أحمد عبد الرحمن الساعاتي

السنوات الأخيرة للشيخ الوالد

أحمد عبد الرحمن الساعاتي

(1)

كان من المحتمل أن تكون السنوات الأخيرة من حياة الشيخ سنوات هدوء ورضا واستقرار، فقد تخلص من أعباء الأبناء بعد أن كبروا وتوظفوا وتزوجوا، واستراح من الساعات وتصليحها من وقت طويل، واجتاز أزمة الحرب العالمية التي أوقفته حيناً عن النشر، فواصل إصدار أجزائه جزءاً فجزءاً، واكتسب الكتاب مع الزمن دائرة محدودة من الانتشار، ولكنها كانت تكفي مع اقتصاد الشيخ وضبطه لعملية الطبع –للاستمرار- حتى يحقق أمل حياته في أن يرى الجزء الأخير مطبوعاً، لولا أن تطورت الأمور تطوراً مأساوياً، وإصابته –وهو بعيد عنها- في الصميم، بالعداوة التي احتدمت بين الإخوان ووزارة السعديين وصلت إلى قمتها في حل الإخوان المسلمين في ديسمبر من عام 1948، واعتقال الألوف من أعضائها كان منهم أربعة من أبنائه الخمسة، وإغلاق شعبها ومصادرة أموالها، أخذت تتطور من سيئ إلى أسوأ، حتى انبعث أشقاها ليغتال ابنه البكر في ظلام الليل.

ولو كان يكتب الشيخ مذكرات لأخذنا فكرة عن اللوعة التي اجتاحته، والحسرة التي تملكته عندما اضطرته الليالي السود لأن يحمل بيديه جثمان ابنه العزيز الذي كان ملأ حياته ونور بصره وأن يودعه قبره، وحيداً لا تحضره عشرات الألوف التي كانت تشق بهتافها عنان السماء “الله أكبر ولله الحمد” ولكن تحاصره أسنة حراب البوليس، لا يعلم إلا الله وحده ما انتاب الشيخ هذا اليوم وما تلاه من أيام، وما كان يفكر فيه خلال الليالي الطويلة التي أعقبت هذا الحدث، وكم سكب من دمع مدراراً، وما هي الهموم والآلام والأحزان التي كانت تعصف به وحيداً في مكتبه.. وبأي عين كان ينظر إلى المستقبل القاتم المدلهم، بعد أن قتل ابنه البكر واعتقل بقية أبنائه واضطروا إلى ترك الشقة الرحبة الواسعة، وما فرضه الحكم العسكري من إرهاب داخل الحواري والأزقة والقرى النائية، و”مشط” البيوت بيتاً بيتاً وأصاب كل من له علاقة بالإخوان، لكن الشيخ كان رجلاً مؤمناً، كان إماماً في علمه وفقهه وفهمه للإسلام وفيم أذن تفيد هذه المعرفة إن لم يكن في مثل هذه الحوادث الجسام وفي مواجهة الآلام.

كان الشيخ يعلم أن البلاء قسمة المؤمنين، وأن الشهادة تاج المجاهدين، فحال ذلك دون أن يتهاوى وتماسك، وأخفى ما يحتمل بين جنبيه من لوعات، وسجل في دفتره العتيق في يوم السبت 14 منه (أي ربيع الثاني سنة 1368) الموافق 12 فبراير سنة 1949 في الساعة التاسعة مساء اغتيل المرحوم حسن ابني –فهدم بفقده ركن الإسلام –رحمه الله رحمة واسعة- وأرسل إلينا في المعتقل خطاباً يواسينا ويوصينا بالصبر والاحتساب، ويذكرنا أن البلاء هو حظ الأنبياء، فالأولياء فالأمثل فالأمثل، وقد أخذ الأخ عبد البديع صقر –رحمه الله- يقرأ الخطاب على المعتقلين بالطور، وكان عجبه لا ينتهي من أسلوب الخطاب ودقة كتابته وعدم وجدود شطب أو خلل فيه، وأصاب مقتل الإمام حسن البنا الأسرة بضربة لم تفق منها، صحيح أن الإمام الشهيد رحمه الله لم يكن يؤثر أشقاءه بشيء ولكنه كان للأسرة ذخرها، وفخرها وأملها، وكانت تربطه بكل فرد من أفراد الأسرة وشيجة تضرب في أعماق النفس، وصلة وثيقة من الطفولة حتى الرجولة، فضلاً عن الصورة الدراماتيكية والملابسات الإرهابية التي وقع بها هذا الخطب الجلل، من أجل ذلك فإن الشيخ الوالد لم يعد أبداً إلى ما كان عليه قبله، حتى وإن كان قد استأنف العمل، كما سنرى.

أما الوالدة رحمها الله فقد كان مصابها يجل عن الوصف، وأذكر أنها قبل الحادث كانت تسير بجانبي في شارع الحلمية، ودقات حذائها تضرب الأرض بقوة، أما بعده فقد ظلت لمدة طويلة لا تستطيع أن تجلس إلا على عجلة مطاطية منفوخة بالهواء بعد أن أصبحت جلداً على عظم، وقد ألفت –حتى بعد خروجنا من المعتقل بعد الحادث بعام تقريباً، أن تخرج كل يوم في موهن الليل لتزور قبر ابنها، وعندما كانت لا تجد وسيلة خاصة للركوب، كانت تنتظر لأكثر من ساعة ظهور أول ترام يذهب إلى الإمام الشافعي، وفشلت كل محاولات إثنائها عن ذلك أو إقناعها بالانتظار حتى تشرق الشمس.

أما الشقيقة فوزية فقد كان مصابها مضاعفاً إذ أصيب زوجها وقتل أخوها، فأصبحت مثل جليلة في القديم، وتمزقت ما بين العناية بزوجها في مستشفى قصر العيني ومواساة أمها.

(2)

كان لابد للحياة أن تسير، فتلك سنة الله التي لا تجد لها تبديلاً، فاستأنف الشيخ عمله، وفي النفس ما فيها، ولعله الآن أصبح سلوته الوحيدة التي يدفن فيها آلامه، وينسى بها أحزانه، فواصل أسلوب حياته وعمله، وكان الشيخ قد استقر بسلاملك، مستقل في حوش المنزل رقم 9 بحارة الرسام، وهي حارة ضيقة في أحشاء القاهرة “الغورية” وعلى ناصيتها مسجد الفكهاني، وكان البيت كالبيوت القديمة رحباً واسعاً، وكان له حوش أو فناء متسع، وفي مواجهته سلاملك مستقل يرتفع بضع درجات عن مستوى أرض الحوش، وهذا هو الذي اتخذه الشيخ مكتباً ومخزناً للنسخ المطبوعة من “الفتح” ولم يكن حسن الإضاءة أو جيد التهوية، ولكن هذه أمور لم تكن لتشغل الشيخ. ومن الصباح الباكر حتى منتصف الليل تقريباً، كان الشيخ يأوي إلى مكتبه، فيجلس القرفصاء –كالكاتب المصري القديم- على مقعد عريض- هو مربع خشبي، ليس له مسند أو ذراعان، طرحت عليه حشية (شلته) وكانت أمامه مكتبة وهي “تزجة” صغيرة احتفظ بها من أيام تصليح الساعات وجعلها مكتباً وهي “تزجة” لابد أن تثير الخجل في نفوس الذين يحرصون على المكاتب الفخمة ذات المحابر والوراقات إلخ.. وينفقون عليها مئات الجنيهات، فعلى هذه “التزجة” المتواضعة كتبت أعظم موسوعة إسلامية تضم الحديث والفقه. وكانت الكتب تحيط بالشيخ من كل جانب وكان فيها الكثير من مطبوعات الهند، التي كانت من أوائل القرن العشرين قد نشرت العديد من أمهات كتب الحديث بفضل عناية حاكم ولاية حيدر آباد الدكن، وكذلك ملك بهوبال، وهما من أبرز ملوك الإمارات الإسلامية في الهند وقتئذ.

وكانت مكتبة الشيخ عامرة بالمجلدات والمراجع عن الحديث والتفسير والفقه وبقية العلوم الإسلامية، وقد وجدت بين أوراقه ورقة كتب عليها بخطه هذين البيتين:

ألا يا مستعير الكتب دعني فـإن إعـارتي للكتب عار

فمحبوبي مـن الدنيا كتاب وهل أبصرت محبوباً يعار؟

وظل الشيخ من عام 38 إلى عام 49 يضيء مكتبه بمصباح بترولي، ولكن هذا المصباح كان “نجفة” وإلى حد من تحفة، فقد كان “لمبة” كبيرة مستديرة لها زجاجتها الطويلة، وكانت اللمبة وسط قاعدة نحاسية مستديرة، تربطها سلاسل منقوشة بثقل مستدير كان يسمح بأن يرفع اللمبة إلى أعلى أو يخفضها إلى أسفل، وعلى ضوء هذا المصباح، ظل الشيخ عشر سنوات يعمل في الفتح، على أنه كان أسعد حظاً من ابن كثير الذي ظل يعمل في المسند “والسراج ينونص” حتى كف بصره، فإن الشيخ رحمه الله أدخل الكهرباء في المكتب عام 1949، ولم يكن الشيخ ليبرح مربضه هذا إلا لأداء الصلاة في جامع الفكهاني على ناصية الحارة، أو في مكتبه إذا أحس بتعب، وكان بالمكتب أريكة “كنبة” صغيرة يتمدد عليها في بعض الحالات وقت القيلولة، وكان يؤتى له بطعامه من شقته الخاصة بالمنزل في الدور الثاني، فإذا انتصف الليل، أو كاد أغلق الشيخ مكتبه، وآوى إلى مضجعه في الدور الأعلى، وبهذه الطريقة خلص الشيخ من صعوبة “المواصلات” وما تستنفده من جهد ومال ووقت.

(3)

كانت الحالة المالية للشيخ الوالد مستقرة، لأنه أخذ نفسه بالاقتصاد، وكان شعاره هو الحديث النبوي “ما عال من اقتصد” وقد ابتعد عن كل صور التوسع أو المشروعات التي تجمد ماله القليل أو تبعده عن متناول يده، أو تشغل فكره به، وكان يؤمن بالكتابة ويقيد كل معاملاته المالية، ويقول: إن الله تعالى عوده أن لا يخذله، وأن ييسر له ثمن ورق كل جزء من أجزاء الفتح، وكان ذلك مع مصاريف الطبع، هي المشغلة المالية للشيخ، أما الأكل واللبس وتكلفة الحياة اليومية، فلم تكن تمثل شيئاً مذكوراً، وقد كان مما يثير عجبنا أن يوجد لدى الشيخ دائماً مبلغ من المال الحاضر في أي وقت، وكنا نلتجئ إليه عندما تمس بنا حاجة فنقترض منه، وعندما توفي إلى رحمة الله، كان دفتره يضم صفحة لكل ابن من أبنائه بها حسابه، وكانت كلها مدينة له، وكان قد ادخر قبل أن يموت بفترة قرابة مائتي جنيه في صندوق البريد (بدون فوائد طبعاً) وقد توكأ علي ذات يوم ليصرفها من مكتب بريد الأزهر، ليعطيها للشقيق عبد الباسط عندما ألمت به أزمة خانقة.

وقبل أن يموت أشار إلى مكان مبلغ من المال ليصرف منه على تجهيزه، وكان في هذه كالوالدة رحمها الله، فكل منهما ترك ما ينفق على تكفينه وتجهيزه وجنازته، ولم يكن الشيخ ليزور أو يزار إلا في المناسبات، ولم يكن يقرأ الجرائد، أو يستمع إلى الراديو، وغني عن القول أنه لم يذهب في حياته إلى سينما أو مسرح، كما لم يخرج طوال الثلاثين عاماً الأخيرة من حياته لنزهة أو لرؤية متحف أو حديقة.. إلخ.. ولعله رأى الأهرام أول قدومه القاهرة، وقد أمضى حياته القاهرية كلها في مثلث السيدة –الخليفة- الدرب الأحمر، وكان الشيخ يتناول عدداً من فناجين القهوة، وكان في متناول يده وابور سبرتو وعدة القهوة، وقد قيض الله له من كان يعينه في هذا، إذ كان في الحوش، رجل يعمل في صناعة الأحذية هو “الأوسطى” أحمد الذي تطوع بخدمة الشيخ، فكان يحضر “الخبز” ويغسل فناجين القهوة إلخ.. رحمه الله فقد توفي بعد وفاة الشيخ. وكان هذا أقل ما يمكن أن يفعله الشيخ لدفع الملل الذي كان ولابد يستبد به، عندما تتوالى الساعات، ساعة بعد أخرى، وهو مكب على عمله، ويتكرر هذا يوماً بعد يوم، في مكتب لا تدخله الشمس، ولا يظفر بتهوية، ولم يكن، رحمه الله، مجرداً من الحاسة الفنية أيامه الأولى، وكان مكتبه في المحمودية على شاطئ النيل، يطل على منظر من أجمل المناظر تحفه الخضرة ويغسله الهواء، وتجففه الشمس، ولعله في إحدى بدوات الشباب أمل أن يكون له “كارتة” يجرها حصان مطهم، ويقطع بها طرقات المحمودية، وكانت تلك هي أعظم وسيلة للاستمتاع وقتئذ، ولكنه اطرح كل هذا وآثر أن يتبتل للعلم في هذا المكتب المقبض الذي لم يكن ليطيق البقاء فيه ساعات وليس أياماً أحد غيره، وقد عثرنا بين أوراقه على خطاب من أحد شيوخ مكة يطلب منه الإجازة وترجمة حياته الحافلة، فأرسل الشيخ خطاباً جاء فيه:

(الأخ الصالح سليمان بن عبد الرحمن الصنيع حفظه الله ونفع به آمين.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد، فقد تسلمت خطابكم من فضيلة الأستاذ الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة، وامتثالاً لأمركم وحسن ظنكم بي كتبت الإجازة بخطي وسلمتها لحضرته، وتصلكم إن شاء الله تعالى وأنتم متمتعون بالصحة والعافية.

عمم الله النفع بكم وبارك فيكم، أما ترجمتي “الحافلة” فلا تكون في حياتي ولا من صنع يدي (5 شعبان) وهذا الخطاب يصور أدب الشيخ وتواضعه الحقيقي، وفي الوقت نفسه فإنه يكشف عن أنه كان يعلم حق العلم قدر نفسه، وقدر العمل الذي يقوم به، ولكنه كان يتقرب إلى الله بهذا، فلا يجد فيه مبرراً لزهو، أو فخر أو استعلاء، وقد قرأنا على غلاف لأحد الأصول بخطه هذا التنبيه “لأوسطى المطبعة” الرجاء عدم تكسير الورق كثيراً والمحافظة على نظافته بقدر الإمكان، ولا يصح أن يكتب عليه بالإنجليزي كأنه لعبة، لأن هذه الأصول ستجلد ويحتفظ بها جيداً لأنها خط المؤلف.

(4)

رغم العقوق والنكران من “المؤسسة المشيخية” في الأزهر، والأوقاف.. إلخ، فإن الشيخ لم يعدم من يقدّره قدره، ومن يكتب على ظروف مجلة “المسلم” التي ترسلها إليه العشيرة المحمدية “مولانا الجليل المبارك العارف بالله سيدي الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا” وكان الشيخ يستخدم في كتابته “الريشة” والمحبرة وأنواعاً مختلفة من “السن” لكنه عند ظهور أقلام الحبر استخدم أنواعاً منها، وكانت أصابعه الطويلة الرشيقة تمضي هوناً على الورق، فتكتب بخط دقيق، ولكنه واضح، وكان يكتب المتن بخط كبير نسبياً، وكان يرقمه ويشكله بالحبر الأحمر، أما الشرح، فكان يكتبه بخط دقيق للغاية، بحيث أن نصف الصفحة كان يستوعب أربعين سطراً لا يتخللها شطب واحد، ويمكن قراءته على دقته، كما كان في كثير من الحالات يملأ هوامش الصفحة أيضاً.

وكان الشيخ البنا أقرب إلى الطول منه إلى القصر، وإلى النحافة منه إلى البدانة، وإلى البياض منه إلى السمرة.. وكانت يداه طويلتين، وأصابعه رشيقة، ناتئ الوجنتين، مقرون الحاجبين، واسع الشدقين، أشم الأنف، وكان يلبس الجبة والقفطان، ويضع العمامة على عادة شيوخ مصر، وكانت صحة الشيخ بصفة عامة حسنة، ولا أذكر أنه زار طبيباً أو أن طبيباً زاره قبل مرضه الأخير، وكان من عجيب أمر الشيخ أنه لم يزر طبيب عيون، وأنه كان يختار نظارته حسبما اتفق، ثم لا يتخلص منها إلا إذا أصابها عطب ليختار أخرى بالطريقة نفسها، وإذا قدرنا الحياة الروتينية والحبسة في المكتب المقبض ليل نهار، والوحدة الكئيبة التي كان يعيش فيها، وعدم عنايته عناية خاصة بالغذاء، وما تعرض له من شدائد ومحن في الثلاثينيات، ثم النكبة المدلهمة باغتيال ابنه المأمول، وما سحبته من آلام وهموم على بقية حياته، وأن هذا الحدث قد أصاب أسرته كلها بضربة قاضية أخرت تقدمها، نقول إذا قدرنا هذا كله، أدركنا أن الشيخ رحمه الله كان يدافع كل هذه القوى الهدامة الميئسة لكي يحقق أمله العظيم في إتمام “الفتح” كان الفتح هو الذي يمسكه على قيد الحياة ويعطيه القوة التي استطاع أن يغالب بها عوامل كان يمكن أن تجعل غيره يتهاوى قبل الوقت الذي أسلم فيه الشيخ الروح.

وحتى الأيام الأخيرة من عمر الشيخ، لم ييأس أو يتوقف عن العمل، وكان قد وصل إلى منتصف الجزء 22 وهو عن التاريخ، ولما أحس بهجوم المرض، حاول أن يعرفني بأسرار عمله، وقال إن الجزء 22 عن التاريخ، وإن شرحه لن يحتاج إلى فنية وأستاذية كبيرة، ونصحني بالرجوع إلى البداية والنهاية لابن كثير لأن تاريخه يعتمد على الحديث، كما يتضمن التخريج، وهو محك الخبرة والأستاذية

جمال البنا