شطرنجيات

شطرنجيات
المقدمة:
أمتنا العربية الإسلامية، أمة القيادة والبقاء، وأقول أمة القيادة لأنها قادت الأمم عندما طبقت مقومات القيادة الموجودة في دينها والذي دخل فيه كل من عرفه وعاش في كنفه، وأمة البقاء لأنها منذ ظهورها كأمة، تكالبت عليها الأمم المتفرقة متحدة ضدها ومتناسية كل دفائن التناحر بينها لتستأصل شأفتها، ولم توفر فيما يعينها على ذلك ما يمكن أن يعينها من قتل وتآمر وإفساد، واغتيالات لأمرائها المصلحين

ومازالوا في السابق ولا زالوا اليوم في قتل وتشريد وتهجير للعقول، ومسخ للمفاهيم، وتدمير لكل الفضائل بين المسلمين، بل إن الصليبية اليوم أسفرت عن وجهها الجديد للتفرغ للقضاء على الإسلام بعد أن نجحت بإسقاط الشيوعية عدوها السابق وحليفها ضد الإسلام…

وبالرغم من كل ذلك فها هو الإسلام باق في القلوب يغزو عدوه في عرينه رغم كل محاولات التدمير والاستئصال، والذي لو أصاب دينا آخر عشر ما أصابه منها لما أبقى له من باقية ولكنه المولى سبحانه المتكفل بحفظه…

ومقالي اليوم إطلالات من واقع المسلمين ذات شجون، ولكنها في النهاية تبقى أخلاطا في الرحم التي ستلد القيادة الثانية والتمكين كما سأبينه في خاتمة المقال.

الإطلالة الأولى…

لو دخلت بيت الأسرة الملسمة لوجدت الحال كالتالي:
أسرة مسلمة بالاسم، فلا صلاة في البيت ولا عبادة، ليس لهم من الإسلام إلا اسمه، فهم أشباح إسلام، أو ظلال دين وأبدان مسلمين، يشربون ويأكلون ويتمتعون ليس إلا… إن هم إلا كالأنعام….

وأسرة حالها والإسلام بين مد وجزر، فتارة ترى فيها الإسلام، وتارة يختفي، يظهر في المناسبات، ويتوارى في غيرها، فهي ذات دين موسمي، يوجد في المواسم لا غير، وهي قانعة بذلك، وترى أن هذا هو الإسلام… أليس الإيمان بالقلب؟!

وأسرة يغلب عليها التخليط، ترى الإسلام مبعثرا بين أرجائها، لو نظرت ناحية لوجدت المحافظة على الدين وتطبيق السنن، وفي ناحية لا بأس أن يتعامل الوالد بالربا ولو شهد الفجر وصلى الجماعة، أو أن تسافر الأم أو بنتها بغير محرم وهي تصوم الاثنين والخميس

والولد يلبس الساقط من الثياب فلا تكاد تفرق بينه وبين أخته، وشعار الأسرة
“الدين يسر لا عسر”… وأسرة محافظة، يفوح أريج الإسلام بين جنباتها، وتراقب الله في أعمالها وتبعث الأمل في غيرها.. هذه هي الشطرنجية التي تعيشها الأسرة المسلمة..

موسيقى تصويرية لصلاة الجماعة
فلنخرج من البيت ولندخل إلى المسجد…
من أراد أن يتذكر أغنية نسيها فليصل هذه الأيام بمساجدنا فسيجد ما يذكره وما يناسب ذوقه بما تبثه الهواتف النقالة من نغمات…

فإن كان حالما فسيجد فيروز، وإن كان سميعاً فسيطرب لـ “سهران لوحدي” للست، وإن كان شعبيا فالخيارات أكثر… والمضحك أن صاحبنا عندما يرن هاتفه لا يسارع إلى إغلاقه خشية على صلاته أن تبطل بكثرة الحركات…

كنا عندنا بدأت هذه الظاهرة بالظهور نتلطف في النصيحة، ثم لما ازدادت بدأنا نغلظ فيها، حتى إذا استفحلت وانتشرت تركناها يأسا منا، وخوفا على أنفسنا أن يتعدى الأمر من النصح باللسان إلى الاشتباك بباقي الجنان..

أذكر مرة أنني كنت أصلي بالناس فرن نقال أحد المصلين بـ “فكروني” ولما انتهيت من الصلاة بدأت أتكلم وأنصح واحذر وأرغب وأرهب وأن ذلك ليس من المروءة وأنه حرام… وما إن انتهيت من كلامي حتى رن نقال آخر بأغنية أخرى، فجاوبه آخر بأخرى…

في كل مرة يرن فيها الهاتف النقال في المسجد بمثل هذه النغمات، أقول هذه نغمات هواتف المصلين، فكيف بنغمات غير المصلين؟!

الهاتف النقال أصبح اليوم من كواشف المروءة، فإذا أردت أن تعرف مدى مروءة فلان فاستمع لرنته المختارة لهاتفه… وهكذا يريك الهاتف النقال مدى الانفصال بين العبادة والسلوك عند المسلمين ومدى انطباق مقولة “ساعة لألبك، وساعة لربك”.
بين الست وأحمد..

كتب أحد الإسلاميين مرة مقالا، ثم استشهد لظهور الحق بمقالة أحمد بن حنبل المشهورة ضد خصومه المعتزلة: “بيننا وبينكم يومُ الجنائز”.. ومعنى العبارة أن عدد من سيشهد جنازة أحمد بن حنبل سيكشف أن الحق مع أحمد

وهكذا كان إذ أن طرق بغداد أغلقت بالناس إلى المقبرة في جنازته… وهذا الاستشهاد من الكاتب حق ولكنه في غير زمانه لأن أحد الكتاب رد عليه قائلا: “إن من حضر جنازة أم كلثوم يفوق أعداد من حضر جنازة أحمد”، وربما صدق في قوله ولكن أخطأ الاثنان، إذ أن أمة أحمد هي غيرها أمة الست في جنازة أحمد، وفي جنازة الست أن أمة الست هي غير أمة جنازة أحمد… وهكذا هي أمتنا اليوم، أمة الست والعندليب الأسمر.

الإطلالة الثانية…
“إن شاء الله ما يجوز”

لنخرج خارج المسجد لنتعرف على الأحوال في الخارج…
كتبت قبل هذه المرة أن أحدهم سألني: هل يجوز تعليق لوحتي “الله” “محمد” في المساجد؟ فأجبت بالجواز، ولكنه بادرني سائلا، أليس ذلك من الممكن أن يكون ذريعة للشرك؟ فأجبته متسائلا: وكيف يكون ذلك ذريعة للشرك؟

فقال تكرار النظر إلى اللوحتين من الممكن أن يصور تماثلا بين الخالق والمخلوق… فقلت من قال ذلك؟
قال: أحد العلماء…
فقلت: أستحلفك بالله العظيم، هل خطر على بالك ذلك الخاطر قبل أن تسمع قول ذلك العالم؟ فقال: لا…
وآخر من شكله أزواج

مما سألت عنه قبل أيام أن رسالة تتداول عبر الهاتف النقال بأن كلمة “إنشاء الله” بالوصل حرام، بل يجب كتابتها بالقطع أي “إن شاء الله”… لأن كتابتها بالوصل تعني أن “إنشاء” يعني بناء، وكأننا نقول أن الله يُنشئ فهل هذا الكلام صحيح؟ فبهت ليس بعدم الإجابة، بل كيف يخطر على بال هؤلاء مثل هذه الأسئلة..

وآخر أيضا من شكله أزواج…

لازلت أعجب ممن يصر على جعل والدي النبي مسلمين، ويتعسف ويتشبث في إثبات دعواه، وعجبي أعجب ممن يصر في المقابل على كونهما مشركين من أهل النار، وكأن بينه وبينهما عداوة، ولا ينقضي عجبي ممن يفتي بطهارة بول النبي والتبرك به…

أما المصر على كون والدي النبي مسلمين، فأقول لماذا الإصرار، وما دواعيه؟ فهل إسلامهما سيزيده صلى الله عليه وسلم شرفاً أو كفرهما سيقلل من كمال شرفه وإن كان على جهة الإكرام له فما بال جده عبدالمطلب سيد الحرم ووالد والديه صلى الله عليه وسلم، بل وما بال عمه أبي طالب الذي كفله ورباه وخاصم قومه لأجله ودافع عنه إلى آخر حياته، أليس له كذلك نصيب من الإكرام؟

وأما المصر على كونهما مشركين وأنهما في النار، فأين عقلك من الآية القطعية الثبوت والدلالة: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً}الإسراء15…

مما تتشبث به من حديث الآحاد الظني الثبوت، وكأنك تفرح بكونهما مشركين دحضا فقط لحجة من قال أنهما مسلمان، ثم ماذا يسوؤك لو ماتا مسلمين…

وبودي أن أستفتي سعادة المفتي، ما ثمرة الخلاف في كون بوله صلى الله عليه وسلم طاهرا أو نجسا، وماحاجة هذه الامة المسكينة إلى ثمرة مثل هذا الخلاف، وهل طهارة بول النبي أو نجاسته داخلة في توقيره و محبته ثم أيليق بجناب النبي صلى الله عليه وسلم أن أجعل العامة يتداولون مثل ذلك… وقد كان عندما سألني أحدهم ضاحكا مستغربا من هذه الفتيا…

ماذا يعنينا كون بوله طاهرا أو نجسا وما أثر ذلك في تحريك هذا الأسنّ أو كسر هذا الجمود الذي نعيشه؟!

لماذا هذا الكلف في مثل هذا التكلف؟؟ إلى متى ونحن نتكلم في مثل هذا الفقه الميت وبين أسوار المقبرة وأوهام الشرك…؟ ألا ينتهي هذا الدوران حول هذا المحور؟ ألا يأتي أحد يحطم هذه الساقية ليحرر الثور؟!

الإطلالة الثالثة…
عربية بالنقطة
وإطلالة على حكومات أمتنا وبالأخص الأعضاء لجامعة الدول العربية، هذه الدول التي تحت يدها مقاليد التحكم في العالم وأعني النفط والمياه والثروة البشرية والعقل العربي الوضّاء الذي نراه يُرفع في الغرب، ويوضع إذا لم يرد رفعة الغرب بعملاء الغرب…

وجامعتنا العربية سليلة اللوردات لأن من أنشأها بريطانيا وفرنسا، ومن وضع بنودها بريطانيا وفرنسا، ومانح استقلال دولها بريطانيا وفرنسا، فهي عربية برفع النقطة فقط، وأنشأت لتكون بديلا عن الجامعة الإسلامية لخشيتهم من الإسلام على شدة ضعفه

ولا يخفى تشجيعهم الاجتماع على القوميات ومنه خرجت فكرة الجامعة العربية ومنح الاستقلال والألقاب من جمهوريات ملكية، وملكيات سلطانية، وتحديد الحدود… ليضمنوا العراك بينهم على هذه الحدود، والانشغال بمعاركهم فيما بينهم عن العراك معهم… ولم يكن ذلك من بنات أفكارهم، بل هم عالة فيها على أرسطو.

لما استولى الاسكندر على ملك فارس كتب إلى أرسطو يأخذ رأيه في ذلك فكتب إليه: الرأي أن توزع مملكتهم بينهم وكل من وليته ناحية سمه بالملك، وأفرده بملك ناحيته- أي حدّد حدود ناحيته- واعقد التاج على رأسه وإن صغر ملكه، فإن المسمى بالملك لا يخضع لغيره، ولا ينشب في ذلك أن يقع بينهم تغالب على الملك فيعود حربهم لك حربا بينهم، فإن دنوت منهم دانوا لك، وإن نأيت تعززوا بك- خوفا من بعضهم

كما حالنا اليوم بالتصاقنا بأمريكا خوفا من جيراننا- وفي ذلك شاغل لهم عنك وأمان لإحداثهم بعدك شيئا. فلما بلغ الاسكندر ذلك علم أنه الصواب وفرق القوم في الممالك فسمّوا ملوك الطوائف، فيقال أنهم لم يزالوا برأي أرسطو مختلفين أربعمائة سنة، لم ينتظم لهم أمر.
انتهى

الإطلالة الرابعة…
أشاعرة في ليفربول

قبل عدة سنوات كنت في بريطانيا بدعوة من الطلبة هناك وأثناء طوافي بمدنها لإلقاء المحاضرات سألني أحد الطلبة بمدينة ليفربول سؤالا غريبا على هيئته وشكله، أو قل لا يمكن ان يخطر على مثل هذه الهيئة المتحررة في لباسها أو في مصطلح شبابنا “فنكي” أن يسأل هذا السؤال…

وكان سؤاله: شيخ هل أنت أشعري؟!
فصدمت كيف يكون لمثل هذا الذي لايعرف في مباحث الطهارة أو ربما لايعرف كيف يصلي أن يسأل مثل هذا السؤال…
ثم أنّى لمثله أن يفهم الإجابة على سؤاله لو أجبته…
وكنا جلوسا على شكل حلقة فقلت سأجيب على سؤالك بسؤال
ولنبدأ باليمين. فلان ما قولك في قوله سبحانه: “واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا”…
فقال: أي في حمايتنا…
وأنت يا فلان؟
قال: في رعايتنا… وانت يا فلان؟
قال: في حراستنا…
ثم قلت: سؤالا آخر، قوله تعالى: “إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم”… ماذا تقول يافلان؟
فقال: أي أن الله يؤيدهم.. وأنت يا فلان؟
فقال ينصرهم.. وأنت يافلان؟
فقال يعينهم…
فضحكت وقلت: كلكم أشاعرة.
ومرت السنون وكنا نضرب عن ذلك صفحا خوفا من التلبيس على العامة حتى وقع المخوف واستفحل الأمر وبدأ يدرس كمنهج في الجامعة والمعهد الديني عندنا أن الأشاعرة ليسوا من أهل السنة والجماعة وأنهم فرقة ضالة ليُحكم بهذا الحكم الجائر على جل متقدمي الأمة ومتأخريها ومعاصريها من الأئمة والعلماء والأدباء بالضلال

فصار البيان لازما.. وكان أن أعددت مع الأخ الكريم فوزي العنجري كتابا جمعنا فيه أقوال الأئمة والعلماء من المتقدمين والمتأخرين والمعاصرين التي تبين من هم الأشاعرة وأن أهل الحق هم السلف والخلف، وأن الخلف هم الأشاعرة وحشدنا في ذلك الكتاب ما استطعنا من بيان فضلهم وثناء الأئمة عليهم
وتوّجنا ذلك الكتاب بتقريظات علماء ثقات من علماء الأمة المعاصرين، كالدكتور عجيل النشمي، والدكتور محمد عبدالغفار، والدكتور سعيد رمضان البوطي، والدكتور محمد حسن هيتو، ومفتي الجمهورية علي جمعة، ومفتي دمشق الدكتور عبدالفتاح البزم

وفتوى لجنة الهيئة الشرعية للإفتاء في دبي، والتي كان ردها:
“الأشاعرة: هم من أهل السنة والجماعة من أتباع أبي الحسن الأشعري، الذي سار على منهج الصحابة والتابعين تابعيهم أقوالهم المنسوبة إلى السلف، والأقوال المنسوبة إلى الخلف، وكل ماذكر مستند إلى الأدلة والنصوص، سواء إمرار الصفات على ظاهرها أو تأويلها بما يتفق مع الآثار واللغة.

فلا يجوز انتقاصهم ولا تبديعهم ولا تضليلهم، ومن انتقصهم فهو الناقص، ومن بدعهم فهو المبتدع، ومن ضللهم فهو الضال، لأن الأمة من خلال قرونها المتتالية تلقت أقوالهم بالقبول، واجتهاداتهم بالرضا والإنصاف”. انتهى

وكان الغرض من هذه التقريظات هو ردع المتطاولين وجمع الكلمة على مذهب الحق وهو مذهب السلف والخلف، وقطع دابر هذه الفتنة والتفرغ لما يجمع الأمة وإلا فهل يحتاج أهل الحق إلى بيان أنهم هم أهل الحق؟!

وليس يصح في الأذهان شيء ●●● إذا احتاج النهار إلى دليل

والعجيب أن البعض يأبى إلا أن يفرق وأن يصر على أن الحق عنده والباطل عند غيره وإن كان هذا الغير هو الجماهير الغفيرة من علماء الأمة وأئمتها..
وإليك قول علامة الكويت الشيخ عبدالله الخلف الدحيان رحمه الله تعليقا على تقسيم السفاريني لأهل السنة إلى ثلاث فرق:
“إذا قلت: لفظ الحديث يقتضي عدم التعدية حيث قال فيه صلى الله عليه وسلم:
(ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة كلهم في النار إلا فرقة واحدة وهي ما كان على ما أنا عليه وأصحابي)،
فالجواب: أن الثلاث فرق هي فرقة واحدة لأنهم كلهم أهل الحديث، فإن الأشاعرة والماتريدية لم يردوا الأحاديث ولا أهملوها، فإما فوضوها وإما أولوها، وكل منهم أهل حديث، وحينئذ فالثلاث فرقة واحدة، لاقتفائهم الأخبار وانتحالهم الآثار، بخلاف باقي الفرق فإنهم حكّموا العقول وخالفوا المنقول فهم أهل بدعة وضلالة ومخالفة وجهالة والله تعالى أعلم”.
انتهى

الإطلالة الأخيرة…
وأيضا… فيك الخصام وأنت الخصم والحكم..

ذكرت في مقالتي السابقة أنك كما أنك تقول بقول ابن تيمية، وأن قوله قول السلف فلماذا لا يكون قول مخالفه كذلك هو قول السلف أو فهم السلف، كقول الإمام النووي والغزالي وابن حجر العسقلاني لأنك في ذلك تجعل من الإمام ابن تيمية حكما على المسلمين… وتساءلت حينها في المقال من جعل من الإمام ابن تيمية حَكما على أئمة المسلمين؟

وإنني حين أتساءل وهذا تساؤل الكثيرين غيري ممن يخشى أن يظهر تساؤله مسكا بالعصا من الوسط أو رهبا من الإرهاب الفكري أقول: لماذا هذه الحساسية عندما يكون الحديث عن الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى، أليس هو إماما من أئمة المسلمين له ماله وعليه ما عليه كما يكون لغيره؟

ولماذا عندما أتكلم أو غيري عن ابن تيمية أصور كما صورني من رد على مقالي السابق بقوله: “ولكن الحقيقة التي أخفاها عن القراء- والتي استيقنت بها نفسه- …” ولا أدري ما الذي منعه من أن يكمل ظلما وعلوا بما أنه قد اطلع على خبيئة نفسي إذ بدأ رده: “بالأخ الفاضل حمد” ثم بدأ بنزع معنى “الفاضل” من ألفها إلى لامها في رده، وهذه هي النتيجة الحتمية للحوار العاطفي.

وانظر إلى العاطفة مرة أخرى كيف تعفي على الفهم وتطمسه.
كان تساؤلي في مقالي السابق: “من جعل من الإمام ابن تيمية حكما على أئمة المسلمين؟!”

ولا يخفى على اللبيب العاقل أنني أتساءل عن واقع نعيشه وهو كون ابن تيمية حكما على أئمة المسلمين نتيجة استدلال الآخرين بكلامه على كلام مخالفيهم كما هو موجود في ردودهم… أي أنني أتساءل عن حالٍ واقع لا عن أفراد كما فهم الأخ في رده عندما يقول: “غفر الله لك يا أخ حمد، فهلا أتيتنا بواحد ممن تدّعي أنهم الحكم والخصم يقول ما صرحت به عن ابن تيمية؟”…
فأقول: وغفر الله لك يا شيخ داوود، أنا في وادٍ وأنت في واد.

لماذا يكون نقاشنا دائما عاطفيا؟! من قال إنني عندما أعارض ابن تيمية أنني لا أحبه أو أنني أحارب مصنفاته، ويحذر منها من تتلمذت على أيديهم كما ذكرت في مقالك… إلى متى ونحن أسرى العاطفة؟!.. ألست تقول في مقالك “اعرف الحق تعرف أهله”؟!

فمن أنبأك أن الحق قطعا مع ابن تيمية، ومن عرفك بأن هذا هو الحق، أو من عرف ابن تيمية بهذا الحق وغيبه عن غيره من الأئمة الأكابر إن كان بهذا القطع والوضوح؟!
وأنا كذلك بدوري أقول: اعرف الحق تعرف أهله، ولكني أقولها عقلا لا عاطفة… ولن ألتفت إلى باقي الرد عندما يكون هذا بعضه.
إلى متى هذا الإرهاب الفكري؟

وإلى متى هذا النقاش العاطفي! وإلى أين قلب المفاهيم والسطو على الرأي الآخر، وإلى متى هذا الاغتصاب للعقول؟!

عندما أسمع هذا الخوض في مثل هذه القضايا وأنا أنظر إلى مصاب الأمة أصاب بالغثيان ويغتالني اليأس، وأقول إن أمة غافلة بعلمائها عن احتياجاتها ليست جديرة بالنهوض بل هي حقيقة بالإذلال والخسف والهوان..

ولكنني عندما أراجع نفسي وأعود إلى عقلي أرى ان ذلك إنما هو أمر طبيعي في طريق الإصلاح لركام هائل من الإفساد، فهو كما ذكرت في المقدمة انما هي أخلاط في الرحم التي ستلد القيادة والتمكين

وأزداد يقينا عندما أقرأ هذا الحديث وهو من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم لأن هذا الحديث من الأحاديث المكية أي في زمن استضعاف المسلمين حيث لا يوجد أية بوادر من الحسابات العقلية التي تؤيده، أو على قول المناطقة أن مقدماته ليست من الأضرب المنتجة، ورغم ذلك فقد تحقق الشطر الأول من النبوءة وبقي الشطر الآخر منها.

عن أبي قبيل كنا عند عبدالله بن عمرو بن العاص وسئل أي المدنيين تفتح أولا القسطنطينية أو رومية أي روما، فدعا عبدالله بصندوق فأخرج منه كتابا فقال: بينما نحن حول رسول الله نكتب سئل رسول الله أي المدنيين تفتح أولا قسطنطينية أو رومية فقال رسول الله مدينة هرقل أولا يعني قسطنطينية…. أو كما قال..

وقد فتح المسلمون القسطنطينية على يد محمد الفاتح العثماني، أفلا يكفي ذلك دليلا على الغلبة للمسلمين أخيرا.