ترك القنوت – مذاهب العلماء فى قنوت الفجر

ترك القنوت

القنوت عندنا بعض من أبعاض الصلاة , وبناء على ذلك إذا تركه المصلي عمدا, أو سهوا, فإنه يسجد للسهو عنه , على ما يذكر فيه من تفصيل في مباحث سجود السهو، وكذلك يسجد للسهو إن ترك كلمة من كلماته المأثورة _ على ما مرَّ أو بدلها , أو ترك الصلاة على النبي صلي الله عليه وسلم , على ما فيه من تفصيل في مباحث سجود السهو .

روى الدار قطني 2/41 ، عن الحسن فيمن نسي القنوت في صلاة الصبح قال :(( عليه سجدتا السهو ))

مذاهب العلماء في قنوت الصبح

لقد ذكرنا أن مذهبنا أن القنوت سنة في كل الصلوات عند النوازل، وأما في غير النوازل فهو سنة بعضيه من سنن صلاة الفجر ، لا يترك لا سفرا ولا حضرا , وأن من تركه عمدا أو سهوا سجد للسهو .

وبهذا قال جماهير علماء الأمة .

قال الإمام الحازمي في (( الاعتبار))(1) وقد اختلف الناس في القنوت في صلاة الصبح , فذهب أكثر الناس من الصحابة , والتابعين فيمن بعدهم من علماء الأمصار إلى إثبات القنوت , فمن روينا ذلك عنه

أولاً من الصحابة : الخلفاء الراشدون

1- أبو بكر

2 – وعمر

3 – وعثمان

4 – وعلي رضوان الله تعالى عليهم أجمعين

5 – وعمار بن ياسر

6 – وأبي بن كعب

7 – وأبو موسى الأشعري

8 – وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق

9 – وعبد الله بن عباس

10 – وأبو هريرة

11 – والبراء بن عازب

12 – وأنس بن مالك

13 – وأبو حليمة معاذ بن الحارث الأنصاري

14 – وخُفَاف بن أِيماء بن رَمْضَةَ

15 – واهبان بن صيفي

16 – وسهل بن سعد الساعدي

17 – وعرفجة بن شريح الأشجعي

18 – ومعاوية بن أبي سفيان

19 – وعائشة الصديقة

ثانيا : ومن المخضرمين

1 – أبو رجاء العطاري

2 – وسويد بن غفلة

3 – وأبو عثمان الهندي

4 – وأبو رافع الصائغ.

ثالثا : ومن التابعين

1 – سعيد بن المسيب

2 – والحسن بن أبي الحسن

3 _- ومحمد بن سيرين

4 _-وأبان بن عثمان

5 – وقتادة

6 – وطاوس

7 – وعبيد بن عمير

8 – والربيع ابن خيثم

9 – وأيوب السختياني

10 – وعبدة السلماني

11 – وعروة بن الزبير

12 – وزياد بن عثمان

13 – وعبد الرحمن بن أبي ليلى

14 – وعمر بن عبد العزيز

15 – وحميد الطويل

رابعا : ومن الأئمة والفقهاء

1- أبو إسحاق

2- وأبو بكر بن محمد

3- والحكم بن عتبة

4- وحماد

5- ومالك بن أنس , وأهل الحجار

6- والأوزاعي , وأكثر أهل الشام

7- والشافعي وأصحابه .

8- وعن الثوري روايتان , وغير هؤلاء خلق كثير. اهـ .

وهو مذهب داود , والحسن بن صالح .

وذهب بعض أهل العلم إلى عدم القنوت في صلاة الصبح ,أبو حنيفة وأصحابه وابن المبارك , وسفيان الثوري , وأحمد .

قال أحمد : الإمام يقنت إذا بعث الجيوش

وقال إسحاق : يقنت للنازلة خاصة .

وهو قول عبد الله بن مسعود من الصحابة, وابن عمر.

وقد استدل لهم :

1_ما رواه البخاري 1003 , ومسلم 677 وأبو داود 1445, والنسائي 2/203 , وغيرهم , عن أنس بن مالك رضي الله عنه ” أن النبي صلي الله عليه وسلم قنت شهرا يدعو على أحياءٍ من العرب, ثم تركه “ (2)

2_روى البخاري 8/170 , ومسلم 675 عن أبي هريرة رضي الله عنه ” أنَّ النبي صلي الله عليه وسلم دعا لعدد من الصحابة , ثم ترك الدعاء لهم “ (3)

3_ وروى الترمذي 402 , والنسائي 2/203_ 204 , وغيرهما عن أبي مالك الأشجعي رضي الله عنه قال : قلت لأبي : يا أبتِ , قد صليتَ خلف رسول الله صلي الله عليه وسلم , وأبي بكر , وعمر , وعثمان , وعليِّ بن أبي طالب , ها هنا في الكوفة خمس سنين , أكانوا يقنتون ؟

قال: أي بُنيَّ , مُحدَثٌ “

هذه رواية الترمذي , وقال بعدها : هذا حديث حسن صحيح , قال : وأبو مالك الأشجعي اسمه ” سعدُ بنُ طارق بن أَ شْيَمَ “

4_ وروى البيهيقي 2/213 , عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : ما قنتَ رسول الله صلي الله عليه وسلم في شيء من صلاته “ وفي رواية :” قال : قنت رسول الله صلي الله عليه وسلم شهرا لم يدعو على عصبة وذكوان فلما ظهر عليهم ترك القنوت “

5_وروى الحازمي ص / 67 في ” الاعتبار“ عن ابن مسعود رضي الله عنه قال :” لم يقنت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شهرا، لم يقنت قبله ولا بعده “

وفي رواية :” لم يقنت في الفجر قط إلا شهرا واحدا “

6_ وروى مالك في الموطأ 1/159 , عن نافع , أن ابن عمر رضي الله عنهما كان لا يقنت في شيء من الصلاة “

ورواه البيهقي في السنة 2/213 عن قتادة, عن أبي مجلز قال ” صليتُ مع ابن عمر صلاةُ الصبح , فلم يقْنت , فقلت لابن عمر : لا أراك تقنتَ ؟

قال : لا أحفظه عن أحد من أصحابنا “

7_ وروى البهيقي في السنة, 2/213 والحازمي في الاعتبار ص/67 عن ابن عمر قال: ” رأيت قيامكم عند فراغ القارئ هذا القنوت , والله إنه لبدعةٌ ما فعله رسولُ الله صلي الله عليه وسلم غير شهر واحد , ثم تركه “

8_ وروى البيهقي في السنن 2/214 , عن ابن عباس , أنه قال:” إن القنوت في صلاة الصبح بدعة , فإنه لا يصح “

9_ وروى البيهقي في السنة 2/214 , والحازمي في الاعتبار ص/68 والدار قطني2/38 , عن أم سَلَمَةَ قالت : ” نهى النبي صلي الله عليه وسلم عن القنوت في صلاةِ الفجر “

10_ وزعم من تمسك بهذه الأحاديث أنها دالة على نسخ أحاديث القنوت .

وأما أصحابنا والجمهور فقد تمسكوا بما رواه أحمد , 3/162 والدار قطني 2/39 , والحاكم , والبيهقي 2/201 , وغيرهم بإسناد صحيحة أو حسنة , عن أنس رضي الله عنه ”أن النبي صلى الله علي وسلم قنت شهرا يدعو على قاتلي بئر مَعَونةَ , ثم ترك , فأما في الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا “

وقد روى البخاري 1003 , ومسلم 677 أصل الحديث عن أنس .

قال النووي في ” المجموع “3/485: وهذا الحديث صحيح, رواه جماعة من الحفاظ وصححوه.

وممن نص على صحته الحافظ أبو عبد الله محمد بن علي البلخي, والحاكم أبوعبد الله في مواضع من كتبه والبيهقي .

قلت ،وهذا كلام ابن الصلاح , ونقل النووي له يزيده قوة إذ أقره عليه (أنظر تحفة المحتاج لابن الملقن 1/304)

وروى البيهقي 2/202, والدار قطني 2/40 ، عن أنس بن مالك قال : ” قنت رسول الله صلي الله عليه وسلم وأبو بكر، وعمر ، وعثمان رضي الله عنهم ، وأحسبه قال : رابع حتى فارقهم ”

قال البيهقي : ورواه عبد الوارث بن سعيد ، عن عمرو بن عبيد وقال : ” في صلاة الغداة ”

قال: ولحديثيهما شواهد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عن خلفائه رضي الله عنهم.

وروى البيهقي 2 /202 عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : “صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقنت ، وخلف عمر فقنت ، وخلف عثمان فقنت ”

وروى عن العوام بن حمزة قال: ” سألت أبا عثمان عن القنوت في الصبح قال: بعد الركوع، قلت عمن ؟ قال: عن أبي بكر، وعمر، وعثمان رضي الله عنهم.

قال البيهقي : هذا إسناد حسن. اهـ .

وروى البيهقي 2 / 203 ، عن مخارق ، عن طارق بن شهاب قال : ” صليت خلف عمر الصبح فقنت ”

وعن عبيد بن عمير قال : ” سمعت عمر يقنت هاهنا في الفجر بمكة ”

قال البيهقي : وهذه روايات صحيحة موصولة. اهـ .

وروى البيهقي 2 /203 عن طريق ابن خزيمة عن حماد عن إبراهيم ، عن الأسود قال : ” صليت خلف عمر بن الخطاب رضي الله عنه في السفر والحضر، فما كان يقنت إلا في صلاة الفجر “(4)

ورواه آدم بن أبي إياس، عن شعبة بإسناده وقال: ” فكان يقنت في الركعة الثانية من صلاة الفجر، ولا يقنت في سائر صلواته ”

قال البيهقي: وفي هذا دليل على اختصار وقع في الحديث الذي اخبرنا أبو بكر بن الحسن ، أنبأنا صاحب بن احمد، حدثنا عبد الرحيم بن منيب ، حدثنا الفضيل، عن منصور، عن إبراهيم ” أن الأسود وعمرو بن ميمون صليا خلف عمر الفجر، فلم يقنت ”

قال البيهقي : منصور وإن كان أحفظ وأوثق من حماد بن أبي سليمان ، فرواية حماد في هذا توافق المذهب المشهور عن عمر في القنوت .

ثم روى عن أبي عثمان الهندي قال: صليت خلف عمر رضي الله عنه ست سنين فكان يقنت ”

قال : ورواه سليمان التيمي:عن أبي عثمان الهندي : ” أن عمر قنت في صلاة الصبح ”

ورواه أيضا أبو رافع، عن عمر.

قال البيهقي : والقول في مثل هذا قول من شَاهَد وحفظ، لا قول من لم يشاهد ولم يحفظ. اهـ

ثم روى 2 / 204 عن عبد الله بن معقل قال: ” قنت علي رضي الله عنه في الفجر ”

قال البيهقي : وهذا عن علي صحيح مشهور .

وروى عن عرفجة قال : ” صليت مع ابن مسعود رضي الله عنه صلاة الفجر، فلم يقنت، وصليت مع علي فقنت “(5)

وروى عن ابي رجاء قال : صلى ابن عباس صلاة الصبح في هذا المسجد فقنت، وقرأ هذه ألآية : ” وقوموا لله قانتين ”

وروى البيهقي عن عمرو بن مرة قال : ” سمعت بن أبي ليلى يحدث عن البراء، عن النبي صلى الله عليه وسلم ” أنه كان يقنت في الصبح “(6)

قال عمرو : فذكرت ذلك لإبراهيم – أي النخعي – فقال : لم يكن كأصحاب عبد الله ،كان صاحب أمره .

قال : فرجعت فتركت القنوت .

فقال أهل المسجد : تالله ما رأينا كاليوم قط شيئا لم يزل في مسجدنا .

فرجعت إلى القنوت ، فبلغ ذلك إبراهيم ، فلقيني ، فقال : هذا مغلوب على صلاته ”

قال البيهقي : وهذا من إبراهيم النخعي – رحمنا الله وإياه – غير مرضي ، ليس كل علم لا يوجد عند أصحاب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ،ووجد عند غيره لا يؤخذ به .

بل يؤخذ به إذا كان أعلى من أصحاب عبد الله ، وكان الراوي ثقة ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ثقة ، وقد أخبر عمرو بن مرة عن أهل المسجد أنه لم يزل في مسجدهم .

وروينا عن البراء بن عازب من وجه آخر أنه قنت في الفجر. اهـ .

قلت : وقد روى حديث البراء مسلم 678 ، وأحمد 4 /280 ، 299 وأبو داود 1441 ، والترمذي 401 ، والنسائي 2 /202 بلفظ ” كان يقنت في صلاة الصبح والمغرب ”

ورواه البخاري 1004عن أنس رضي الله عنه قال: ” كان القنوت في الفجر والمغرب ”

قال النووي: ولا يضر ترك الناس القنوت في المغرب لأنه ليس بواجب، أو دل الإجماع على نسخه فيها اهـ.

وروى البخاري 1001 ومسلم 677 عن أيوب، عن محمد قال: ” سئل أنس أقنت النبي صلى الله عليه وسلم في الصبح ؟ قال : نعم فقيل له : أو قنت قبل الركوع ؟ قال بعد الركوع يسيرا ” وهذا لفظ البخاري(7). وهذا نصٌ في قنوت الفجر .

وقد تمسك الطحاوي برواية أنس والبراء ” أن القنوت كان في الفجر والمغرب ”

فقال : أجمعوا على نسخه في المغرب فيكون في الصبح كذلك .

فعارضه بعض أصحابنا فقال: أجمعوا على أنه قنت في الصبح، ثم اختلفوا هل ترك، فيتمسك بما أجمعوا عليه حتى يثبت ما اختلفوا فيه. اهـ (8) .

هذا والأدلة في الموضوع كثيرة، وأكتفي فيها بهذا ، لما فيه من الغناء والله الموفق

وأما ما استدل به من لم ير القنوت في الفجر فقد أجاب عنه أصحابنا والجمهور

1- 2 – أما الجواب عن حديث أنس وأبى هريرة في قوله ” ثم تركه” فالمراد أنه ترك لعنهم والدعاء عليهم وليس المراد أنه ترك القنوت كله ، وهذا التأويل ضروري للجمع بين الأحاديث، وحديث أنس كالصريح في هذا

وذلك أن أنس بن مالك قال ” إن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهراً يدعو عليهم ، ثم تركه، فأما في الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا.

وهو حديث صحيح

قال البيهقي 2 / 213 : وقد روينا عن عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله أنه قال :

“إنما ترك اللعن ” .

قال النووي في ” المجموع ” ويوضح هذا التأويل: رواية أبي هريرة، وهي قوله ” ثم ترك الدعاء لهم ” (9) اهـ .

وقال الحازمي في “الاعتبار ” في الرد على من زعم أن قوله: ” ثم تركه ” ناسخ لأصل القنوت، لا للدعاء على الكفار، أو للمستضعفين – قال:

يدفعه ما رواه البخاري، ومسلم، عن أنس، قال عاصم الأحول: سألت عن القنوت أقبل الركوع ، أم بعد الركوع ؟

فقال: قبل الركوع، قال فقلت: فإنهم يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت بعد الركوع ؟! فقال: كذبوا، وإنما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا يدعو على ناس قتلوا ناسا من أصحابه يقال لهم: ” القراء ”

قال: وفي حديثهم: ” إنما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الركوع شهرا ” ألا تراه فصل بين القنوت المتروك، والقنوت الملزوم ؟ ثم لم يطلق اللفظ حتى أكده بقوله “ بعد الركوع ” فدل على شرعية القنوت بعد الانتهاء عن الدعاء على الأعداء.

ثم ذكر ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال : ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعوَ لأحد ، قنت بعد الركوع ، وربما قال : سمع الله لمن حمده ، ربنا ولك الحمد ، اللهم أنج الوليد بن الوليد ، وسلمة بن هشام ، والمستضعفين من المؤمنين ، اللهم أشدد وطأتك على مضر ، وأجعلها عليهم سنين كسنِّي يوسف

يجهر بذلك حتى كان يقول في بعض صلاة الفجر : اللهم العن فلانا وفلانا ، أحياء من العرب ، حتى أنزل الله تعالى :

(( ليس لك من الأمر شيء )) الآية .

قال: وفي قوله: ” كان يقول في بعض صلاته ” دليل على أن القنوت لم يشرع لأجل أحياء من العرب، بل كان مشروعا، وإنما كان أحيانا يزيد فيه الدعاء عليهم، حتى نهي فانتهى.

ثم روى عن خالد بن أبي عمر أنه قال : ” بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على مضر ، إذ جاء جبريل عليه السلام ، فأومأ إليه : أن اسكت ، فقال : يا محمد ، إن الله لم يبعثك سبّابا ولا لعَّانا ، وإنما بعثك رحمة ، ولم يبعثك عذابا ، ” ليس لك من الأمر شيء ، أو يتوب عليهم أو يُعذبهم فإنهم ظالمون ” قال : ثم علمه هذا القنوت : ” اللهم إنا نستعينك ونستغفرك … الخ ”

ثم قال : هذا مرسل ، أخرجه أبو داود في المراسيل ، وهو حسن في المتابعات اهـ
(10) .

ثم قال : في ص / 71 : وأما حديث أنس فلا مطمع في الاحتجاج به ، إذ ليس فيه دلالة على النسخ ، وقوله في الحديث : ” ثم تركه ” : أي الدعاء على الكفار .

ومما يؤكد ما ذهبنا إليه ، ما رويناه عنه بإسناد متصل أنه حكي قنوت النبي صلى الله عليه وسلم ومداومته عليه إلى أن فارق الدنيا ، فلو حملناه على ما ذكرتموه – أي من النسخ – أدى إلى إبطال الحديثين من غير حاجة ، وفيما ذهبنا إليه جمع بين الحديثين ، فكان أولى .

ثم ذكر وجها آخر في الرد فقال ك ما تمسكتم به طرف من حديث ، فلو بحثتم عن أصل الحديث أبان لكم بطلان دعوى النسخ .

ثم روى بإسناده عن أبي جعفر الرازي ، عن عاصم ، عن أنس قال :

” قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصبح بعد الركوع ، يدعو على أحياء من العرب ، وكان قنوته قبل ذلك وبعده قبل الركوع ”

هذا إسناد متصل ، ورواته ثقات ، ثم تكلم على تعديل أبي جعفر الرازي ونقل نصوص معدليه من أئمة الجرح والتعديل ، وأن أحمد بن حنبل خرج حديثه في مسنده ، ثم قال : والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه فعل أنس بن مالك ذلك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر بإسناده عن أنس ” إنه سئل عن القنوت في صلاة الصبح ، أقبل الركوع أم بعده ؟ فقال : كلا تفعل ، قبل وبعد ”

قال : هذا إسناد صحيح ، لا علة له .

قال : وأما حديث أبي هريرة فأيضا ليس فيه دلالة على النسخ ، وذلك من وجوه :

منها قوله : ” ثم بلغنا أنه ترك ذلك ” إنما هو من قول الزهري ، مدرج في الحديث ، ثم معناه : أنه ترك الدعاء عليهم .

وإنما ترك ذلك ، لأنه في حديث أبي هريرة أنه دعا للمستضعفين ، ودعا على مضر .

فأما المستضعفون فأنجاهم الله تعالى من أيدي المشركين .

وأما مضر ، فمنهم قتلوا ، ومنهم ماتوا ، ومنهم أسلموا ، فقوله : ” ترك ”

أي : الدعاء لهؤلاء المخصوصين المؤمنين ، والدعاء على هؤلاء الكفار المعينين ، وبقي ما عدا ذلك ، من الثناء على الله ، والدعاء لنفسه والمؤمنين .

وقد جاء هذا مبينا في حديث أبي هريرة ، فروى بإسناده عن أبي هريرة : ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقنت في صلاته في الركعة الأخيرة من صلاة الغداة ، بعدما يقول : سمع الله لمن حمده – شهرا ، يقول في قنوته : اللهم أنج الوليد بن الوليد ، اللهم أنج سلمة بن هشام ، اللهم أنج عياش ابن أبي ربيعة ، للهم أنج المستضعفين من المؤمنين ، اللهم أشدد وطأتك على مضر ، اللهم أجعلها عليهم سنينا كسنِّي يوسف ، فلم يزل يدعو لهم حتى نجاهم الله تعالى ، حتى كان صبيحة الفطر ، ثم ترك الدعاء لهم ، فقال عمر بن الخطاب : يا رسول الله مالك لم تدع للنفر ؟ قال : أو ما علمت أنهم قدموا ؟ ”

ومنها : فعلُ أبي هريرة ، ثم ساق بإسناده عن أبي هريرة أنه قال : ” والله لأنا أقربكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الصبح ، بعد ما يقول : سمع الله لمن حمده ، فيدعو للمؤمنين ، ويلعن الكفار ”

ثم قال : هذا حديث صحيح أخرجه البخاري. اهـ .

3 – وأما الجواب عن حديث أبي مالك الأشجعي سعد بن طارق : فهو أن الذين رووا القنوت وأثبتوه عندهم زيادة علم ، وهم أكثر من الذين نفوه ، فوجب تقديم روايتهم .

قال البيهقي في ” السنن “(11) : طارق بن أشيم الأشجعي لم يحفظه عمن صلى خلفه ، فرآه محدثا ، وقد حفظه غيره ، فالحكم له دونه. اهـ .

4 – وأما ما روي عن بن مسعود من نفيه قنوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وأنه صلى الله عليه وسلم ما قنت في شيء من صلاته ، فقد أجاب عنه أصحابنا بأنه ضعيف جدا .

قال البيهقي في ” السنن “(12) : رواه جابر بن محمد السحيمي ، وهو متروك .

ثم بين البيهقي أن أبن مسعود روى قنوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاءه على القوم فقال : وقد روى أبو حمزة الأعور ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله قال: ” قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا يدعو على عصية وذكوان ، فلما ظهر عليهم ترك القنوت ” .اهـ .

أي : فهذا مناقض لرواية النفي المطلق ، على أن رواية النفي شديدة الضعف .

ثم قال : وقد روينا عن عبد الرحمن بن مهدي– رحمه الله– أنه قال: إنما ترك اللعن .اهـ .

وعلى افتراض صحة الرواية عن ابن مسعود نهى نفي ، وغيرها عن غيره ممن هو أكثر إثبات ، والإثبات مقدم على النفي كما هو معروف .

5 – وكذلك ما رواه الحازمي عن ابن مسعود ، من ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقنت إلا شهرا لم يقنت قبله ولا بعده ”

قال الحازمي وهذا لا يجوز الاحتجاج به لوجوه

منها : أنه ضعيف ، وبين ضعفه ، ثم قال : وروي من طرق كلها ضعيفة ، لا يجوز الاحتجاج بها ، وما كان بهذه المثابة لا يمكن أن يجعل رافعا لحكم ثابت بطرق صحاح .

قال : ولو قدرنا صحته لكنا نجمع بين الأحاديث كلها ونقول : قوله : ” لم يقنت إلا شهرا واحدا لم يقنت قبله ولا بعده ” محمول على معنى ما روي ” أنه قنت شهراً يدعو على رعل ، وذكوان ، وعصية ، فلما نهى الله عز وجل عن الدعاء عليهم بقوله : “ليس لك من الأمر شيء ” الآية ، انتهى

وترك ذلك ” وما روينا محمول على الدعاء والثناء على الله عز وجل ، والعمل بدليلين أولى من العمل بدليل واحد (13) اهـ

6 – وأما عدم قنوت ابن عمر ، وقوله : إنه لا يحفظ القنوت عن أحد من أصحابه ؛ بأنه إن كان لا يحفظه هو فقد حفظه غيره ، أنس بن مالك ، والبراء ابن عازب ، وأبو هريرة ، وغيرهم ممن نقلنا عنهم القنوت ، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ ، والإثبات مقدم على النفي .

قال البيهقي في “السنن ” : نسيان بعض الصحابة ، أو غفلته عن بعض السنن ، لا يقدح في رواية من حفظه وأثبته. اهـ

7 – وأما ما رواه البيهقي والحازمي عن أبن عمر من ” أن القنوت بعد فراغ القارئ بدعة ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم غيرَ شَهْرٍ واحدٍ ، ثم تَركهُ “فقد أجاب عنه البيهقي والحازمي بأنه ضعيف ، لأنه من رواية بشر بن حرب الندبي، وهو ضعيف .

وقد بين الحازمي بإسهاب أقوال العلماء بتجريحه، ثم قال :

ولو قدرنا صحة الحديث ، فهو حجة لنا أيضا ، لأن أبن عمر أراد بالبدعة ههنا القنوت قبل الركوع لأنه روي عنه في الصحيح من طرق ” أن النبي صلى الله عليه وسلم قَنَتَ بعدَ الركوع ” فدلَّ على أن أبن عمر إنما أنكر القنوتَ قبلَ الركوع ، وأما بعد الركوع فكان عاملاً له ، مقراً به .

قال : وهذا الحديث قد روي من طرق عن ابن عمر كلها معللة وفيها مقال، والصحيح ما رواه سليمان بن حرب، عن شعبة، عن الحكم، عن أبي الشعثاء، قال : ” سألتُ أبنَ عمرَ ، عن قنوتِ عمرَ ، فقال : ما شهدتُ ولا رأيتُ ”

وهذا يدفع ما رواه عبد الرحمن بن محمد الديلي ، عن ابن إدريس ، عن عبيد الله أبن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : ” صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، فلم يقنتوا ، ولم يجهروا ”

قال: وكيف يصح هذا وقد روينا عنه بأسانيد صحيحة ” أن النبي صلى الله عليه وسلم حين رفع رأسه ثم ذكر من الركعة الأخيرة قنت ”

ثم ذكر وجها آخر فقال : إن ابن عمر كان قد شهد أباه وهو يقنتُ ، وقنتَ معه ، ولكنه نسيه يدل عليه – ثم ذكر إسناده لابن سيرين – أن سعيدَ بنَ المسيبِ ذُكِرَ له قولُ ابنِ عمرَ في القنوتِ فقال : ” إما إنه قد قنتَ مع أبيه ، ولكنه نسيه ”

وقدر روى أسامةُ بن زيد الليثي قال : ” سمعتُ سالم بن عبد الله يقول : سئل بن عمر عن شيء ، فقال للسائل : ائت سعيدَ بنَ المسيب فَسَلْهُ ، ثم أخبر بن عمر بالمسألة ، فتوجه الرجل فسأل سعيدا ، فأفتاه بمثل ما قال أبن عمر ، فقال ابنُ عمرَ : قد أعلمتكم أنه أحمد العلماء ”

وقد روينا عنه أنه كان يقول : ” قد كبرنا ونسينا إئتوا سعيد بن المسيب فسلوه ”

فمثل سعيدِ بنِ المسيب ، في فضله ، ونبله ، وعلمه ، إذا شهد على عبد الله بن عمر أنه رآه من أبيه ولكنه نسيه ، يقبل منه ، لأنه لم يكن ليشهد عليه إلا بعد أن يتحققه أنه رآه من أبيه ، ولكنه نسيه .

ولا يلحق أبنَ عمر في ذلك وصم ، لأن الناسي محطوط عنه الوزر .

ثم ذكر وجها آخر فقال : ما روينا عن عمر في إثبات القنوت ، أولى وأرجح مما رويتموه .

فإنا روينا عن صحابيين : أنس بن مالك ، وابن عباس

ومخضرمين : أبي عثمان الهندي ، وأبي رافع الصائغ .

وأربعة من التابعيين : عبد الرحمن بن أبزي ، وعبيد بن عمير ، وزيد بن وهب ، وزياد بن عثمان – أنهم صلوا خلف عمر رضي الله عنه صلاة الصبح ، فقنت فيها ، وهو تأكيد لما قاله سعبدُ بن المسيب : أنه رآه من أبيه ،ولكنه نسيه .

وقال أخيرا : وما ذكرناه أولى ، لأن أحاديثنا تدل على إثبات القنوت ، وأحاديثهم تدل على نفي القنوت ، والمثبت أولى من النافي لأن الأصل أن لا قنوت ، وأحاديثنا أثبتت القنوت ، وهو زيادة حكم ، فكان أولى اهـ (14)

8 – وأما حديث ابن عباس وهو ، ” أن القنوت في صلاة الصبح بدعة ، لا يصح ” فقد أجاب عنه البيهقي في ” السنن “(15) بأنه ضعيف ، لأنه من رواية أبي ليلى الكوفي ، وهو متروك .

قال البيهقي : وقد روينا عن ابن عباس” أنه قنت في صلاة الصبح ”

9 – وأما حديث أم سلمة ، وهو : ” أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن القنوت في صلاة الصبح ” فقد أجاب عنه الإمام أبو الحسن الدار قطني في ” السنن “(16) بأن في إسناده ثلاثة من الضعفاء ، فقال : ” محمد بن ليلى ، وعنبسة ،وعبد الله بن نافع ، ضعفاء ”

ثم ذكر علة رابعة وهي الانقطاع ، فقال : ولا يصح لنافع سماع من أم سلمة

قال : وقال هَيّاج : عن عنبسة ، عن ابن نافع ، عن أبيه ، عن صفية بنت أبي عبيد ” عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا ” وصَفِيةُّ لم تدرك النبي صلى الله عليه وسلم اهـ .

أي فلا يصح الإحتجاج بالمروي عن أم سلمة من طريقيه .

وقد نقل البيهقي في السنن 2 / 214 كلام الدار قطني وأقره .

وقد بين الحازمي في “الاعتبار (17) ” سبب ضعف هؤلاء المذكورين ، وما في الطريقين من الانقطاع ، ثم قال :

وعلى افتراض صحة الحديث فإن النهي محمول على القنوت الذي فيه الدعاء على أقوام معينين

ا هـ .

ومن خلال هذا السرد لأدلتنا – وهي أدلة الجمهور – وأدلة المانعين للقنوت في الفجر يتبين لنا الآتي :

1 – لاشك في أنه صلى الله عليه وسلم قد قنت في صلاة الفجر .

2 – لاشك في أنه كان يدعو في بعض قنوته وصلاته لبعض الصحابة، وعلى بعض الكفرة .

3 – انه لما انتهت الحالة التي اقتضت الدعاء، تركه ، وعلى هذا حمل قول الصحابي : ” ثم تركه ”

4 – أنه صلى الله عليه وسلم استمر بالقنوت في صلاة الفجر حتى فارق الدنيا ، وهو قنوت الدعاء والثناء المعروف .

5 – لاشك أن الخلفاء من بعده – أبا بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعليا – كانوا يقنتون بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

6 – القنوت في صلاة الفجر مذهب جمهور أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المجتهدين ، كما أنه مذهب جمهور التابعين ، والأئمة المجتهدين .

7 – أن ما ذكر من أدلة تقتضي نسخ القنوت ، أو عدم مشروعيته لا تقوى على معارضة الأدلة القاضية بمشروعيته ، حسب ما ظهر لنا ، وترجح عندنا ، والمسألة في طور الظنون ، ولكل مجتهد نصيب ، والله الهادي إلى الرشاد ، والموفق إليه .

(1) ص / 66

(2) لم أعثر في البخاري على لفظة ثم تركه مع أن النووي عزا الرواية إليه في المجموع 3/484 وابن حجر في التلخيص 1/246 وانظر أطراف الحديث عند البخاري في الأرقام التالية 1001,1002,1003,1300,2801, 2814, 3064,3170, 488,4090,4091,4092 ,4093 , 4094 , 4095 ,4096 , 6394 , 7341

(3) انظر الحديث ص / 77

(4) ورواه البغوي في شرح السنة 3 /124 بدون إسناد

(5) ورواه البغوي في شرح السنة 3 /124 بدون إسناد .

(6) ورواه البغوي في شرح السنة 3 / 124

(7) وانظر النووي على مسلم 5 /178 ، وفتح الباري 2 / 489

(8) فتح الباري 2 / 491

(9) 3 / 385

(10) الإعتبار ص / 65 – 66

(11) 2 / 213

(12) الإعتبار 2 / 213

(13) الإعتبار 68 – 69

(14) الإعتبار 69 – 70

(15) (1) /214

(16) 2 /38

(17) ص 71