الغوص إلى الأعلى

الغوص إلى أعلى

مقدمة:
ترعى وزارة الأوقاف هذه الأيام مؤتمرا للفتيا، كما رعت قبله مؤتمرا للإعجاز العلمي في القرآن..
هذه المؤتمرات ومثلها هي ماتحتاج إليه الأمة اليوم وبالأخص مؤتمر الفتيا لوضع حد للفوضى الفقهية،

وضياع الفتيا بين مشايخ قشور ومشايخ قروش وأدعياء علم حتى ضاقت بالمسلمين السبل حينا وتفرقت بهم حينا، وضاع الحق بين قعقعة الباطل وجلبته، وتصدى للفتيا من ليسوا لها بأهل، وتجرأ عليها من لا يعلم مغبة الجرأة عليها..

فحقاً لقد وضع الوزير وفريقه الدؤوب الإصبع على الجرح.. فشكرا لمعالي الوزير وشكرا لفريقه الدؤوب… لقد وجدت الوزارة طريقها المفقود.

تلعب الفتيا دورا كبيرا في حياة الأمة، فهي بمثابة الخريطة التي تبين معالم الطريق للسائر ولذلك كانت أهمية المفتي عظيمة لأنه هو الذي يبين معالم هذه الخريطة، ولأهمية الفتيا لابد أن يكون المفتي خارج دائرة التأثير

وهذا مايفسر رفض طائفة من كبار الأئمة كأحمد والشافعي ومالك وأبي حنيفة مناصب القضاء، لكونها ضمن دائرة التأثير السياسي، والتي لا تتيح لهم في الغالب الفتيا المجردة.. أو بمعنى أوضح يرفضون ما يسمى بفتوى البلاط

ولذلك كان العلماء في السابق يعتاشون من كسب أيديهم أو من أوقاف المسلمين، لأن إجراء الراتب من السلطان إجراء بتقييد فتواه بهذا الراتب، وبالتالي تدجين فتواه إبقاء لهذا الراتب..
وهذا عين ما عناه عبدالله بن المبارك مجيبا على استنكار أحدهم عندما رآه يقلب دراهم بين يديه: “لولا هذه الدراهم لتمندل بنا الملوك”… أي جعلونا مناديل يمسحون بها أيديهم..

فلابد للعالم أن يكون بمنأى عن السلطان إلا أن يأمره بمعروف أو ينهاه عن منكر، وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على السلطان على باب العلماء، وذم العلماء على أبواب السلطان فقال:
“نعم السلاطين على أبواب القراء وبئس القراء على أبواب السلاطين”.. أو كما قال صلى الله عليه وسلم..
ومن الطرائف أن أحد الناس رأى فقيها ينتظر على باب السلطان فجاء يستفتيه، فقال له الفقيه متضجرا: أهذا مكان فتوى؟
فأجابه مبادرا: وهل هذا مكان فقيه؟!….
وفي عصور الإسلام الرائقة كانت الفتيا مقصورة على من استوفى شروطها، وكان الإفتاء محميا بمعاقبة من يفتي بغير إذن أو بعدم استيفائه شروط الفتيا…

قال التاج السبكي في الطبقات في ترجمة القاضي شمس الدين الأصبهاني..
بلغ القاضي شمس الدين أن الحاجب بمدينة قوص تعرض إلى بعض الأمور الشرعية، فاستدعاه وضربه بالدِرة.. انتهى.

وذلك أن من أفتى قبل أن يتأهل هو في الغالب عرضة للزلل، ولذا خصت الفتوى بأهل العلم – قال تعالى: { فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }النحل43

عقد وطلاق..

حاجتنا اليوم ماسة إلى من يعرف كيف يفتي، فالفتوى في حقيقتها ليست إصدارا لحكم بقدر ماهي كيفية إصدار الحكم، واختيار الحكم المناسب لظرف المستفتي إن وجد، فالناس تقع في المحظور بسهولة، بل لا يعرف البعض أنه محظور حتى يقع فيه ويأتي ليسأل يطلب مخرجا منه…

من أدب الفتيا أن المفتي إذا وجد مخرجا للمستفتي وجب عليه أن يرشده إليه ولايلزمه بفتواه إن كان فيها مشقة عليه..

صلى عندي أحد الناس، وبعد الصلاة قال لي: عقدت اليوم عقد زواجي فأرجو منك أن تشرفني بعد أسبوع لحفل الزواج
فقلت: أتشرف..
فقال: شيخ عندي سؤال
قلت: تفضل
قال: جاءني ابن عم لي بعد أن عقدت يريد إعطائي العانية، فرفضت قبولها فأصر على قبولها، فرفضت فحلف بالطلاق أن آخذها فحلفت بدوري بالطلاق ألا آخذها، فحلف مرة أخرى بالطلاق أن آخذها فاستحييت وأخذتها.. فهل أدفع كفارة عشرة دنانير أو أصوم ثلاثة أيام؟
فقلت: على مذهبي زوجتك طلقت اليوم
فقال: “أمحق”
فقلت نعم ولكن اذهب إلى لجنة الفتوى بوزارة الأوقاف لعلها تجد لك مخرجا من مذهب آخر…
ومن أدب الفتيا ألا يبادر المفتي بالفتوي أو الإجابة، بل يستفصل ويستفسر من المستفتي ما استطاع ثم بعد ذلك يجيب كما كان هديه صلى الله عليه وسلم عندما سأله أحد الصحابة، أنبيع التمر بالرطب؟
فأجاب النبي بسؤال: أينقص الرطب إذا جف؟
قال نعم.. قال صلى الله عليه سلم: فلا إذن…

وفائدة السؤال في كونه استبيانا قبل البيان، ومعرفة للحال قبل التعريف بالحكم، ولذا كره أهل العلم الهجوم بالفتوى، أي المبادرة بالإجابة، وأوجبوا التحري قبلها..

ومن الطرائف أنني كنت أكلم أحد الناس في المسجد، فجاء أحدهم يسألني عن مسألة فأجاب صاحبي مبادرا: جائز جائز…

سلام بالهاتف النقال..

كثير من الناس يفرح بأن يعلم الناس أنه يعلم، فيدفعه ذلك إلى الإجابة دون روية أو علم، وقد أفتى أهل العلم بأن من أفتى بغير علم فقد أثم وإن أصاب..

وكثير من الناس يستحي أن يقول لما لا يعلم، لا أعلم.. وكثير من الناس من يرى أن العلم عنده دون سواه، وأن مايعمل به هو السنة وأن عمل غيره هو بدعة…

حدثني أحد الأحباب يقول.. كنت مرة في المسجد النبوي عند الحجرة الشريفة أسلم على النبي والصاحبين وأدعو، وإذا برجل كبير السن ذو لحية طويلة ضعيف الحال يقف بالقرب مني يدعو ويبكي
ثم أخرج هاتفه النقال، واذا بصوت طفلة صغيرة تقول: السلام عليك يارسول الله السلام عليك يا ابابكر الصديق ياخليفة رسول الله السلام عليكم يا عمر الفاروق وإذا بأحد حراس الحجرة الشريفة يصرخ فيه بدعة بدعة، ثم ينزل من مكانه ويجر الرجل من لحيته، وأنا أحاول منعه وهو يجره ويقول بدعة، ثم اخذ هاتفه النقال ورمى به بعيدا..
ويقول صاحبي وفي نفس المكان وانا أدعو رافعا يدي مستقبلا الحجرة الشريفة، جاء أحد الحراس يمنعني من رفع يدي ويمسك بها وينزلها ويقول لايجوز، بدعة..

والذي لا يعلمه هؤلاء وأمثالهم ان الإمام مالكا يكره استدبار الحجرة الشريفة للدعاء اكبارا للنبي عليه الصلاة والسلام.. فإن قال قائل ولكن هناك من يخالف مالكا في ذلك نقول: إذن تبقى المسألة خلافية ولا تستدعي هذا الانكار المنكر..

علماء بالأسماء..

الإفتاء كان مناطا بالسادة العلماء، ويجب أن يرجع إلى مناطه، وعندما أقول العلماء أعني علماء المسمى لا علماء الأسماء، فلا يكفي أن يقال إن فلان عالم او يحصل على درجة أكاديمية حتى يصبح عالما.. ثم تناط به الفتوى
أو يقوم هو أو من يغتر به بتوزيع مطوية باسمه وأسماء غيره للرجوع لهم في الفتوى كما نشاهد وكأن البلد خلت من العلماء أو لايوجد فيها لجنة للإفتاء.. يجب أن يوضع حد لفوضى الإفتاء التي نعيشها والتي ساهمت أجهزة الإعلام بنصيب كبير فيها…

اتصل بي أحد محرري صحفنا اليومية مستهلا كلامه يقول: شيخ حمد نريد فتوى في حكم الغناء، وقد اتصلنا قبلك بعدد من السادة العلماء ونريد رأيك بصفتك أحد علماء الكويت…
فقلت: أولاً لست من السادة العلماء كما تقول، ثم إنني لست من أهل الفتوى، ثم إن الذي ذكرت بأنهم من السادة العلماء، لايصلح واحد منهم أن يسمى بطالب علم فضلا عن أن يكون عالما
ثم إن المسألة مبتوت فيها قديما على قول ظاهر لجماهير العلماء بالحرمة، وقول ظاهر الضعف يقول به البعض بالجواز… فأين موقع كلامي من كلام هؤلاء… هل سيزيد الظاهر ظهورا او سيتقوى به الضعيف قوة؟

فصدم الرجل بكلامي وأجاب، كل من نسأله ونطلب منه الفتوى يبادر إلى الإجابة وأنت تقول هكذا؟
فقلت: نعم، اتقوا الله ولا تزيدوا فوضانا فوضى، ولا تلبسوا على الناس بإسناد الفتيا إلى أمثال هؤلاء، والبلد فيها لجنة للفتوى، ولا تخوضوا فيما لا طائل وراءه، فما تم الافتاء فيه واشتهر وانتشر لسنا في حاجة إلى نشره، بل نحن بأمس الحاجة إلى منع هؤلاء من الافتاء، والبحث فيما يستجد وتحتاجه الأمة فيفتي فيه.

دكتور… ولكن..

قلت وأقول وسأقول ما جرَّأ هؤلاء على الفتيا إلا هذه الألقاب التي أصبحت نهبا لكل ناهب، وبالأخص لقب دكتور الذي ابتليت به الأمة والذي أصبح سلما للفتيا، وقد بينت مرة كيفية الحصول عليه ولا مانع من البيان مرة أخرى…

عندما يتخرج الطالب في كلية الشريعه، وما أدراك ما الحصيلة العلمية لكلية الشريعة وما مناهج العلم والتعلم في كلية الشريعة، ولست متقولا، بل متحدثا بصفتي عضوا سابقا بلجنة اختبار الأئمة والمؤذنين والخطباء بوزارة الأوقاف

أقول: إن أكثر من يرسب في اختبار اللجنة هم طلبة كلية الشريعة… بل إن أحدهم عندما استغربنا ضعفه في التجويد والفقه قال: أنتم تعلمون أني من كلية الشريعة

بل وأدهى من ذلك وأمر أن أحد المتقدمين للاختبار وجدنا في استمارته التعريفية أنه سيحصل على الدكتوراه في الشريعة بعد ثلاثة شهور، وعندما دخل اللجنة رسب في الفقه وبالكاد والحياء من درجته اجتاز اختبار التجويد، وقد اتهمت اللجنة حينها بالتشدد ووجه سؤال من البرلمان بطلب معرفة المؤهلات الشرعية لأعضاء اللجنة…

هذا هو الحال الغالب لخريج الشريعة عندما يتقدم لنيل درجة الدكتوراه… فكيف يكون من كان مذموم المقدم محمود التالي…؟!

ولكنه في أيامنا يكون… فيتقدم خريج الشريعة ببحث في باب من أبواب الفقه، أو تحقيق لمخطوطة أو مسألة خلافية لنيل الماجستير، وبمثلها لنيل الدكتوراه، ثم يتأهل بعدها للفتيا… فهو يعرف شيئا وتغيب عنه أشياء، ولكن ذلك لا يمنعه أن يفتي فيما غاب عنه من أشياء… أليس دكتورا؟؟!!

لو أردت أن أقول أن هذا اللقب أصبح علامة على جهل حامله لما بالغت لولا بقية وقلة أخذوا العلم على المشايخ الأثبات قبل أن يحصلوا على هذا اللقب في قاعات المناقشات، وهل أتاك حديث قاعات المناقشات ومايجري في قاعات المناقشات من مجاملات….
إذا أردت أن تعلم مايجري في هذه القاعات من مجاملات، فأحيلك إلى كتاب فقيد العربية الدكتور بحق محمود الطناحي “مقالات الطناحي” ج2 مقال(الرسائل الجامعية.. وساعة ثم تنقضي) ص677

أسرى الثقافة الواحدة..

كثير من فتاوى اليوم باتت أسيرة لمنهج الثقافة الواحدة، وقد تكلمت في مقالي الأول “الحوار الغائب” عن أثر هذه الثقافة في توجيه الفتوى، والتي من أهم مخرجاتها إقصاء الرأي الآخر لاقتصار أصحابها على النظر فيها دون اعتبار لغيرها

وهذا مما يكاد يقع الجميع فيه بتفاوت في الوقوع، فمنا من يكون حبيسا بين جدرانها، ومنا من يطل من نوافذ هذه الجدران، وهذان الصنفان هما الغالب، والنادر من يفتح باباً من أبوابها لينظر إلى ثقافة أخرى غير ثقافته…

ومن عجائب مخرجات هذه الثقافة غياب مسلمات الحوار والتي من أهمها أن الخصم لا يصح أن يكون حكما وخصما في آن واحد، وهي من المعضلات التي نعاني منها في النقاش والحوار…

جاءتني رسالة جميلة رقيقة من الأخ الكريم عيسى مال الله يستدرك علي فيها ما ذكرته عن السلف والخلف في مقالي “سفراء بلا حدود”، أذكر مقدمتها لتكون مثالا للتناصح، ثم أتحاور معه من خلالها لأثبت الحقيقة التي ذكرتها وهي أننا ننصب من الخصم حكما وخصما في آن واحد، وهذه مقدمة الرسالة:

إلى الأخ الفاضل الشيخ حمد السنان مشرف صفحة روض القارئين حفظه الله عندما كنت أتجول في ربوع روض القارئين يوم الأربعاء 8 ربيع الآخر 1428 هـ الموافق 25 ابريل 2007 أشم هذه الزهرة وأقطف تلك وقفت على جهدك المبذول في أن تنتقي من الروض الورد الذي مالا شوك فيه.

ومن منطلق حديث النبي – صلى الله عليه وسلم – : “تهادوا تحابوا” أحببت أن أهدي لك هذه الباقة من الورد والريحان والتي أرجو أن يكون من الورد الذي لاشوك فيه وإن كان لا يخلو الورد غالبا من الشوك وستكون الباقات عبارة عن زهرات أنثرها بيت يديك لتكون قاعدة مشتركة بيننا نسير عليها لنلتقي في الدنيا على محبة الله وفي الآخرة في جنة الله (بإذن الله تعالى) وإليك هذه الزهرات.

وعد في رسالته سبع زهرات سأُعرض عن الأربع الأولى لأن الخلاف فيها لا يذكر بل الغالب فيها متفق عليه، وابدأ بالخامسة لاحتدام الخلاف فيها لتعرضها للاسماء والصفات ومابعدها مما يتبقى من الزهور..

وسأذكرها دون الرد عليها إلا من بعض التعليقات لأنني لم أذكر الرسالة لأرد عليها بل لأبين كيف يكون التناصح، ثم لأبين معضلة جعل الخصم حكما على باقي الخصوم من خلال فقرات من الرسالة وهوامشها، وإليك ماذكرت أنني سأبدأ به:

الزهرة الخامسة: قواعد في أدلة الأسماء والصفات لله تعالى
وعد أربع قواعد وذكر في الهامش

1- بحث قواعد الأسماء والصفات هو اختصار مبسط لكتاب القواعد المثلى في صفاته وأسمائه الحسنى لشيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى.

2- وعلم بهذا بطلان مذهب المفوضة… إلى آخر التعليق (القواعد المثلى – 35)

وتكلم عن صفة اليد في القاعدة الرابعة ثم ذكر في الهامش:
1- وقد ذكر ابن تيمية هذه بالقاعدة الثالثة في الرسالة التدمرية..
وفي قواعد الأسماء تكلم في القاعدة السابعة ثم ذكر في الهامش:

2- ولم يصح عن النبي تعيين هذه الأسماء، والحديث المروي عنه في تعيينها ضعيف “الشيخ ابن عثيمين” ص14 القواعد المثلى “وكذلك ضعيف الجامع”

ثم ذكر مرة أخرى قواعد في صفات الله وقال:صفات الله تنقسم إلى قسمين… ثم ذكر في الهامش
1- وقد ذكر هذه القاعدة ابن تيمية في الرسالة التدمرية بالقاعدة الأولى
2- راجع تقريب التدمرية للشيخ ابن عثيمين والتحفة المهدية للشيخ فالح بن مهدي آل مهدي 133

ثم ذكر قول مالك الاستواء غير مجهول*، والكيف غير معلوم، والايمان به واجب والسؤال عنه بدعة وذكر في الهامش..
*أي لغة ومعنى

1- ذكر ابن تيمية في الرسالة التدمرية بالقاعدة الرابعة، راجع تقريب التدمرية
2- القواعد المثلى

ولي تعليق بسيط على قول أخي “أي لغة ومعنى”

من أنبأك أن مالكاً يعني الذي قطعت به، لماذا لا يعني بقوله “الاستواء غير مجهول”… أي معلوم الورود دون معلومية المعنى… أي ورد في القرآن الكريم ألا يحتمل ذلك لفظا وعقلا.. فلماذا الترجيح دون مرجح.

الزهرة السادسة: طريقة السلف أسلم وأعلم وأحكم
وفيها يستدرك على قول العلماء “طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أحكم” ثم قال: قال الشوكاني…..الخ
قال الشيخ بكر بن زيد…الخ ليحتج لقوله.

ولي تعليق بسيط كذلك وماذا لو قلت: قال سلطان العلماء العز بن عبدالسلام “طريقة التأويل” اي طريقة الخلف “بشرطها أقربها إلى الحق”
وكذلك لو قلت: قال الدكتور سعيد رمضان البوطي “ومذهب الخلف في عصرهم أصبح هو المصير الذي لا يمكن التحول عنه….”

الزهرة السابعة: “ومايؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون”
يستدرك بها على قولي “بأن الاسلام قد استقر في القلوب بصفة تدفع غوائل الشرك عنه” ويستدرك كذلك بالحديث “من حلف بغير الله فقد أشرك”

وقوله صلى الله عليه وسلم: “فيما يرويه عن ربه: قال الله أنا أغنى الشركاء عن الشريك.. إلى آخر الحديث، وطائفة أخرى من الأحاديث في نفس الباب.

ولي تعليق بسيط أنني قلت أن الاسلام قد استقر في القلوب وأعني قلوب المسلمين والآية كما ذكرت في تفسيرها عن ابن عباس قال:
من إيمانهم… إذا قيل لهم من خلق السموات، ومن خلق الارض ومن خلق الجبال قالوا “الله” وهم مشركون به …
فيا أخي الحبيب، عندما قال ابن عباس قالوا.. من يعني به مشركي مكة أم مسلمي اليوم؟!

وأما الاستدلال بالشرك الأكبر بحديث “من حلف بغير الله فقد أشرك”.. فأعجب كيف فات عليك وأنت طالب العلم أن هذا الحديث وأمثاله يعني به جماهير العلماء بالشرك الأصغر الغير مخرج من الملة…
وفي صحيح البخاري – باب لا يحلف باللات والعزى ولا بالطواغيت، ج/11، ص545-
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من حلف فقال في حلفه باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه تعال أقامرك فليتصدق”..
قال ابن حجر قال جمهور العلماء: من حلف باللات والعزى أو غيرهما من الأصنام أو قال إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني أو بريء من الإسلام او من النبي صلى الله عليه وسلم لم تنعقد يمينه وعليه أن يستغفر الله ولا كفارة عليه ويستحب أن يقول لا إله إلا الله.
في فتح الباري – ج11 كتاب الأيمان والنذور، ص546، باب من حلف بملة سوى ملة الإسلام-

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “من حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله”. ولم ينسبه إلى الكفر..

قال ابن حجر في الشرح ولم يجزم المصنف بالحكم هل يكفر الحالف بذلك أو لا لكن تصرفه يقتضي أن لا يكفر بذلك لأنه علق حديث “من حلف باللات العزى فليقل لا إله إلا الله” ولم ينسبه إلى الكفر، وتمام الاحتجاج أن يقول لكونه اقتصر على الأمر بقول لا إله إلا الله، ولو كان ذلك يقتضي الكفر لأمره بتمام الشهادتين.

وفي كتاب الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبه الزحيلي – ج3، ص387، باب اليمين بغير الله صورة ومعنى (الحلف بالمخلوق) –
إذا حلف الإنسان بغير الله تعالى، كالإسلام أو بأنبياء الله تعالى أو بملائكته أو بالكعبة أو بالصلاة والصوم والحج، أو قال: “علي سخط الله وعذابه” أو بالآباء والأمهات أو الأبناء، أو بالصحابة أو بالسماء أو بالأرض أو بالشمس أو بالقمر والنجوم ونحوها،
ومثل: لعمرك وحياتك وعيشك وحقك فلا يكون يمينا بإجماع العلماء، وهو مكروه. قال الشافعي: أخشى أن يكون معصية ولا يجب عليه كفارة، لأنه حلف بغير الله تعالى.

فيك الخصام وأنت الخصم والحكم..

ذكرت أول كلامي عن الرسالة أنني أوردتها لغايتين:

الأولى: لبيان كيف يكون التناصح.
الثانية: لبيان أننا نحتكم إلى الخصم ضد الخصوم الأخرى أو كما ذكرت نجعله حكما وخصما في آن واحد…
وقد تبين لك صدق كلامي باستدلال الأخ الكريم في غالب هوامش الرسالة بقول الامام ابن تيمية والشيخ ابن عثيمين رحمهما الله…

وهؤلاء خصوم يخالفهم علماء في دعواهم فكيف نجعل من الامام ابن تيمية حكماً على الغزالي والنووي والباقلاني وكل من خالفه من المتقدمين والمتأخرين…

وهل يصح ذلك أو يعقل فإن قلت إنه يقول بقول السلف فأقول وبماذا يقول الآخرون الذين هم في مرتبته في الامامة او من هم أعلى من مرتبته

من الذي جعل من الامام ابن تيمية رحمه الله تعالى حكما على أئمة المسلمين وكيف صارت دعواه حكماً على دعاوى أئمة المسلمين

فإن قلت قال ابن تيمية وغيره فكذلك اقول قال النووي وغيره، وقل مثل ذلك على من قلده وسار على نهجه، فإن قلت ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله لماذا تمنعني أن أقول قال مفتي الجمهورية علي جمعة أو قال الدكتور سعيد رمضان البوطي.

ما هو وجه التفاضل بين ابن تيمية ومخالفيه وابن باز وابن عثيمين ومخالفيهم… أعطني وجه التفاضل، وأعطيك الانقياد للفاضل..

ثم لماذا لا نقول ونريح الأمة من هذا الخلاف الذي طال، ولا طائل وراءه، لماذا لا نجمع الامة على القولين، وأعني السلف والخلف، وبالأخص أن مذهب الخلف يرجع أصلا إلى مذهب السلف ولا تنافي بين المذهبين

بل وإقرار الخلف بأن مذهب السلف أسلم وأن مذهب الخلف قول تحتمه الضرورة

وفي ذلك يقول الامام الحافظ ابن عساكر في “تبيين كذب المفتري”… :”فإنهم أي الأشاعرة وهم الخلف……. حتى يقول فحينئذ يسلكون طريق التأويل ويثبتون تنزيهه تعالى بأوضح الدليل فإذا أمنوا من ذلك رأوا أن السكوت أسلم، وترك الخوض في التأويل إلا عند الحاجة أحزم، وما مثالهم في ذلك إلا مثل الطبيب الحاذق الذي يداوي كل داء من الأدواء بالدواء الموافق…

إلى آخر كلامه مما يثبت أن مذهب الخلف في التأويل مذهب تدعوه الضرورة فقط”.
شكرا لأخي الحبيب عيسى مال الله على رسالته الغالية… وبمثل ذلك فليتناصح المتناصحون.