الصفحة الرئيسية  »  بحوث   »   مراعاة النسك

مراعاة النسك

بسم الله الرحمن الرحيم

ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب، لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق، ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين. صدق الله العظيم.

المقدمة

الحمد لله الذي شرح لقاصديه أقصر طريق، وجمع لعارفيه أسباب التوفيق، وبوأ خليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم مكان البيت العتيق، فقال: {وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود، وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق} (الحج).

وصلِّ اللهم أتم صلاة وأكملها، وأشرفها وأفضلها، وأعمها وأشملها على سيدنا محمد أفضل خلقك أجمعين، وعلى آله وصحبه الطيبين صلاة لا يحصيها عدد، ولا يقطعها أمد، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.

ثواب الحج والعمرة

قال الله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} (آل عمران).

الحج

هو الركن الخامس من أركان الإسلام، وهو عبادة مفروضة، وأفعال مخصوصة، من إحرام وطواف بالبيت، وسعي بين الصفا والمروة، ووقوف بعرفة. فرضه الله في العمر مرة واحدة على المستطيع، ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم.

قال الله عز وجل: {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق، ليشهدوا منافع لهم} (الحج).

قال مجاهد رحمه الله تعالى: هي منافع الدنيا والآخرة.

وقال بعض السلف: غفر لهم ورب الكعبة.

قال الله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} (آل عمران).

جاء في نزهة المتقين: من استطاع إليه سبيلا: بأن وجد الزاد والراحلة.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ قال: «إيمان بالله ورسوله». قيل: ثم ماذا؛ قال: «الجهاد في سبيل الله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور». (متفق عليه).

«المبرور» هو الذي لا يرتكب صاحبه فيه معصية.

وقيل: المتقبل.

وقال الحسن البصري: الحج المبرور: أن ترجع زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت وصوم رمضان». (متفق عليه).

وقال صلى الله عليه وسلم: «الحجاج والعمار وفد الله إن دعوه أجابهم، وإن استغفروه غفر لهم» (رواه النسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان).

وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لإبليس – لعنه الله – شياطين مردة يقول لهم: «عليكم بالحجاج والمجاهدين فأضلوهم السبيل».

(أخرجه الطبراني في الكبير عن ابن عباس).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» (متفق عليه واللفظ للبخاري).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اغفر للحجاج ولمن استغفر له الحاج».

(قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم).

وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحجاج والعمار وفد الله دعاهم فأجابوه وسألوه فأعطاهم». (رواه البزار بإسناد جيد).

وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» (متفق عليه).

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «لكن أفضل الجهاد: حج مبرور» (رواه البخاري).

جاء في نزهة المتقين:

أفاد الحديث: التعبير عن الحج بالجهاد إشارة إلى عظيم فضله وثوابه وحض النساء عليه والحج للنساء أفضل من الجهاد ما لم يتعين بأمر الإسلام أو دخول العدو إلى البلد وتمكنهم من القتال وعدم الخوف عليهن، وكذلك بالنسبة للرجال فأفضلية الحج مقيدة بعدم تعين القتال وإلا كان فرارا من الجهاد باسم العبادة.

وعنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة». (رواه مسلم).

جاء في نزهة المتقين: أفاد الحديث: بيان فضل يوم عرفة وأن الله تعالى يعتق فيه أكثر من كل الأيام ويتجلى الله على عباده ويفاخر بهم ملائكته فيغفر لهم ويرحمهم.

آداب الحج

قال الله تعالى:

{وأتموا الحج والعمرة لله فإن أُحصرتم فما استيسر من الهدى ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدى محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا آمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب} (البقرة).

قال الإمام الفخر الرازي في تفسيره:

قوله تعالى: {وأتموا} أمر بالإتمام، والمعنى: افعلوا الحج والعمرة على نعت الكمال والتمام.

جاء في كتاب التفسير المنير للشيخ وهبة الزحيلي:

إتمام الحج والعمرة: أي أداؤهما تامين كاملين لا ينقصهما شيء من شروطهما وأفعالهما من غير أن يفعل أثناءهما شيء من المحظورات.

وقد اتفق العلماء على فرضية الحج، واختلفوا في العمرة، بالرغم من الأمر إتمامها في هذه الآية. فقال الشافعية والحنابلة: العمرة واجبة كالحج، لقوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله}.

وذهب المالكية والحنفية: إلى أن العمرة سنة، لأن كل الآيات التي فرض فيها الحج، جاءت مجردة عن ذكر العمرة.

قال تعالى:

{الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب} (البقرة).

قال الإمام القرطبي في تفسيره:

واختلف في الأشهر المعلومات، فقال ابن مسعود وابن عمر وعطاء والربيع ومجاهد والزهري: أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة كله. وقال ابن عباس والسدي والشعبي والنخعي: هي شوال وذو القعدة وعشرة من ذي الحجة.

وقال أيضا: قوله تعالى {فمن فرض فيهن الحج} أي ألزمه نفسه بالشروع فيه بالنية قصدا باطنا، وبالإحرام فعلا ظاهرا، وبالتلبية نطقا مسموعا، قاله ابن حبيب وأبو حنيفة في التلبية. وليست التلبية عند الشافعية من أركان الحج، وهو قول الحسن بن حي. قال الشافعي: تكفي النية في الإحرام بالحج.

وقال الطبري في تفسيره في تأويل قوله تعالى:

{فلا رفث} والصواب من القول في ذلك عندي، أن الله جل ثناؤه نهى من فرض الحج في أشهر الحج – عن الرفث، فقال: {فمن فرض فيهن الحج فلا رفث} والرفث في كلام العرب أصله: الإفحاش في المنطق ثم تستعمله في الكناية عن الجماع.

وقال الإمام القرطبي:

قوله تعالى: {فلا رفث} قال ابن عباس وابن جبير والسدي وقتادة والحسن وعكرمة والزهري ومجاهد ومالك: الرفث الجماع، أي فلا جماع لأنه يفسده.

وقال عبد الله بن عمر وطاوس وعطاء وغيرهم: الرفث الإفحاش للمرأة بالكلام.

وقال قوم: الرفث، الإفحاش بذكر النساء، كان ذلك بحضرتهن أم لا.

وقال الفخر الرازي:

المراد بالرفث الجماع. وقال الحسن: المراد منه كل ما يتعلق بالجماع. وقال آخرون: الرفث هو قول الخَنا والفحش. وعن أبي عبيد أنه قال: الرفث: الإفحاش في المنطق.

قال الإمام الطبري:

معنى قوله {ولا فسوق} النهي عن معصية الله في إصابة الصيد: وفعل ما نهى الله المحرم عن فعله في حال إحرامه.

وقال الإمام القرطبي:

قوله تعالى {ولا فسوق} يعني جميع المعاصي كلها، قاله ابن عباس وعطاء والحسن.

وكذلك قال ابن عمر وجماعة: الفسوق إتيان معاصي الله عز وجل في حال إحرامه بالحج، كقتل الصيد وقص الظفر وأخذ الشعر، وشبه ذلك.

وقال ابن زيد ومالك: الفسوق الذبح للأصنام، ومنه قوله تعالى :

{ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق} (الحجرات).

وقال ابن عمر أيضا: الفسوق السباب، ومنه قوله عليه الصلاة السلام:

«سباب المسلم فسوق وقتاله كفر». والقول الأول أصح، لأنه يتناول جميع الأقوال.

قال صلى الله عليه وسلم: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه»، و«الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» خرجه مسلم وغيره.

وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «والذي نفسي بيده ما بين السماء والأرض من عمل أفضل من الجهاد في سبيل الله أو حجة مبرورة لا رفث فيها ولا فسوق ولا جدال».

وقال الفقهاء:الحج المبرور هو الذي لم يعص الله تعالى فيه أثناء أدائه.

وقال الفراء: هو الذي لم يعص الله سبحانه بعده، ذكر القولين ابن العربي رحمه الله.

ثم قال الإمام القرطبي: قلت: الحج المبرور هو الذي لم يعص الله سبحانه فيه ولا بعده.

قال الحسن: الحج المبرور هو أن يرجع صاحبه زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة. وقيل غير هذا.

وقال الفخر الرازي:

وأما الفسوق: اختلف المفسرون، فكثير من المحققين حملوه على كل المعاصي قالوا: لأن اللفظ صالح للكل ومتناول له. والنهي عن الشيء يوجب الانتهاء عن جميع أنواعه فحمل اللفظ على بعض أنواع الفسوق تحكم من غير دليل، وهذا متأكد بقوله تعالى: {ففسق عن أمر ربه} (الكهف)، وبقوله: {وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان} (الحجرات). وذهب بعضهم إلى أن المراد منه بعض الأنواع ثم ذكروا وجوها:

الأول: المراد منه السباب واحتجوا عليه بالقرآن والخبر، أما القرآن فقوله تعالى: {ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان} (الحجرات).

وأما الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»

والثاني: المراد منه الإيذاء والإفحاش، قال تعالى: {ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم} (البقرة).

والثالث: قال ابن زيد: هو الذبح للأصنام، فإنهم كانوا في حجهم يذبحون لأجل الحج، ولأجل الأصنام، وقال تعالى: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق} (الأنعام)، وقوله: {أو فسقا أهل لغير الله به} (الأنعام)،

والرابع: قال ابن عمر: إنه العاصي في قتل الصيد وغيره مما يمنع الإحرام منه.

والخامس: أن الرفث هو الجماع ومقدماته مع الحليلة، والفسوق هو الجماع ومقدماته على سبيل الزنا.

والسادس: قال محمد بن جرير الطبري: الفسوق. هو العزم على الحج إذا لم يعزم على ترك محظوراته.

قال الإمام الطبري في تأويل قوله تعالى:

{ولا جدال في الحج} (البقرة) اختلف أهل التأويل في ذلك.

فقال بعضهم: معنى ذلك: النهي عن أن يجادل المحرم أحدا.

ثم اختلف قائلوا هذا القول: فقال بعضهم: نهى عن أن يجادل صاحبه حتى يغضبه.

ثم نقل أقوال الصحابة والعلماء فقال عن عبد الله: {ولا جدال في الحج­}، قال: أن تماري صاحبك حتى تغضبه.

وعن ابن عباس قال: الجدال أن تماري صاحبك حتى تغضبه. وعن عطاء قال: الجدال أن يماري الرجل أخاه حتى يغضبه.

وعن ابن عباس {ولا جدال في الحج} قال: المراء بالحج.

جاء في التفسير المنير:

{فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} (البقرة) أي فمن أوجبه على نفسه بالإحرام فيهن، وجب أن يبتعد عن الجماع ومقدماته وهو المعبر عنه بالرفث،

وعن أنواع المعاصي والمخالفات مثل صيد البر والطيب والزينة ولبس المخيط،

وعن كل ما يؤدي إلى التنازع والتباغض والاختلاف، كالجدال والمراء والخصام والتنابز بالألقاب،

لأن الشرع يريد من الحاج أن يتجرد عن كل مظاهر الدنيا ومغرياتها ومفاسدها، ويتطهر من الذنوب والسيئات، فيتحقق الغرض المنشود من الحج وهو تهذيب النفس وإشعارها بالعبودية لله الواحد الأحد.

قال تعالى: {وما تفعلوا من خير يعلمه الله} (البقرة)

أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا لتصفو نفوسكم، وتتخلى عن الرذائل، وتتحلى بالفضائل، لأن الله يعلم ما تفعلون، فيجازيكم على كل خير تقدمونه لأنفسكم.

وتزودوا بالأعمال الصالحة التي تنفعكم، واتخذوا التقوى زادا لمعادكم، فإن خير الزاد اتقاء المنهيات، وأخلصوا لي يا أهل العقول أعمالكم، بأداء ما أوجبته عليكم من الفرائض، واجتناب ما حرمته عليكم، فإن فعلتم ذلك نجوتم من العقاب.

أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة».

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى:

الأصح الأشهر أن المبرور هو الذي لا يخالطه إثم مأخوذ من البر وهو الطاعة،

وقيل: هو المقبول ومن علامة القبول أن يرجع خيرا مما كان ولا يعاود المعاصي،

وقيل: هو الذي لا رياء فيه.

وقيل: الذي لا يعقبه معصية، ومعنى ليس له جزاء إلا الجنة أنه لا يقتصر لصاحبه من الجزاء على تكفير بعض ذنوبه بل لابد أن يدخل الجنة والله أعلم.

وأخرج البخاري تحت باب فضل الحج؛ المبرور عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال:

«إيمان بالله ورسوله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور».

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري شرح صحيح البخاري:

قوله (باب فضل الحج المبرور) قال ابن خالويه: المبرور المقبول، وقال غيره: الذي لا يخالطه شيء من الإثم، ورجحه النووي، وقال القرطبي: الأقوال التي ذكرت في تفسيره متقاربة المعنى، وهي أنه الحج الذي وفيت أحكامه ووقع موقعا لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل.

وقد ذكر الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في كتابه الأحياء كلاما جميلا عن أسرار الحج الباطنة اقتطفنا بعضه، قال رحمه الله تعالى:

اعلم أن أول الحج الفهم – أعني فهم موقع الحج في الدين – ثم الشوق إليه ثم العزم عليه ثم قطع العلائق المانعة منه ثم شراء ثوب الإحرام ثم شراء الزاد ثم اكتراء الراحلة ثم الخروج ثم المسير في البادية ثم الإحرام من الميقات ثم التلبية ثم دخول مكة ثم استتمام الأفعال.

وفي كل واحدة من هذه الأمور تذكرة للمتذكر وعبرة للمعتبر.

أما الفهم:

اعلم أنه لا وصول إلى الله سبحانه وتعالى إلا بالتنزه عن الشهوات، والكف عن اللذات والاقتصار على الضرورات فيها، والتجرد لله سبحانه في جميع الحركات والسكنات.

وأما الشوق:

فإنما ينبعث بعد الفهم والتعبير بأن البيت بيت الله عز وجل، وأنه وضع على مثال حضرة الملوك فقاصده قاصد إلى الله عز وجل وزائر له، وأن مَنْ قصد البيت في الدنيا جدير بأن لا يضيع زيارته فيرزق مقصود الزيارة في ميعاده المضروب له، وهو النظر إلى وجه الله الكريم في دار القرار.

وأما العزم:

فيعلم أنه بعزمه قاصداً إلى مفارقة الأهل والوطن، ومهاجرة الشهوات واللذات، متوجها إلى زيارة بيت الله عز وجل، وليعظِّمْ في نفسه قدر البيت، وقدر رب البيت، وليعلم أنه عزم على أمر رفيع شأنه خطير أمره، وأن من طلب عظيماً خاطر بعظيم، وليجعل عزمه خالصاً لوجه الله سبحانه بعيداً عن شوائب الرياء والسمعة.

وأما قطع العلائق:

فمعناه رد المظالم والتوبة الخالصة لله تعالى عن جملة المعاصي.

وأما الزاد:

فليطلبه من موقع حلال.

وأما الراحلة:

إذا أحضرها فليشكر الله بقلبه على تسخير الله عز وجل له الدواب، لتحمل عنه الأذى، وتخفف عنه المشقة.

وأما شراء ثوبي الإحرام:

فليتذكر عنده الكفن ولفه فيه، فإنه سيرتدي ويتَّزِر بثوبي الإحرام عند القرب من بيت الله عز وجل وربما لا يتم سفره إليه، وإنه سيلقى الله عز وجل ملفوفا في ثياب الكفن لا محالة.

وأما الخروج من البلد:

فليعلم عنده أنه فارق الأهل والوطن، متوجهاً إلى الله عز وجل في سفر لا يضاهي أسفار الدنيا فليحضر في قلبه أنه ماذا يريد، وأين يتوجه، وزيارة من يقصد.

وأما دخول البادية إلى الميقات ومشاهدة تلك العقبات: فليتذكر فيها ما بين الخروج من الدنيا بالموت إلى ميقات يوم القيامة وما بينهما من الأهوال والمطالبات.

وأما الإحرام والتلبية من الميقات:

فليعلم أن معناه إجابة نداء الله عز وجل، فَارْجُ أن تكون مقبولا، وَاخْشَ أن يقال لك: لا لبيك ولا سعديك، فَكُنْ بين الرجاء والخوف مترددا، وعن حولك وقوَّتِك متبرئا، وعلى فضل الله عز وجل وكرمه مُتَّكِلا.

وأما دخول مكة:

فليتذكر عندها أنه قد أتى إلى حرم الله تعالى آمنا، وَلْيَرْجُ عنده أن يأمن بدخوله من عقاب الله عز وجل، وَلْيَخْشَ أن لا يكون أهلاً للقرب، فيكون بدخوله الحرم خائبا ومستحقا للمقت.

وأما وقوع البصر على البيت:

فينبغي أن يحضر عنده عظمة البيت في القلب، ويقدِّر كأنه مشاهد لرب البيت لشدة تعظيمه إياه، وارْجُ أن يرزقك الله تعالى النظر إلى وجهه الكريم كما رزقك النظر إلى بيته العظيم.

وأما الطواف بالبيت:

فليعلم أنه صلاة، فأحضر في قلبك فيه من التعظيم والخوف والرجاء والمحبة.

وأما الاستلام:

فاعْتَقِدْ عنده أنك مبايع لله عز وجل على طاعته، فصمِّمْ عزيمتك على الوفاء ببيعتك، فمن غدر في المبايعة استحق العقاب.

وأما التعلق بأستار الكعبة والالتصاق بالمتزم:

فلتكن نيتك في الالتزام طلب القرب حباً وشوقاً للبيت ولرب البيت، وتبركاً بالمماسة، ورجاءً للتحصن عن النار في كل جزء من بدنك لما في البيت.

وأما السعي بين الصفا والمروة في فناء البيت:

فإنه يضاهي تردد العبد بفناء دار الملك جائياً وذاهباً مرة بعد أخرى، إظهاراً للخلوص في الخدمة ورجاء للملاحظة بعين الرحمة.

وأما الوقوف بعرفة:

فتذكر – بما ترى من ازدحام الخلق وارتفاع الأصوات واختلاف اللغات – عرصات القيامة واجتماع الأمم مع الأنبياء والأئمة، وإذا تذكرت ذلك فألزم قلبك الضراعة والابتهال إلى الله عز وجل، فتحشر في زمرة الفائزين المرحومين.

وأما رمي الجمار:

فاقصد به الانقياد للأمر إظهاراً للرق والعبودية وانتهاضاً لمجرد الامتثال من غير حظ للعقل والنفس فيه

وأما ذبح الهدي:

فاعلم أنه تقربٌ إلى الله تعالى بحكم الامتثال، فأَكْملْ الهدي وارْجُ أن يعتق بكل جزء منه جزءا منك من النار فهكذا ورد الوعد.

وأما زيارة المدينة:

فإذا وقع بصرك على حيطانها فتذكر أنها البلدة التي اختارها الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم، وجعل إليها هجرته، وأنها داره التي شرع فيها فرائض ربه عز وجل، وسنته وجاهد عدوه وأظهر بها دينه إلى أن توفاه الله عز وجل.

وأما زيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم:

فينبغي أن تقف بين يديه، وتزوره ميتاً كما تزوره حيا، ولا تقرب من قبره إلا كما كنت تقرب من شخصه الكريم لو كان حيا، واعلم أنه عالم بحضورك وقيامك وزيارتك وأنه يبلغه سلامك وصلاتك، فًمًثِّلْ صورتَه الكريمة في خيالك موضوعاً في اللحد بإزائك، وأَحْضِرْ عظيمَ رتبته في قلبك فقد رُوي عنه صلى الله عليه وسلم:

«أن الله تعالى وَكَّلَ بقبره ملكاً يبلغه سلام من سلَّم عليه من أمته»

هذا في حق من لم يحضر قبره، فكيف بمن فارق الوطن، وقطع البوادي شوقاً إلى لقائه ،واكتفى بمشاهدة مشهده الكريم، إذ فاته مشاهدة غرته الكريمة، وقد قال صلى الله عليه وسلم:

«من صلَّى علي مرة واحدة صلى الله عليه عشرا»

فهذا جزاؤه في الصلاة عليه بلسانه فكيف بالحضور لزيارته ببدنه.

جاء في الفقه الإسلامي وأدلته للشيخ الزحيلي:

ذكر الإمام النووي آدابا عظيمة مفيدة للسفر وهي ما يأتي (نقلت بتصرف بسيط):

1 – المشاورة:

يستحب أن يشاور من يثق بدينه وخبرته وعلمه في حجة، وعلى المستشار أن يبذل له النصيحة، فإن المستشار مؤتمن والدين النصيحة.

2 – الاستخارة:

ينبغي إذا عزم على الحج أو غيره أن يستخير الله تعالى، فيصلي ركعتين من غير الفريضة، ثم يقول بعدها: (اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن (ذهابي إلى الحج في هذا العام) خير في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمرى وعاجله وآجله، فاقْدِرْهُ لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه. اللهم وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري وعاجله وآجله، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به).

ويستحب أن يقرأ في هذه الصلاة بعد الفاتحة في الركعة الأولى (الكافرون) وفي الثانية (الإخلاص). ثم ليمض بعد الاستخارة لما ينشرح إليه صدره.

3 – التوبة ورد المظالم والديون:

إذا عزم على السفر تاب من جميع المعاصي، ورد المظالم إلى أهلها، وقضى ما أمكنه من ديونه، ورد الودائع، وطلب المسامحة ممن كان يعامله أو يصاحبه، وكتب وصيته وأشهد عليها، ووكَّلَ من يقضي عنه ديونه ما لم يتمكن من وفائها، وترك لأهله ما يحتاجونه من نفقة.

4 – إرضاء الوالدين والزوج:

يجتهد في إرضاء والديه وكل من يبره، وتسترضي المرأة زوجها وأقاربها، ويستحب للزوج أن يحج مع امرأته.

5 – كون النفقة حلالا:

ليحرصْ على أن تكون نفقته حلالا خالصا من الشبهة، فإنْ حجَّ عند الجمهور، لكنه ليس حجا مبرورا. وقال أحمد: لا يجزيه الحج بمال حرام.

6 – الاستكثار من الزاد الطيب والنفقة:

يستحب الاستكثار منهما ليواسي منه المحتاجين، ولقوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا انفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} (البقرة) والمراد بالطيب هنا: الجيد، وبالخبيث: الرديء.

7 – ترك المماحكة في الشراء:

يستحب ذلك بسبب الحج وكل ما يتقرب به إلى الله تعالى.(معنى المماحكة): التمادي في المساومة «لسان العرب بتصرف».

8 – عدم المشاركة في الزاد والراحلة والنفقة:

يستحب ذلك إيثارا للسلامة من المنازعات.

9 – تحصيل مركوب قوي مريح:

يستحب ذلك، والركوب في الحج أفضل من المشي في المذهب الصحيح للشافعية، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج راكبا، وكانت راحلته زاملته. والزاملة: البعير الذي يحمل عليه الطعام والمتاع.

10 – تعلم كيفية الحج:

لابد إذا أراد الحج أن يتعلم كيفيته، وهذا فرض عين، إذ لا تصح العبادة ممن لا يعرفها. ويستحب أن يستصحب معه كتابا واضحا في مناسك الحج، وأن يديم مطالعته، ويكررها في جميع طريقه لتصير محققة عنده.

11 – اصطحاب الرفيق:

ينبغي أن يطلب له رفيقا، راغبا في الخير، كارها للشر، إن نسي ذكَّره، وإن ذكر أعانه، ويحرص على رضا رفيقه في جميع طريقه، ويتحمل كل واحد صاحبه، ويرى لصاحبه عليه فضلا وحرمة، ولا يرى ذلك لنفسه، ويصبر على ما وقع منه أحيانا من جفاء ونحوه.

وقد كره الرسول صلى الله عليه وسلم الوحدة في السفر، وقال: «الراكب شيطان، والراكبان شيطانان والثلاثة ركب» وإذا ترافق ثلاثة أو أكثر أمروا على أنفسهم أفضلهم وأجودهم رأيا، لحديث «إذا كانوا ثلاثة فليؤمروا أحدهم».

12 – التفرغ للعبادة والإخلاص:

يستحب أن يتفرغ للعبادة، خاليا عن التجارة، لأنها تشغل القلب، فإن اتجر مع ذلك صح حجه، لقوله تعالى: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم} (البقرة)، ويريد بعمله وجه الله تعالى، لقوله سبحانه {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} (البينة). وقوله عليه السلام: «إنما الأعمال بالنيات».

13 – كون السفر يوم الخميس والتبكير:

يستحب أن يكون سفره يوم الخميس، «إذ قلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر إلا يوم الخميس»، فإن فاته فيوم الاثنين، إذ فيه هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة. ويستحب أن يبكر لحديث صخر الغامدي: «اللهم بارك لأمتي في بكورها».

14 – صلاة سنة السفر:

يستحب إذا أراد الخروج من منزله أن يصلي ركعتين، يقرأ في الأولى بعد الفاتحة (الكافرون) وفي الثانية (الإخلاص)، ويستحب أن يقرأ بعد سلامِهِ آية الكرسي، ولإيلاف قريش، وسورة الإخلاص والمعوذتين، ثم يدعو بحضور قلب وإخلاص بما تيسر من أمور الدنيا والآخرة، ويسأل الله تعالى الإعانة والتوفيق في سفره وغيره من أموره، فإذا نهض من جلوسه، قال ما رواه أنس: «اللهم إليك توجهت، وبك اعتصمت، اللهم اكفني ما أهمني وما لم أهتم به، اللهم زودني التقوى، واغفر لي ذنبي».

15 – الوداع:

يستحب أن يودع أهله وجيرانه وأصدقاءه وأن يودعوه ويسْتَسْمِحهم، ويقول كل واحد منا لصاحبه (استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، زوَّدك الله التقوى، وغفر ذنبك، ويسر لك الخير حيث كنت).

16 – الدعاء عند الخروج من البيت:

السنة إذا أراد الخروج من بيته أن يقول ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ بك من أن أَضِلَّ أو أن أُضَل، أو أَزِلَّ أو أُزَل، أو أَظلم أو أُظلم، أو أَجهل أو يُجهل علي»

وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا خرج الرجل من بيته، فقال: بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، يقال: هُديت وكُفيت ووُقيت».

ويستحب أن يتصدق بشيء عند خروجه، وكذا بين يدي كل حاجة يريدها.

17 – الدعاء عند الركوب:

يستحب إذا أراد الركوب أن يقول: (بسم الله)، وإذا استوي على دابته قال: (الحمد لله، سبحان الذي سخر لنا هذا، وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون)، ثم يقول: (الحمد لله) ثلاث مرات (الله أكبر) ثلاث مرات، ثم يقول: (سبحانك، اللهم إني ظلمت نفسي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) للحديث الصحيح في ذلك.

ويستحب أن يضم إليه: «اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما تحب وترضى، اللهم هون علينا سفرنا واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل والمال. اللهم إنا نعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في الأهل والمال والولد» للحديث الصحيح في ذلك.

18 – السفر بالليل:

يستحب إكثار السفر في الليل، لحديث أنس: «عليكم الدلجة، فإن الأرض تطوى بالليل».

19 – التقشف والرفق في السفر:

أن يتجنب الشبع المفرط ،والزينة، والترفة، والتبسط في ألوان الأطعمة، فإن الحاج أشعث أغبر، روى الترمذي وابن ماجه عن ابن عمر قال: «قام رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من الحاج؟ قال: الشعث التفل».

«التفل: الذي قد ترك استعمال الطيب»

«النهاية في غريب الحديث، لابن أثير».

وينبغي أن يستعمل الرفق وحسن الخلق مع الناس، ويتجنب المخاصمة والمخاشنة ومزاحمة الناس في الطريق وموارد الماء إذا أمكنه ذلك.

ويصون لسانه من الشتم والغيبة ولعن الدواب وجميع الألفاظ القبيحة، للحديث المتقدم:

«من حج فلم يرفث، ولم يفسق، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه».

20 – التكبير والتسبيح:

السُنَّةُ التكبير عند العلو، والتسبيح عند الهبوط في واد ونحوه، بدون رفع الصوت.

21 – الدعاء عند رؤية بلد:

يستحب إذا أشرف على قرية أو منزل يقول: «اللهم إني أسألك خيرها وخير أهلها وخير ما فيها، وأعود بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها».

22 – الدعاء عند نزول منزل:

السُنَّةُ إذا نزل منزلا أن يقول: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) لحديث خولة بنت حكيم فيما رواه مسلم: «من نزل منزلا ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء، حتى يرتحل من منزله ذلك».

ويستحب أن يسبح في حال حطِّه الرحل، لقول أنس: «كنا إذا نزلنا سبحنا حتى نحط الرحال».

ويكره النزول في قارعة الطريق، لحديث أبي هريرة: «لا تعرسوا على الطريق فإنها مأوى الهوام بالليل».

23 – الدعاء عند دخول الليل:

السُنَّةُ إذا جن عليه الليل أن يقول ما رواه أبو داود عن ابن عمر قال:

«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر، فأقبل الليل، قال: يا أرضُ، ربي وربُّك الله، أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك وشر ما خلق فيك، وشر ما يدب عليك، أعوذ بالله من أسد وأسود، والحية والعقرب، ومن ساكن البلد، ومن والد وما ولد».

24 – الدعاء عند الخوف:

إذا خاف قوما أو إنسانا أو غيره، قال ما رواه أبو موسى الأشعري: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خاف قوما، قال: اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم».

ويستحب أن يكثر من دعاء الكرب هنا وفي كل موطن وهو: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض، ورب العرش الكريم».

وكان صلى الله عليه وسلم إذا كربه أحد قال: «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث».

25 – الدعاء في السفر:

يستحب الإكثار من الدعاء في جميع سفره لنفسه ولوالديه وأحبائه وولاة المسلمين وسائر المسلمين بمهمات أمور الآخرة والدنيا، لقوله صلى الله عليه وسلم:

«ثلاث دعوات مستجابات، لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده».

26 – التزام الطهارة والصلاة:

يستحب له المداومة على الطهارة والنوم على الطهارة، والمحافظة على الصلاة في أوقاتها المشروعة.

وللحاج وكل مسافر عند عودته إلى بلده آداب أهمها ما يأتي:

1 – السُنَّةُ أن يقول ما ثبت في الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة، كبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات، ثم يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون، عابدون ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده».

2 – السُنَّةُ إذا قرب من وطنه أن يبعث قدامه من يخبر أهله، كيلا يقدم عليهم بغتة.

3 – يحسن أن يقول إذا أشرف على بلد:

(اللهم إني أسألك خيرها، وخير أهلها، وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها) واستحب بعضهم أن يقول: «اللهم اجعل لنا بها قرارا ورزقا حسنا، اللهم ارزقنا جناها، وأعذنا من وباها، وحببنا إلى أهلها، وحبب صالحي أهلها إلينا» رواه ابن السني في الأذكار.

4 – إذا قدم، فلا يطرق أهله في الليل بل يدخل البلدة غدوة، وإلا ففي آخر النهار، روى مسلم عن أنس «أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يطرق أهله ليلا، وكان يأتيهم غدوة أو عشية».

5 – إذا وصل منزله، فالسُنَّةُ أن يبتدئ بالمسجد، فيصلي فيه ركعتين، وإذا دخل منزله صلى أيضا ركعتين، ودعا وشكر الله تعالى.

6 – يستحب لمن يسلم على الحاج أن يقول:

(قبل الله حجك، وغفر ذنبك، وأخلف نفقتك) لقوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اغفر للحاج، ولمن استغفر له الحاج».

7 – يستحب أن يقول إذا دخل بيته ما كان يقوله النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن عباس: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رجع من سفره، فدخل على أهله، قال: توبا توبا ولربنا أوبا، لا يغادر حوبا»

توبا: أي نسألك توبة كاملة. ولا يغادر حوبا أي لا يترك إثما.

8 – ينبغي أن يكون رجوعه خيرا مما كان، فهذا من علامات قبول الحج، وأن يكون خيره مستمرا في ازدياد.

أذكار الحج

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه الأذكار:

الدعاء عند الإحرام:

إذا أراد الإحرام اغتسل وتوضح ولبس ازاره ورداءه ثم يصلي ركعتين، ويستحب أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة {قل يا أيها الكافرون} وفي الثانية {قل هو الله أحد} فإذا أراد الإحرام نواه بقلبه.

ويستحب أن يساعد بلسانه قلبه، فيقول: نويت الحج وأحرمت به لله عز وجل، لبيك اللهم لبيك إلى آخر التلبية.

ويستحب أن يصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد التلبية، وأن يدعو لنفسه ولمن أراد بأمور الآخرة والدنيا، ويسأل الله تعالى رضوانه والجنة، ويستحب الإكثار من التلبية، ويستحب أن يرفع صوته بالتلبية بحيث لا يشق عليه، وليس للمرأة رفع الصوت، لأن صوتها يخاف الافتتان به.

الدعاء عند دخول حرم مكة:

إذا وصل المحرم إلى حرم مكة زاده الله شرفا استحب له أن يقول: اللهم هذا حرمك وأمنك فحرمني على النار، وأمني من عذابك يوم تبعث عبادك، واجعلني من أوليائك وأهل طاعتك، ويدعو بما أحب.

فإذا دخل مكة ووقع بصره على الكعبة ووصل المسجد استحب له أن يرفع يديه ويدعو، فقد جاء أنه يستجاب دعاء المسلم عند رؤيته الكعبة ويقول:

اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة، وزد من شرفه وكرمه ممن حجه أو اعتمره تشريفا وتكريما وتعظيما وبرا، ويقول اللهم أنت السلام ومنك السلام، حينا ربنا بالسلام، ثم يدعو بما شاء من خيرات الآخرة والدنيا.

الدعاء عند استلام الحجر والطواف:

يستحب أن يقول عند استلام الحجر الأسود أولا، وعند ابتداء الطواف أيضا: بسم الله، والله أكبر، اللهم إيماناً بك وتصديقاً بكتابك، ووفاءً بعهدك واتباعاً لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم.

ويستحب أن يكرر هذا الذكر عند محاذاة الحجر الأسود في كل طوفة، ويقول في رمله في الأشواط الثلاثة «اللهم اجعله حجا مبرورا، وذنبا مغفورا، وسعيا مشكورا».

ويقول في الأربعة الباقية: «اللهم اغفر وارحم، واعف عما تعلم و أنت الأعز الأكرم، اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار».

وحكي عن الحسن رحمه الله أن الدعاء يستجاب هنالك في خمسة عشر موضعا:

في الطواف، وعند الملتزم،وتحت الميزاب، وفي البيت، وعند زمزم، وعلى الصفا والمروة، وفي المسعى، وخلف المقام، وفي عرفات، وفي المزدلفة، وفي منى، وعند الجمرات الثلاث،

فمحروم من لا يجتهد في الدعاء فيها.

ومذهب الشافعي وجماهير أصحابه أنه يستحب قراءة القرآن في الطواف لأنه موضع ذكر. وأفضل الذكر قراءة القرآن.

ويستحب إذا فرغ من الطواف ومن صلاة ركعتي الطواف أن يدعو بما أحب، ومن الدعاء المنقول فيه: «اللهم أنا عبدك وابن عبدك أتيتك بذنوب كثيرة وأعمال سيئة، وهذا مقام العائذ بك من النار، فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم».

الدعاء في الملتزم:

ومن الدعوات المأثورة في الملتزم «اللهم لك الحمد حمداً يوافي نعمك، ويكافئ مزيدك، أحمدك بجميع محامدك ما علمت منها وما لم أعلم، على جميع نعمك ما علمت منها وما لم أعلم، وعلى كل حال، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آل محمد، اللهم أعذني من الشيطان الرجيم، وأعذني من كل سوء، وقنعني بما رزقتني وبارك لي فيه، اللهم اجعلني من أكرم وفدك عليك، وألزمني سبيل الاستقامة حتى ألقاك يا رب العالمين!» ثم يدعو بما أحب.

ومن الدعاء المأثور: «يا رب أتيتك من شقة بعيدة مؤملا معروفك فأنلني من معروفك تغنيني به عن معروف من سواك يا معروفا بالمعروف».

وروينا في كتاب النسائي، عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل البيت أتى ما استقبل من دبر الكعبة فوضع وجهه وخده عليه، وحمد الله تعالى وأثنى عليه وسأله واستغفره، ثم انصرف إلى كل ركن من أركان الكعبة، فاستقبله بالتكبير والتهليل والتسبيح والثناء على الله عز وجل والمسألة والاستغفار، ثم خرج.

الدعاء على الصفا والمروة:

والسُنَّة أن يطيل القيام على الصفا ويستقبل الكعبة فيكبر ويدعو فيقول:

«الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أولانا، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، ولا نعبد لا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، اللهم إنك قلت: ادعوني استجب لكم، وإنك لا تخلف الميعاد، وإني أسألك كما هديتني للإسلام أن لا تنزعه مني حتى تتوفاني وأنا مسلم».

ثم يدعو بخيرات الدنيا والآخرة، ويكرر هذا الذكر والدعاء ثلاث مرات، ولا يُلَبِّي، وإذا وصل إلى المروة رقى عليها وقال الأذكار والدعوات التي قالها على الصفا.

الدعاء عند خروجه من مكة إلى عرفات:

يستحب إذا خرج من مكة متوجها إلى منى أن يلبي ويقرأ القرآن، ويكثر من سائر الأذكار والدعوات، ومن قوله: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

ويستحب أن يقول في عرفات دعاء النبي صلى الله عليه وسلم «خير الدعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير».

فيستحب الإكثار من هذا الذكر والدعاء، ويجتهد في ذلك، فهذا اليوم أفضل أيام السنة للدعاء، وهو معظم الحج، ومقصوده والمعول عليه، فينبغي أن يستفرغ الإنسان وسعه في الذكر والدعاء وفي قراءة القرآن، وأن يدعو بأنواع الأدعية، ويأتي بأنواع الأذكار، ويدعو لنفسه ويذكر في كل مكان، ويدعو منفردا ومع جماعة، ويدعو لنفسه ووالديه وأقاربه ومشايخه وأصحابه وأصدقائه وأحبابه، وسائر من أحسن إليه وجميع المسلمين.

وليحذر كل الحذر من التقصير في ذلك كله، فإن هذا اليوم لا يمكن تداركه، بخلاف غيره.

ولا يتكلف السجع في الدعاء، فإنه يشغل القلب ويذهب الانكسار والخضوع والافتقار والمسكنة والذلة والخشوع، ولا بأس بأن يدعو بدعوات محفوظة معه له أو غيره مسجوعة إذا لم يشتغل بتكلف ترتيبها ومراعاة إعرابها.

والسُنَّةُ أن يخفض صوته بالدعاء، ويكثر من الاستغفار والتلفظ بالتوبة من جميع المخالفات مع الاعتقاد بالقلب ويلح في الدعاء ويكرره، ولا يستبطئ الإجابة، ويفتح دعاءه ويختمه بالحمد لله تعالى والثناء عليه سبحانه وتعالى، والصلاة والتسليم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليختمه بذلك وليحرص على أن يكون مستقبل الكعبة وعلى طهارة.

وروينا في كتاب الترمذي، عن علي رضي الله عنه قال: أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة في الموقف:

«اللهم لك الحمد كالذي نقول، وخيرا مما نقول، اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي، وإليك مآلي، ولك رب تراثي، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ووسوسة الصدر، وشتات الأمر، اللهم إني أعوذ بك من شر ما تجيء به الريح».

ويستحب الإكثار من التلبية فما بين ذلك، ومن الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يكثر من البكاء مع الذكر والدعاء،

فهنالك تسكب العبرات، وتستقال العثرات، وترتجى الطلبات، وإنه لموقف عظيم ومجمع جليل، يجتمع فيه خيار عباد الله المخلصين، وهو أعظم مجامع الدنيا.

ومن الأدعية المختارة:

«اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار».

«اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم».

«اللهم اغفر لي مغفرة تصلح بها شأني في الدارين، وارحمني رحمة أسعد بها في الدارين، وتب علي توبة نصوحا لا أنكثها أبدا، والزمني سبيل الاستقامة لا أزيغ عنها أبدا».

«اللهم انقلني من ذل المعصية إلى عز الطاعة، واغنني بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك».

«ونور قلبي وقبري وأعذني من الشر كله، واجمع لي الخير كله».

الدعاء في الإفاضة من عرفة إلى مزدلفة:

يستحب الإكثار في التلبية في كل موطن، وهذا من آكدها.

ويكثر من قراءة القرآن ومن الدعاء، ويستحب أن يقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، ويكرر ذلك.

ويقول: إليك اللهم أرغب، وإياك أرجو، فتقبل نسكي ووفقني وارزقني فيه من الخير أكثر ما أطلب، ولا تخيبني إنك أنت الله الجواد الكريم».

ومن الأدعية المستحبة في المزدلفة والمشعر الحرام:

اللهم إني أسألك أن ترزقني في هذا المكان جوامع الخير كله، وأن تصلح شأني كله، وأن تصرف عني الشر كله، فإنه لا يفعل ذلك غيرك، ولا يجود به إلا أنت.

ويستحب أن يقول: «اللهم لك الحمد كله، ولك الكمال كله، ولك الجلال كله، ولك التقديس كله، اللهم اغفر لي جميع ما أسلفته، واعصمني فيما بقي، وارزقني عملا صالحا ترضى به عني يا ذا الفضل العظيم».

«اللهم إني استشفع إليك بخواص عبادك، وأتوسل بك إليك، أسألك أن ترزقني جوامع الخير كله، وأن تمن علي بما مننت به على أوليائك،وأن تصلح حالي في الآخرة والدنيا يا أرحم الراحمين!».

الدعاء في الدفع من المشعر الحرام إلى منى:

ويستحب الإكثار من الدعاء والأذكار في الدفع من المشعر الحرام إلى منى، ويستحب أن يقول في منى:

«الحمد لله الذي بلغنيها سالما معافى، اللهم هذه مني قد أتيتها وأنا عبدك وفي قبضتك أسألك أن تمن علي بما مننت به على أوليائك، اللهم إني أعوذ بك من الحرمان والمصيبة في ديني يا أرحم الراحمين!».

فإذا شرع في رمي جمرة العقبة قطع التلبية مع أول حصاة واشتغل بالتكبير فيكبر مع كل حصاة.

الدعاء عند الذبح:

استحب أن يقول عند الذبح أو النحر: «بسم الله، والله أكبر، اللهم صل على محمد وعلى آله وسلم، اللهم منك وإليك، تقبل مني» أو تقبل من فلان إن كان يذبحه عن غيره.

الدعاء أيام التشريق:

روينا في صحيح مسلم، عن نبيشة الخير الهذلي الصحابي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله تعالى». فيستحب الإكثار من الأذكار، وأفضلها قراءة القرآن.

الدعاء عند شرب ماء زمزم:

عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ماء زمزم لما شرب له» وهذا مما عمل العلماء والأخيار به، فشربوه لمطالب لهم جليلة فنالوها.

قال العلماء: فيستحب لمن شربه للمغفرة أو للشفاء من مرض ونحو ذلك أن يقول عند شربه:

اللهم إنه بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ماء زمزم لما شرب له» اللهم وإني أشربه لتغفر لي ولتفعل بي كذا وكذا، فاغفر لي أو أفعل. أو: اللهم إني أشربه مستشفيا به فاشفني، ونحو هذا.

الدعاء عند وداع البيت:

وإذا أراد الخروج من مكة إلى وطنه طاف للوداع، ثم أتى الملتزم فالتزمه، ثم قال:

«اللهم، البيت بيتك، والعبد عبدك وابن عبدك وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك، حتى سيرتني في بلادك، وبلغتني بنعمتك حتى أعنتني على قضاء مناسكك، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضا وإلا فمن الآن قبل أن ينأى عن بيتك داري، هذا أوان انصرافي، إن أذنت لي غير مستبدل بك ولا ببيتك، ولا راغب عنك ولا عن بيتك،

اللهم فأصحبني العافية في بدني والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني واجمع لي خيري الآخرة والدنيا، إنك على كل شيء قدير».

ويفتتح هذا الدعاء ويختمه بالثناء على الله سبحانه وتعالى، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم في غيره من الدعوات.

اعلم أنه ينبغي لكل من حج أن يتوجه إلى زيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواء كان ذلك طريقه أو لم يكن، فإن زيارته صلى الله عليه وسلم من أهم القربات وأربح المساعي وأفضل الطلبات فإذا توجه للزيارة أكثر من الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في طريقه، فإذا وقع بصره على أشجار المدينة وحرمها وما يعرف بها زاد من الصلاة والتسليم عليه صلى الله عليه وسلم، وسأل الله تعالى أن ينفعه بزيارته صلى الله عليه وسلم، وأن يسعده بها في الدارين، وليقل:

اللهم افتح علي أبواب رحمتك وارزقني في زيارة قبر نبيك صلى الله عليه وسلم ما رزقته أولياءك وأهل طاعتك واغفر لي وارحمني يا خير مسؤول.

وإذا أراد دخول المسجد استحب أن يقول ما يقوله عند دخول باقي المساجد، فإذا صلى تحية المسجد أتى القبر الكريم فاستقبله واستدبر القبلة على نحو أربع أذرع من جدار القبر، وسلم مقتصدا لا يرفع صوته، فيقول:

«السلام عليك يا رسول الله

السلام عليك يا خيرة الله من خلقه

السلام عليك يا حبيب الله

السلام عليك يا سيد المرسلين وخاتم النبيين

السلام عليك وعلى آلك وأصحابك وأهل بيتك وعلى النبيين وسائر الصالحين

أشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، فجزاك الله عنا أفضل ما جزي رسولا عن أمته».

وإن كان قد أوصاه أحد بالسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

السلام عليك يا رسول الله من فلان بن فلان

ثم يتأخر قدر ذراع إلى جهة يمينه فيسلم على أبي بكر الصديق

ثم يتأخر ذراعا آخر للسلام على عمر رضي الله عنهما

ثم يرجع إلى موقفه الأول قبالة وجه رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتوسل به في حق نفسه، ويتشفع به إلى ربه سبحانه وتعالى، ويدعو لنفسه ولوالديه وأصحابه وأحبابه ومن أحسن إليه وسائر المسلمين، وأن يجتهد في إكثار الدعاء، ويغتنم هذا الموقف الشريف ويحمد الله تعالى ويسبِّحه ويكبِّره ويهلِّله ويصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكثر من كل ذلك

ثم يأتي الروضة بين القبر والمنبر، فيكثر من الدعاء فيها.

روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة».

وإذا أراد الخروج من المدينة والسفر استحب أن يودع المسجد بركعتين، ويدعو بما أحب، ثم يأتي القبر فيسلم كما سلم أولا، ويعيد الدعاء، ويودع النبي صلى الله عليه وسلم ويقول:

«اللهم لا تجعل هذا آخر العهد بحرم رسولك، ويسر لي العود إلى الحرمين سبيلا سهلة بمنك وفضلك، وارزقني العفو والعافية في الدنيا والآخرة، وردنا سالمين غانمين إلى أوطاننا آمنين.

وعن العتبي قال:

كنت جالسا عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابي فقال:

السلام عليك يا رسول الله! سمعت الله تعالى يقول: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما} (النساء) وقد جئتك مستغفراً من ذنبي، مستشفعاً بك إلى ربي، ثم أنشأ يقول:

يا خير من دفنت بالقاع أعظمه

فطاب من طيبهن القاع والأكم

نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه

فيه العفاف وفيه الجود والكرم

قال: ثم انصرف، فحملتني عيناي فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال لي: يا عتبي، إلحق الأعرابي فبشره بأن الله تعالى قد غفر له.

خاتمة

واعلم يا من عزمت على الحج ونويت، أن تعريف الإسلام اصطلاحا:

الاستسلام والخضوع والانقياد لأوامر الله تعالى ونواهيه، وهو واضح وظاهر بين في أداء المناسك، حيث الإحرام والطواف والسعي والوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة ورمي الجمار وذبح الهدي، كل ذلك على هيئة مخصوصة ووقت محدد لا دخل للعقل في ذلك أبدا، إنما هو امتثال واستسلام وطاعة لله ورسوله.

نسأل الله أن يجعل حجكم حجا مبرورا وسعيكم سعيا مشكورا.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله الأطهار وصحبه الأخيار وسلم تسليما كثيرا