تخاريف ديوانية

تخاريف ديوانية

الحمدلله الواحد القهار، العزيز الغفار، مصرف الأمور كيف يشاء ويختار، أحمده على كل حال، ونعوذ به من حال أهل النار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المحيط علما بالأسرار، وأشهد ان سيدنا محمدا عبده ورسوله، صفوة العالم المختار، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه آناء الليل والنهار…. أما بعد.. أوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله وطاعته واجتناب نواهيه وزواجره.. وأقول:

وليس يصحُّ في الأذهان شيء *** إذا احتاج النهار إلى دليل

نعم… ولكن نهارنا اليوم يحتاج إلى دليل.. وقد غُمَّ على الناس نهارهم، ولُبِّس على الناس دينهم.. وإنّ من أعضل المعضلات، وأشكل المشكلات…. إيضاح الواضح وبيان البين، والتدليل على النص…. ولكن ما العمل والحال ما نراه من الحال… وقد وقف الجهل والعلم على قدم واحدة، واستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون… وتكلم الذين يتكلمون بكلام العلماء في كلام العلماء ماليس من كلام العلماء… وحطبوا بغير حبلهم ورعوا ماشية غيرهم… فهلمّ ندلل على النهار بوجود النهار…
تداعى البعض بندوة عقدوها قبل أيام في بيت أحدهم ليبينوا بزعمهم فضائح الصوفية وخطرها على شباب الأمة… وأنها الخطر القادم على الإسلام… وأنها طبول وتمجيد لطواف بالقبور… هكذا يزعمون…. لست صوفيا وإن كان يشرفني أن أُنسب إليهم… أو أن أُصنَّف من متبعيهم أو موافقيهم.. كيف لا… ولا تذكر منقبة إلا ولهم القدح الأعلى والجبين المُعَلَّى.. ولا يذكر الصلاح إلا وقرن بالصوفية… فإذا أريد وصف صلاح رجل قيل: “وفلان من صلحاء الصوفية”… أو ترجم لإمام إلا وقيل: “وكان من مقدمي الصوفية”… وكان الإمام ابن حجر يكثر من قوله في تراجمه: “هو من بيت صلاح وتصوف”… واسمع لقول الامام التاج السبكي: “الصوفية حياهم الله وبياهم، وجمعنا في الجنة وإياهم”…
وإني لأعجب كيف تطوّع هؤلاء في ندوتهم وتفرّغوا للنيل ممن يثني عليهم الأئمة الأكابر ممن ذكرت… هؤلاء المجتمعون يطعنون جزافا ويرمون بالشرك والكفر طائفة لا يخلو إمام أو عالم من وصفه بها، أو الانتساب إلى أهلها، أو موافقة مقالاتها من المتقدمين أو المتأخرين والمعاصرين.
وعجبي من هؤلاء في ثلاث:

أولها: كيف تفرغوا للطعن على السادة الصوفية وتركوا الأولى بالطعن؟؟! هل فرغت الساحة من الطعون أم ثاب إلى الله وتاب من الفساد أهل المجون!!
وثانيها: كيف يغفل هؤلاء عن ترتيب الأولويات وتقديم المهمات؟؟! ألا يدركون أن تجارب التطبيع قد بدأت؟ وأن فتياتنا مع فتياتهم في نادي الفتاة بالشورت قد لعبت!!
وثالث الأعاجيب: الحكم على الصوفية بالضلال والكفر والشرك.. وهو حكم لو قلنا به لطال ممن لا يحصى من الأكابر والأئمة الأفاضل… إن شئت من المتقدمين.. فالحسن البصري، والحارث المحاسبي، وإبراهيم بن أدهم، والفضيل بن عياض، أو من المتأخرين.. فالإمام الغزالي، والفخر الرازي، والنووي، والمعاصرين… الشعراوي، وشيخ الأزهر الأسبق عبدالحليم محمود، والمفسر الجهبذ ومفتي الجمهورية الأسبق حسنين محمد مخلوف… وخلق كثير غيرهم…
وأعجب من الحكم الاستدلال عليه… فهؤلاء المجتمعون يستدلون بالجزء على الكل، وبالسلب على الإيجاب… وهذا لعمري إغراب في الاستدلال… وجور وجهل في الإعلال… وهل يجازى الغير بجريرة الغير؟! والمولى يقول: “ولاتزر وازرة وزر أخرى”… وبناء على ذلك… هل يُجَوُِّزُ لنا الإخوة المجتمعون أن ندلِّلَ على فسادهم بفساد غيرهم من المسلمين… أو نؤاخذهم بجريرة غيرهم من المفسدين… وهل يكون استدلالهم إلا كالمستدل على الإسلام بأنه يجوٌز شرب الخمر لأن بعض المسلمين يشربها…
لاشك أن الصوفية قد دخل فيها من ليس من أهلها… وأدخل فيها ما ليس منها… ولكن أن نجعل من الصوفية مرادفة للشرك والضلال… أو التطبيل والتزمير… فذلك ضرب من الجور وإيغال في الجهل… وانظر ما يقابل هذا الجهل مايقوله الإمام الشاطبي في كتابه العظيم: (الاعتصام).. يبرئ به الصوفية من تطاول الجهال.. قال: “ثم ظهرت البدع وادَّعى كل فريق منهم زهادا وعبادا، فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفسهم مع الله، الحافظون قلوبهم عن الغفلة باسم: التصوف”….

فانظر رعاك الله معنى كلامه أن الصوفية هم أهل السنة بل خواصهم… فيابُعْدَ ما بين المذهبين… مذهب الشاطبي، ومذهب الإخوة المجتمعين…. نعم.. هم خواص أهل السنة.. كيف لا.. وأعظم الفتوح بعد فتوحات الصدر الأول تمت على أيديهم… فهل أتاك حديث الشهيد نورالدين.. أم أتاك حديث صلاح الدين… أو حديث محمد الفاتح صاحب جيش من استغفر لهم سيد الأولين والآخرين….. أم لم يعرفوا جهاد دراويش المهدي في السودان… أم هم له منكرون… أو الليث عمر المختار… بل لايستطيعون….

كيف لا والعلم قد شدّ رحاله إليهم.. وأضعنت النجائب بفناء علمائهم… كيف يكون لله من أولياء إن كان من ذكرنا من السابقين واللاحقين على شرك وضلال…. كيف يكون للمسلم قدوات والتحطيم على أشدِّه بالقدوات… أو كيف يكون للمسلم ثوابت والتشكيك في النوايا والعقائد هو أصل للأحكام…. كيف تجتمع الأمة وقد تفرّغ آخر الأمة لِلَعْنِ أولها وآخرها… كيف لا يفرح العدو بنا.. بل حَرِيٌّ به أن يشكرنا.. وقد تبرعنا له بالنيل من بعضنا وكفيناه شر قتالنا… كيف لا ينفر منا ويسخر من يرانا نقتتل نقاشاً وجدالاً حول أمور هي أبعد ماتكون عن أولويات أجندة أعمالنا…

فيا أيها الإخوة المجتمعون… إن لم يكن عندكم من الهموم ما تثرون به ندوتكم… فعندنا لكم من الهموم ماتستطيعون به إثراءها… عندنا هموم أهل السنة في العراق… وعندنا هموم ضياع شبابنا وفتياتنا في الأسواق…. عندنا فتك المخدرات بأبنائنا… وبأيها أخذتم كفتكم…..
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم.. ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.. أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروا…

خطبة الجمعة / 7 ربيع الآخر 1427 هـ الموافق 5 مايو 2006 م

للشيخ حمد السنان