الصفحة الرئيسية  »  مقالات   »   الهروب إلى الواقع

الهروب إلى الواقع

الهروب إلى الواقع

المقدمة
يقول مثل صيني: لن تستطيع أن تمنع طيور الهم أن تحلق فوق رأسك، ولكنك تستطيع أن تمنعها من أن تعشش فيه…

طيور الهَمِّ حلّقت فوق رأس الأمة، ثم حطّت على رأسها، وبنت أعشاشها فيه ثم باضت وفرخت وبنى الأفراخ ما بناه الأبوان، وباضا وفرخا ما شاءا أن يفرخا من الويلات والمصائب

وبقيت بقية من أولى بقية يحلق فوق رؤوسها هذه الطيور، ولكنها تطردها من أن تبني لها أعشاشا في رؤوسها، بل وتقوم هذه البقية بمحاولة تخليص الأمة من هذه الأعشاش وإيصاد الباب أمام من يرعى هذه البيوض والأفراخ

همومنا كثيرة… منها ما صنعناه بأيدينا، ومنها ما صنع عدونا بيده، ولابد أن نتخلص مما صنعناه بأنفسنا ليسهل علينا التخلص مما صنع بنا غيرنا

ومن الهموم التي يجب أن نفرغ منها أولا أولوياتنا المبعثرة.. لابد من ترتيب الأولويات، وإعادة تنظيم لفوضى الآراء، فيلزم لذلك نقطة نظام تعرف من خلالها ما يعني وما لا يعني، والذي يجب تعجيله مما يجوز تأخيره، وما كان مهما مما يكون أكثر أهمية ليتسنى لنا التخطيط الصحيح للبدء الصحيح لأن الفشل في التخطيط يقود إلى التخطيط للفشل

نحن نحتاج إلى ما يسمى بفقه الواقع أو فقه الأولويات سمِّه ما شئت… ولا أعني بكلمة فقه ما يعنيه الأصوليون والفقهاء منها من العلم بالأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية وإن كان ما يعنونه لا يخرج عن كونه فردا من أفراد عموم ما أعني
والذي أعنيه بفقه الواقع إدراك وقائع الواقع وما يناسب هذا الواقع من أحكام

ومن فضول القول أن أقول أنني لا أعني ما يعنيه دعاة التجديد من فك وتركيب للأحكام واستبدالها بما يعتقدون أنه يناسب الواقع، ولكن أعني اختيار أحكام من الأحكام مما يناسب الواقع من حيث التقديم والتأخير، والتأجيل والتعجيل، وموافقة الحال.. ولا يمكن اختيار المناسب إلا بمعرفة حقيقة المناسبة أو بمعنى آخر لا يمكن اختيار الحكم إلا بإدراك واقعه، أي أن أعرف حدود ما لدي من إمكانات في الظرف المواتي قبل الإقدام على العمل توفيرا للجهد وتحرزاً من التعثر.

واقعنا واقع إعمال العقل، ومن هذا الإعمال نستطيع أن نخرج بفكر مطاوع ينظر بعين مركبة للحدث أو الواقعة أو المناسبة، لا أريد الفكر الخشبي.. أو العين العوراء في معالجة الحدث لأن الهيمنة علينا كاملة والأنفاس محصاة، والعمل مهما اتخذ طابع الموادعة أو الخيرية فهو تحت التهمة والرصد

أنت تعمل تحت شمس رائعة النهار حيث لا ظل يواري، والحركة منك بعشر أمثالها من الراصد، زد على ما ذكرت تطوع من يتطوع ليتسقط عثراتك ممن يفترض فيه أن يلتمس لك الأعذار ويقيل لك العثرة.

واقعنا مزيج من خبط وتخليط، وتهتك وحرية غير مسؤولة، وتعدي على الدين باسم هذه الحرية، وهذا التعدي بهذه الحرية اللامسؤولة أفرز بالضرورة ما يقابله من غيرة على الدين لا محدودة، تمثلت في مقاومة لامسؤولة وغلو مقابل للتهتك والتعدي على الحرمات فيما يسميه من كان سببه والأحق به بالإرهاب

أضف إلى كل ما ذكرت تَلَوُّن الفتوى واختلال موازينها وبالتالي سقوط القدوة، ومن ثم ضياع المرجعية مما يجعل الفتيا تدور بين من هم ليس لها أهلا، فتفرقت السبل بالناس بين أدعياء العلم وبين من هم أهله، فبات لزاماً على من يريد العمل أن يدرك ابتداءً حقيقة هذا الواقع والإيمان بهذا الواقع توفيرا لجهود كثيرة تبذل فيما لا طائل وراءه، وتحديدا لما هو في مقدورك مما ليس هو في مقدورك.

معايشة لا عيش

لا غناء في الإيمان بالواقع ما لم يقارنه إقرار وتسليم.. قال تعالى مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم حينما اشتد حزنه على إعراض عمه وعشيرته عن الإسلام:

“إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء”
“لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين”
“فلا تذهب نفسك عليهم حسرات”

ولا يعني التسليم بالواقع أن أعيشه بحذافيره بل معايشته بعدم التأثر بسلبياته، والاستفادة من إيجابياته، فمنذ وجدت الدنيا وجد الشر في الخير والخير في الشر، فلا شر محض ولا خير محض
وفي ذلك يقول سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم:
“إن في كل محنة منحة” أو كما قال صلى الله عليه وسلم

فمن بين حنايا المحنة نستطيع استخراج منحة تبدد من أثرها وتعين على اجتيازها، وتطرد طيور الهموم أن تحوم حول رؤوسنا وتعشش فيها،، وهذا من صميم ما أعنيه من فقه الواقع.

عندما أتكلم عن المناسب للمناسبة، لا أعني ليّ الحكم وتطويعه وتمييعه بل أعني التعامل مع المناسبة من حيث حجمها وأهميتها وما تقتضيه المصلحة بضوابطها والمعتبر مما يناسبها من الأحكام.. وعندما أقول بتحديد الحجم فإنني أعني تحديد مكان المناسبة أو المسألة في أولوية البحث، فربما كان غيرها أولى بالبحث منها، ولنأخذ مثالا على ما أقول مسألة رمي الجمرات أيام التشريق.

المعروف أن المعتمد في المسألة عند جماهير الفقهاء أن وقت الرمي يبدأ بعد الزوال ولا يصح قبله، وما يقابله من قول لعطاء بن أبي رباح بالجواز قبل الزوال قول شاذ على تعبير الفقهاء، فلما كثرت حوادث الوفيات بسبب التدافع، صار لزاماً البحث فيما يناسب هذه المناسبة، فتم بحثها على الوجه التالي:
إنَّ حفظ النفس مقدم على أداء الواجب، والواجب لابد من أدائه، فلابد من البحث عن حكم من بين الأحكام يتم من خلاله الحفاظ على النفس مع الإبقاء على أداء الواجب، فصار من الواجب أن يصار إلى قول عطاء على شذوذه حفاظا على حياة الناس وإبقاءً لأداء الواجب

فتم التعامل مع المناسبة بتفعيل الحكم وإبقائه على وجوبه دون الحاجة إلى ليه، بأن يلغى مثلاً أو يخفف من درجته بحجة حفظ النفس، وقس على ذلك الكثير مما نستطيع أن نخرج به بما يناسب الواقع ومن ثم التقدم إلى حل مشكلة أخرى.

المسائل البندولية

واقعنا فيه كثير من المسائل المتكررة كل عام ينشغل الناس بها مره وكأنها تحدث لأول مرة، حركة وقائعها رتيبة رتابة البندول، فهي دوما متأرجحة بين طرفي مؤيد ومعارض أو آخذ وتارك، أو مجوز و مانع.

المسألة الأولى
رؤية هلال رمضان وشوال

تعبدنا الله بصيام رمضان وبفطر شوال برؤية الهلال بحديث “صوموا لرؤيته وأفطروا برؤيته”.. والخلاف في رؤية الهلال مشروع وواقع وذلك لاختلاف المطالع بين البلدان، وليس في ذلك إشكال، ولكن الإشكال حينما يأتي من يشهد بأنه رآه في حين أن الحاسبات الجبارة التي تحسب لمئات السنين مقدما تقطع بأنه لم يولد، وعدم ولادته يعني قطعا عدم إمكان رؤيته، فيحصل ذلك الاضطراب والبلبلة السنويان، والتشكيك في صحة الصيام أو الفطر

وبشيء من العقل نقول:
نحن نصلي خمس أوقات مصدقين حساب الفلك والحاسبات طوال العام، ومنها صلوات رمضان، فلماذا لا نطرد هذا التصديق على رؤية الهلال ونحل الإشكال وذلك برد شهادة الشاهدين إذا قطعت الحاسبات بعدم إمكانية الرؤية..
أيهما أقرب احتمال طروء الخطأ إليه؟
رؤية الشاهد أم حسبة الحاسب الالكتروني الذي يحسب لمئات السنين مقدما والتليسكوبات الجبارة التي ترصد أقمار المجرات الأخرى لا مجرتنا أو جارنا القريب القمر…

وقريب من ذلك قول الإمام أبي حنيفة في المسألة يقول:
“إن كانت السماء مغيمة ثبت بشهادة واحد ولا يثبت غير رمضان إلا باثنين،
قال: وإن كانت مصحية لم يثبت رمضان بواحد ولا باثنين ولا يثبت إلا بعدد الاستفاضة”
وعن أبي يوسف صاحبه يقول أنه قدره بعدد القسامة خمسين رجلا…
وفي قول آخر لأبي حنيفة: “وإنما تثبت رؤية الهلال إذا كانت السماء مصحية بشهادة جمع كثير يقع العلم بخبرهم”… ومني إلى لجنة الرؤية الموقرة.

الشهادة الأنبوبية

من المضحك المبكي ما شاهدته بهذه المناسبة على إحدى الفضائيات قبل سنتين..
حيث يقابل المذيع اثنين يرصدان هلال شوال، قد كوما جدارا دائريا من الأحجار على أحد الكثبان
الصخرية، وأدخلا في هذا الجدار من جانبيه ووسطه ثلاثة أنابيب حائلة اللون، مكسرة الأطراف، مبعوجة الحشى، وعلى مبعدة منها ما يقابل أوسط الأنابيب قد ركزا وتد حديد لخيمة لم يكلفا نفسيهما عناء قطع ما أبقى لها الزمان من حبل حول هذا الوتد ودار بين المذيع وبينهما الحوار التالي:
المذيع: لماذا أنتم هنا؟
الرجل: نريد رؤية هلال شوال.
المذيع: وما هذا الذي أرى؟
…..:نستعمله لرصد الهلال.
المذيع: اشرح لي كيف يتم ذلك؟
…..: الأنابيب الثلاثة نحدد فيها الجهات المتوقع ظهور الهلال منها.
(وقام الرجل يتنقل من أنبوب إلى أنبوب ينظر خلاله)
المذيع: وما وظيفة هذا الوتد؟
….: نعادل فيه خط الأفق.
المذيع: وإذا رأيتماه ماذا تفعلان؟
…..: نتصل بالقاضي لنثبت الرؤية….وأترك للقارئ التعليق…

ملحق.. قرقيعان

حدثتني إحدى الفاضلات أنها كانت مرة في مجلس علم ودار الكلام عن نية بعض الأخوات عمل (حفلة قرقيعان) للأطفال فقالت التي تلقي الدرس: “لا يجوز… القرقيعان بدعة”

أريد أن أشرح هذه الفتيا على طريقة شرح المعنى الاصطلاحي للتعاريف والحدود فأقول:
“لا يجوز”.. هذا حكم شرعي يحتمل الحرمة أو الكراهة بنوعيها التحريمي أو التنزيهي..

“القرقيعان”: محكوم عليه متعلق بالحكم السابق، ولابد من معرفة ماهية القرقيعان حتى نعرف صلاحيته لتعلق الحكم الشرعي به إن كان داخلاً في العادات أو ما يكون من جنس العبادات، والقرقيعان كما هو معروف عبارة عن فعل تعارف عليه الناس بخصوص رمضان يفعله الأطفال لا يتعلق بأي حكم من الأحكام التكليفية باعتباره عادة.

“بدعة”: محكوم به، والبدعة ما كان زيادة في الدين أو إنقاصا منه لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: “من أحدث في أمرنا هذا –أي ديننا- ما ليس منه فهو رد” وهو المحدث المنهي عنه أو ما يسمى بالبدعة المذمومة.
ولما كان المحكوم عليه “القرقيعان” لا يصلح محلا للمحكوم به “بدعة” باعتباره عادة أو تقاليدا يكون القول ببدعية القرقيعان باطلا..

المسألة الثانية من المسائل البندوية..
الاحتفال بالمولد.

أحب صفاء الوهابية ولا أحب إفراطها، وأحب رقة الصوفية وأكره تفريطها… الوهابية يريدونها صافية من الشوائب ولكنهم عندما يشذبون الحشائش يقطعون شيئا من أغصان الشجرة وهذا إفراط في المحافظة، والصوفية يتركون الحشائش تطول بحجة عدم إضرارها بالشجرة، وهذا تفريط وإضرار بالشجرة.

الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم إحدى الخلافيات الشهيرة الشديدة بين الصوفية والوهابية، فالوهابية يقولون ببدعية الاحتفال وحرمته مطلقا لعدم ثبوته بفعل من النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة، والصوفية يقولون بجواز الاحتفال بشروطه باعتبار الاحتفال مما سكت عنه الشارع مما يعرف بين الأصوليين بمسألة الترك، وما سكت عنه الشارع يقتضي الإباحة عند جماهير الأصوليين.

والمسألة على تناقض الطرفين فيها فإنهما يجتمعان في اهتمام كليهما بالنبي صلى الله عليه وسلم على اختلافٍ في كيفية الاهتمام، فالوهابية يظهرون حبهم للنبي صلى الله عليه وسلم باتباع سنته بعدم الزيادة فيما لم يثبت
والصوفية يظهرون حبهم للنبي صلى الله عليه وسلم باعتبار ولادته خيراً للبشرية وفرقاناً بين الكفر والإسلام، وأن أبا لهب أعتق جاريته بريرة فرحاً بولادة النبي صلى الله عليه وسلم، فهم أحق بهذا الفرح والاحتفال، وكلا الطرفين يسوق من أدلته لإثبات هذا الحب ولكن ما يحدث بين الفريقين من تشاحن وتباغض لإثبات هذا الحب بالطبع لا يرضي هذا المحبوب صلى الله عليه وسلم، عندما يقول: “ولا تباغضوا ول اتشاحنوا وكونوا عباد الله إخوانا” وهو مقصود عظيم،

أضف إلى ذلك أن الصفة الغالبة في الاحتفال بالمولد صفة المخالفة من غناء وموسيقى ورقص واختلاط وهي مما يخل بمقصود الاحتفال وهي ذكر سيرته والتأسي بسنته صلى الله عليه وسلم، حيث لا يغني القول بجواز الاحتفال بالشروط والضوابط لأن العامة دائما تأخذ بالجواز وتتناسى شروطه
فأقول بشيء من الإنصاف والتعقل والتجرد وإن كنت ممن يقول بجواز الاحتفال بالمولد بشروطه، هل حاجتنا اليوم أمس إلى المستحب بالاحتفال أم بتركه للتأليف بين القلوب وهو مقصود عظيم، كما أنني أقول ما الذي سيحدث لو ترك استحباب الاحتفال أمام ما يحدث فيه من غلبة المخالفة واختلاف القلوب بين الفريقين لذا فإنني أميل إلى اقتضاء تركه كما يقتضيه واقعنا من وجوب جمع الكلمة ورص الصف أمام المتربص، منطلقين إلى نافذة أخرى لإغلاقها أمام رياح الفرقة.

ملحق.. ظل أو لا ظل

قبل أيام تم إيقاف برنامج “تباشير الصباح” بإذاعة القرآن الكريم، بسبب ما ذكره الدكتور صبري الدمرداش، وخوضه في غير فنه، عندما بالغ بوصف النبي بصفات يبتغي بها زيادة ثناء عليه صلى الله عليه وسلم لن تزيد من كماله لأن الكامل لا يكمّل ولا يتوقف على هذه الصفات حكم شرعي حتى نعطيها مثل هذه العناية والنشر أمام العامة على الهواء مباشرة

وذلك كلام لا طائل من ورائه، فإن كنا مأمورين بترك الكلام فيما لا ينفع الناس فمن باب أولى ترك ما يبلبل فكرهم…

قال تعالى في معرض التنبيه إلى ما ينفع الناس:
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }البقرة189.

انظر للسؤال وتمعّن في الإجابة، فالسؤال عن شيء والإجابة عن شيء آخر، السؤال عن العلم بكيفية تكون الهلال وهو علم يختص به بعض الناس وهم علماء الفلك، والجواب في العلم الذي يخص عامة الناس وما يتعلق بعباداتهم ومعاملاتهم، هذا ما يجب أن نفقهه من واقعنا أن نتكلم فيما يعني خيرٌ لنا من أن نشغل أنفسنا وغيرنا بما لا يعني.

بين السلف والخلف

عندما أتكلم عن رص الصف أمام المتربص لا أعني وحدة الصف بل أعني وحدة الصفوف، أي فكر واحد لمفاهيم مختلفة يجمعها هذا الفكر.
لقد عصفت رياح الفرقة بالأمة منذ مئات السنين، ونحن نجني اليوم ذرو هذه الرياح وهشيمها.. ومن أهم الأسباب التي تتكون منها دوامة هذي الرياح الكلام في العقائد أو فيما يسمى علم الكلام..

الكلام في الاعتقاد ليس كالكلام في العبادة أو المعاملة، لأن الكلام في الاعتقاد وبالأخص في باب الأسماء والصفات أمر خطير، وكم نهى الأكابر عن الخوض فيه إلا لضرورة تحكمه، وشددوا النكير على من خاض فيه من العوام، لأنه ربما نسب لله ما لا يليق بجلاله، فوقع في التجسيم من حيث أراد أن يثبت، أو التعطيل من حيث أراد أن ينزه

وللإمام أبي حامد الغزالي كلام جميل في كتابه القيم (إلجام العوام عن علم الكلام) أسوقه لنفاسته بتمامه يقول:
“فإن قلت إن لم ينصرف قلبه من التفكير والتشوف إلى البحث –أي في علم الكلام- فما طريقه؟ قلت طريقه أن يشغل نفسه بعبادة الله وبالصلاة وقراءة القرآن والذكر، فإن لم يقدر فبعلم آخر لا يناسب هذا الجنس من لغة أو نحو أو خط أو طب أو فقه، فإن لم يمكنه فبحرفة أو صناعة ولو الحراثة والحياكة فإن لم يقدر فبلعب ولهو

وكل ذلك خير له من الخوض في هذا البحر البعيد غوره وعمقه العظيم خطره وضرره، بل لو اشتغل العامي بالمعاصي البدنية ربما كان أسلم له من أي يخوض في البحث عن معرفة الله تعالى فإن ذلك،غايته الفسق وهذا عاقبته الشرك، وأن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء”انتهى..

وغني عن الإيضاح أن الإمام الغزالي هنا لا يقرر حكما شرعيا حين يقول “أسلم له” ولكنه يقارن ضرر المعاصي البدنية التي هي أخف من الكفر أو الوقوع في الشرك.

ومن المحزن المبكي أن الكلام في العقائد اليوم عند عوام الناس كالكلام في أي كلام، فأصبح يتكلم في علم أصول الدين من لا يحسن الكلام في فروعه، بل ويخلط الفروع بالأصول

حدثني أحد الناس يقول: سألت فلانا، وكان يوما مطيرا. لمَ لم تصل اليوم عند فلان؟
قال: فلان أشعري لا يجمع في المطر..
انظر إلى خلطة الجهل بإدخال الفقه في العقيدة.

هذا الواقع لابد من وضع حل له، وحله أن يفقه من يشيع مثل هذا الكلام بين العوام، أن الأمة قد أضناها هذا المرض وأمضّها هذا الهم، وأن المسلم يكفيه الإيمان المجمل بالله، وأن الإسلام قد استقر في القلوب بصفة تدفع غوائل الشرك عنه، وأن يفقه كذلك أن الأمة كما استقرت في الفروع على أربعة مذاهب، فإنها استقرت في الأصول على مذهبين مذهب السلف ومذهب الخلف، ولكل مذهب مدرسة تتبعه في العالم الإسلامي..

وأن يفقه كذلك أن الأمة اليوم ليست بحاجة إلى محاكم تفتيش إسلامية، فيكفيها ما يعانيه أفرادها من محاكمها السياسية الأمنية، وهذا الواقع الأليم الذي لا يفقهه هؤلاء ولا يريدون أن يفقهوه يشغل اهتمام الكثيرين من الغيورين على الدين والذين يريدون انتشال الأمة من هذه الوهدة،،…

وقد دار بيني وبين أحد الغيورين هذا الحوار العفوي

يقول:ما تقول في هذا الخلاف الذي لا ينتهي؟
قلت: هذا مرض الأمة المزمن..
قال: لماذا لا نجمع الأمة على قول واحد في الأصول نحتكم فيه إلى فهم السلف؟

قلت: جميل.. ومن الذي سنحتكم إليه في هذا الفهم…. أنا أعرف أنك تنتمي إلى مدرسة معينة في الأصول ترى أن ما تراه هو ما يفهمه السلف، فهل تسلم لك المدرسة المخالفة بهذا الفهم وخاصة أن لكل من المدرستين دليلا من الكتاب والسنة وأئمة أجلاء يقولون بهذه الأدلة.. فماذا تقول؟

فقال: ولكن بعض النصوص واضحة فلمَ الخلاف عليها؟
قلت: لو كانت النصوص واضحة ما اختلف من هو أعلم مني ومنك وأتقى مني ومنك عليها..

قال: فما الحل؟
قلت: الحل في ترك العنت بالقول الواحد وأن نعمل القولين معا…
أليست الأمة استقرت على مذهب السلف ومذهب الخلف ولكل من المذهبين أئمة هداة مهتدون؟
أليس من الأوفق والأنسب لواقعنا العمل على إقرار هذين المذهبين في الواقع وتقريرهما؟، والتصدي بقوة لمن يريد شق صف الأمة بالتفريق بينهما ثم العمل على توعية الدعاة أن الخلاف بين مذهب السلف والخلف خلاف في دائرة أهل السنة والجماعة وأنه لا يستدعي ما يدعيه البعض أن المخالف فيه مبتدع مأزور، بل الحقيقة أن المخالف فيه متبع مأجور….
فأذن مؤذن المغرب ينهي حوارنا.

استطلاع رأي زوار موقع المستنير