متممات للبحث،هل نفي الجهة عن الله تعالى يقتضي نفي الرؤية له، والاستدلال على نفي الجهة

متممات البحث

بعد أن انتهى الدكتور من المواضع الخمسة عشر التي وعد بإيرادها وبيان مخالفة مذهب الأشاعرة فيها لمذهب أهلة السنة والجماعة على حسب دعواه، بعد ذلك حاول الدكتور أن يثبت أن مذهب الأشاعرة –مع ما تقدم من مخالفته للسنة- متناقض في نفسه، ومكابر للعقل، ادعى الدكتور ذلك وحاول إثبات دعواه بإيراد أمثلة على ذلك، من هذه الأمثلة ما هو معاد، ومنها ما هو جديد. أما المعاد فنكتفي بما تكلمنا عليه سابقا. وأما الجديد فنتكلم عليه حتى يتضح مدى صحته وسقمه.

ادعى الدكتور هنا ثلاثة دعاوى 34

{1-ليس هناك مذهب أكثر تناقضا من مذهب الأشاعرة!.

2- يدعون العقل ويحكمونه في النقل، ثم يتناقضون تناقضا يبرأ منه العقل!}

هاتان التهمتان من التهم التي يسهل كيلها للمخالفين، والدكتور قد كالها للأشاعرة بدون أن يأتي ببينة عليها!

نعم الذي يحاول أن يتعلم علماً بدون أن يدرسه على مشايخه المتضلعين منه، ولا سيما إذا كان هذا العلم من أدق العلوم أو أدقها كعلم العقيدة على مذهب الأشاعرة، لا يستطيع هذا المحاول أن يتعلم ذلك العلم على وجهه ويفهمه لدقته وعلوه عن فهمه، فتترائ له فيه تناقضات كثيرة عجيبة، فإذا كان هذا المحاول من المعجبين بآرائهم، ولاسيما إذا كان عدواً لهذا العلم ولأصحابه، يتسرع هذا الباحث الصحفي المستوِّر، فيحكم بفساد هذا العلم، لما احتوى عليه من هذه التناقضات، وهذا هو حال الدكتور سفر. وفقنا الله وإياه إلى ما فيه خير الدنيا والأخري.

ثم حاول الدكتور إثبات هاتين الدعويين بدليل إجمالي، وهو في الحقيقة دعوى ثالثة ينقصها الدليل، ويعوزها الإثبات، بل تنقضها البينة، ويزيفها التثبت. فقال:

{3-يرجع معظم تناقضهم إلى كونهم لم يسلِّموا للوحي تسليماً كاملا، ولم يعرفوا للعقل منزلته الحقيقية وحدوده الشرعية. ولم يلتزموا بالعقل التزاماً واضحا، ويرسموا منهجاً عقلياً متكاملا كالمعتزلة والفلاسفة، بل خلطوا وركبوا، فتناقضوا واضطربوا}

يقصد الدكتور أن الأشاعرة لم يلتزموا لا بمذهب فرقته، ولا بمذهب المعتزلة والفلاسفة، بل حاولوا التلفيق بينهما فتناقضوا واضطربوا.

أقول: إن الله تعالى قد أنعم على الإنسان بنعمة العقل لا ليعطله ويهمله، بل ليفكر به ويستعمله، ومن أجل ذلك جعل الله تعالى العقل مناطاً للتكليف، لكن الله تعالى خلق العقل محدود الإدراك، وحدد له حدوداً لا يستطيع أن يتخطاها ويتجاوزها إلى وراءها، وعندما يحاول العقل تجاوز هذه الحدود يقع في الخطأ، ومن أجل ذلك كان الإنسان بحاجة إلى نزول الوحي وبعثة الرسل، لأن العقل لا يفي بدرك الحقائق كلها ولا بدرك مصالح الإنسان كلها، فأنزل الله تعالى الوحي، وأرسل الرسل، فالأشاعرة لم يهملوا العقل ولم يعطلوه، بل استعملوه في مجاله الذي خلقه الله لأن يستعمل فيه، ولم يطلقوا له العنوان حتى يتعدى مجاله وحدوده إلى ما ليس بمجال له، بل هو مجال للوحي كما فعلت المعتزلة والفلاسفة.

ثم استعمل الأشاعرة النقل الذي هو الكتاب والسنة الواردين بلغة العرب على أساليب اللغة العربية من الحقيقة والمجاز والكناية، فحكموا على ما هو حقيقة منه بأنه حقيقة، وعلى ما هو مجاز بأنه مجاز، وعلى ما هو كناية بأنه كناية، هذا ما فعله الأشاعرة، وقد أصابوا فيما فعلوه في عامة الأحوال، وقد يكونون قد أخطأ كلهم أو بعضهم في بعضها، ولم يجعل الله العصمة لأحد غير أنبيائه، فخرج مذهبهم من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين. وهذه هي الحكمة التي أوتوها، يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا.

ثم قال الدكتور: {وإليك أمثلة سريعة للتناقض ومكابرة العقل:

قالوا: إنه يجوز أن يرى الأعمى بالمشرق البقة بالأندلس}

أقول: من مشاكل الدكتور أنه لا يعلم كثيرا من الاصطلاحات العلمية، ولو كان عالما بها لما تورط في كثير من الأخطاء التي تورط فيها في هذا الكتيب، وذلك أ ن معنى أن هذا الأمر جائز أنه ليس بمحال، حتى يكون مما لا تتعلق قدرة الباري تعالى به، بل هو جائز يجوز تعلق قدرة الله تعالى به، وأنه داخل في قدرته تعالى أن يُرِيَ أعمى الصين البقة بأرض الأندلس على سبيل خرق العادة، كما قال شيخ مشايخنا العلامة الشيخ خليل الأسعردي في كتابه “نهج الأنام”

فأعمى بصين الشرق قد جاز أن يرى :: بعوضاً بأرض الغرب عند الذي يرى

ولا أدرى إذا كان الدكتور ينكر ذلك على الأشاعرة هل يعتقد امتناع خوارق العادات التي منها معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء، أم يعتقد أن هذا الأمر ليس من الجائز الذي يجوز خرق العادة فيه، بل يعتقد أنه من الممتنع والمحال العقلي الذي لا يجوز خرقه، والاعتقادان كلاهما باطلان!

70- هل نفي الجهة عن الله تعالى يقتضي نفي الرؤية له، والاستدلال على نفي الجهة:

قال الدكتور34: {قالوا: إن الجهة مستحيلة في حق الله تعالى، ثم قالوا: بإثبات الرؤية، ولهذا قيل فيهم: من أنكر الجهة وأثبت الرؤية فقد أضحك الناس على عقله}

أقول: قائل هذا القول هم المعتزلة المنكرون لرؤية الله تعالى وللجهة معا، ونلزمهم بأن الجهة لو كانت شرطا عقلياً للرؤية لا يمكن أن تتحقق الرؤية بدونه لزم أن لا نكون مرئيين لله تعالى، لأنه كما أنه تعالى ليس في جهة منا، فإننا أيضا لسنا في جهة منه، لأنه لو تحققت الجهة بالنسبة إلى طرف من الرائي والمرئي لتحققت بالنسبة إلى الطرف الآخر أيضا، وإذا انتفت عن طرف انتفت بالنسبة إليه عن الطرف الآخر، فثبت على المعتزلة أن الجهة ليست بشرط عقلي بالنسبة إلى الرؤية، بل هي شرط عادي يجوز تخلفه كما في رؤية الله تعالى.

ثم نقول للدكتور: إن من شرط الرؤية في الشاهد ثبوت مسافة معينة لا تتحقق الرؤية عند تجاوز المرئي لها، فهل تعتقد أن الله تعالى حينما يراه المؤمنون يكون على هذه المسافة من الرائي، وأنت تعتقد أن الله تعالى فوق السماوات السبع وفوق العرش، وإن قلت: ينزل ربنا حينئذ إلى تلك المسافة قلنا: النزول والحركة من صفات الأجسام محالان على الله تعالى، فثبت أن الله تعالى يري بدون هذه المسافة المعينة، فنقول: إذا جاز أن يرى بدون هذه المسافة المعينة، جاز أن يرى بدون جهة أيضا لأن الجهة كالمسافة شرط عادي في الشاهد يجوز تخلفه، وليس شرطا عقليا لا يجوز تخلفه، قال القاضي أبو يعلى: (كما جاز رؤيته لا في جهة)[1] وقال البيهقي: (فإنه عز وجل يرى لا في جهة)[2]

وأما أن الجهة المعينة مستحيلة على الله تعالى فقد استدل عليها الأشاعرة بالمعقول والمنقول. أما المعقول فقد استدلوا منه بدلائل كثيرة نكتفي منها بما يلي: فنقول: الجهة ليس أمراً ثابتاً لا يتغير، بل هي أمر إضافي نسبي يختلف باختلاف الناس واختلاف الأحوال والأوضاع، فهذا فوق لهذا، وهو نفسه تحت للآخر، ويمين لهذا وشمال للآخر، وفوق لهذا في حالة وتحت له في حالة أخرى، كسطح البيت فإنه فوق لمن هو في داخل البيت، وتحت لمن هو على السطح.

فنقول لمثبت الجهة المعينة لله تعالى: لا ريب في أنك تثبت لله تعالى جهة العلو والفوقية كما أنه لا ريب في أنك تثبت هذه الجهة لله تعالى بالنسبة إلى جميع الناس في كل الأحوال، وقد ثبت أن الأرض كروية، فالذي فوق بالنسبة إلى ناس هو تحت بالنسبة إلى آخرين، فلا يكون هذا الحكم صحيحاً بالنسبة إلى جميع الناس، وقد ثبت أيضا أن الأرض متحركة، فالجهة التي هي فوق بالنسبة إلى بعض الناس في هذه الساعة لا تبقى فوقا لهذا البعض بعد عدة ساعات، بل تتحول إلى تحت لهم، فلا يكون هذا الحكم صحيحاً بالنسبة إلى كل الأحوال أيضا. ونكتفي من المعقول بهذا الدليل.

وأما المنقول فقد استدل الأشاعرة على نفي الجهة والمكان لله تعالى بالحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان يقول في دعائه: (اللهم أنت الأول، فليس قبلك شيء، وأنت الآخر، فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، أقض عنا الدين وأغننا من الفقر)

قال البيهقي: استدل بعض أصحابنا بهذا الحديث على نفي المكان عن الله تعالى، فإذا لم يكن فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن في مكان.[3]

وهذه الدلائل من المعقول والمنقول هي التي أدت بالطحاوي أن يقول في عقيدته الملقبة ببيان أهل السنة والجماعة: (لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات) وأدت بشيخ الحنابلة القاضي أبي يعلى أن يقول: (كما جازت رؤيته لا في جهة)[4]

[1] المعتمد في أصول الدين55.

[2] الإعتقاد 63.

[3] الأسماء والصفات 40.

[4] المعتمد 55.