الصفحة الرئيسية  »  مقالات » التعددية الفكرية(المأمونة)

التعددية الفكرية(المأمونة)

التعددية الفكرية(المأمونة)

(مقدمة)
الحمد لله ولي الصالحين والصلاة والسلام على سيد المتقين محمد وآله الطاهرين وأصحابه الغرالميامين.
أما بعد :
في أثناء زيارتي للشيخ الفاضل/ علي الشربجي حفظه الله , أهدى لي كتيب له بإسم ( التعددية الفكرية المأمونة في مجال الدعوة الإسلامية ), فوجدته يبين و يعرِّف و يضع الطرق و الأسس التي يمكن من خلالها نشر الدعوة والتعاون عليها من خلال مختلف الجماعات و الأحزاب و الجمعيات التي تختلف في المسمى و الطريقة الدعوية ومع ذلك تتفق في الغالب بالغاية في نشر الدين وابتغاء مرضات الله تعالى وأريد في هذه المقالة تسليط الضوء على بعض هذه الجوانب.

(أقسام العلم)

قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( طلب العلم فريضة على كل مسلم )صحيح الجامع الصغير3913.
وبناء على الحديث قسم العلماء العلم إلى قسمين :
1- فرض عين : هو ما يخاطب به كل مكلف بعينه , ويطالب به ,بحيث يأثم بتركه , ويثاب بفعله , ولا ينوب فيه واحد عن غيره .
2- فرض الكفاية : هو ما تطالب به الأمة جميعاً , لكن يكفي لتحقيقه قيام البعض به , فإذا ترك , ولم يقم به أحد , أثم الجميع لتركه .

قال الإمام الغزالي رحمه الله في (المنهاج)
العلم المفروض بالجملة ثلاثة:
1-علم التوحيد
2- وعلم السرِ , وما يتعلق بالقلب ومساعيه
3- وعلم الشريعة.

والذي يتعين فرضه من علم التوحيد :
ما يعرف به أصول الدين , وهو أن تعلم أن لك إلهاً قادراً عالماً , حياً مريداً , متكلماً سميعاً بصيراً , لا شريك له , متصفاً بصفات الكمال , ومنزهاً عن دلالات الحدوث, منفرداً بالقدم , وأن محمداً رسوله , الصادق فيما جاء به .

ومن علم السرِ:
معرفة مواجبه , ونواهيه , حتى يحصل لك الإخلاص والنية وسلامة العمل .

ومن علم الشريعة :
كل ما وجب عليك معرفته لتؤديه.
وما فوق ذلك من العلوم الثلاثة فرض كفاية.
انتهى

ومن ذلك نعلم و ندرك شيوع جيوش الجهال عن فروض العين فضلاً عن فروض الكفاية , ولم نقصد أن يكون كل فرد مجتهداً , ولكن أن يكون كل فرد متعلماً ما يجب عليه من العلوم التي تشكل فروض العين بالنسبة له .

(طرق الدعوة)

قال النبي صلى الله عليه وسلم:( بلغوا عنِي و لو آية )البخاري3461

طرق القيام بهذا الواجب كثيرة , ويمكن أن تلبس في كل يوم لبوساً , وتأخذ في كل حقبة أسلوباً , فما دامت الغاية شريفة , والطريق نظيفاً , فخذ بذلك و لا حرج.
من وسائل ذلك : ( الخطابة – الوعظ – الكتابة – الندوات- رحلات-الإعلام ….وغيرها ).
من يقوم بالدعوة : ( أفراد – جماعات- منظمات … وغيرها ) .
فالطرق كثيرة , والأساليب متعددة , ومتنوعة , والفرص متاحة , والأرض خصبة , والغيث مدرار , والتوفيق من الله عز وجل.

( التعددية الفكرية )

معناها :
أن يكون هناك أكثر من رأى , و أكثر من أسلوب , و أكثر من طريقة في تبليغ دعوة الإسلام.
فالناس ليسوا عملة واحدة , وليسوا نسخة واحدة , حتى تتحدد أفكارهم , و معطياتهم وفق نموذج واحد , بل كل فرد عالم متكامل بأفكاره , و آرائه , و أحكامه , وعواطفه , ومشاعره .

حكمها شرعاً :
جائزة شرعاً , و لا غبار عليها , ولامضرَة فيها , ولا معرَة فالتعددية الفكرية حقيقة تفرض نفسها بالحياة , و ترفع صوتها بالدنيا , وليس بمقدور أحد أن يلغيها , أو يجتث شأفتها.
وإذا قلنا بالتعددية الفكرية , فإنما نعني بها المأمونة , من تعددية أفكار , و أحكام العلماء القادة المجتهدين الأتقياء الصالحين الورعين الذين لا يخافون في الله لومة لائم ,و لا يحيدون عن دينه قيد أنملة .
و أما من عداهم إن أفتوا , أو سئلوا فأجابوا فإنما يفتون و يجيبون على نحو ما رسم لهم أئمتهم و مجتهدوهم , ولا يصح أن يستقلوا بابتداع أحكام , وفتاوي , ماداموا غير مؤهلين تماماً لهذا الواجب الجلل ,

قال تعالى( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) النساء 83.
وأولو الأمر هنا : هم العلماء المجتهدون , لأنهم هم أهل العقد و الحل في الأمور الشرعية .

والآية صريحة في تكليف الناس بالرجوع إلى علمائهم , كلما ثارت ثائرة أمر , أو أشكل عليهم حكم حادثة
وهذا مثل قول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا)النساء 59

فالردُ إلى الله تعالى ردٌ إلى كتابه, والردُ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ردٌ إلى سنته, والذين يردون القضايا والحوادث والنوازل, ويعرضونها على الكتاب والسنة إنما هم العلماء المجتهدون, وليس غيرهم.
وهؤلاء العلماء عندما ينظرون في أحكام ما سئلوا عنه قد يتفقون, وقد يختلفون.
فإذا اتفقوا كان اتفاقهم إجماعاً محترما, وحجة متبعة, وكان على الناس التزام ما حكموا به و أجمعوا عليه, من شذ عن ذلك شذَ إلى النار.

قال تعالى : (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)النساء 115

قال الإمام الشافعي رحمه الله :
هذه الآية تدل على أن الإجماع حجة , لأن اتباع غير سبيل المؤمنين , وهو مفارقة الجماعة حرام , فوجب أن يكون اتباع سبيل المؤمنين و لزوم جماعتهم واجباً , فثبت بهذا أن إجماع الأمة حجة .

(شروط التعددية الفكرية )

1-العلم و سلامة الفكر .
2-التعاون و التشاور و عدم التعصب.
3-إتباع الحق , والحرص عليه في الفكر و السلوك.
4-انحصار التعددية الفكرية في دائرة الفروع الشرعية.

( دائرة التعددية الفكرية )

إن التعددية الفكرية المأذون لها والمسموح بها هي ما كانت محصَنة بأسوار الإسلام , منطوية تحت ألويته , مستظلة بأفياء ولايته , لأنه لا معنى لكون الإنسان مسلماً , إلا إذا كان معتنقاً للإسلام , راضياً به , محتكماً إليه , منضبطاً بأصوله , وفروعه .

( خاتمة )

فالتعددية الفكرية إذاً في دائرة العلماء , وفي مجال الأمور الاجتهادية مشروعة , بل حقيقة واقعة , لا تشكل خرقاً لنصوص الدين , و لا فوضى في العمل الدعوي , و إنما تخلق تنافساً شريفاً في مجال الدعوة, وتعاوناً بناءً على الخير , و محبة متبادلة بين المجتهدين و أتباعهم , وسيرة سلفنا الصالح في هذه الميادين لا تزال شاهدة , و ناطقة بما كانوا عليه من تسامح , و تعاون , و محبة و احترام و تقدير للعلم.
قال تعالى (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ )الأنفال 46 .

تلخيص / محمد الجيماز

استطلاع رأي زوار موقع المستنير