الصفحة الرئيسية » كتب للقراءة والتحميل » مفاهيم يجب أن تصحح » دعوة أئمة التصوف إلى العمل بالشريعة

دعوة أئمة التصوف إلى العمل بالشريعة

مفاهيم يجب أن تصحح

السيد محمد بن علوى المالكى رحمه الله

دعوة أئمة التصوف إلى العمل بالشريعة

التصوف ذلك المظلوم المتهم ، قليل من ينصفه بل بلغت الجراءة والوقاحة ببعضهم إنه جعله من صفات الذم والقدح التي تسقط بها الشهادة وتزول بها العدالة فيقول : فلان ليس بثقة ولا يقبل خبره لماذا ؟ لأنه صوفي .

والعجيب الغريب أننا نرى بعض هؤلاء الذين يذمون التصوف ويحاربون أهله ويناصبونهم العداء ، نرى بعض هؤلاء المنكرين يفعل ما يفعل ، ويقول ما يقول عن التصوف ، ثم لا يستحي على وجهه حينما ينقل كلام هؤلاء الأئمة من الصوفية في خطبه وكلامه على منابر الجمعة وكراسي الدروس ، فيقول بكل بجاحة ووقاحة : قال الفضيل بن عياض ، وقال الجنيد ، وقال الحسن البصري ، وقال سهل التستري ، وقال المحاسبي ، وقال بشر الحافي .

وهؤلاء هم أئمة التصوف وأقطابه وأركانه وقواعده وبنيانه ، وكتب التصوف مشحونة بأقوالهم وأخبارهم ومناقبهم وشمائلهم ، فلا أدري أهو جهل أم تجاهل ؟ وعمي أو تعامي ؟ .

وقد أحببت أن أنقل كلام أئمة الدين الذين هم أركان التصوف ورجاله ، أردت أن أنقل كلامهم عن الشريعة الإسلامية لنعرف موقفهم الحقيقي ، لأن الواجب أن نعرف الشخص عن الشخص نفسه ، فالإنسان هو خير من يتحدث عن رأيه وأوثق من يظهر ما يضمر .

قال الإمام الجنيد رضي الله عنه : الطرق كلها مسدودة عن الخلق إلا من اقتفى أثر رسول الله r واتبع سنته ولزم طريقته ، لأن طرق الخيرات كلها مفتوحة عليه ، وعلى المقتفين أثره والمتابعين .

وجاء أن أبا يزيد البسطامي قدس سره قال ذات يوم لأصحابه : قوموا بنا حتى ننظر إلى ذلك الذي قد شهر نفسه بالولاية ، قال : فمضينا ، فإذا بالرجل قد قصد المسجد فرمى بزاقه نحو القبلة فانصرف أبو يزيد ولم يسلم عليه .

وقال : هذا ليس بمأمون على أدب من آداب رسول الله r فكيف يكون مأموناً على ما يدعيه من مقامات الأولياء والصديقين .

قال ذو النون المصري : مدار الكلام أربع : حب الجليل وبغض القليل واتباع التنزيل وخوف التحويل . من علامات المحب لله عز وجل متابعة حبيب الله r في أخلاقه وأفعاله وأوامره وسننه .

قال السري السقطي : التصوف اسم لثلاثة معان : وهو الذي لا يطفئ نور معرفته نور ورعه ، ولا يتكلم بباطن في علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب والسنة ولا تحمله الكرامات على هتك أستار محارم الله .

قال أبو نصر بشر بن الحارث الحافي : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ، فقال لي : يا بشر ! أتدري لم رفعك الله بين أقرانك ؟ قلت : لا يا رسول الله ، قال : باتباعك لسنتي وخدمتك للصالحين ، ونصيحتك لإخوانك ومحبتك لأصحابي وأهل بيتي ، هذا هو الذي بلغك منازل الأبرار .

قال أبو يزيد بن طيفور بن عيسى البسطامي : لقد هممت أن أسأل الله تعالى أن يكفيني مؤنة الأكل ، ومؤنة النساء ، ثم قلت : كيف يجوز لي أن أسأل الله هذا ، ولم يسأله رسول الله r إياه ، فلم أسأله ثم إن الله سبحانه وتعالى كفاني مؤنة النساء حتى لا أبالي استقبلتني امرأة أو حائط ، وقال أيضاً : لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرتقي في الهواء ، فلا تغتروا به ، حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي ، وحفظ الحدود ، وأداء الشريعة .

قال سليمان عبد الرحمن بن عطية الداراني : ربما وقع في قلبي النكتة من نكت القوم أياماً ، فلا أقبل منه إلا بشاهدين عادلين : الكتاب والسنة ، وقوله : منه، أى من قلبي .

قال أبو الحسن أحمد بن أبي الحوارى : من عمل عملاً بلا اتباع سنة رسول الله r فباطل .

قال أبو حفص عمر بن سلمة الحداد : من لم يزن أفعاله في كل وقت بالكتاب والسنة ، ولم يتهم خواطره ، فلا تعده في ديوان الرجال .

قال أبو القاسم الجنيد بن محمد : نم لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر ، لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة .

وقال أيضاً : مذهبنا هذا مقيد بأصول الكتاب والسنة ، علمنا هذا مشيد بحديث رسول الله r .

قال أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الحيرى : ولما تغير على أبي عثمان الحال مزق ابنه أبو بكر قميصاً على نفسه ففتح أبو عثمان عينيه ، وقال : السنة يا بني في الظاهر ،علامة كمال في الباطن .

وقال أيضاً : الصحبة مع الله بحسن الأدب ، ودوام الهيبة ، والصحبة مع الرسول r باتباع سنته ولزوم ظاهر العلم ، والصحبة مع أولياء الله تعالى بالاحترام والخدمة .

والصحبة مع الأهل بحسن الخلق ، والصحبة مع الإخوان بدوام البشر ما لم يكن إثماً ، والصحبة مع الجهال بالدعاء والرحمة .

قال أيضاً : من أمَّر السنة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة ، ومن أمَّر الهوى على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالبدعة ، قال تعالى : } وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا { .

قال أبو الحسن بن محمد النوري : من رأيته يدعي مع الله حالة تخرجه عن حدِّ العلم الشرعي فلا تقربن منه .

قال أبو الفوارس شاه بن شجاع الكرماني : من غض بصره عن المحارم ، وأمسك نفسه عن الشهوات ، وعمر باطنه بدوام المراقبة ، وظاهره باتباع السنة ، وعود نفسه أكل الحلال لم يخطئ له فراسته .

قال أبو العباس أحمد بن محمد بن سهل بن عطاء الأدمى : من ألزم نفسه آداب الشريعة نوَّر الله قلبه بنور المعرفة ، وأعطى به مقام متابعة الحبيب r في أوامره ، وأفعاله ، وأخلاقه .

وقال أيضاً : كل ما سئلت عنه فاطلبه في مفزة العلم ، فإن لم تجده ، ففي ميدان الحكمة ، فإن لم تجده فزنه بالتوحيد ، فإن لم تجده في هذه المواضع الثلاثة فاضرب به وجه الشيطان .

قال أبو حمزة البغدادي البزاز : من علم طريق الحق تعالى سهل عليه سلوكه ، ولا دليل على الطريق إلى الله تعالى إلا متابعة الرسول r ، في أحواله ، وأفعاله ، وأقواله .

قال أبو إسحاق إبراهيم بن داود الرقي : علامة محبة الله : إيثار طاعته ومتابعة نبيه r .

قال ممشاد الدينوري : أدب المريد في التزام حرمات المشايخ ، وخدمة الإخوان ، والخروج عن الأسباب وحفظ آداب الشرع على نفسه .

قال أبو محمد عبد الله بن منازل : لم يضيِّع أحد فريضة من الفرائض إلا ابتلاه الله تعالى بتضييع السنن ، ولم يبتَل أحد بتضييع السنن إلا أوشك أن يبتلى بالبدع .

ــــــــــــــــ

(1) هذا وقد ألف العلامة الفاضل الشيخ عبد الحفيظ المكي رسالة قيمة وهي (موقف أئمة الحركة السلفية من التصوف والصوفية) ، جمع فيها أقوال وآراء الإمام أحمد بن حنبل ، والشيخ ابن تيمية ، وابن القيم ، والذهبي وابن كثير ، وابن رجب ومحمد بن عبد الوهاب ، وموقفهم المؤيّد للتصوف ، ومدحهم وثناءهم على مشايخ السادة الصوفية .