الشيخ عبد الله سراج الدين

العالم العامل المفسر المحدث الإمام شيخ الإسلام
عبد الله سراج الدين الحسيني
رحمه الله تعالى
1342هـ /1923م- 1422هـ/2002م

الاسم والنسب:
هو العلامة، المحدث، الحافظ، الفقيه، المحقِّق، المفسر، المجتهد،المدقق، الورع، الشيخ عبد الله بن محمد نجيب بن محمد سراج الدين الحسيني نسبًا، الحلبي بلدا، مَن نفع الله به وبعلومه آفاق البلاد وأصناف العباد.

المولد والنشأة العلمية:
وُلد الشيخ عبد الله سراج الدين الحسيني بمدينة حلب عام 1342هـ الموافق لسنة 1923م،ونشأ في بيت عرف ببيت الفضل والكرم والعلم، وذلك لما اشتهر عن والده رضي الله عنه علو المكانة ورفعة المقام والمنزلة في قلوب أهل عصره، فقد درج على ألسنة كثير منهم كلمات التكريم والتعظيم لمقام الشيخ محمد نجيب رضي الله عنه إن هم ذكروه أو سمعوا شيئاً من كلامه أو عن مناقبه.
وقد حظي شيخنا الإمام رضي الله عنه منذ صغره بدعوات وبركات من العلماء والأولياء والصلحاء الذين كانوا يزورون والده الشيخ محمد نجيب رضي الله عنه أو يزورهم لأنه كان بصحبته في غالب الأحيان.
وقد تعلم شيخنا الإمام رضي الله عنه تلاوة القرآن الكريم وتجويده في كتّاب جامع سليمان الأيوبي القريبَ من «حي قاضي عسكر» بـ«حلب»،عند الشيخ عثمان قنديل الطنطاوي المصري رحمه الله تعالى.
ولما أتقن تجويد القرآن الكريم حبب إليه والده رضي الله عنه استظهار القرآن فشرع في الحفظ عند الشيخ عبد الوهاب المصري رحمه الله تعالى في كتاب قريب من جامع العثمانية فحفظ القرآن الكريم وله من العمر اثنتا عشر سنة.
وكان في تلك الفترة يذهب إلى معهد الفلاح في جامع السلطانية الذي كان يديره الأستاذ الكبير الشيخ محمد خير الدين إسبير وقد تعلم في تلك السنوات القراءة والكتابة وتوسع قليلاً في علوم اللغة العربية وحفظ نصوصاً في البلاغة والشعر وقد اعتنى -رحمه الله- عنايةً كبيرةً بمختلف علوم الشرع وعلوم العقل واللغة، حتى صار بحرًا في كلٍّ منها، وما لبث أن طارَ صيته في العلوم الشرعية، وخاصة في علم الحديث ومصطلحه، وظل يزداد من العلم والكمال على مدى الأيام وبلغ محفوظه نحو ثمانين ألف حديث، من أحاديث السنة.
وكان والده الإمام محمد نجيب سراج الدين -رحمه الله- علامة زمانه في علوم الحديث والتفسير والفقه والتوحيد والأخلاق والتَّصوف، في غاية القوَّة في دروسه، ومواقفه من تقليد الأجانب ومن أهل الانحراف وكان علماء «الهند» يسمونه: (محيي السنة) فلما قعد والده عن الدروس لكبر سنِّه قام شيخنا بها عن أبيه، وكان عبئًا ثقيلًا جدًّا عليه؛ لمتانة الدروس وتنوعها،وارتفاع مستواها، إضافةً إلى ضخامة جمهورها لكن العون الإلهي كان معه وكان توفيق الله حليفه، فأدَّاها أداءً عظيمًا، حتى صار كثيرون يوازنون بين الشيخ وأبيه، وكان الشيخ – رحمه الله – يغضب من ذلك ويقول: الوالد أمره عظيم لا يُدرك.

عبادته:
لقد حبب الله تعالى إليه منذ صغره تلاوة القرآن الكريم وقراءة «دلائل الخيرات» في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم للإمام الجزولي رضي الله عنه، وبعد أن أتم حفظ القرآن الكريم واظب على يختمه كل سبعة أيام ختمة وربما في ثلاث خاصة في الأيام الفاضلة كأيام رمضان وعشر ذي الحجة، كذلك كان له وِردٌ يراجع محفوظاته من الأحاديث الشريفة.

وكان يقرأ كل يوم أيضاً مجموعة الصلوات الإدريسية، ثم وفقه الله تعالى إلى قراءة أوراد السادة الرفاعية رضي الله عنهم ، خاصة كتاب :(السير والمساعي في أوراد سيدي أحمد الرفاعي) رضي الله عنه، وكذلك حزب الفرج لسيدي أحمد الرفاعي رضي الله عنه، ثم جمع رسالة في الأذكار والأدعية المأثورة عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصباح والمساء ، وكانت هذه من جملة أوراده اليومية رضي الله عنه.
وكانت له أوراد في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بأعداد كبيرة وأوراد خاصة بباقي الطرق كالطريقة القادرية والطريقة البدوية رضي الله عنهم أجمعين .
وكان يدير حلقة الذكر بأسلوب يتفق مع جميع الطرق الموصلة إلى الله تعالى وذلك ليلة الثلاثاء من كل أسبوع في جامع سليمان الأيوبي ثم نقله إلى جامع العثمانية لاتساعه بسبب إقبال الناس على حضور حلقة الذكر .
وأما عن قيامه في الليل للتهجد فلم يدعه منذ صغره حتى آخر أيام عمره المبارك كما أخبرتنا بذلك الوالدة الكريمة أمدها الله بمدده وعونه .
وكان يجهر في قيامه بتلاوة القرآن وبالأدعية المأثورة عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان رضي الله عنه إذا أراد أن يختم القرآن الكريم جمع من كان في البيت من أولاده وأحفاده وشرع في الختم ثم الدعاء وذلك عملاً بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان رضي الله عنه في السنوات الأخيرة من عمره المبارك يختم القرآن الكريم كل ثلاثة أو أربعة أيام ، ويا ليت عين كل مؤمن تنظر إلى تلألؤ وجهه بالبهاء والنور خاصة حينما كان يقرأ القرآن أو يدعو الله تعالى.

أخلاقه وصفاته:
كذلك كان – رحمه الله – وثيق الصلة بالنبي صلى الله عليه وسلم يغضب بشدة لأدنى مساس بمقام النبي صلى الله عليه وسلم، ويستنكر ما قيل : (يخطئ ولا يقر على الخطأ) بزعمهم ، ويناقش ذلك بأدلة وبراهين جلية نيرة، يثبت بها عصمته صلى الله عليه وسلم، وقد جاءت بُشرَيات كثيرة جدًّا تبشره بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم إياهوتقريبه له منها : أنه رأى أنه موكَّل ببيت المئونة للنبي صلى الله عليه وسلم وسُرَّ لذلك كثيرًا.

ورؤياه أن النبي صلى الله عليه وسلم قادم من سفر، وكأنه سفر حرب، ويريد أن يغتسل من الغبار، فقام هو وربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه – خادم النبي صلى الله عليه وسلم المتخصص بأمرالوضوء والماء ونحوه- بملء وعاءٍ كبيرٍ، وسَخَّنَا الماء، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم واختبر الماء، فأعجبه وقال صلى الله عليه وسلم له: «أنت خادم ملازم»، فقال -رحمه الله- لأحد المقربين منه «الحمد لله رضيني رسول الله صلى الله عليه وسلم خادمًا عنده .
وكان الشيخ -رحمه الله- عظيم الورع يحتاط من أدنى شبهة ولا يرضى أن يُطعن عنده أحد بل إنه في بعض المرات خرج من غرفة الضيوف في منزله وترك الضيف لأنه تناول بعض المشايخ بالطعن، وكان المطعون فيه من منافسيه .

وقد حرص كل الحرص على تجنب أي دخول في المنافسات التي دبت بين المشايخ في «حلب» بل بذل جهودًا قوية للإصلاح وأقام لها الولائم في بيته من نفقته، فكان محببًّا لقلوبهم جميعًا، وكانوا يثنون عليه عاطر الثناء، ويشهدون له بالعلم والمعرفة والتقوى.
وكان – رحمه الله – قدوة في المكارم والفضائل،جم التواضع، بعيدًا عن حب الظهور وعن الدعوى، إذا مُدِحَ أو ذكرت له رؤيا أو كرامةتنصَّل، وحمدَ الله، وتوجه بالدعاء.
ومن تواضعه وشفقته رعايته البالغة لطلاب العلم، فكان يواظب على تفقد المدرسة يوميًّا، ويشرف بنفسه على تسلم الطلاب كسوتهم واحدًا واحدًا، ويدعو لهم،وكانوا يفرحون لذلك كثيرًا وينشطون.
كذلك كان عطوفًا على الفقراء لا سيما الذين هم من أسرة عالم، وجعل ذلك من المهمات الأساسية لجمعيته ( جمعية التعليم )

تلقيه العلم :
التحق بـ«المدرسة الخسروية» متدرجًا في صفوفها إلى أن بلغ الصف السادس الأخير، فداوم فيه قليلًا ثم تركه بعد مضي ثلثي العام الدراسي لظروف صحية قاهرة.
وحُبِّب إليه الحديث النبوي وأولع بقراءته فحفظ قسمًا كبيرًا من صحيح البخاري ثم درس العلوم الدينية الأخرى من فقه وأصول وتفسير وفرائضَ وتوحيد ومصطلح وسيرة، وأتبعها بعلوم العربية من نحو وصرف وعروض وبلاغة، فكان فيهاالمبرز والمتقن.

ثم استقر به الحال في غرفة والده الشيخ محمد نجيب في«المدرسة الشعبانية» مجاورًا للعارف الكبير الشيخ ياسين سرِيُّو، الذي كان يُعَدُّ من أجَلِّ شيوخه -رحمه الله تعالى- كما لازم دروس الفقه في «المدرسة الإسماعيلية» عند الشيخ أحمد عساف الحجي الكردي.

شيوخه وأساتذته:
الشيخ محمد إبراهيم السلقيني الفقيه والأصولي.
الشيخ محمد راغب الطباخ المحدث والمؤرخ.
الشيخ عيسى البيانوني.
الشيخ عمر مسعود الحريري.
الشيخ محمد أسعد.
الشيخ فيض الله الأيوبي الكردي.
الشيخ أحمد الشماع .. وغيرهم .

من تلاميذه:
الشيخ الدكتور: محمد عوامة.
الشيخ الدكتور: نور الدين عتر.
الشيخ: عبد الله نجيب سالم.
الشيخ: مجد مكي، وغيرهم .

منهج الشيخ في دعوته إلى الله:
لا يكفي أن يكون المرء عالمًا ومبرَّزًافي علوم الأولين والآخرين ثم ينطوي على نفسه فلا يستفيد منه أحد ، إنما شأنُ العالمِ أن يكون عاملًا بعلمه موزِّعًا معارفَه عبْرَ الجهاتِ كلها ينشر الخير يمنةً ويسْرَةً، آناءَ الليل وأطرافَ النهار .. ثم يكون لـه أتباعٌ يتمثلون بشخصه وتعاليمه ويقتدون به، ويغدو كلٌّ منهم فلكًا جديدًا تدور حوله نجوم وكواكب وأقمارٌ وهكذا.‏
و مع هذا كلّه لا يكفي أن يلقيَ العالمُ دروسَهُ على أتباعه ومريديه وتلامذته ثم ينصرفُ وينصرفو وينتهي كلّ شيءٍ بانتهاء حياته أو حياتهم إنما ينبغي أن يتركَ العالمُ بعده آثارًا مسجَّلة مكتوبة يقرأها الناس أيام حياته وبعدموته، ويطَّلع عليها مَن هو قادر على أن يصل إلى الشيخ ويراه ومن هو غيرُ قادر على أن يصل إليه أو يراه
لقد آمن أن نفع التصانيف أكثرُ من نفع المشافهة ، فهويشافهُ خلال حياته عددًا محدودًا من الناس ولكنه بتصانيفه ومؤلفاته المطبوعة يشافه عددًا لا يُحصى، ما خُلقوا بعد .. ودليل هذا انتفاعُ الناس بتصانيف المتقدمين كمايستفيدون من مشايخهم المعاصرين، وأن العالمَ الحقَّ ينبغي أن يعكف على التأليف إن وُفِّق إلى التأليف المفيد، فإنه ليس كل من ألَّف أفاد ونفع، وليس المقصودُ جمعَ شيء كيف ما كان، وإنما هي أسرارٌ وأنوار يُطْلِعُ الله تعالى عليها مَن شاء من عباده، ويوفقه لكشفها، فيجمعُ ما تفرق، ويرتبُ ما تشتت، ويشرحُ ما يحتاج إلى شرح، ويحلّ كلغامض أو معقَّد.‏

أهم المناصب الدينية التي تقلدها:
-عُين مدرسًا في«جامع أبو درجين» بعد امتحانه في العلوم النقلية والعقلية نال فيه الدرجة الأولى، فدرَّس فيه الفقه والنحو وغيرَهما طوال أيام الأسبوع.
– ثم دُعي للتدريس في معهد العلوم الشرعية في «المدرسة الشعبانية»،وكُلِّف بتدريس التفسير والحديث والفقهِ الحنفي ومصطلحِ الحديث.
– كذلك استُدْعِي إلى المدرسة الخسروية فدرَّس فيها المصطلح، وألف كتابًا في هذا الموضوع، فطبعته المدرسة، ووزعته على طلابها.
– ناب خلال ذلك في التدريس عن والده الشيخ محمد نجيب سراج الدين في جامع الحموي ثم أبدل بجامع «أبو درجين» درسَ المحافظة في الجامع الأموي الكبير وشاء الله تعالى أن ينتقل من جامع الحموي ويركِّز جهوده في المدرسةالشعبانية وراح يستقبل طلاب العلوم الشرعية، حتى إذا تخرج أحدهم من «الشعبانية» تلقفته «جامعة الأزهر الشريف» في «أرض الكنانة»، وأدخلته في قسم الدراسات العليا.
– كذلك فإن عالمنا الشيخ عبد الله اتصل بعلماء العالم الإسلامي، وعمل على محادثتهم ونيل الإجازات الرفيعة منهم بخط أيديهم.

جهوده العلمية:
عُني الشيخ -رحمه الله- بالاتصال بالعلماء في سفره للحج في مراته الثلاث، وأسفار العمرة، ورحل رحلات كثيرة إلى «دمشق» و«حمص» و«حماه»، ورحل إلى بغداد والقدس واتصل بعلمائها، وكان محل إعجابهم، وكان يسافر خصيصًا لزيارتهم والتنور بهم، فأولعوا بمحبته، وبشروه بشريات عظيمة.
عُني في دروسه بالعلم الشرعي والمعارف الإلهية ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم، حتى صارت دروسه متميزة بذلك، واعتمد في كل ذلك على الحجج والأدلة من القرآن والحديث، وعني كذلك بالرد على المنكرين المخالفين للسنة، حتى كانت حلب مدينة له بإنقاذها من كل فكر شاذ لم يكن فيها من يقوم بالدفاع عن السنة والجماعة غيره بمثل ما جاء به من الحجج القاطعة والبراهين الساطع.
ومن هذا المنهج كان -رحمه الله- يكره أشد الكره تكفير المسلمين، أو التسرع لرمي مسلم بالضلال والابتداع، وكان يقول لرجال فكرمخالف للسنة: نحن هنا أهل السنة ليس عندنا إشكال ضد أحد، إنما الإشكال عندكم بتكفيرمن يخالفكم أو الحكم عليه بالضلال والفسق، فراجعوا أنفسكم أنتم .
كذلك كان من دأبه -رحمه الله- النظر فيما يقوم به من عمل: هل هو مرضي عند الله وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
ويظل منشغلًا بذلك حتى تأتيه بشرى أو إشارة، وكان في دروسه لا يتحدث عن فضيلة أو خلق كريم أو منزلة أو نحو ذلك إلا وتعرض للحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبيان سيرته وسبقه الأعظم صلىالله عليه وسلم .
وكان من ذلك أن حفلت كتبه بهذا اللون وتميزت، كما أنه خصص بعض الكتب لهذا الغرض، مثل كتابه الفريد: «سيدنا محمد رسول الله»، و«الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم»، وكتاب: «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله»، وتفسير سورة الحجرات، وسورةالكوثر.

جهوده العملية:
لاحظ فضيلته -أعلى الله مقامه- حاجة «حلب»لمدرسة شرعية تُخرج طلبةَ علمٍ أقوياء في العلوم الشرعية، يصلحون لإمامة المساجد والخطابة، وكانت مدرسة «الشعبانية» قد أُلغيت وأُلحق طلابها بـ«الثانوية الشرعية» التابعة للأوقاف، وهي التي حلَّت محل «الخسروية» القديمة- فافتتح «مدرسة التعليم الشرعي» مكانها إحياءً لها، وبدأ بذلك نحو عام 1377هـ، الموافق 1958م وكانت الفكرةمستغربة عند أكثر المشايخ الكبار لكنه لم يبال بذلك، ومضى في إنفاذ ما رآه لازمًا رغم الصعوبات الشديدة، ثم ما لبث أن صار مشروع المدرسة مقصدًا للعلماء في «حلب» وغيرها، فافتتحت مدارس عديدة أفادت من تجربته في «حلب» و«المعرَّة» و«حماة» و«دمشق» وغيرها.
وقد تميزت مناهجه بالتكامل كما هو ملحوظ في مدرسة التعليم الشرعي فهي علمية شرعية، وتربية إيمانية عرفانية، ووصلة قلبية بالسيرة والشمائل النبوية، مما لا نجد له مثالًا، وهذا من فرط تعلقه -رحمه الله- بالرسول صلى الله عليه وسلم، وتمسكه الشديد باتباعه، وقد خَرَّجَتْ مدرسته أفواجًا من خيرة أهل العلم النابغين والمتميزين بمتانة العلم، وعلو الخلق، واتباع السنة، والجد في خدمة العلم لما تزودوا به من العلم والتربية، والتغذية بروح الإيمان ومحبة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وكان رحمه الله يتقصى حاجة المسلمين العلمية الدينية، فرأى نقصًا شديدًا في حفظ القراءات القرآنية، فأنشأ دارًا للحفاظ وأغدق على الطلاب فيها العطاء لتشجيعهم، وكان للأوقاف مدرسة حفاظ فيها قصور وضعف مادي، فجاء طلابها يطلبون التحويل إلى مدرسته، فسألهم عن السبب، فقالوا: الأوقاف تدفع لنا مكافأة ضعيفة، وأنتم تدفعون أربعة أضعافها، فقال الشيخ قولة أهل الحكمة والسداد: نحن نبني ولا نهدم، استمروا في مدرستكم، وندفعلكم من عندنا فرق المكافأة والمرتب الشهري الذي تأخذونه، ففرحوا، وظلت مدرسة الأوقاف عامرة.

من أقواله:
– عندما كتبت في الشمائل -وهو أول كتبي «سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم»- سبحان الله! أنا أكتب وكأن الروحانية المحمدية محيطة بي، وأحيانًا أبكي، وقد وفقني الله وألهمني أن أرد مسألة قول بعض الناس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد يخطئ، ورددتها في كتاب الشمائل …
– الخوف من الله عز وجل يدفع شباب الدعوة إلى أن يبذل الواحد منهم جهده في نشر الأفكار وكسب الأنصار وأن يجهر بالحق ولا يخشى في الله لومة لائم فلا ينافق ولا يداهن ويحرص على أن تكون السيادة للمبدأ فلا يحسب حسابًا لرضى الناس وقبولهم.
– من سجايا المسلمين بعامة وحملة الدعوة بخاصة السماحة والبذل وبسط اليد، فقد تضافرت نصوص الكتاب والسنة بمدح الكرم والإنفاق، وذم البخل والإمساك.
– المسلم حتى يكون قادرًا على مواجهة الابتلاء لا بد أن يؤمن بالقدر؛ فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الأمة لو اجتمعت على أن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء كتبه الله عليه، وهذه العقيدة تستقر في أعماق أعماقه وتصبح قناعة يسلم بها؛ فتضبط سلوكه في الحياة، وتجعل منه إنسانًا شجاعًا مقدامًا، يندفع للقيام بأعباء الدعوة دون تردد أو وجل.

مؤلفاته:
– كتاب سيدنا محمد: خصاله الحميدة- شمائله المجيدة.
– التقرب إلى الله تعالى: فضله- طريقه- مراتبه.
– الإيمان بعوالم الآخرة ومواقفها.
– الدعاء: فضائله- آدابه.
– ما ورد في المناسبات ومختلف الأوقات.
– صعود الأقوال ورفع الأعمال إلى الكبير المتعال ذي العزة والجلال.
– شهادة أن لا إله إلا الله، سيدنا محمد رسول الله: فضلها- معانيها- مطالبها.
– الصلاة في الإسلام: منزلتها في الدين- فضائلها- آثارها- فوائدها.
– الصلاة على النبي: أحكامها- فضائلها- فوائدها.
– تلاوة القرآن المجيد: فضائلها- آدابها- خصائصها.
– هدي القرآن الكريم إلى الحجة والبرهان.
– هدي القرآن الكريم إلى معرفة العوالم والتفكر في الأكوان.
– حول تفسير سورة الفاتحة، أم القرآن الكريم.
– شرح المنظومة البيقونية في مصطلح الحديث.
– أدعية الصباح والمساء، ومعها استغاثات.
– قصائد كثيرة في مدح الرسول.

قالوا عنه:
نعاه تلميذه سماحة الشيخ محمد عوامة فقال: محيي الدين والعلم الناطق ببراهين الكتاب والسنة، من أنار القلوب والعقول وجمعها على محبة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، العلامة الرباني المربي الشيخ عبد الله آل سراج الدين.
ونعاه الشيخ يوسف القرضاوي، فقال: أحد العلماء الكبار الربانيين الذين عاشوا للعلم وللدين و للدعوة وللتربية وهو الشيخ عبد الله سراج الدين، نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يتغمده برحمته وأن يسكنه الفردوس الأعلى.
الشيخ عبد الله سراج الدين رجل علم ودين وهو وارث العلم عن أبيه وهو من أقران أخينا وصديقنا الحبيب -رحمة الله عليه- الشيخ العلامة المحدث عبد الفتاح أبو غدة، وهذا الرجل كان من علماء الحديث، ومن علماء الفقه، ومن الدعاة والمربين، حتي قالوا: إنه كان يحفظ كتاب «تيسير الوصول إلى أحاديث الرسول»، يحفظه برواياته وألفاظه، ويذاكره مع تلاميذه.
مرضه:
ومن ورعه -رحمه الله: أنه لم يعجل بعملية الفتق التي عانى منهاالآلام لأن فيه كشف عورة، ولم يجد ما يبرر كشفها، لأنه قادر على التصرف بأموره من دونها، وضرب أمثلة من بعض أشخاص لم يعملوا عملية الفتق.
لكن لما وجد لزومها طلبها، ودخل غرفة العمليات بغاية البساطة، وتحدث لأطبائه حديثاً حلوًا فيه مزاح، ودعا لهم أن يجعلَ الله شفاء الناس وشفاءه على أيديهم، ولما انتهت العملية شكرهم، وحدثهم عن فضل الشكر، وأهمية أن يشكر الإنسان من أحسن إليه، لكن قدر الله تعالى سبق، وحصلت له مضاعفات وانتكاسات تفاقمت حتى جاء القدر المحتوم ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا، وليكون ذلك سبب نيله منزلة الشهداء إن شاء الله.

وفاته:
كانت وفاته مساء يوم الإثنين 20 ذي الحجة 1422هـ، الموافق 4/3/2002م، الساعة السابعة مع ارتفاع صوت المؤذنين بأذان العشاء تمامًا.
ومنذ الساعة الأولى بل الدقائق الأولى لوفاته، انتشر الخبر في أنحاء الدنيا بسرعة عجيبة، وجاءت الاستفسارات الهاتفية عن صحة الخبر، وصُلِّيَ عليه صلاةُ الغائب في الحرمين الشريفين، وعقدت استقبالات العزاء في «مكة» و«المدينة» و«جدة» و«الكويت» و«البوسنة»، وتحدث العلماء عن جسامة الخسارة بفقده وعلو منزلته، وأسماه العلماء في المدينة المنورة: الإمام في علوم الشريعة وكبير أولياء هذا العصر.
لقد وضع الله لشيخنا الإمام القبول في الأرض، فعلى الرغم من اعتزاله مخالطة الناس منذ إحدى عشرة سنة، خرجت «حلب» بأسرها لتوديع شيخها وعالمها، وكما لاحظ المحللون أن أكثر من نصفهم من سِنِّ الخامسة والعشرين فما دون، أي إنهم لم يروا الشيخ ولم يحضروا دروسه، إنما هي المحبة التي أودعها الله في قلوبهم ليكون ذلك درسًا للدعاة: أن نُعرِضَ عن أساليب الدعوى والدعاية، وأن نعتمد الصدق في القول والعمل والحال، والتواضع؛ «إنما الأعما بالنيات»، و«إن الله سائل كل قائل مقولة فيم قالها».
أما آخر فتوى أفتاها ففيها عبرة جليلة، قال لأحد الأطباء وهو في غرفة العمليات: «بِرَّ مريضك ولو كان كافرًا». وكان هذا الطبيب يريد أن يسألَ الشيخ عن ذلك لاعتبار أنه يأتيه أشتات من الناس، ومن غير المسلمين، فتوجه إليه شيخنا – رحمه الله- بهذا القول، فقال له الطبيب: والله لقد كنت أريد أن أسألك عن هذا، فسبقتني بالجواب، وهي كرامة ظاهرة للشيخ -رحمه الله- وما أكثر كراماته.