المعرفة والتذكرة

المعرفة والتذكرة
الحمدلله الواحد القهار، العزيز الغفار، مصرف الأمور كيف يشاء ويختار، أحمده على كل حال، وأعوذ به من حال أهل النار، وأشهد أن لا إله إلا الله المحيط علما بالأسرار، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله صفوة العالم المختار، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه آناء الليل والنهار.

أما بعد… فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله العظيم وطاعته واجتناب نواهيه وزواجره…
قال تعالى: “وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه”، والجهل بالشيء، جهلٌ بقدر هذا الشيء، وعدم إدراكٍ لعواقب سوء هذا التقدير… وهذا ما وقع به الكفار…. فما قدروا الله حق قدره لأنهم لم يعرفوه…. ولم يعرفوا عاقبة سوء هذا التقدير… فاستهانوا واستهزءوا، وكفروا وتولوا…… فقالوا: “ما أنزل الله على بشر من شيء”…. وقالوا: “لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم”…. وقالوا: أبعث الله بشرا رسولا؟!…. وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا…. فكان عاقبة سوء تقديرهم أن لعنهم الله وغضب عليهم وأعد لهم عذابا عظيما… فلابد للمسلم أن يعرف الله حق معرفته، حتى يقدره حق قدره… فيأتمر بأمره إذا أمر، وينتهي بنهيه إذا نهى… فما مدى معرفتنا لله؟؟
لو سألت أي مسلم هل يعرف الله ويعرف قدره لأجاب بالإيجاب، وهذه دعوى لابد لها من دليل… فلنبدأ بمناقشة هذه الدعوى لنعلم مدى صدقها….. ولنبدأ بالمعرفة..
والمعرفة قسمان: معرفة علم، ومعرفة عمل..
أولا: معرفة العلم..
وهي العلم بمجملات العقيدة الإسلامية بأن الله واحد وأنه قادر وأنه سميع وعليم وأنه المنعم…. والزيادة على ذلك عند عوام الناس من المهلكات.
ثانيا: معرفة العمل..
وهي المعرفة التي تؤدي إلى العمل، أي معرفة الصفة وأثر هذه الصفة على العمل، مثل معرفة أنه سبحانه عليم، فيعلم أنه مُطَّلِعٌ عليه، ويتصور ذلك فيؤدي إلى إقدامه على الخير أو إحجامه عن الشر… وهكذا.. فهذا هو العلم المقرون بالنتيجة، وهذا الذي لابد أن يكون عليه المسلمون…. أي علم يثمر عملا… لا العلم المحض العاري عن النتيجة كالذي عليه المستشرقون…. وبتعبير وجيز لابد أن تكون معرفتنا لله معرفة صفات تقوم على الخشية والرجاء، والرغبة والرهبة، ومعرفة نعماء…. وأنه المتفضل بالنعم وأننا المستفيدون من هذه النعم، وأنه يجب شكر هذه النعم… ولو سألت أي مسلم.. هل
تخاف الله؟ لأجابك بنعم.. فما مدى صدق هذه “النَعم”…؟؟
فمن خاف شيئا هرب منه، ومن خاف من الله هرب إلى الله، إذ لا منجى من الله إلا إليه، والهروب إلى الله هو الهرب من معصية الله… فما قدَرَ اللهَ حق قدره من نظر إلى الحرام وهو يعلم أن الله ينظر إليه، وما قدر الله حق قدره من يدعي الإحساس بالنعمة وهو لايذكرها إلا إذا فقدها، أو إذا ذكرها لم يشكرها… فكم من المسلمين من يدعي أنه يذكر نعم الله عليه وهو لا يصلي ولا يزكي.. أو يأكل الربا، وإنما يكون الإحساس بالنعمة أنك مهما عملت فإنك لن تدرك شكر نعمة واحدة من نعم الله التي لاتحصى، وأنك دائما محتاج إلى رحمته على شدة اعتنائك وإتقانك لعملك…
روي عن رسو الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “والذي نفسي بيده، إن الرجل ليجيء يوم القيامة بعمل صالح، لو وضع على جبل لأثقله، فتقوم النعمة من نعم الله فتكاد تستنفد ذلك كله، لولا ما يتفضل الله به من رحمته”… أو كما قال صلى الله عليه وسلم..
والمسلم دائما بحاجة إلى التذكير…..
والمذكرات نوعان: قولية وعقلية
فالقولية مثل حضور مجالس العلم والاستماع إلى الأشرطة أو كتابة لوحات توضع في السيارة أو المكتب أو البيت، مثل لاتغضب، لاتنظر إلى المعصية ولكن انظر إلى عظمة من عصيت، وهكذا… والعقلية مثل مناقشة النفس، إلى متى المعصية، وأين الحياء من الله، وهل بقي من العمر قدر ما مضى، وهكذا…. وعسى أن نكون من المفلحين..
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم… أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

خطبة الجمعة للشيخ حمد السنان
20 جمادى الأولى 1427 هـ
16 يونيو 2006 م