نشأة اللغة

نشأة اللغة
اختلف العلماء اختلافا واسعاً في مسألة نشوء اللغة، على امتداد الحضارات القديمة والحديثة، فكان الفلاسفة وعلماء اللغة مشتغلين بفكرة البحث عن أصل اللغة، كيف نشأت؟
ومن أين جاء الإنسان بهذه القدرة على الكلام؟
وهل أن اللغات المتعددة للشعوب كانت في الأصل لغة واحدة تعددت لهجاتها فصارت لغات متقاربة أو متباينة؟
أو أن الأصل لم تكن لغة واحدة بل كانت لغات نشأت مستقلة بعضها عن بعض بين أقوام مختلفة من الأرض؟
ومتى عرفت الإنسانية اللغة والتعبير بالكلام ؟
أسئلة كثيرة تحتاج لأجوبة والمصادرالتي بين أيدينا عاجزة عن كشف السر وما يدور من نقاش في حلقات الدراسة لا تخرج عن دائرة التخمين والافتراض.
لقد قيل في نشأة اللغة عدة نظريات أهمها:
1 ) أنها توقيفية، أي بتعليم ووحي إلى آدم من ربه لقول القرآن (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا)(البقرة:31) ،أي وقفه على اللغة، وفي الديانة اليهودية والمسيحية أن الله خلق آدم وخلق لغة معه في وقت واحد لأن الله كلم آدم بلغته وردّ عليه آدم بلغته.
2) أنَّها ابتدعت واستحدثت على أيدي جماعة ممن يتمتعون بعقلية عالية اجتمعوا ليصطلحوا على أسماء الأشياء، فوضعوا لكل واحد منها سمة ولفظا، وقد ذهب إلى هذا الرأي ابن جني و تبعه جان جاك روسو، وقد اعتبر الأخير اتفاق الحكماء ظاهرة من ظواهر (العقد الاجتماعي)
3) أنَّها نشأت بسبب محاكاة البشر لأصوات الطير والحيوانات والزوابع والأصوات المسموعة كدوى الريح و, حنين الرعد , وخرير الماء و, نزيب الظبي , ونعيق الغراب , وصهيل الفرس , ونحو ذلك .
رأى علماء المسلمين
وقف العلماء المسلمين أمام قوله تعالى في سورة البقرة :
( وعلم ادم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين )
ونجد الطبري في تفسيره يذكر شتى الأقوال في ذلك ويقول عن ابن عباس قال علم الله تعالى أدم الأسماء كلها وهى هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس : إنسان ودابة وحمار وسهل وبحر وجبل وأشباه ذلك من الأمم وغيرها،
كما يروى عن مجاهد أن الأسماء التي علمها الله أدم ( ما خلق الله تعالى كله ).
أما ابن جني فيقف مذهولاً أمام سحر العربية ورقتها ودقتها و يرجع عن كلامه ويرى أنها أي العربية لا يمكن أن تكون مأخوذة من أصوات الطبيعة ويميل بنهاية بحثه إلى أنها وحى من الله .
اللسان العربي
عندما عاش الأعاجم وبالأخص الفرس منهم في بيوت مبنية بالصخر والحجر ، وقد أذلهم ملوكهم أًيَما ذل جاءت لغتهم ضعيفة بمفرداتها فضلا عن أن لم يكن لهم حرف يكتبون به . بخلاف جيرانهم العرب الذين عاشوا في البوادي والفلوات ولا يحصرهم بناء ولا يقيدهم أدهم فنشأت أخلاقهم حرة أبية تأنف الذل وتفضل الموت عليه وبعيدة عن كل ضيق أو جور فجاءت لغتهم غنية بالألفاظ وبقدر ما يتمتعون به من حرية فهي لا تعرف حدودا لدرجة أن لم يستطع احد أن يلم بها إلا نبي كما ذكر أهل العلم . فهي لغة لا تعرف الضنك .
ومن المزايا التي تفردت بها هذه اللغة ما يدعونه المثنيات التي لا تفرد وهى قسمان: الأول تلقيبي ، والثاني تغليبي
فالتلقيبى : هو ما إذا أفرد لم يفد المعنى الموضوع له في التثنية فلا يصح إطلاقه على أحد المسميين
والتغليبى : هو ما إذا أفرد صح إطلاقه على المتغلب من الإثنين .
أما التلقيبى فمن أمثلته :
( الأبْرَدان ) ويراد به الغداة والعشىُ
و( والأذلاَّن ) الحمار والوتد
و(الحَجَران ) الذهب والفضة
و ( الرافدان ) دجلة والفرات
و(الأصفران ) الذهب والفضة
و( الأسودان ) الماء والتمر
و( النيران ) الشمس والقمر
( والثَقَلان ) الإنس والجن
( والأبيضان ) الماء واللبن.
ولاحظ إنك لو حاولت إفراد أي من هذه الكلمات فإنك لن تفيد المعنى.
أما القسم الثاني وهو التغليبى فمن أمثلته :
( الأَبَوان ) الأم والأب
و(القَمَران ) الشمس والقمر
و( العُمران ) وهما أبوبكر وعمر
و ( الجرادتان ) مغنيتان كانتا بمكة، إسم إحداهما جرادة، والأخرى رباب .
ولاحظ أنك هنا تستطيع أن تفرد بكل يسر.
الهندسة في اللغة العربية
إن الذين يدرسون الألسنة يدركون هذه الأغوار الحافلة بالنوادر الهندسية والتي وضعها مناطقة اللغة الأولون
وللحروف العربية أوزان فالحاء مثلا تساوى عشرة جرامات والقاف تساوى خمسون جراما.
فتجدنا نقول حرث الأرض, والأرض سهل شقها، ونقول فلق الصخر والفلق عملية شاقة.
ونقول حرس المكان واقتحم المكان والاقتحام يتطلب جهدا ولاحظ أن الأحرف الثقيلة تنطق مع كل أمر فيه مشقة
واسأل نفسك لماذا تقول ( قطف ) الثمرة، و( قطع ) الشجرة والحقيقة هي أن حرف الفاء أخف وزناً من العين فالثمرة لا تحتاج إلى شدة في قطفها على عكس الشجرة التي تحتاج فأساً لقطعها.
ولاحظ معي أن حرف العين ( ع ) ينتهي بقوس طويلة تشبه مقدمة الفأس بينما تأتى الفاء ( ف ) لترسم قوسا عكسية تشبه حد الشفرة.

ظهور الحروف والكتابة
يروى الماوردى في كتابه أدب الدنيا والدين( ص48) أن هناك اختلاف في أول من كتب العربية فذكر كعب الأحبار أن أول من كتب بها أدم ثم وجدها بعد الطوفان إسماعيل .
وحكي ابن عباس أن أول من كتب بها ووضعها إسماعيل على لفظه ومنطقه.
وحكي عروه بن الزبير أن أول من كتب بها قوم من الأوائل أسمائهم أبجد وهوز , وحطى , وكلمن ,وسعفص ,وقرشت ,وتخذ ,وضظغ وكانوا ملوك مدين .
وحكي ابن قتيبة أن مرامر بن مرة قد سبقهم إلى الكتابة وهو من أهل الأنبار ومنها انتشرت .
وعموما كل ما ذكر بهذا الخصوص أمر لا فائدة منه لبعد الزمان وامتناع نطق الآثار.
ففي عصرنا الحديث أثبت العلماء عن طريق فك رموز الكتابة القديمة وتحليلها أن منطقة سيناء هي السباقة إلى معرفة الكتابة ولكنها كتابات تصويرية تعبيرية، فاقتبس الفينيقيون الأحرف التصويرية وحولوها إلى رموز صغيرة تؤدى معاني كبيرة .
فخذ مثلا حرف الألف ( ا) مأخوذ من رأس الثور وحرف (م) من الماء، وحرف ( و) وتد وحرف ( ب) بيت
و(ك ) كف و(ع) عين و (ج ) جمل بارك و( ل) عصا، و( هـ ) شبكة و الراء يرمز للرأس.
وقد اشتهرت الأبجدية الفينيقية اشتهاراً واسعاً في المنطقة، وتطلعت الأمم إليها رغبة في اقتباسها وفى القرن التاسع قبل الميلاد دخلت الأبجدية إلى أوربا عن طريق قدموس الفينيقى كما يذكر هيرودوت .
ومن الطريف أن اليونان عندما اقتبسوا الحروف كتبوها في بادئ الأمر من اليمين إلى اليسار ولكنهم بعد حين عزفوا عن هذه الطريقة وكتبوا من اليسار إلى اليمين وسبب ذلك أن الساميين كانوا ينقشون الكتابة بالأزميل والمطرقة ، والأزميل عادة يمسك باليد اليسرى والمطرقة باليد اليمنى .
وبعد حين اكتشفوا المداد، فكتبوا بريش الطيور والتي إ سمها ( pen ) ومازال هذا الاسم.
هذا ما حضرني ولعله شًذ منها ما لم يكن في الخاطر فإن العربية بحر بعيد غوره وذهب علماؤنا إلى أن الذي انتهى إلينا من كلام العرب، هو الأقل وإن كثيرا من الكلام قد ذهب بذهاب أهله.

عبد الله الضحيك