الحبُّ الذى يرفع ولا يضع

الحبُّ الذى يرفع ولا يضع

الحمد لله الذي اصطفى من عباده محبين له، وشغلهم بحبه عن حب من سواه، والصلاة والسلام
على الحبيب المحبوب الدّال إلى كل ما يقرب العبد من مولاه، وعلى الآل والصحب الكرام الذين بذلوا الأنفس والمهج في سبيل الله، وعلى التابعين وتابعيهم ومن ساروا على الطريق الذي رسمه رسول الله.

لقد وصف ابن الجو زى في كتابه التذكرة في الوعظ المحبين لله، بأنهم قوم شغلهم حبُّه عن حبِّ من سواه، فهم في قبضة محبته أُسَرَاء، وعلى كل من دونهم أمراء، ولقد صدق لله درّه، فالحب نعمة عظيمة ما أجملَها وأشرفَها كيف تسمو بصاحبها وترفعه إن رعاها حق رعايتها وصرفها لمن يستحقها، وبالمقابل تكون نقمةً ولعنةً، إن تحكمتْ بها النفس فوجهتها لهواها وشهواتها،فحينئذٍ تزري بصاحبها وتهوِى به في درك الذل والشقاء.

ولقد جُبِلَ بنو آدم على المشاعر وفُطروا على الانفعال، خلق الله فيهم الحب والغضب والرحمة وغيرها من العواطف والخلال، والإسلام دين يضبط حياة المسلم ويهذب أخلاقه ويوجهه لما فيه صلاحُه في الدنيا والآخرة، فقد ندبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم للتراحم فقال (( الراحمون يرحمهم الله ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ، من لا يرحم لا يُرحم .))، وأمرنا بدفع الغضب والتحكم به فقال مجيباً الطالبَ للوصية ومكررا((لا تغضب ، لا تغضب ،لا تغضب.)).

أما الحب فقد خصّه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحاديث كثيرة، وما ذلك إلا لعظم شأنه، وخطير أثره في بناء شخصية المسلم وتهذيب أخلاقه، بل رَبَطَهُ بالإيمان في جملة من الآثار، أورد منها ما له علاقة بمرادي من هذا المقال:

قال الشيخ محمد الحجار في كتابه القيّم الحب الخالد:

قال أبو رزين: يا رسول الله ما الإيمان ؟
قال: ” أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.” وفى رواية
قال: “لا يؤمن العبد حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين.”
وفى رواية ” من نفسه.” وقال البخاري ” من والده وولده.”

وفى حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “لأنت أحب إلىّ من كل شئ إلا نفسي.”
فقال عليه الصلاة والسلام: ” لا والذي نفسي بيده ، حتى أكون أحب إليك من نفسك.”
فقال عمر: ” الآن و الله أحب إلىّ من نفسي.”
فقال عليه الصلاة والسلام: ” الآن يا عمر.” أي تم إيمانك.

وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمحبة فقال :” أحبوا الله لما يغذوكم من نعمه، وأحبوني لحب الله تعالى.”
وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى مصعب بن عمير مقبلاً وعليه إهاب كبش قد تمنطق به.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ” انظروا إلى هذا الرجل الذي نوّر الله قلبه، لقد رأيته بين أبويه يغذوانه بأطيب الطعام والشراب، فدعاه حبّ الله ورسوله إلى ما ترون.” اهـ

أمعن النظر أيها القارئ الكريم في الأحاديث السابق ذكرها وكرّر قراءتها مرارا، ثم توجّه لنفسك بهذا السؤال، لمَ ربط رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه النعمة –نعمة الحب- بالذات بالإيمان ؟ وما الذي يحدث عندما تختل موازين الحب في نفس المسلم وتضطرب الأولويات فيقدّم ويُؤخر تبعاً لهواه وشهوته.

الأولوية المطلقة

الأولوية المطلقة لجميع أشكال الحب يجب صرفُها وتوجيهها لله ورسوله، وأن يكون هذا الحب بهذه الصفة مركوزا في القلب وقطب رحاه إن صحّ التعبير، هذا ما تدعو إليه الأحاديث السابقة، وأن تكون باقي المحبوبات مرتّبةً وفق ذلك، ومنسجمة معه، بل يجب ألاّ يشارك حبَّ الله ورسوله، و لا يساميه، ولا يدانيه حبٌّ آخر.

قال تعالى: ((ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه))، وعند تحقق ذلك، لن يكون لحب النفس والأهل والمال والولد حظٌّ في قلب المسلم إلا بما يرضى اللهُ عنه ورسولُه،قال تعالى: (( وإن جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا.))، وعند تحقق ذلك ستنضبط الأهواء والرغبات بضابط الشرع قال تعالى: ((وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم.)).

أورد الشيخ محمد الحجار هذه الأبيات في كتابه الحب الخالد:

قال بعض العارفين:

تنقضي الدنيا وتفنى——— والفتى فيها مُعنَّى
ليس في الدنيا سرور——–لا ولا عيشٌ مهنّي
يا غنيّاً بالدنانير مُحِبُّ الله أغنى

وقال بعضهم :

كانت لقلبي أهواءٌ مفرَّقة—— فاستجمعتْ مُذْ رأتكَ العينُ أهوائي
فصار يحسدني من كنت أحسده – وصرت مولى الورى مُذْ صرتَ مولائي
تركتُ للناس دنياهم ودينهم —-شغلاً بذكرك يا ديني ودنيائى

وقال بعضهم :

الأنس بالله لا يحويه بطّال —– وليس يدركه بالحول محتال
والآنسون رجال كلهم نُجُبٌ—–وكلهم صفوة لله عمّال. اهـ

أرأيت كيف تنسجم المحبوبات وتلتئم، وتنتظم الأهواء وتلتحم، بهذا تسمو الروح، وتزكوا الأخلاق، وترتفع النفس وتكون أهلا للاصطفاء، وبهذا يكون القلب أهلا لنظر الله.
(( إنّ الله لا ينظر إلى صوركم و أشكالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم.))

فإن اختلّ هذا الميزان، وتداخلت هذه الأولويات، واضطرب هذا الانسجام، اختلّ هذا النظام بأجمعه، ولم يتحقق كمال الإيمان، ولم يصدق فيه ما اصطلح عليه العلماء من أنّ المسلم هو المستسلم المنقاد الخاضع لأوامر الله، ولكون هذا الأمر خطير الشأن، عظيم الأثر، كانت إجابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لسيدنا عمر بن الخطاب حاسمة حازمة :

((لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك.))

حديث الولاية :
عن أبى هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إنّ الله تعالى قال: من عادى لي وليّا، فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إلىّ عبدي بشيء أحب إلىّ ممّا افترضته عليه،
ولا يزال يتقرّب إلىّ عبدي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشى بها، وإن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذنى لأعيذنّه.” رواه البخاري.

في الجزء الأول من هذا الحديث الشريف، ” من عادى لي وليا آذنته بالحرب” إخبار من الله جلّ جلاله وإعلام بأنه محارب لمن حارب أولياءه، وقد قال تعالى: (( إنّ الله يدافع عن الذين آمنوا))، فمن هؤلاء الأولياء، وكيف نالوا هذه المكانة العظيمة؟.

إنّ بقية الحديث ترسم لنا الطريق، وتوضح لنا السبيل، حيث بيّن الله تعالى أن أحب الأعمال إليه هي التي افترضها على عباده، ولقد علم العبد الموفق للطاعة ذلك، فتقرّب بها إلى مولاه، فأدّى ما عليه من صلاة وصيام وزكاة وحج، ولحب الله تعالى إياها أحبها، وأراد الحسنى وزيادة فتقرّب إلى مولاه بجنسها من النوافل، فأثمر حبُها والمداومةُ على فعلها انتقال الحب من العمل للعامل، ومن النوافل للمتنفل، فنال الشرف والسعادة، وتحقق له بقية الحديث: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشى بها، فلا يسمع إلا بالله، ولا يبصر إلا بالله، ولا تمتد يده إلا بطاعة الله، ولا تمشى رجله إلا لطاعة الله، فحقّ له أن يجاب حين يَسأل، ويعاذ حين يَتعوّذ.

يحبهم ويحبونه:

ذكر ابن رجب في كتابه جامع العلوم والحكم أثناء شرحه للحديث السابق ما يلي:

” ثم ذكر أوصاف الذين يحبهم ويحبونه فقال(( أذلّة على المؤمنين.)) يعنى: أنهم يعاملون المؤمنين بالذلّة واللين وخفض الجناح، (( أعزّة على الكافرين.)) يعنى: أنهم يعاملون الكافرين بالعزّة والشدّة عليهم والإغلاظ لهم، فلمّا أحبّوا الله، أحبّوا أولياءه الذين يحبونه، فعاملوهم بالمحبّة والرأفة، والرحمة، وأبغضوا أعداءه الذين يعادونه، فعاملوهم بالشدّة والغلظة، كما قال تعالى: (( أشدّاء على الكفار، رحماء بينهم ))، ( يجاهدون في سبيل الله لا يخافون لومة لائم).

وفى بعض الآثار يقول الله عز وجل: ” ابن آدم، اطلبني تجدني، فإن وجدتني، وجدت كل شيء وإن فُتُّكَ فاتك كل شيء، وأنا أحبُّ إليك من كل شيء. ”

وكان ذو النون يردّد هذه الأبيات كثيرا بالليل :

أطلبوا لأنفسكم — مثل ما وجدتُ أنا
قد وجدتُ لي سكنا — ليس في هواه عَنَا
إنْ بعدتُ قرّبَني—- أو قرُبْتُ منه دَنَا

العلاج الناجع والبلسم المجرّب :

ويحسن بنا في الختام أن نذكر بعض الأحاديث والآثار المعينة على تحقيق المراد:
كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: ” اللهم ارزقني حبك وحب من ينفعني حبُّه عندك، اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوّة لي فيما تحب، الله ما زويت عنى مما أحب فاجعله فراغا لي فيما تحب.”
وروى عنه صلى الله عليه وسلم: ” اللهم اجعل حبَّكَ أحب الأشياء إلىّ، وخشيتك أخوف الأشياء عندي، واقطع عنى حاجات الدنيا بالشوق إلى لقائك، وإذا أقررت أعين أهل الدنيا من دنياهم، فأقرر عيني من عبادتك. ”
وفى حديث اختصام الملأ الأعلى الذي يرويه معاذ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” أتاني ربى – يعنى في المنام – فقال لي: يا محمد قل: اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، وحب العمل الذي يبلغني حبك .”

وقال فرقد السبخى : ” قرأت في بعض الكتب، من أحب الله، لم يكن عنده شيء آثر من هواه، ومن أحب الدنيا، لم يكن عنده شيء آثر من هوى نفسه، والمحب لله تعالى أمير مؤمَّر على الأمراء، زمرته أول الزمر يوم القيامة، ومجلسه أقرب المجالس فيما هنالك، والمحبة منتهى القربة والاجتهاد، ولن يسأم المحبون من طول اجتهادهم لله عز وجل، يحبونه ويحبون ذكره ويحببونه إلى خلقه، يمشون بين عباده بالنصائح، ويخافون عليهم من أعمالهم يوم تبدو الفضائح، أولئك أولياء الله وأحباؤه، وأهل صفوته، أولئك الذين لا راحة لهم دون لقائه .” اهـ

بشارتي للمحبين :
أيُّها المحب لرسول الله وآله وصحبه والصالحين، هذه بشارتي لك:
استمع لما يقول ثوبان: يا رسول الله، لأنت أحبُّ إلىّ من أهلي ومالي، وإني لأذكرك فما أصبر حتى أجئ إليك، وإني ذكرت موتى وموتك فعرفت أنك إذا دخلتَ الجنة رُفِعتَ مع النبيين، وإن دخلتُها لا أراك، فأنزل الله:
ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحَسُنَ أولئك رفيقا.
فدعا به النبي صلى الله عليه وسلّم فقرأ الآية عليه .

بشرى لنا معشر الإسلام إنّ لنا—- من العناية ركناً غير منهدم
لمّا دعا الله داعينا لطاعته ——-بأكرم الرسل كنا أكرم الأمم

وجاء أعرابي له جلبة، أزعجه ما أزعج ثوبان وأقضّ مضجعه فراق سيّد ولد عدنان، وسأل سؤالاً يا له من سؤال، حمل جوابُه لنا بشرى يا لها من بشرى، يا رسول الله المرء يحبُّ القوم ولمّا يلحق بهم؟.
فأجابه صلّى الله عليه وسلّم -فداه روحي ونفسي-جواباً استبشر به الصحابة أيّما استبشار (المرء مع من أحب يوم القيامة.)

يا ربِّ ، قد علمت ضعفنا وعجزنا وقلة حيلتنا، وأنّا لا نقوى على أعمالٍ عملوها ولا عبادة كابدوها، و لا جهاداً بالمال والنفس في سبيلك جاهدوه، ولا قياما أسهرهم وأوحش فُرُشَهم قاموه، اللهم ألحقنا بهم بحبنا إياهم، اللهم اجمعنا معهم بحبنا إياهم .اللهم احشرنا معهم بحبنا إياهم.

إنَّها والله نعمة عظيمة ومنَّة من الخالق جسيمة، إنها نعمة الحب الذي يجمع بالمحبوب مع قلة الزاد، ووحشة الطريق، وتسلُّط الأعداء، ومكر الأهواء، فانظر من تحب، ومع من تريد أن تجتمع؟.

ختاماً
أسأل الله تعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى من القول والعمل ونحن في عافية وسلامة وأمن و أمان، وأن يجمعنا وأحبابنا مع النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلّى الله على سيدنا وحبيبنا محمد وآله وصحبه أجمعين.