الصفحة الرئيسية  »  مقالات » محطات على طريق المقالات

محطات على طريق المقالات

لست ممن يمسك العصا من الوسط.. كما أنني لست ممن يؤثر السكوت طلبا للسلامة.. ولكني ممن يفرح بمن يحمل المسؤولية عنه غيره، ويكفيه مؤنة مايريد قوله. وعندما طلب مني بعد الأفاضل الرد ودخول معترك المقالات قررت بعد تردد طال على استحياء مرة وعلى خيفة من صولة الصائل مرة، قررت دخوله…. مستبدا مرة واحدة…. إنما العاجز من لايستبد.
ولما كان دخولي المعترك متأخرا، بعد أن كادت الحرب تضع أوزارها، فلن يكون دخولي دخول المناقش والمزايد…. فما عساي أن أقول أو أزيد على مقالة أمثال الشيخ محمد عبدالغفار، أو مفتي الجمهورية الدكتور علي جمعة، أو الدكتور سعيد رمضان البوطي…. وماتغني مقالتي أو تزيد…. فيكفي من العقد ما أحاط بالجيد…. بل دخولي سيكون دخول الناظر إلى ساحة المعترك بعد أن كاد يخبو أواره، لينظر ما أسفر عنه العراك… ولذا عنونت مقالي بمحطات على طريق المقالات….. بناء على ما يجدر الوقوف عليه فأسميه محطة….

ولنبدأ بملخص سريع للطريق حتى تستبين محطاته: أفتى الشيخ الدكتور محمد عبدالغفار حفظه الله في حكم الطواف بالقبور بالحرمة، ثم حرفت الفتوى كالعادة من مجهول بالجواز، وأرسلت إلى الشيخ ابن فوزان الذي رد على الشيخ الدكتور محمد عبدالغفار و الذي بين بدوره الحكم الصحيح وهو الحرمة لا الجواز، فجاءت الردود المحمومة باقترافه هذه الكبيرة وهي مخالفته للشيخ ابن فوزان بأنه يدعو إلى الشرك والوثنية لأنه قال بالحرمة ولم يقل بالشرك، ورد من رد من العلماء وأدلى بدلوه أشباه علماء، ولم ينس الفراريج حظهم من الصياح بصياح الديكة….

والذي قرأ المقالات في الأسابيع الماضية لايخلو كونه واحدا من اثنين: عالم أو عامي، فأما العالم أو طالب العلم فإن تجرد فسيرى الحق في ركاب من يقول بأن الطواف حول القبور حرام ولا تصل به الحرمة إلى الشرك.. وهو قول الجماهير الغفيرة من الأئمة مع ابن تيمية رحمه الله تعالى في أحد قوليه…. وأما العامي فإن أعمل عقله فسيرى الجم الغفير من الأئمة السابقين والعلماء المعاصرين يقول بالحرمة لا الشرك، وأن الذي يقول بالشرك أقل من القليل، فتتحصل له القناعة العقلية بأن الطواف حول القبور حرام وليس شركا.
وبناء على هذين التصورين، ستتحصل لنا القضية التالية:
“أن المسألة احتملت قولا قويا ظاهر الرجحان تقول به الجماهير الغفيرة من الأئمة والعلماء…. وقولا مرجوحا بادي الضعف وهو قول ابن تيميه في أحد قوليه بالشرك….” إلى هنا ولا غرابة في الأمر، فلا تكاد تخلو مسألة شرعية من الخلاف….. ومن هنا تبدأ المحطة الأولى….
إصرار البعض على إلغاء الرأي المقابل الراجح ظاهرا وهذا أمر غريب…. ولا تلبث الغرابة أن تزول إذا عرفنا أسبابه… وأولها: عدم تبني هذا الرأي من اعتادوا أن يأخذوا عليه علمهم أو فتاواهم….. وعلى هذا فلابد أن يقول بهذا الرأي فلان وإلا كان سقطا من القول……. وهذا أمر درج عليه الكثيرون عندنا في الكويت وهو من موروثات وتراكمات الصحوة الإسلامية قبل ثلاثين عاما تقريبا…. حيث أن كثيرا ممن حمل عبء الدعوة آنذاك لم يكلف نفسه عناء البحث عن القول الآخر فتسربل الفكر بهذا الموروث…. والذي بدأ البعض مؤخرا يفيق منه متأخرا…. فحار بين الجهر بالاعتراف بالغلط سابقا فاللوم، والإسرار به فالسلامة….. وغاب عن هؤلاء أن الرجال علامات وأمارات على الحق، وليسوا عللا لوجوده…. يلزم من وجودهم وجوده، ومن عدمهم عدمه…. بل الرجال بمعية الحق وركابه، وهم حاشية الحق وموكبه.
ثانيها: تقديس الرجال….. وهي طامة الطامات ومعضلة المعضلات، ويرجع تقديس الرجال إلى الانبهار بالأشخاص والألقاب وعدم تصور طروء الغلط على غالب أقوال متبعيهم، وإن كان هذا التصور لازما في أقوال مخالفيهم….. والغريب أن أشد من ينهى عن تقديس الرجال هم أكثر الناس وقوعا به….. فلو قلت له قال فلان، قال ما دليلك..؟! وإن قلت له ما دليلك..؟؟! قال: قال فلان.
المحطة الثانية..
النيل من المخالف…. وهذا أغرب من سابقه
فلماذا أنال من المخالف؟؟! ومن هو هذا المخالف حتى أنال منه؟! أليس مريدا للحق كما أنت له مريد..؟! أليس بغيته الحق كما الحق بغيتك؟! ألسنا نريد الوصول إلى الموقع؟ فلماذا نبغض من يريد إرشادنا إليه؟! ولماذا تمزيق خريطة الغير مادامت ترشد إلى نفس الموقع..؟!
لماذا يتحول النقاش في مسألة علمية إلى قضية عاطفية..؟! وأظن أن البعض يعتقد أن المخالفة بالأقوال، مساس بالرجال، وذلك غلط فاحش، ويرجع سببه إلى الجهر بأسباب الاختلاف، وإنكار ماتقتضيه العقول، ومايقرره المنقول والمعقول…. من أن الخلاف واقع حتمي…. وقع أمامه صلى الله عليه وسلم وأقره، ولم يزل واقعا منذ خير القرون إلى اليوم…. وبالجهر بهذه الحقيقة يتحول الانتقاد إلى انتقاص، والتماس المعاذير للزلات إلى تقصي وتسقط عثرات.
المحطة الثالثة….
إعطاء المسألة أكبر من حجها، وأهمية أعظم من حقيقتها.
الذي قرأ المقالات في الأسابيع الماضية يرى من البعض ردودا محمومة في مسألة خلافية، لم نر منه معشار هذه الحماسة في الرد على قضايا مصيرية…. من نظام ربوي يلعن الأمة…. وإفساد متعمد لشباب الأمة…. وتطبيع مرحلي لمسخ إسلام الأمة…. فأين هؤلاء من هذه القضايا المصيرية..؟! إلى متى يعيش بعض المشايخ والعلامات البعد الآخر من الحدث…. ويعزفون النشاز من النغم…. إلى متى التغريد خارج السرب… إلى متى نتبرع للعدو بالانشغال عنه بأنفسنا فيخلو له الجو فيبيض ويصفر وينقر ما يشاء له أن ينقر..
إلى متى نختلف في أمور نستطيع ألا نختلف عليها.. إلى متى لايدرك بعض مشايخنا وعلاماتنا مايدركه العوام من أولويات مهمات أمتنا..؟!! إلى متى المغالات في الرأي والسطو على الفكر.. ألا تدركون أن تعدد الأقوال يقطع على العدو فرصته باستغلال المغال بالقول فيوحي له بأن مخالفه على باطل وأنه لابد من كشف أباطيله وأنه لا نهوض للأمة بوجود أمثال هؤلاء المبتدعة الضلال فننشغل عن العدو ليفعل ما يحلو له ويريد…. خلافا لتعدد الأقوال والذي هو من سمات هذه الأمة ومن رحمة خالقها بها… فهو يقطع على العدو فرصته… ويسقط منه ورقته… فالحق مظنون والرأي الآخر معتبر والخلاف سائغ بشروطه…. فلا فرصة لإيغال الصدور بل… رحمة ومنحة وشفاء لما في الصدور……

وقد فقه السلف ذلك وفرحوا به وارتضوه… قال الإمام الحجة القاسم بن محمد بن أ[ي بكر الصديق رضي الله عنهم: (لقد نفع الله باختلاف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في أعمالهم، لا يعمل العامل بعمل رجل منهم إلا رأى أنه في سعى، ورأى أن خيرا منه قد عمله) – جامع بيان العلم وفضله لابن عبدالبر.
بل أن عمر بن عبدالعزيز يقول: (ما أحب أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا، لأنه لو كانوا قولا واحدا كان الناس في ضيق، وأنهم أئمة يقتدى بهم، فلو أخذ رجل بقول أحدهم لكان في سعة) – المصدر السابق. وذلك ما دعى الموفق بن قدامه الحنبلي وغيره من الأئمة أن يقول عن أئمة الإسلام: (اتفاقهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة).
المحطة الرابعة…
خاص جدا… هذه الوقفة مع أخي وحبيبي وأول من أخذ إلى الهدى بناصيتي الشيخ الدكتور جاسم مهلهل الياسين، أعاتبه فيها بالعلن…. ولماذا أعاتبه بالعلن وليس سرا كما سيقول بعض الأحبة؟! وأقول لأنه مايشاع في العلن يناقش في العلن ومايقال سرا يناقش سرا…. وما أظن سعة حلمه على غيري تضيق على نزق طيشي… وهو الذي كابد وثابر وصابر في الدعوة ما صابر … وعزائي مايعرفه أبو معاذ من حيائي.
أقول: قال الشيخ الدكتور جاسم مهلهل بمنتداه (منتدى الفكر والحضارة)، الذي يفرحنا كثيرا بعناوينه، ويحزننا بعض الشيء بمضامينه… معلقا على مسألة الطواف بالقبور…. قال: “وحتى نكون أكثر ما أثير من مواضيع محل استغراب شخصي من طرفي، فأنا ومنذ بدايتي في تلقي العلم الشرعي عندما كنت في منتصف العقد الثاني من عمري، ومنذ أخذت أنهل من العلم على يد المشايخ الكرام، ومنذ اطلعنا على مقالات شيخ الإسلام ابن تيميه وتلميذه ابن القيم، وحتى اطلاعنا على مؤلفات الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب القيمة، ورسائل الإمام حسن البنى رحمة الله على الجميع لم نجد هذا الخلاف المطروح اليوم، فالمسألة محسومة عند كل هؤلاء الأئمة ومن سبقهم، وإني لأستغرب أساسا أن يفتح النقاش حول تلك المسائل بالذات باعتبار أن الإجماع شبه منعقد على الرأي الراجح فيها بالدليل والحجة والبرهان”…. انتهى. (الوطن- مايو 2006)
أقول لأخي الحبيب الدكتور جاسم مهلهل الياسين… ولا يقل استغرابي شيئا عن استغرابك إن لم يكن أشد… فالإجماع الذي ذكرت شبه منعقد بالأدلة والبراهين على القول الراجح بأن الطواف على القبور حرام خلافا لمن قال بأن الطواف حول القبور شرك… وهو قول ابن تيميه، وابن القيم، ومحمد بن عبدالوهاب…. وهو ماتوهمته خطأ… فالإجماع على قول غيرهم لا على قولهم…. ولاتثريب عليك في هذا الخطأ الفادح القادح….

فالأفئدة آنذاك يوم كنت في العقد الثاني من عمرك، كانت أفرغ من فؤاد أم موسى…. فأخذت ما أخذت على أنه مسلمات، فأنى لك الاطلاع على القول الآخر وأنت تقرر اطلاعك وأخذك على منهل واحد وعلى مدرسة واحدة بداية من ابن تيميه وانتهاء بمحمد بن عبدالوهاب ومرورا على ابن القيم…. فتخرجك على هذه المدرسة ضيع عليك فرصة الاطلاع على القول الآخر بإهمالك الأخذ على المنهل الآخر… فتحصل لك هذه القضية الخاطئة المبنية على ذلك التصور الخاطئ…. فرحت تقول في بقية حديثك: (لم يعد الأمر المطروح بحاجة إلى إيضاح وشرح، ولكني أقرر وأقول أن الاحتفال بالمولد بدعة وأن الطواف بالقبور شرك) انتهى……

وقولك لم يعد الأمر المطروح بحاجة إلى إيضاح وشرح تقرير منك بأنه أمر مسلم عندك…. وهذا ظن بين خطؤه…. وهو من مسلمات موروثاتك السابقة بأخذك من منهل واحد…. بل الأمر الواضح والرأي الراجح في ركب الجماهير الغفيرة، بالقول بأن الطواف بالقبور حرام، تحريرا للمسألة وبعيدا عما اسميته بقضية ثقافية، وإقرارا منك بأن السلف يتبع الأدلة وينقاد لها وهو على الجادة حيث يجد جمهور الأدلة…. فهلا تابعت أخي الحبيب جمهور الأدلة وقلت بالحرمة كما قالت الجماهير الغفيرة من الأئمة والعلماء….
أخي الحبيب إلى قلبي والقريب إلى نفسي بمناسبة اطلاعك على مؤلفات الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب… أدعوك للاطلاع على كتاب (داعية وليس نبيا) للأستاذ حسن بن فرحان المالكي – دار الرازي، ففي الكتاب من الجديد ما لم تطلع عليه من التجديد…. وهي دعوة عامة مني للجميع.
ملاحظة.. أقوال جماهير العلماء
المحطة الخامسة….
اللحن الخالد… (بدعة المولد، الإسراء والمعراج، التوسل، الطواف بالقبور).. هذه معزوفة واحدة مذهبها واحد… وغصونها متعددة تعزف حين مناسباتها إلا أنها اليوم أصبحت معزوفة تعزف لجميع المناسبات بمناسبة وبغير مناسبة، وجد السامع أم لم يوجد… الفتيا فيها واحدة… والقول فيها واحد بإصرار وسبق تعمد على إلغاء القول الآخر الظاهر القوة والرجحان وهو قول الجماهير الغفيرة من الأئمة والعلماء.. وإليك أنموذجا على إلغاء القول الآخر الظاهر الرجحان..
سئل أحد كبار العلماء عن حكم الاحتفال بالمولد (فأجاب بأن الاحتفال فيه بدعة… وأنه ليس من الإسلام في شيء)…هكذا وبكل إصرار…. ليس من الإسلام في شيء؟؟!!
لو سألنا فضيلة الشيخ وأتباعه ماذا تقولون بإمامة ابن حجر والنووي والسيوطي والسخاوي وابن كثير، وغيرهم ممن يقولون بجواز المولد..؟!
فإن أقررتم… فسنقول وكيف يقر من أقررتم بإمامتهم ما ليس من الإسلام في شيء..؟! وإليك طائفة من أقوالهم..
قال الحافظ بن حجر العسقلاني: (وأما مايعمل فيه-أي المولد- فينبغي أن يقتصر فيه على ما يفهم منه الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم ذكره من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب، إلى فعل الخير والعمل للآخرة، وأما مايتبع ذلك من السماع واللهو وغير ذلك فينبغي أن يقال: ما كان من ذلك مباحا بحيث يقتضي السرور بذلك اليوم، لا بأس بإلحاقه به، وما كان حراما أو مكروها فيمنع، وكذا ما كان خلاف الأولى) – الحاوي للفتاوي للسيوطي، ج1، ص196.
وقال الحافظ السخاوي: (ولازال أهل الإسلام في سائر الأقطار والمدن الكبار يحتفلون في شهر مولده صلى الله عليه وسلم بعمل الولائم البديعة المشتملة على الأمور البهيجة الرفيعة ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم) – السيرة الشامية، ج1، ص439.
وقال الحافظ السيوطي في رسالة سماها “حسن المقصد في عمل المولد”، وفيها يقول: (لذلك يستحب لنا أيضا إظهار الشكر بمولده صلى الله عليه وسلم بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات وإظهار المسرات) – المصدر السابق، ص196.
وقال الحافظ بن كثير: (كان الملك المظفر أبو سعيد يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل به احتفالا هائلا، وكان شهما شجاعا، بطلا عاقلا عادلا رحمه الله تعالى وأكرم مثواه) – البداية و النهاية لابن كثير، ج13، ص137.
وإنني لأتساءل بعد كل ما ذكرت من أقوال للأئمة بجواز الاحتفال بالمولد، كيف يجيز هؤلاء لأنفسهم أن يقولوا أن الاحتفال بالمولد ليس من الإسلام في شيء، لماذا الإصرار على إلغاء الرأي الآخر… لماذا لا أقول إنني لا أقول به وإنني أرى حرمته من غير أن أبدع أو أضلل أو أن أتهم بفعل ما ليس من الإسلام في شيء… لماذا السطو على القول الآخر واستباحته وتمزيقه؟؟! ألا يكفيك أن تأخذ بقولك وتترك القول الآخر للآخرين؟؟!… ولو حدث وأخذ الآخرون بقولك… فما هي النتيجة الباهرة المرجوة لهذا الأخذ؟؟! هل قطع دابر الخلاف في المسائل الأخرى أم ينتقل العراك إلى معترك آخر….؟!
المحطة السادسة…
الخطر المزعوم.. يروج البعض هذه الأيام لقضية جديدة يشغل بها الأمة ويصورونها تهمة بما يشيعونه من خطر للصوفية على الأمة… وأنها الخطر الداهم على شباب الأمة، والهادم لثوابت الأمة…. وكل عاقل متجرد يعرف للصوفية فضلها يقول كما قالت العرب: “وهذه شنشنة أعرفها من أخزم”….. ونقولها بالعامية: “هذا كلام ماخوذ خيره”..
لست صوفيا وإن شرفني أن أنسب إليها أو أن أصنف من متبعيها أو موافقيها، كيف لا، ولهم من المناقب والمحامد ما ينحدر عنه السيل، ولايرتقي إليه الطير.
أريد أن أخاطب من كان له من العقل بقية، ومن التجرد ما يرده عن غيه…. أتعلمون ما لوازم الحكم على الصوفية بالضلال كما يحلو لهؤلاء أن يحكموا عليهم..؟! لو قلنا بما يقول هؤلاء للزمنا أن نحكم على أكابر الأمة من العلماء والأئمة من المتقدمين والمتأخرين والمعاصرين بالزيغ والضلال…

فمن المتقدمين: الحسن البصري، والحارث المحاسبي، وإبراهيم بن أدهم، والفضيل بن عياض، ومن المتأخرين: حجة الإسلام الغزالي، والفخر الرازي، والنووي، والسخاوي، والسيوطي، وابن حجر الهيتمي، ومن المعاصرين: فالشيخ متولي الشعراوي، وأبو الحسن الندوي، وشيخ الأزهر الأسبق عبدالحليم محمود، ومفتي الجمهورية الأسبق والمفسر الجهبذ حسنين محمد مخلوف، وخلق كثير غيرهم مما لايقع تحت الحصر والعد على كر الدهور والعصور.
ومن مشاهير الفاتحين، بل وممن تم على يديهم أعظم الفتوح بعد فتوح الصدر الأول: عماد الدين زنكي، مسترد إمارة الرها من الصليبيين، وابنه الشهيد نور الدين محمود بقية المجاهدين، وصلاح الدين الأيوبي صاحب حطين، وسيف الدين قطز صاحب عين جالوت وداحر التتر، وخاتمة الفاتحين، محمد الفاتح، فاتح القسطنطينية وصاحب جيش من استغفر لهم سيد الأولين والآخرين.
وانظر مايقوله الإمام الأصولي الشاطبي في كتابه العظيم: “الاعتصام” ص، دفاعا عن الصوفية وتبرئة لهم من تطاول الجهال، قال: (ثم ظهرت البدع، وادعى كل فريق منهم زهادا وعبادا، فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفسهم مع الله، الحافظون قلوبهم عن الغفلة باسم: “التصوف”).. انتهى… فانظر كيف جعل الإمام الشاطبي الصوفية هم خواص أهل السنة…
لاشك أن الصوفية قد دخل فيها من ليس من أهلها، وأدخل فيها ما ليس منها، ولكن أن نجعل من الصوفية مرادفا للشرك والضلال أو التطبيل والتزمير، فذلك ضرب من الجور وإيغال في الجهل…. أريد أن أحاكم هؤلاء الإخوة، المهتمين جدا بشؤون الأمة، والخائفين من الصوفية على شباب الأمة، وأحتكم معهم إلى العقل، فأقول…
لو أراد أحدكم التعريف بالإسلام، فبماذا سيبدأ؟!
لاشك أنه سيبدأ تعريفه ببيان صلاحية الإسلام لجميع العصور، وشمولية منهجه لإصلاح جميع مناحي الحياة…. ولاشك أنه سيذكر رجالاته العظام بدأ بالنبي صلى الله عليه وسلم والآل والأصحاب رضي الله عنهم وأرضاهم، ومرورا بأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم ممن تتزين بذكرهم المناهج والمجالس…
فما قولكم أيها السادة لو أراد آخر التعريف بالإسلام، فبدأ كلامه عن التدافع عند الجمرات، وسقوط الوفيات، أو مانراه على الفضائيات من تشويه متعمد للإسلام، عن طريق من ينتسبوا جورا للإسلام…. ثم راح بعد ذلك يتكلم عن رجالاته العظام، فبدأ بالحجاج بدل عمر بن عبدالعزيز أو تيمور لنك بدل ابن تيميه؟!!
لاشك أن من يرفض تعريف الإسلام بالحجاج وتيمور، يلزمه قطعا أن يرفض تعريف الصوفية بالحلاج أو……، بهذه المقدمات الواضحة تظهر لنا نتيجة واضحة، وهي أن قياس الكل المبدع على الجزء المبتدع قياس ظالم جائر يرفضه كل محتكم إلى عقله ومتجرد إلى دينه…. فيا أيها الإخوة الأحبة، المهتمون بشؤون الأمة… أليس هناك خطر أعظم من خطر الصوفية المزعوم؟!؟…. هل ندلكم على خطر التطبيع القادم على أمتنا، أم على فتك المخدرات بأبنائنا، أو على ضياع الشباب والفتيات بأسواقنا..؟؟! لماذا لا نحس منكم من أحد أو نسمع لكم ركزا ؟!… (ولا.. أبوي مايقدر إلا على أمي؟!)…
المحطة السابعة…
أولويات مبعثرة…
نقاش البعض المحموم في هذه المسألة الخلافية يعكس لنا مدى بعثرة الأولويات عند كثير من المشايخ والدعاة، وما أكثر من يبعثر… وإليك هذه الحادثة..
سألني أحد المصلين: “ماحكم تعليق لوحات الله – محمد، في المساجد؟؟” فأجبت بالجواز، إن لم يؤد كبرها أو زخرفتها إلى شغل المصلين، ولن يجاوز ذلك حكم كراهة تعليقها، فأجاب سائلا.. “ألا يؤد ذلك إلى الشرك؟” فقلت: “لم أفهم المراد ولا العلاقة!!”، فقال: “ألا يؤدي تكرار النظر بالتوالي للوحتين إلى المساواة بين الذاتين، ذات الله وذات النبي؟ وبالتالي الشرك؟”، فقلت: “ومن يقول بهذا؟؟”، قال: “الشيخ فلان”.. فقلت: “أستحلفت بالله، هل خطر على بالك مثل هذا الخاطر قبل أن تسمع الفتوى؟”، فقال: “لا”.
معاشر النبلاء… كما يردد دائما الكاتب محمد المليفي… إلى متى نعيش أوهام الشرك والوثنية، ولماذا الإصرار على إدخالها العقول؟!…. نحن مسلمون ولله الحمد، نعيش في بلاد الإسلام، وبين علماء الإسلام، فلسنا في شاهق جبل، ولا مجاهل غابة، ولسنا حديثي عهد بإسلام…. إذن فالأصل صحة الاعتقاد وسلامة الدين وخلافه عارض، فإلى متى لاندرك أن أولوياتنا مبعثرة؟!.. إلى متى لاندرك أن الأهم أولى من المهم، والمهم العاجل أولى من المهم الآجل، وماتراه أنت ضروريا مهما ليس بالضرورة أن أراه بنفس الأهمية، فيا أيها الأحبة، لابد من توحيد الأولويات والاتفاق على ترتيبها، وإلا فلن نخرج أبدا من دوامة هذه الخلافيات.
محطة الوصول… حلاقة الدين….
عندما كنت أملي على ابنتي المقال لطباعته سألتني تقول: “ما معنى قولك في مقدمة المقال (على خيفة من صولة الصائل؟)، فقلت: أعني من يترصد عثراتي ويتبع زلاتي، فالمترصدون كثر، ومن يخفي الحسنة ويظهر السيئة أكثر… والذي يغلب على ظني أنني سأسمع ما يسوؤني بعد هذا المقال، ولكني أتعزى وأتصبر بقول القائل…
عداتي لهم فضل علي ومنة،،،فلا أذهب الرحمن مني الأعاديا
همو بحثوا عن زلتي فاجتنبتها،،،وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا
وحسبي من الأجر خالص نيتي فيما كتبت، وإني امرؤ كثير الذنوب، أفرح بمن يخفف عني من ذنوبي، فما أكثر ما أسمع بمن يفتي بضلالي، وعدم جواز الصلاة خلفي، وعدم رد السلام علي، بل ووصل الأمر بأحدهم أن يقول: “لو قاعد على شغله أول، أحسن له من ألحين”، يعني حياة الفن السابقة عنده لي أفضل مما أنا عليه الآن من الدين…. لاشك أن من يصدر منه مثل هذا الكلام فاقد للدين والحياء، وهذا من نتاج فساد ذات البين بيننا، والتي يسميها النبي صلى الله عليه وسلم “الحالقة للدين”، كما في الحديث الذي رواه الترمذى عن أبى الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى، قال: إصلاح ذات البين فإنّ فساد ذات البين هي الحالقة.”. وفى رواية أخرى أنه صلى الله عليه وسلم قال: هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين” اهـ.
وفساد ذات البين بين المسلمين هو الظاهرة الظاهرة من خلال مقالات الأسابيع الماضية…. فما أن يتكلم أحد في مسألة حتى ينبري له المخالف تبديعا وتضليلا لمعتقده، وتحريفا لمقالته، بل وطعنا في ذاته.
نحن لانرفض النقاش، ولكننا نرفض أن يتحول النقاش إلى صالون لحلاقة الدين، تحلق فيه المودة، وتصفف فيه البغضاء، وتنتف فيه أواصر الأخوة.
نحن ندعو إلى النقاش العلمي الذي يقوم على تحرير المسألة لا على تحريفها، والوصول إلى الحق بما أريد، لا إلى الوصول على الحق لما أريد… أي أنني أناقش لإحقاق ذات الحق، لا أن أناقش لأري رأيي، وأخالف بقولي… فهذا هو الخلاف المصنوع المذموم، وهذا هو الخلاف الذي يراد به الظهور على الخلق، لا الرغبة في إظهار الحق… لماذا؟؟! لأن من كان طلبته لا يهمه أن يظهر الحق على لسانه أو لسان غيره، كما يقول الإمام الشافعي المطلبي رحمه الله تعالى: (وددت لو أن هذا العلم انتشر، ولم يعرف صاحبه)….

وأما راكب الحق للوصول فيكفيه باطلا أن يصل إلى باطله بامتطائه الحق، وهو عين ماقاله سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه للخوارج: (هذا حق أريد به باطلا)… نحن جميعا نطلب الحق، ولو كان الحق مقطوعا به لما اختلفنا، فاختلافنا راجع إلى مظنونية الحق، وهو أمر طبيعي حتمي يقرره العقل والنقل كما ذكرت سابقا، وبناء عليه فعلى المسلم أن يخرج من قوقعة الاعتداد بالرأي، والإزراء بالرأي الآخر، إلى رحبة تعددية الأقوال والآراء….. كلنا يقر ويعتقد بأن كلن يؤخذ من رأيه ويرد إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم…. وعلى هذا فلا يمكن ادعاء الصواب المحض مادام الغلط محتملا، فقولي خطأ يحتمل الصواب، وقولك صواب يحتمل الخطأ….

لماذا لانعيش هذه المقولة المريحة الدافعة للضيق بالقول المخالف، مما يستغله المتربصون والفرحون بكل شقاق يوهن الأمة، وفي مقدورنا أن نفسد عليهم فرحهم بتوسيع ساحة الرأي والتسليم بحتمية الخلاف، ولا سبيل لذلك إلا بالتناصح والصبر الجميل، والدفع بالحسنى، ومخاطبة العقل أبدا، والتذكير بواقع الأمة وحاجتها الماسة إلى هذه الجهود الضائعة، فتأليف القلوب مطلوب لذاته مقدم في كثير من الأحيان على غيره… ومما يقرب من ذلك ما يقوله الإمام ابن تيميه رحمه الله تعالى: “يستحب للرجل أن يقصد إلى تأليف القلوب بترك هذه المستحبات، لأن مصلحة التأليف في الدين أعظم من مصلحة فعل هذا” – مجموع الفتاوى…. هذا ما أردت بيانه من خلال المقال فإن أحسنت فمن الله وتوفيقه، وإن أسأت فبذنبي.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

استطلاع رأي زوار موقع المستنير