الصفحة الرئيسية » بحوث » أخت الإمام المزني وأم الإمام الطحاوي

أخت الإمام المزني وأم الإمام الطحاوي

أخت الإمام المزني وأم الإمام الطحاوي
للباحث / نبيل عواد المزيني

مقدمة البحث
لقد اهتم الإسلام بالمرأة , فذكرها الله في كتابه ، وخصها ببعض آياته ، وخاطبها الرسول في أحاديثه بل جعل للنساء يوماً يحدثهن فيه ، لما للمرأة من دور عظيم في المجتمع وأثر كبير في حياة أبنائها , وقد نجح شاعر النيل حافظ ابراهيم في التعبير عن ذلك حينما قال:

الأم مدرسة إذا أعددتها *** أعددت شعبا طيب الأعراق

وأقدم للقارئ الكريم والباحث الأمين هذا البحث والترجمة لإحدي النساء اللائي أنجبتهن هذه الأمة من خلال تعاليمها السامية التي صانت المرأة وحافظت عليها عزيزة كريمة منذ طفولتها وحتى وفاتها وعكست بذلك صورة تربوية مشرقة في العناية بالمرأة البنت و الأخت والزوجة و الأم .

بحثنا هو ترجمة للعالمة الفقيهة أخت الإمام المزني وأم الإمام الطحاوي ,والقصد من وراء هذا البحث و الترجمة هو بيان مكانة المرأة في الإسلام , وكيف حظيت بتقدير العلماء فترجموا لها في كتب الأعلام وموسوعات التراجم دون تفريق بينها وبين الرجل بالإضافة إلي رغبتي في إلقاء الضوء علي حقبة تاريخية بأرض مصر العربية , غنية بالأعلام و الأحداث كما أمل أن يكون هذا البحث حافزاً وقدوةً للمرأة في عصرنا وفي مجتمعنا للقيام بدورها والمساهمة بنصيبها في النهوض بالأبناء و المجتمع نحو التقدم والازدهار في جميع المجالات .

مولدها ونشأتها
السيدة الفاضلة والعالمة الجليلة أخت المزني والتي نستطيع أن نكنيها طبقاً لما لدينا من معلومات بـ ” أم احمد ”
نشأت في جو يسوده العلم والتقوى والورع ، وفي وسط يزخر بالعلماء والعبّاد والزهّاد فقرأت القرآن وحفظته ، ودرست العلم ووعته ، وسمعت الحديث والفقه وفهمته , عرفت الحق فاتبعته و التزمته ، وعرفت الباطل فأنكرته واجتنبته، واجتهدت في طاعة الله والعبادة , وفي طلب العلم والزيادة , فكانت من العابدات القانتات لله ، كما كانت مصباحًا أضاء الطريق للسالكين الحيارى ، ومعلمة لراغبين في الاستنارة , في الفقه الشافعي .

وهي مصرية المولد و الوفاة , أما الميلاد فكان علي الأرجح في أواخر القرن الثاني , حيث تذكر لنا المصادر أن أخوها الإمام إسماعيل المزني قد ولد في نفس الفترة وذلك بالفسطاط بأرض مصر الكنانة , وبقيت بها حتى تزوجت فرحلت إلي بيت زوجها في صعيد مصر بعد ذلك.

وقد بارك الله لها في طفولتها ، فقد نشأت محاطة بالعزة والكرامة ، فلم تكد تشب عن الطوق حتى فرغت من حفظ كتاب الله تعالى ، وشيئًا غير قليل من السنّة النبوية وكانت لا تفارق أخاها الإمام المزني ، فكان لها قدوةً حسنة وأسوةً صالحة , فأشرق صدرها بنور الإيمان منذ صغرها ، وخالطت نفسها حلاوة الطاعة وهي لازالت في بداية طريقها .

وأما في صباها وشبابها فقد يسر الله تبارك وتعالى لها الأحوال في عصرها , والذي كان غنياً بفطاحل العلماء والأئمة من الفقهاء ، والشيوخ الزهّاد والعبّاد , المصريين و الوافدين , من أمثال السيدة نفيسة رضي الله عنها و الإمام الشافعي وأخوها الإمام المزني وغيرهم الكثير من الذين كانت مصر في ذلك الوقت وجهتهم وفيها وجدوا أمنهم وضالتهم ، فساعد كل ذلك السيدة الفاضلة العالمة أخت المزني علي أن تنهل من العلوم و المعارف حتى عُرفت بالعلم والفقه والصلاح ولقبت بالفقيهة الشافعية .

نسبها والتعريف بها:
هي السيدة العالمة الفقيهة الشافعية أم أحمد بنت يحيى بن عمرو بن إسحاق بن مسلم بن نهدلة بن عبد الله المزني المصرية الشافعية , وهي أخت الإمام المزني صاحب الإمام الشافعي ( رحمهم الله تعالي ) وهي معروفة بالعلم والفقه والصلاح وقد ذكرها السيوطي فيمن كان في مصر من الفقهاء الشافعية.

وتنتسب الفقيهة الشافعية أخت المزني إلي قبيلة مزينة العدنانية من عمود النسب الشريف نسب النبي صلى الله عليه وسلم إذ تلتقي معه في إلياس وهو جدٌّ لرسولنا الكريم .

وقبيلة مزينة قد شرفها الله وأعزها بنصرة دينه ونبيه منذ فجر الإسلام, ومنها 104 صحابياً أجلاء وأثنى عليها النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر من موضع ودعا لها

ومن أشهر أبناء قبيلة مزينة الشاعر كعب بن زهير بن أبى سلمى ، وبشر بن المحتفر المزني ، الفارس المشهور ، ومن هذه القبيلة أيضا الشاعرة خنساء بنت زهير، وغيرهم.. فرضوان الله عليهم أجمعين.

كما يروى أن وفداً قدم من مزينة على النبي صلى الله عليه وسلم وهم أربعمائة رجل، وقاتلوا معه في غزوة حنين وعددهم ألف، واشتركوا في فتح مكة ، وجاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال مثنيا على مزينة: “الأنصار ومزينة وجهينة وغفار وأشجع ومن كان من بني عبد الله موالي دون الناس والله ورسوله مولاهم”، كما أثنى على عدد من المنتمين إلى القبيلة مثل كعب بن زهير الذي أهداه الرسول بردته الشريفة.

ومن الأبيات الرائعة التي قالها ابن عم لها و احد شعراء قبيلتها الفطاحل وهو معن بن أوس المزني رحمه الله في الفخر بقبيلته :
مزينة قومي إن سالت فإنهـــــــم *** لهم عزة لا تستطيع لها نقلا
ولو سرت حتى مطلع الشمس لم تجد *** لقومٍ على قومي وإن كرموا فضلا

وتفيدنا كتب السير و التاريخ بأن جزء من هذه القبيلة الكريمة دخل مصر مع القائد الفاتح عمرو بن العاص رضي الله عنة , ونزلت بالفسطاط بجانب المسجد الجامع ( جامع عمر بن العاص) كما ورد في كتاب الخطط للمقريزي حيث ذكر أهل الراية وهم جماعة من قريش والأنصار , ومزينة , وجهينة وغيرهم .
وإذا كانت فقيهتنا عربية الأصول والجذور فهي أيضاً مصرية المولد و الفروع , وصلة الرحم بين العرب والمصريين ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ , وعند الرجوع إلي التاريخ نجد المصادر تخبرنا أن نبي الله إبراهيم الخليل عليه السلام قد تسرّى بهاجر (المصرية ) فولدت له نبي الله إسماعيل عليه السلام ، فكان من نسله الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم ، وأيضًا لقد تسرّى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمارية القبطية ( مصرية) فولدت إبراهيم .

فعالمتنا الجليلة وفقيهتنا النبيهة السيدة أخت المزني ،ولدت ونشأت علي هذا الإرث من الأصالة والجهاد والتضحية و الإقدام ، كما نبتت في أرض مصر السلام والأمان , ولاشك أن هذا الإرث الخصب الغني كان له أثر كبير في نشأتها وفي ثقافتها العربية والإسلامية.

عصرها وتأثيره علي علمها
عاشت السيدة أخت المزني في أوائل القرن الثالث الهجري في العصر العباسي والذي تميز بضعف الخلافة العباسية ، نتيجة لزيادة نفوذ الأتراك وتوليهم مقاليد الأمور في الدولة , فكان عصر اضطراب وقلق وفوضي من الناحية السياسية في عاصمة الخلافة العباسية بغداد ، وساءت الأحوال ، وكثرت الفتن ، مما اضطر بعض العلماء و الصالحين من أهل البيت و التابعين إلي الرحيل من المدينة وبغداد وفلسطين إلي أرض مصر حيث عاشوا بسلام آمنين فكان في ذلك الخير، لمصر و المصريين . ومن هؤلاء كانت السيدة نفيسة العلم رضي الله عنها وأرضها , والإمام الشافعي رضي الله عنة مما كان له أثرا إيجابي علي حياة عالمتنا وفقيهتنا الشافعية أخت المزني.

لقد كان المجتمع المصري المسلم في ذلك الوقت يتمتع بجانب كبير من التدين والصلاح والتقوى ووفرة الأمن و الأمان ، وذلك لقربه من القرون الفاضلة ولتوفير أسباب الصلاح ولبعده عن مركز الخلافة في بغداد , فكان يهتم عامة الناس بالعلم ، وتقدير العلماء واحترامهم ، وقيام العلماء بواجبهم في الإصلاح ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونشر العلم ، والإنكار على الطرق المنحرفة في الدين تفريطاً وإفراطا كما كان لصلاح الأمراء وتشجيعهم للعلماء الدافع الكبير لعجلة الإصلاح والإرشاد في المجتمع آنذاك , فنشط التعليم في مصر على أثر تعدد المذاهب الفقهية ، و انحاز كل فريق من العلماء المصريين إلى مذهب يأخذ به ، و يدفع عنه، و يعمل على تعليمه و نشره ،مما أثرى وأغني الحياة الثقافية والحركة العلمية الدينية في ذلك الوقت .

و ظل التعليم في مصر تعليماً دينياً خالصاً منضماً إليه دراسة العلوم اللغوية التي لا بد منها لفهم القرآن والحديث وقد وفد إلى مصر علماء كثيرون من العراق و غيرها من البلاد الإسلامية ، جاءوا يعلمون المصريين أحيانا أو يطلبون العلم في مصر أحيانا أخرى ، فقد جاء نافع فقيه أهل المدينة إلى مصر كي يعلم المصريين ، و أقام بينهم مدة طويلة ، كما جاء محمد بن جرير الطبري المحدث الفقيه المفسر المؤرخ وغيرهم الكثير من جهابذة العلم .

لقد كان أهل مصر يلتقون بالسيدة نفيسة في موسم الحج ، ويسألونها زيارتهم في بلدهم لكثرة ما سمعوا عن فضلها وعلمها ولشدة حبهم لأهل البيت الطيبين ، فكانت ترحب بدعوتهم وتقول لهم سأزور بلادكم إن شاء الله فإن الله قد أثنى على مصر وذكرها في كتابه الكريم . وقد أوصى جدي بأهلها خيرًا فقال “إن فتحتم مصر فاستوصوا بأهلها خيرًا، فإن لكم فيها صهرًا ونسبًا.

ولما تبدل الحال بأهل البيت في المدينة وسائر الأمصار, عزمت مع زجها علي الرحيل إلي مصر , فوصلت السيدة نفيسة إلى مصر في يوم السبت 26 رمضان 193 هجرية في عهد هارون الرشيد ، و استقبلها أهل مصر بالتكبير والتهليل ونزلت بدار كبير التجار وقتها “جمال الدين عبد الله الجصاص، فأخذ يقبل عليها الناس يلتمسون منها العلم، فكان لسيدة الفاضلة أخت المزني نصيبا من هذا العلم.

كما كان المصريون من عادتهم بعد قضاء حجهم في مكة أن يحضروا إلى المدينة المنورة للصلاة في مسجد رسول الله (صلّى الله عليه و سلّم) ، و استماع الموطأ من الإمام مالك ، و كان الشافعي يمليه عليهم ، و من ذلك الحين عرف المصريون الشافعي ، ومالت قلوبهم إليه ، و اهتموا بالوقوف على أخباره , و سمع الشافعي شيئًا عن مصر من أهلها فأراد القدوم إليها ليقوم بنشر علمه فيها ، و قد خرج إلى مصر مع واليها العباس بن عبد الله بن العباس ، فوصل إليها سنة تسع وتسعين ومائة ، أو سنة مائتين، (199 هـ أو 200 هـ ) ، أي بعد حوالي خمس سنوات من قدوم السيدة نفيسة العلم رضي الله عنها , وفي مصر استقبله المصريون كما استقبلوا السيدة نفيسة من قبله ورحبوا به ترحيباً عظيماً واحتفوا بقدومه، وأنزلوه منزلاً كريمًا، لما عرفوه عنه من علم وفضل، فقد أخلف الله عليهم به ما فقدوا من علم الإمام الليث وفضله .

وبما أن مزينة وهي أسرة السيدة الفاضلة أخت المزني كانت تسكن بجانب الجامع الكبير المعروف وقتئذ بجامع الفسطاط ( جامع عمر بن العاص لاحقا ) كما أسلفنا بموقع الخطة، فقد كان الإمام أبو إبراهيم إسماعيل المزني وعائلته وأخته ممن يرتادون هذا المسجد لصلاة و العبادة و طلب العلم والزيادة ليوم الحشر بعد القيامة.

وعندما بدأ الإمام الشافعي في التدريس بجامع عمرو بن العاص , و كون له حلقة علمية نشيطة ، يحرر فيها مذهبه، و يمليه على تلاميذه ومريديه ،كان الإمام المزني للإمام الشافعي من الملازمين وللعلم والفقه من الطالبين , وأخته كانت بين النساء المتعلمين وفي حلق الشافعي من الحاضرين.

وكان طلاب العلم يحضرون على الشافعي رجالا و نساء كنظام الجامعات الآن ، و لم يكن هناك حرج من هذا النظام وقتئذ ، لأن مذهب الشافعي و إن كان يقضى بأن لمس النساء ينقض الوضوء ، إلا أن الرجال و النساء أطالت أكمام الثياب تفاديا من ذلك اللمس عملا بوصية الإمام الشافعي.

وكانت النفوس في حرز من تقواها، وصون من النزق لخشية ربها ومولاها.

وقد كان الشافعي يجلس بعد صلاة الصبح لتدريس علوم القرآن، فإذا طلعت الشمس انصرف طلاب علوم القرآن عنه ، وجاءه طلاب علوم الحديث ، فإذا ارتفعت الشمس انصرفوا عنه ، وحضر المتناظرون بين يديه ، ثم يجيء بعدهم أهل العربية والعروض والشعر والنحو ، ولا يزالون معه إلى قرب منتصف النهار ، ثم ينصرف من المسجد ومعه خواص أصحابه و تلاميذه ومنهم أبو إبراهيم إسماعيل المزني والذي كان له من الملازمين .
وقد توثقت صلة الإمام الشافعي بالسيدة نفيسة رضي الله عنها, واعتاد أن يزورها وهو في طريقه إلى حلقات درسه في مسجد الفسطاط، وفي طريق عودته إلى داره وكان يصلي بها التراويح في مسجدها في شهر رمضان ، وكلما ذهب إليها سألها الدعاء ، وعندما ازداد المرض بالشافعي حتى ألزمه الفراش زاره صاحبة المزني فسأله عن حاله ، فقال له أصبحت من الدنيا راحلاً ، ولإخواني مفارقاً ، ولسوء عملي ملاقياً ، وعلى الله وارداً ، وما أدري روحي تصير إلى جنة فأهنيها ، أو إلى نار فأعزيها،
ثم رفع بصره إلى السماء وقال:
ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي *** جعلت الرجا مني لعفوك سلما
تعاظمني ذنبي فلما قرنته *** بعفوك ربي كان عفوك أعظما

ثم توفي- رحمه الله – في ليلة الجمعة الأخيرة من شهر رجب سنة 204 هـ ، بعد العشاء الآخرة بين يدي تلميذه بعد أن نبغ وتخرج عليه عدد من العلماء والفقهاء من الرجال و النساء كان أشهرهم من الرجال إسماعيل بن يحي المزني،ومن النساء السيدة أخت المزني التي أخذ عنها العلماء ودرج اسمها في جدول كبار فقهاء الشافعية

وقد صار كل واحد من هؤلاء علمًا من أعلام الهدى ، ومنارًا يهتدي به إذا أشكلت الأمور، وقد ترك كل منهم آثارًا علمية هي ذخائر في الفقه والعلوم الشرعية وكان قد أوصى الشافعي أن تصلي عليه السيدة نفيسة في جنازته ، فمرت الجنازة بدارها وصلّت عليها إنفاذًا لوصيته.

وبذلك فقد الإمام المزني والمصريين جميعا إمام المذهب الشافعي رحمة الله عليه , وبعد ذلك بأربعة أعوام فقط وفي شهر رجب مرضت السيدة نفيسة رضي الله عنها , وكان وراء ستار لها قبر محفور ، فأشارت إليه وقالت هذا قبري ، وها هنا أُدفن إن شاء الله ، فإذا متُّ فأدخلوني فيه .

فلمّا فاضت روحها الطاهرة الشريفة وكان ذلك في رمضان عام 208 هـ دفنت في قبرها الذي حفرته بيدها، وفقدت مصر بذلك السيدة نفيسة رضي الله عنها, فبكاها أهل مصر، وحزنوا لموتها حزنًا شديدًا، وكانت عند المساكين ليس لها مثيلا.
في هذا العصر الغني بالعلم والعلماء كانت السيدة العالمة أخت المزني تنهل من العلم وتتنقل بين صفحات الكتب وتجلس إلي كبار الفقهاء في عصرها بالإضافة إلي ما عرف عن أسرتها من زهدٍ وورعٍ واجتهادٍ في العبادة كل ذلك أدي إلي أن تصبح من أهل العلم و الفقه في عصرها وخاصة بعد رحيل الرعيل الأول من العلماء وأهل الفضل فكان بعض فقهاء الشافعية ينقل أقوالها واختياراتها وترجيحاتها الفقهية

وكانت ذا أدب جم , تغمر من يجلس إليها بالمودة ، وتُفيض عليهن من التوجيه والعلم , ولها ترجمة في كتاب “طبقات الشافعية” للأسنوي كما كانت من أفضل النساء في الطاعة لربها والرعاية لزوجها وبيتها والتربية لولدها ، ومن أحسنهنَّ اتقاناً لفنِّ إدارة المنزل الذي كانت تعمره بالعبادة والذكر والتربية الحسنة ، وقد أحسنت تربية ولدها , وأفادته من علمها فنشأ صالحا وصار إماماً وعالما وهو الإمام الطحاوي صاحب العقيدة الطحاوية .

أخوها الإمام المزني ( 175 – 264 هـ )

أخوها هو الإمام العلاّمة، فقيه المِلَّة، عَلَم الزُّهَّاد، أبو إبراهيم، إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن مسلم المزني المصري الشافعي. والذي قال الإمام الشافعي عنه: المزنِيُّ ناصرُ مذهبِي .

وهو إمام الشافعيين وأعرفهم بطريق الشافعي وفتاواه وما ينقل عنه صنف كتباً كثيرة ،وكان في غاية من الورع وكان من الزهد على طريقة صعبة شديدة ،وكان مجاب الدعوة ، ولم يكن أحد من أصحاب الشافعي يحدّث نفسه بالتقدّم عليه في شيء من الأشياء ، وهو الذي تولّى غسل الشافعي وقيل إنه كان إذا فاتته الصلاة في جماعة صلى منفرداً خمساً وعشرين صلاة استدراكا ًلفضيلة الجماعة ، مستنداً في ذلك إلى قوله صلى الله عليه وسلم صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين درجة.

قال الشافعي: لو ناظر المزني الشيطان لقطعه، وهذا قاله الشافعي والمزني في سن الحداثة ، ثم عاش بعد موت الشافعي ستين سنة يقصد من الآفاق وتشد إليه الرحال ، حتى صار كما قال أحمد بن صالح : لو حلف رجل أنه لم ير كالمزني لكان صادقا ، وذكروا من مناقبه في أنواع طرق الخير جملاً نفيسة لا يحتمل هذا البحث ذكرها .

وقد حدَّث عنه الكثير من العلماء مثل إمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة ، وأبو جعفر الطحاوي ( ابن أخته) ، وخلق كثير من المشارقة والمغاربة . كما وقد امتلأت البلاد بـ “مختصره” في الفقه ، وشرحه عدة من الكبار ، بحيث يُقال: كانت البِكْرُ يكون في جهازها نسخةٌ بـ “مختصر” المُزني

ولقد أخذ عن الإمام المزني أعداد كبيرة من طلبة العلم وكان من أبرزهم الإمام أبي جعفر الأزدي الطحاوي والذي جاء من الصعيد إلى مصر لطلب العلم واشتغل به عند خاله أبي إبراهيم المزني الشافعي وهو من أجل تلاميذ الإمام الشافعي فكتب عنه وكان قد سمع منه كتاب السنن روايته عن الإمام الشافعي رضي الله عنه.

ومن جلة تلامذته العلامة أبو القاسم عثمان بن بشار الأنماطي شيخ ابن سريج ، وشيخ البصرة زكريا بن يحيى الساجي , كما وتفقه بالمزني خلق لا يحصون عدداً كأبي بكر الخلالي، وأبى سعيد الفريابي، وأبي يعقوب الاسفراييني، وأبي القاسم الأنماطي، وأبي محمد الأندلسي وغيرهم من أصحابنا.

وتردد اسمه في كل كتب المذهب حتى صار من ابرز أعلامه.

وقد قيل عن الإمام المزني أنه -رحمه الله- كان مجاب الدعوة ، ذا زهدٍ وتَأَلُّه ، أخذ عنه خَلْقٌ من العلماء وبه انتشر مذهب الإمام الشافعي في الآفاق , وقد كانت السيدة أخته تجلس إليه لتلقي العلم وقد توفي المزني في 24 رمضان عام 264 هـ وتم دفنه بالقرب من قبر الإمام الشافعي.

ابنها الإمام الطحاوي ( 229- 321 هـ )

هو أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة بن عبد الملك الأزدي الحجري المصري، وينتسب إلي قبيلة الأزد وهي يمنية قحطانية وبذلك يكون قحطاني الأصل وعدناني الخال وهو صاحب العقيدة الطحاوية.

يكنى : أبا جعفر ، ويلقب بالطحاوي خرج أبوه مع المدد الإسلامي لبلاد المغرب ، فلما عاد استقر في صعيد مصر ، وصاهر الإمام إسماعيل المزني هناك ، وقد توفي والد الطحاوي في صعيد مصر سنة أربع وستين ومائتين وهو نفس العام الذي توفي فيه أخو زوجته الإمام المزني وكان رجلاً صالحاً زاهدا ومن أهل العلم والأدب والفضل.

وأما والدته فهي أخت المزني صاحب الإمام الشافعي( رحمهم الله تعالي ) وهي شيخة العلم العالمة الفقيهة ، أخت الإمام إسماعيل بن يحيى المزني الشافعي المذهب الشهير , وقد كانت معروفة بالعلم والفقه والصلاح وقد ذكرها السيوطي فيمن كان في مصر من الفقهاء الشافعية.

ولد ليلة الأحد سنة تسع وعشرين ومائتين من الهجرة , ويلقب بالطحاوي نسبة إلي طحا من أعمال الأشمونين بالصعيد الأدنى والمعروفة الآن بقرية (طحا الأعمدة ) التي تتبع مركز سمالوط بمديرية المنيا. وبذلك هيأ الله للطفل الصغير الأسرة الصالحة، والبيت الصالح .
وتتلمذ الطحاوي على يد والدته الفقيهة العالمة الفاضلة، ونهل الطحاوي من معين علم خاله (المزني ) فاستمع إلي سنن الإمام الشافعي وإلي علم الحديث ورجاله.

ذكر ابن خلكان في الوفيات أن سبب انتقاله إلى مذهب أبي حنيفة ورجوعه عن مذهب خاله المزني أن خاله قال له يوما والله لا يجيء منك شيء فغضب وتركه واشتغل على أبي جعفر بن أبي عمران الحنفي حتى برع وفاق أهل زمانه وصنف كتبا كثيرة.
وذكر أبو يعلى الخليلي في كتاب الإرشاد في ترجمة المزني أن الطحاوى المذكور كان ابن أخت المزني،
صنف كتباً مفيدة منها أحكام القرآن، واختلاف العلماء، ومعاني الآثار، والشروط، وله تاريخ كبير، وغير ذلك.
ذكره القضاعي في كتاب الخطط فقال: كان قد أدرك المزني وعامة طبقته، وبرع في علم الشروط ، وتوفي الطحاوي بمصر ليلة الخميس ، مستهل شهر ذي القعدة ، من سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة من الهجرة . ودفن بالقرافة، وقبره مشهور بها، وله ذكر في ترجمة الفقيه منصور بن إسماعيل الضرير

وفاتها رحمة الله عليها
لم استطع الوصول إلي تاريخ وفاتها رحمة الله عليها فلم تذكر لنا المصادر والمراجع شيئاً عن تاريخ و مكان وفاتها , وهذا ما يرجح استنتاجنا بأنها رضي الله عنها بعد أن تزوجت انتقلت إلي صعيد مصر مع أسرة زوجها حيث وضعت مولودها الإمام الطحاوي , كما إنني لم اعثر علي قبر لها بمدافن القرافة حيث قبر أخيها وعائلتها فقبر ابنها الإمام أبو جعفر الطحاوي بشارع الإمام الليث الموازي لشارع الإمام الشافعي ويمكن الوصل إليه من شارع الإمام الشافعي عبر حارة صغيرة قرب مقام سيدي وكيع , والطريق لسيدي عقبة بن عامر الجهني البدري رضي الله عنه به قبر الحافظ ابن حجر العسقلاني , وبالقرب منة قبر الإمام الزيلعي الحنفي صاحب الكنز , وقبر أخيها الإمام أبو إبراهيم إسماعيل المزني الشافعي قريباً من هذا المكان , كان هذا منذ زمن وقبل هجرتي إلي الولايات المتحدة , وهذا ما وصل إليه علمي بهذه المنطقة وما استرجعته من الذاكرة.

غير أن المصادر الخاصة بقبيلة مزينة في مصر والكاتب يتشرف أن يكون أحد أبنائها تفيدنا بأن جزء كبيرا من قبيلة مزينة نزح من الفسطاط إلي صعيد مصر إبان هذة الفترة , و بالتحديد عندما أسقط الخليفة العباسي المعتصم اسماء الجند العرب من الديوان , واستوطنوا في محافظات المنيا وأسيوط ولازالوا بها حتى وقتنا الحاضر , وعلي هذا فإنه من المرجح أن السيدة الفاضلة أخت المزني قد عاشت بعد زواجها بصعيد مصر وتوفت ودفنت هناك , هذا علي حد علمي والله العالم بشؤون العباد فرحمة الله عليها وعلي أخيها الإمام وعلي ابنها الإمام كانوا جميعا منارة للعلم ومن الصالحين نحسبهم كذلك ولا نزكي علي الله أحد .

تم بحمد الله في يوم 12 أكتوبر 2009

و الله والي التوفيق

نبيل عواد المزيني
باحث وكاتب – الولايات المتحدة

المصادر والمراجع :
============
-مناقب الشافعي – وفيات الأعيان – ومرآة الجنان – وطبقات الشافعية – والعبر – وحسن المحاضرة
– أبو جعفر الطحاوي، عبد الله نذير- الوافي في الوفيات، الصفدي.- سير أعلام النبلاء،الذهبي.- لسان الميزان، ابن حجر- البداية والنهاية، ابن كثير- «لسان العرب» لابن منظور- قبيلة مزينة العدنانية بأرض مصر العربية
– «النهاية» لابن الأثير- «تهذيب التهذيب» لابن حجر- «معجم المناهي اللفظية»- «القاموس المحيط» للفيروزآبادي – تاريخ القرماني أحمد بن يوسف القرماني (939 – 1019هـ) – «تاج العروس» للزبيدي
– «المدخل لابن الحاج» – رحلة ابن جبير/مشاهد الأئمة العلماء الزهاد
– محمد بن جرير الطبري: تاريخ الرسل والملوك- تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم- دار المعارف القاهرة 1968م.
– محمد الخضري- الدولة العباسية- المكتبة التجارية الكبرى- القاهرة 1959م.
– أبو جعفر الطحاوى وأثره في الحديث – الدكتور عبد المجيد محمود