوا المشركين، وفروا اللحى واحفوا الشوارب”.

وفاته ما رواه احمد، والنسائي، والترمذى – وقال: حديث صحيح – عن النبي r أنه قال: “من لم يأخذ من شاربه فليس منا”.

وفاته أيضاً ما رواه ابن جرير الطبري في قصة إرسال رسول الله r رسوله إلى كسرى يدعوه إلى الإسلام، وفيه أن عامل كسرى على اليمن أرسل رجلين إلى النبي r فدخلا عليه وقد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما، فكره النظر إليهما، وقال: “ويلكما من أمركما بهذا؟” قال : أمر ربنا – يعنيان كسرى – فقال رسول الله r: “ولكن ربي أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي” [3]، انظر تاريخ الطبري (2/655).

فاته من العلم أن علماء الأمة سلفاً وخلفاً قد تابعوا رسول الله r فيما أمر، وأجمعوا على أن الأخذ من الشارب، وترك اللحية مما شرعه لنا r ، وإن كانوا قد اختلفوا في ذلك، هل هو على سبيل الوجوب، يأثم تاركه ويفسق، وهو رأي الأكثر، أم هو على سبيل الندب وهو رأي الأقل.

ولو اطلع على هذا لما مثل برأي رسول الله r وإرشاده الذي ليس للتشريع – بزعمه – بما مثل، ولعل عذره في ذلك صعوبة البحث والتمييز في كتب القوم .. والله اعلم..!!

زعم كاتب المقال أن فقهاء المذاهب يخالفون الأحاديث المتفق علي صحتها فقال: “وإننا نجد في كتب الفقه في المذاهب المختلفة لا سيما كتب الحنفية والمالكية فالشافعية مئات من المسائل المخالفة للأحاديث المتفق على صحتها، ولا يعد أحدهم منهم مخالفاً لأصل الدين”.

وأقول للكاتب:

بم عمل الفقهاء حينما أعرضوا عن تلك الأحاديث المتفق على صحتها حين هجروها وأعرضوا عنها فإن قال: بأهوائهم، فقد ألزمهم الكفر أو الفسق وهم من هذا براء رحمهم الله ورضي عنهم وأرضاهم، وإن قال: عملوا بأدلة شرعية أخرى قامت عندهم ، قلنا له: إذا لم تعد تلك الأحاديث الصحيحة مهجورة، وإنما أصبح الواجب على الفقيه في هذه الحالة أن يعمل بالدليل الشرعي الراجح دون المرجوح، وهذا شأن كل دليلين متعارضين، لا يجوز العمل بالمرجوح منهما.

وأقول أيضاً: إن الحديث إذا صح، ولم يعارض، وجب على كل رجل من المسلمين العمل به، والجري على مقتضاه.

ولا أظن أحداً يجهل قول الإمام الشافعي رضي الله عنه: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وإذا تعارض كلامي مع الحديث الصحيح فاضروا بكلامي عرض الحائط.

وهذه العبارة قد أثرت عن معظم الفقهاء والمتقدمين لفظاً أو معنى، وهي عقيدة كل رجل مسلم.

وإذا كان الدكتور الفنجرى يعلم حكماً شرعياً واحداً خالف فيه أئمة الحديث لغير ما ذكرنا من سبب فليوجدانه، ولن يجد إلى هذا سبيلاً ما دام يبحث في كتب قوم مسلمين.

ونزيد القارئ الكريم فائدة وهي أن فقهاء الحنفية مجمعون على أن مذهب أبي حنيفة تقديم الحديث الضعيف على الرأي كما نقله عنهم ابن حزم في كتابه (ملخص ابطال القياس) (ص86)، والحافظ الذهبي عنه في مناقب أبي حنيفة (ص21) ، والمحدث على القارئ في (المرقاة) (1/3)، وابن حجر الهيتمي في الخيرات الحسان (ص78)، وابن حزم في الاحكام (7/54) أيضا.

بل ذهب بعض الحنفية إلى تقديم أقوال الصحابة عند تعارضها مع القياس، كما نقله فخر الإسلام البزدوي، وانظر: نور الأنوار (ص216)، والتوضيح (2/17).

وقال الإمام الشافعي في الأم (7/246): “ما كان الكتاب والسنة موجودين فالعذر عمن سمعهما مقطوع إلا باتباعهما، فإذا لم يكن، صرنا إلى أقاويل أصحاب رسول الله r أو واحد منهم، ثم كان قول أئمة أبي بكر أو عمر أو عثمان إذا صرنا فيه إلى التقليد أحب إلينا، وذلك إذا لم نجد دلالة في الاختلاف تدل على أقرب الاختلاف من الكتاب والسنة، فنتبع القول الذي معه الدلالة، فإذا لم يوجد عن الأئمة، فأصحاب رسول الله r من الذين في موضع أخذنا بقولهم، وكان اتباعهم أولى بنا من اتباع من بعدهم”.

وهذا ما نص عليه مالك وأحمد رضي الله عنهما، وقدم أحمد أيضاً الحديث الضعيف على آراء الرجال.

فأين بعد هذا مخالفة كتب الشافعية، والمالكية، والحنفية، بمئات المسائل للأحاديث المتفق على صحتها..؟!

أليست هذه دعوى كاذبة تدعو إلى العجب، وتثير القلق، وتجعل القارئ يتهم كاتب المقالة بأنه لا يريد من كلامه إلا التشكيك والتبهيت ..؟ اللّهم بلى ..

زعم صاحب المقالة أن جمهور الفقهاء يكتفي بالصحيحين مع أنهم لم يجمعا كل الصحيح، فقال:” كما انه في مجال الوقوف على السنة يشير جمهور العلماء بالاكتفاء بالصحيحين (صحيح البخاري وصحيح مسلم) ولكن إن من المتفق عليه أن الصحيحين لا يحويان كل الأحاديث الصحيحة، فإن من دواوين السنة العديدة الكثير من الصحاح التي لم ترد بصحيح البخاري أو مسلم”. اهـ.

وأقول:

إنَّ من البديهي عند كل من شم شذا من رائحة العلم أن البخاري ومسلماً لما يجمعا كل الصحيح، ولا أكثره، بل ما فاتهما من الصحيح أكثر مما جمعاه، وهذا شيء ذكر في متون الكتب الصغيرة علاوة عن الشروح والكتب الكبيرة، فهو مما لا يفوت طالب العلم مهما صغر شأنه، وأظن أن الذي أوقع الدكتور الفنجرى بهذا الادعاء هو عدم فهمه لمراد جمهور العلماء الذين أشار إليهم، فهم يقولون: إذا ورد الحديث في الصحيحين – وقد أجمعت الأمة على صحة ما فيهما – فلا داعي للإشارة إلى من خرجه من أصحاب الكتب الأخرى، لاسيما إذا كان الباحث فقيهاً، فغاية مراد الفقيه الوقوف على الصحة في الحديث، وهذا تحصل بالوقوف عليه في الصحيحين، فلا حاجة لسرد أسماء من أخرجه من أصحاب الكتب الأخرى، وليس مرادهم أبداً أن الباحث منهم يكتفي بالبحث في الصحيحين فقط، دون غيرهما، فإن عثر على الحديث عمل بمقتضاه، وإلاّ توقف أو عدل إلى أدلة الشرع الأخرى.

وإن مما هو معلوم لدى الكبير والصغير من أهل العلم أن العالم لا يجوز له أن يعدل إلى دليل غير القرآن والسنة إلا بعد أن يفرغ جهده في البحث والتنقيب فيهما، فيبحث عن الحديث في الصحيحين وغيرهما من كتب الحديث مهما وصل إلى سمعه وعلمه كتاب صنف فيه ؟ فان لم يجد فعند ذلك يجتهد..

واليك ما قاله الإمام العراقي في كتابه: تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد (1/81)، قال : “ولفظ الحديث الذي أورده في هذا المختصر هو لمن ذكر الإسناد إليه من الموطأ ومسند احمد”.

فإن كان الحديث في الصحيحين لم أعزه لأحد، وكان ذلك علامة كونه متفقا عليه.

وإن كان في أحدهما اقتصرت على عزوه إليه.

وان لم يكن في واحد من الصحيحين إلى من خرجه من أصحاب السنن الأربعة وغيرهم “. أهـ . كلام العراقي .

فهو لم يرد قط من الاكتفاء بالغزو إلى الصحيحين الاكتفاء يهما دون الالتفات إلى غيرهما ، كما أنه لم يعن هذا عالم من علماء المسلمين قط علاوة عن جمهورهم .

يقول كاتب المقال تتميماَ لكلامه السابق ومنتقلاً للكلام على صحيحي البخاري ومسلم :” هذا إلى انه من المعروف أن صحيحي البخاري ومسلم وان كانا فيما أورداه هما أصح كتاب بعد كتاب الله ، إلا أنهما ليسا معصومين هما ورواتهما من الخطأ ، ولقد انتقد بعض علماء الحديث كالدار قطني بعض أحاديث الصحيحين ، وجرحوا بعض رواتهما ، والأحاديث المنتقدة في البخاري نحو (110) مائة وعشرة منها ما انفرد به، ومنهما ما أخرجه مسلم أيضاً ، وما أنتقد من إفراد مسلم أكثر مما انتقد من إفراد البخاري ” .

وأقول : إن مثل قائل هذا الكلام ، كمثل من يقرأ قوله تعالى : ]فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ[ {الماعون/4} ، ويسكت .

لقد كان من الواجب تجاه الحقيقة والعلم والإنصاف أن يذكر صاحب المقالة تتمة الكلام الذي قاله كل من تكلم في علم الحديث وصنف فيه من الأئمة الذين لا يقلون عن الدار قطني إن لم يفضلوه والذين دافعوا عن الصحيحين ونفوا عنهما ما وجه إليهما وما انتقد عليهما ، وإذا كان لا يستطيع ذلك لمشقة الخوض فيه فقد كان بإمكانه أن يشير إليه بقول السيوطي :

وانتقدوا عليهمـا يسيـراً وكـم ترى نحوهمـا نصيـراً

أو بقول غيره من أصحاب المتون المختصرة ..؟ اللهم إلا إذا كان صاحب المقالة يريد الطعن في الصحيحين والتشكيك بهما، لا الدفاع عنهما ، وعند ذلك سنضطر للإجابة فنقول :

إن الجرح كما يكون بسبب حقيقي واقعي ، يكون بسبب وهمي خيالي ، وكما يصدر من اجل النصح ، والإصلاح ، يصدر من أجل الضغائن والأحقاد ، ولذلك قال العلماء : لا يقبل الجرحُ إلا إذا بين السبب ، لاحتمال أن يجرح الرجل من بعض المتشددين بما لا داعي للتجريج به في نظر العدول المنصفين ، وقالوا: لا يقبل كلام الأقران بعضهم في بعض ، لما يكون بينهم من التحاسد والتدابر ..

قال السيوطي في التدريب (1 / 306) : وقد عقد الخطيب لذلك باباً خاصاً ، روى فيه عن محمد بن جعفر المدائني قال: قيل لشعبة : لِمَ تركت حديث فلان ؟ قال : رأيته يركض على برذون فتركت حديثه .

وروي عن مسلم بن إبراهيم أنه سئل عن صالح المري ، فقال : وما تصنع بصالح .. ؟ ذكروه يوماً عند حماد بن مسلمة فامتخط . أ هـ . إلى آخر ما هنالك من الأمور التي عدها بعض المتشددين جرحاً ولا جرح فيها ..

والجرح لم يسلم منه أحد ، فقد جرح أناسٍ قام هذا الدين على جهودهم وجهادهم ، حتى إن بعض الناس طعن في الإمام أحمد بن حنبل ، وعندي رسالة مخطوطة للإمام الذهبي منقولة من نسخة نقلت من خطه اسمها ( جزء فيمن تكلم فيه وهو موثق ) ذكر فيها أسماء أناس جرحوا ، وتكلم فيهم ، وهم عدول سالمون مما وجه إليهم ، بل ربما كان بعضهم من أساطين الفن ، وأرباب هذا العلم ، قال في مقدمتها : ” وهؤلاء الرجال الذين سأذكرهم إن لم يصل حديثهم إلى أعلى درجات الصحة فهو لا ينزل عن رتبة الحسن ” . أهـ .

وعد منهم الإمام الأجل أمير المؤمنين في الحديث أحمد بن حنبل ، وقال بعد ذكر اسمه وما وجه إليه ” وإذا لم يسلم أحمد فمن يسلم ..؟! إذا فليس كل جرح يقبل ، وليس كل نقد ينقل .

وقد طعن بعض زنادقة هذا العصر في الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه ، وهو أكثر رواة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم رواية ، وتكلموا عليه كيداً لدين الله وحقدا وحسداً بما يتنزه الإنسان المؤمن عن ذكره وترداده ، كل ذلك من أجل الطعن في دين الله تعالى ، فهل نقبل ما قيل فيه ، أم نرده على أصحابه منوطاً بكل لعنة وسخط في الأرض …؟! اللهم إنا نرده . وقد قيض الله لأولئك من يرد عليهم ويدفع كيدهم .

وكما طعن فيمن ذكرت طعن في بعض أحاديث صحيح البخاري التي ذكرها كاتب المقالة . وكان سيد الطاعنين هو الإمام الأجل الدار قطني رضي الله عنه وأرضاه.

إلا أن طعونه كانت من وجهة نظر خاصة به ، لم ترق إلى درجة القدح في الصحيحين عند جمهور العلماء المدققين ، ولذلك جزم كل من أتى من بعدهما بصحة مافيهما ، وتلقتها الأمة بالقبول ، وأصبحا من أصح الكتب بعد القرآن الكريم .

وما من إمام تصدى للكلام على الصحيحين بشرح أو تعليق إلا ودافع عنهما ، وأبان وجه الضعف فيما وجه إليهما ، ومنهم من صنف في ذلك رسائل خاصة ، وقد عقد الإمام ابن الحجر العسقلاني في كتابه ( هدي الساري ) مقدمة شرحه لصحيح البخاري فصلين مطولين من ( ص 246 إلى 465 ) ، أفاد فيهما وأجاد ، خصص الأول للكلام على الأحاديث انتقدها الدار قطني عليه ، والجواب عليهما ، والثاني للكلام على الرجال الذين انتقدوا عليه ، والجواب عليه ، وقد بين فيها أن ما وجه إلى الصحيحين لا يرقى إلى درجة الطعن فيهما ، وإنما هي أشياء لا وجه لها ، وقد بين ذلك أوضح بيان وأكمله ، فليرجع إليه من شاء ، وقال في مقدمة الفصل الثامن : ” والجواب عنه على سبيل الإجمال أن تقول :لا ريب في تقديم البخاري ثم مسلم على أهل عصرهما ، ومن بعده من أئمة هذا الفن في معرفة الصحيح والمعلل ، فإنهم لا يختلفون في أن علي بن المديني كان أعلم أقرانه بعلل الحديث وعنه أخذ البخاري ذلك ، حتى كان يقول : ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند ابن المديني ، ومع ذلك فكان علي بن المديني إذا بلغه ذلك عن البخاري يقول : دعوا قوله ، فإنه ما رأى مثل نفسه .

وكان محمد بن يحيى الذهلي أعلم أهل عصره بعلل حديث الزهري وقد استفاد منه الشيخان جميعاً

وروى الفربري عن البخاري قال : ما أدخلت في الصحيح حديثاً إلا بعد أن استخرت الله تعالى وتيقنت صحته .

وقال مكي بن عبد الله سمعت مسلم بن الحجاج يقول : عرضت كتابي هذا على أبي زرعه الرازي ، فكل ما أشار أن له علة تركته .

فإذا عرف وتقرر أنهما لا يخرجان من الحديث إلا ما لا علة له ، أو له علة إلا أنها غير مؤثرة عندهما ، فبتقدير توجيه كلام من انتقد عليهما يكون قوله معارضاً لتصحيحهما ، ولا ريب في تقديمهما في ذلك على غيرهما ، فيندفع الاعتراض من حيث الجملة ” . أ هـ.

ثم ذكر دفع الاعتراض من حيث التفصيل ، ثم أجاب عن كل حديث بانفراد .

وذكر في مقدمة الفصل التاسع قريباً من هذا الكلام مع ما يناسبه من الكلام على الرجال .

وقال : ” وكان الشيخ أبو الحسن المقدسي يقول في الرجل الذي يخرج عنه في الصحيحين : هذا جاوز القنطرة ، يعني بذلك أنه لا يلتفت إلى ما قيل فيه . قال الشيخ أبو الفتح القشيري في مختصره : وهكذا نعتقد ، وبه نقول ، ولا نخرج عنه إلا بحجة ظاهرة ، وبيان شاف يزيد في غلبة الظن على المعنى الذي قدمناه ، من اتفاق الناس بعد الشيخين على تسمية كتابيهما بالصحيحين ، ومن لوازم ذلك تعديل رواتهما ، قلت : فلا يقبل الطعن في أحد منهم إلا بقادح واضح ، لأن أسباب الجرح مختلفة ” . أهـ .

ولذلك تلقت الأمة كتابيهما بالقبول ، وأجمعت على صحة ما فيهما ، بل قال جمهور كبير من الفقهاء والمحدثين بأن ما فيهما فيما عدا ما انتقد قطعي الثبوت ، يحصل به العلم الاستدلالي النظري ، لتلقي الأمة المعصومة عن الخطأ لها بالقبول.

وأنا لا أريد أن أطنب في هذا الموضوع الذي يحتاج وحده إلى رسالة جامعية ، لا مقاله صحفية ، ولقد كتبت مجلة العربي يوماً مقالة بعنوان : ليس كل ما في البخاري صحيحاً، ورد عليها في حينه بمقال في الوعي الإسلامي عنوانه ” لا بل كل ما في البخاري صحيح ” ومن ثم نشرته جمعية الإصلاح الاجتماعي بالكويت في كتيب خاص ، والموضوع قد يطرح أكثر من مرهَ على بساط البحث ، فلا داعي للإطالة فيه . وما مثل البخاري ومسلم في صحيحيهما ، وما يثار حولهما من تشكيك مبتذل إلا كما قال الرافعي : ” لو انقلب جميع الناس في الأرض إلى زبالين ، وأثاروا الغبار على السماء ليغبروها ، فستبقى السماء هي السماء صافية ضاحكة متلألئة ولا يرجع الغبار إلاَّ على رؤوس الذين أثاروه ” أ هـ بمعناه .

7 – 8 طالب صاحب المقالة بإيجاد صحيح عصري تستبعد منه بعض الأحاديث التي لا يتصور صدورها عن النبي صلى الله عليه وسلم والتي تسيء للإسلام ، ولو كانت كانت موجودة في الصحيحين ..؟ فقال : ” وبعبارة واضحة إننا نحتاج اليوم إلى صحيح عصري يجمع كافة الأحاديث الصحيحة مما لم ترد بالصحيحين، ويتجنب بعض ما ورد بالصحيحين مما لم يسلم بصدوره عن الرسول بأن طعن فيه من حيث الإسناد أو من حيث المتن ، وهو غالباً من أمور العادات التي ليست من أصول الإسلام ، أو فروعه ، ولكنها تسيء إليه كحديث سحر الرسول ، وحديث لعق الأصابع ، وحديث الذبابة ، وحديث الشياطين ” .

وأقول :

إن الحكم بصحة الحديث وضعفه ، لا يرجع إلى ما تشتهيه النفس وترغبه الأهواء، وكذلك لا يخضع إلى إمكانيات العقول في إدراك ما فيه من مصلحة أو غيرها ، كما أنه لا يخضع لما يمليه البشر من شرقيين وغربيين من آراء ويطلعون علينا من نظريات ، وإنما يخضع لضوابط دقيقة محكمة لا تخفى على ذوي العلم والمعرفة ، مما أشرنا إلى طرف منه ، في الفقرة الأولى ، فإن صح الحديث بالضوابط التي ذكرها علماء الحديث عملنا به ، وقبلناه ، وافق عقولنا أو لم يوافقها ، وافق عليه أرباب الحضارة المادية السائدة هذه الأيام أو لم يوافقوا ، أدركنا الحكمة منه أو لم ندركها ، والذي يهمنا أن نطيع الله ورسوله فيما أمر ونهى ، وبعد ذلك لتفعل العقول البشرية ما تريد أن تفعل من موافقة أو إنكار .

إن ديننا قائم على الإيمان بالغيب ، وهو في مجمله شيء لا تدرك العقول حقيقته ، وقد سلمت به لأنه من أخبار الله تعالى الذي آمنت به . أو من أخبار رسوله الذي شهدت بصدقه وعصمته . فما صح عنهما قبلناه ، وما لا فلا .

ونحن نؤمن بأن العلم مهما سما وتقدم فلن يأتي يوم من الأيام يتعارض فيه العلم مع الدين ، ولكن العلم في نهاية مطافه سنجده خاضعا للدين ، مستسلما له ، يقر له بكل ما ورد فيه.

ولذلك لن نتبع كل ناعق وناهق في الشرق أو الغرب ، ونأتي لأحاديث رسول الله r الصحيحة فنبطلها لأنها لم توافق نظرية من النظريات الحديثة، كما يفعله أصحاب الحضارات المتهورة أمام الحضارات القاهرة ، يحاولون أن يسايروها بكل ما تأتي به من حق أو باطل ، أما نحن المسلمون فقد أقمنا علومنا على مبادئ ثابتة ، وأسس قويمة ، لا تتغير ولا تتبدل مهما تبدلت ظروف الحياة وتغيرت .

ولعل كاتب المقال قد قال ما قال مما ذكرناه في الفقرة الأولى ، من أن بعض الأحاديث قد صحت متونها ولم تصح أسانيدها ، وإن بعضها الآخر قد ضعفت متونه وإن صحت أسانيده ، للوصول إلى مأربه فيما قال هنا من استبعاد بعض الأحاديث التي صحت أسانيدها والتي لم يوافق عليها .. ؟ بل زعم أنها تسِئ للدين.

ولكني أريد أن الفت نظر الكاتب إلى أن العلم الحديث قد خر ساجداً لله تعالى أمام هذا الحديث الذي يعتبر من معجزاته عليه السلام في الإخبار عن الغيب ، بعد أن أكتشف أن في أحد جناحي الذبابة جرثوماً ، وفي الجناح الآخر مضاداً حيوياً لهذا الجرثوم يقضي عليه بمجرد اجتماعه به بعد لمسه للإناء .

وأزيده علماً بأن مجلة العربي قد نشرت منذ ما يقارب تسع سنوات كلاما حول موضوع حديث الذباب ، ورمته بالضعف ، علماً بأنه في الصحيحين وغيرهما ، وردت عليه الوعي الإسلامي في حينه في العدد السابع لسنة 1385هـ – 1966 م ، كما رد عليه الدكتور حسن هويدي في مجلة حضارة الإسلام ، وبينوا في هذه الردود ومن الناحية العلمية أن هذا الحديث من معجزاته عليه السلام ومن مفاخر الإسلام .. ؟ !

وكل ما يقال في هذا الحديث يقال في غيره من الأحاديث التي ذكرها الكاتب والتي لا داعي للإطالة بذكرها ، لأنها هي أيضاً تحتاج لأبحاث خاصة مستقلة .

والمهم أن ما دعي إليه الكاتب شيء يخالف ما عقدنا عليه إيماننا ، وهي دعوة من يريد أن يخضع الدين لهواه ، لا من يريد أن يخضع هواه لله .

ونسأل الله تعالى الهداية والتوفيق ، والحمد لله رب العالمين .

(1) أنظر كتابي: المعجزة القرآنية

(2) وقد نشرت هذه المقالة في مجلة العربي في عددها الممتاز 144 ص – 58 – 62

في شهر ذي الحجة 1394 كانون الثاني 1975 ، بعنوان ” السنة النبوية تدوينها في

شتى العهود الإسلامية وما احتواها من دراسات وتحقيقات ” ، للدكتور محمد شوقي

الفنجري .

[3] ونحن لا نسوق هذا الحديث للاستشهاد به على حكم اللحية فقد ثبت حكمها فى الاحاديث المتفق علي صحتها، وانما سقناه للاستئناس بمعناه الواضح فى مصدر الامر، فلا يضر ما فيه من ضعب، ولا سيما اذا كان صحيح الحديث يظاهره وصريح القرآن يؤيده.