الإمام الشافعى رحمه الله

الإمام الشافعي

(150-204 هـ)

هو إمامنا، وإمام الأئمة، وعالم قريش، بل الأمة، الإمام المطلبي، محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه وأرضاه..

ونحن إذ نترجم للشافعي، لا نريد التعريف به، أو إشهاره، ولا نريد بكلامنا عنه مدحه أو إظهاره، وإنما نريد أن نزين بالكلام عنه كتبنا ومباحثنا، كما قال الشاعر:

ما إِنْ مدحتُ محمداً بمقالتي ولكنْ مدحتُ مقالتي بمحمدِ

والكلام عن الإمام الشافعي يطول، وقد صنفت فيه المصنفات الخاصة الكثيرة، ولذلك سوف لا نذكر إلا نبذة مختصرة عن حياته وسيرته، بما يتناسب مع موضوعنا، وندع بقيه الكلام عن سيرته ومذهبه إلى المصنفات الخاصة التي صنفت بمناقبه وسيرته وفقهه.

نسبه ومولده:

هو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف ابن قصي، القرشي المطلبي، الشافعي، الحجازي، المكي، ابن عم رسول الله صلي الله عليه وسلم، يلتقي مع رسول الله صلي الله عليه وسلم في عبد مناف، فهو قرشي مطلبي بإجماع أهل النقل والتاريخ، ولد سنه خمسين ومائة، في السنة التي توفي فيها الإمام الأعظم أبو حنيفة رضي الله عنه.وكان مولده بغزة، وقيل بعسقلان.ثم حمل إلى مكة وهو ابن سنتين.

نشأته:

نشأ الإمام الشافعي رضي الله عنه في حجر أمه يتيماً، في قلة عيش وضيق حال.

وكان في صباه يجالس العلماء ويكتب ما يستفيده منهم في العظام وما يشبهها حتى اجتمع له منه الشئ الكثير.

وكان في بداية أمره يشتغل بالشعر، والأدب وأيام العرب إلى أن التقى مسلم بن خالد الزنجي ـ مفتي مكة ـ فقال له: يا فتى من أين أنت ؟ قال: من أهل مكة.

قال: أين منزلك ؟

قال بشعب الخيف.

قال “: من أي قبيلة أنت ؟

قال الشافعي: من عبد مناف.

فقال له: بخ، بخ، لقد شرفك الله في الدنيا والآخرة، ألا جعلت فهمك هذا في الفقه فكان أحسن بك ؟!

قال الشافعي: فأخذت في الفقه من ذلك اليوم.

سيرته:

بدأ الشافعي رضي الله عنه طلبه للعلم على مفتي مكة مسلم بن خالد الزنجي وغيره من أئمة مكة.

فلما بلغ من العمر ثلاث عشرة سنه، وحصّل من العلم ما حصّل في مكة، توجه إلى المدينة قاصداً الإمام أبا عبد الله مالك بن أنس رضي الله عنه ليتلقى عنه، ويقرأ الموطأ عليه، فأكرمه مالك رضي الله عنه، وأحسن إليه، لنسبه وعلمه وفهمه، وعقله وأدبه وأفاد الشافعي من ملازمته له الشئ الكثير، ثم ولي الشافعي باليمن، فاشتهرت سيرته بها، وطار صيته وذكره.

ثم رحل إلى العراق، وجد في الاشتغال بالعلم، واجتمع بمحمد بن الحسن الشيباني صاحب الإمام أبي حنيفة، وناظره كما ناظر غيره.

ونشر علم الحديث، ونصر مذهب أهله، فشاع ذكره، وكثر فضله، حتى سمي في بغداد بـ ” ناصر الحديث”. وطلب منه الإمام عبد الرحمن بن مهدي، إمام أهل الحديث في عصره، طلب منه أن يصنف له كتاباً في أصول الفقه، يجمع القواعد التي يجب على المجتهد الذي يريد الاستنباط الرجوع إليها، فجمع له كتابه المشهور “الرسالة” التي تعتبر أول كتاب صنف في علم أصول الفقه على وجه الأرض.

وبذلك صار الشافعي واضع علم الأصول ومؤسسه.

وأعجب ابن مهدي برسالة الشافعي مما جعله يلتزم بالدعاء له دبر كل صلاة، كما التزم ذلك أحمد بن حنبل ويحيى بن سعيد القطان، وذاع صيت الشافعي، وانتشرت مناظراته ـ التي ناظر بها العلماء ـ بين الناس، وشاعت فتاويه وأجوبته السديدة الدقيقة، مما جعل كبار أئمة عصره وصغارهم يقبل عليه، ويلازمه، وطلب الاستفادة منه، بل جعل كثيراً منهم يرجع عن المذاهب التي اختارها وانتصر لها، كأبي ثور وغيره من الأئمة.

وصنف في هذه الفترة كتابه القديم في الفقه، المسمّي ب” الحجة ” الذي رواه عنه أربعة من كبار أصحابه العراقيين وهم:

1- الإمام أحمد بن حنبل.

2- الإمام أبو ثور.

3- الإمام الزعفراني .

4- الإمام الكرابيسي.

وأتقنهم له روايةً الإمام الزعفراني، كما سيأتي إن شاء الله في ترجمته.

وفي عام تسع وتسعين ومائة خرج الإمام الشافعي رحمه الله لمصر، ولقي علماءها الذين كانوا على مذهب الإمام مالك والليث، وناظرهم وظهر عليهم، ورجع كثير منهم عن مذهبه إلى مذهب الشافعي، وصار من أصحابه، وفي هذه الفترة الأخيرة من حياته ألّف مذهبه الجديد، وأملى كتبه التي طار صيتها في البلدان، وقصدها العلماء من كل حدب وصوب، لما فيها من الأبواب والمبتكرات والمسائل والقواعد الدقيقة المحكمة التي لم يسبق إليها.

وروى عنه مذهبه الجديد بمصر خلق كثير منهم:

1- الإمام البويطي .

2- الإمام المزني.

3- الإمام الربيع المرادي: وهو من أشهر الرواة لمذهبه الجديد، بل هو راوية الإمام الشافعي، كما تفرس له الشافعي قبل موته.

4- الربيع الجيزي .

5- يونس بن عبد الأعلى.

6- حرملة .

مكانة الشافعي بين علماء الإسلام وأئمته:

لا أريد أن أتكلم هنا على علم الشافعي، فهذا شئ لم أعد له هذا البحث، وإنما أريد أن أتكلم على ثناء العلماء عليه وعلى علومه، ومن خلال هذا سنعرف من هو الشافعي، وما هو الذي قدمه للأمة الإسلامية من العلوم مما جعله سراج الفقهاء، والأصوليين، والمحدثين، والمفسرين ، واللغويين والبلاغيين، والحكماء، وإمامهم.

قال الشافعي: لما رحلت إلى مالك فسمع كلامي، نظر إلي ساعة، وكانت لمالك فراسة ـ فقال: ما اسمك ؟ قلت: محمد ! قال: محمد ! اتق الله، واجتنب المعاصي، فإنه سيكون لك شأن فقلت: نعم وكرامة فقال: إذا كان غدا تجيء ويجئ من يقرأ لك الموطأ، فقلت: إني أقرأه ظاهراً، فغدوت إليه، وابتدأت، فكلما تهيبت مالكاً وأردت أن أقطع أعجبته قراءتي، وأغراني بقوله: زد يا فتي، حتى قرأته عليه في أيام يسيرة، ثم أقمت في المدينة إلى أن توفي مالك رضي الله عنه.

وقال سفيان بن عيينة:- وقد قرئ عليه حديث في الرقائق فغشي على الشافعي فقيل: قد مات الشافعي: فقال سفيان:إن كان قد مات، فقد مات أفضل أهل زمانه.

وكان سفيان إذا جاءه شئ من التفسير والفتيا، التفت إلى الشافعي وقال: سلوا هذا.

وقال الحميدي: سمعت مسلم بن خالد يقول للشافعي: قد ـ والله ـ آن لك أن تفتي، والشافعي ابن خمس عشرة سنه.

وقال يحيي بن سعيد القطاّن: أنا أدعو الله للشافعي في صلاتي من أربع سنين.

وقال حين عرض عليه كتاب ” الرسالة” للشافعي: ما رأيت أعقل أو أفقه منه.

وقال عبد الرحمن بن مهدي: إمام عصره في الفقه والحديث حين جاءته رسالة الشافعي ـ وكان قد طلب منه أن يصنفها له -: قال: ما أصلي صلاة إلا أدعو للشافعي.

وقال قتيبة بن سعيد: مات الثوري ومات الورع، ومات الشافعي وماتت السنن، ويموت أحمد بن حنبل وتظهر البدع.

وقال احمد بن حنبل: إذا جاءت المسألة ليس فيها أثر، فافت فيها بقول الشافعي.

وقال: ما تكلم في العلم أقل خطأ، ولا أشد أخذاً بسنة النبي صلي الله عليه وسلم من الشافعي.

وقال الزعفراني: ما ذهبت إلى الشافعي قط مجلساً إلا وجدت أحمد بن حنبل فيه.

وقال صالح بن أحمد بن حنبل: ركب الشافعي حماره، فسار أبي إلى جانبه وهو يذاكره، فبلغ ذلك يحيى بن معين، فبعث إلى أبي في ذلك، فبعث إليه أبي: لو كنت في الجانب الآخر من الحمار لكان خيراً لك.

وقال أحمد: هذا الذي ترون كله أو عامته من الشافعي، ما بت مدة أربعين سنة أو قال ثلاثين سنة إلا وأدعو الله للشافعي، وأستغفر له.

وقال: ما أعلم أحداً أعظم منة على إلا سلام في زمن الشافعي من الشافعي.

وقال أحمد أيضا: ما أحد مس بيده محبرة وقلماً إلا وللشافعي في عنقه منة.

وقال رحمه الله: كان الفقه قفلاً على أهله حتى فتحه الله بالشافعي.

وقال: كانت أقضيتنا لأصحاب أبي حنيفة حتى رأينا الشافعي، فكان أفقه الناس في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم.

وقال: ما كان أصحاب الحديث يعرفون معاني أحاديث رسول الله صلي الله عليه وسلم فبَّينها لهم الشافعي.

وقال لابنه: يا بني، الشافعي كالشمس للدنيا والعافية للناس، فانظر هل ترى لهذين من سبيل.

وقال أبو ثور: كنت أنا وإسحاق بن راهويه وحسين الكرابيسي وجماعة من العراقيين ما تركنا بدعتنا حتى رأينا الشافعي.

وقال الكرابيسي: ما كنا ندري ما الكتاب والسنة وإلا جماع حتى سمعناه من الشافعي.

وقال: ما رأيت مجلساً قط أنبل من مجلس الشافعي، كان يحضره أهل الحديث وأهل الفقه، وأهل الشعر، وكان يأتيه كبار أهل اللغة والشعر، فكل يتكلم منه.

وقال المزني: قدم الشافعي مصر وبها عبد الملك بن هشام النحوي، صاحب المغازي، وكان علامة أهل عصره في العربية والشعر، فذهب إلى الشافعي، ثم قال:ما ظننت أن الله خلق مثل الشافعي، ثم اتخذ قول الشافعي حجة في اللغة.

وقال البويطي: ما عرفنا قدر الشافعي حتى رأيت أهل العراق يذكرونه ويصفونه بوصف ما نحن نصفه، فقد كان حذاق العراق بالفقه والنظر وكل صنف، من أهل الحديث، وأهل العربية والنظار يقولون: إنهم لم يروا مثل الشافعي.

وحج بشر المريسي، فلما قدم قيل له: من لقيت بمكة ؟ قال: رأيت رجلا ًإن كان منكم فلن تغلبوا، وإن كان عليكم فتأهبوا وخذوا حذركم، وهو محمد بن إدريس الشافعي.

وقال: رأيت بمكة فتى، لئن بقي، ليكونن رجل الدنيا.

وقال الربيع: لو رأيتم الشافعي لقلتم: ما هذه كتبه، كان والله لسانه أكبر من كتبه.

وقال داود بن علي الظاهري: كان الشافعي رضي الله عنه سراجاً لحملة الآثار، ونقلة الأخبار، ومن تعلق بشئ من بيانه صار محجاجاً.

وقال في سياق كلامه على الشافعي: وما علمت أحداً كان في عصره أمن على الإسلام ، لما نشر من الحق، وقمع من الباطل، وأظهر من الحجج، وعلم من الخير، رحمة الله ورضوانه عليه.

وقال: كنت عند أبي ثور، فدخل رجل فقال: يا أبا ثور، ما ترى هذه المصيبة النازلة بالناس ؟! قال: ماهي؟ قال: يقولون: الثوري أفقه من الشافعي، فقال: سبحان الله العظيم، أوَ قالوها ؟ قال: نعم، قال نحن نقول: الشافعي أفقه من إبراهيم النخعي وذويه، وجاءنا هذا بالثوري.

وعلى الجملة فالثناء على الشافعي أكثر من أن يحصر، وأشهر من أن يذكر،ومثل الشافعي لا ينتهي الثناء عليه إلى يوم الدين، لما أظهر من الحق، وقمع من الباطل، ولنصره السنة، وقمعه البدعة، وإقامته منهج الحق الذي أراده الله، في جملة أئمة إلا سلام ومجتهديه رحمهم الله جميعاً، وأجزل مثوبتهم، وأحسن نزلهم، فإنهم ما عملوا إلا ابتغاء وجه الله وطلباً لرضوانه.

حكم الشافعي وبعض أقواله:

وهي كثيرة نقتصر منها على بعضها:

قال الشافعي رحمه الله:

1- العلم أفضل من صلاة النافلة.

2- وقال:من أراد الدنيا فعليه بالعلم،ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم.

3- وقال: ما أفلح في العلم إلا من طلبه في القلة، ولقد كنت أطلب القرطاس فيعسر علي.

4- وقال: تفقه قبل أن ترأس، فإذا رأست فلا سبيل إلى التفقه.

5- وقال: زينة العلم الورع والحلم.

6- وقال: لاعيب بالعلماء أقبح من رغبتهم فيما زهدهم الله فيه، وزهدهم فيما رغبهم فيه.

7- وقال: المراء في العلم يقسي القلب، ويورث الضغائن.

8- وقال: وددت أن كل علم يعلمه الناس، أوجر عليه ولا يحمدوني قط.

9- وقال: ما كذبت قط، ولا حلفت بالله صادقاً ولا كاذباً.

10-وقال: ما شبعت منذ ست عشره سنة إلا شبعة طرحتها من ساعتي، وفي رواية من عشرين سنة.

11- وقال: من لم تعزه التقوى فلا عز له.

12- وقيل للشافعي: ما لك تدمن إمساك العصي ولست بضعيف فقال: لأذكر أني مسافر ـ يعني في الدنيا.

13- وقال: من شهد الضعف من نفسه، نال الاستقامة.

14- وقال: من غلبته شدة الشهوة للدنيا لزمته العبودية لأهلها، ومن رضي بالقنوع، زال عنه الخضوع.

15- وقال: خير الدنيا والآخرة في خمس خصال، غنى النفس، وكف الأذى وكسب الحلال ولبس التقوى، والثقة بالله عز وجل على كل حال.

16- وقال: يا ربيع، لا تتكلم فيما لا يعنيك، فإنك إذا تكلمت بالكلمة ملكتك ولم تملكها.

17- وقال: سياسة الناس أشد من سياسة الدواب.

18- وقال: العاقل من عَقَلَـَه عَقْلُـُه عن كل مذموم.

19- وقال لو علمت أن شرب الماء البارد ينقص مروءتي لما شربته، ولو كنت اليوم ممن يقول الشعر لرثيت المروءة.

20- وقال: للمروءة أربعة أركان:

أ-حسن الخلق ب-السخاء

ج_التواضع د- النسك

21- وقال: من أحب أن يقضي الله له بالخير، فليحسن الظن بالناس.

22- وقال: ليس بأخيك من احتجت إلى مداراته.

23- وقال: من صدق في أخوة أخيه قبل علله، وسد خلله، وغفر زللـه.

24- وقال: ليس سرور يعدل صحبه الإخوان، ولا غم يعدل فراقهم.

25- وقال: لا تبذل وجهك إلى من يهون عليه ردك.

26- وقال: من سام نفسه فوق ما تساوي رده الله إلى قيمته.

27- وقال: من كتم سره كانت الخيرة في يده.

28- وقال: ما ضحك من خطأ امرئ قط، إلا ثبت الله صوابه في قلبه.

29- وقال: الانبساط إلى الناس مجلبة لقرناء السوء، والانقباض عنهم مكسبة للعداوة، فكن بين المنبسط والمنقبض.

30- وقال: ما أكرمت أحداً فوق مقداره، إلا اتضع من قدري عنده بمقدار ما زدت في إكرامه.

31- وقال: لا وفاء لعبد، ولا شكر للئيم، ولا صنيعه عند ندل.

32- وقال: لا بأس على الفقيه أن يكون معه سفيه يسافه به.

بعض مناقبه الأخرى:

كان رحمه الله سخياً كريماً، وأحواله في سخائه كثيرة، وقصصه فيه معروفه مدونه.

كما كان عالماً بالفراسة مصيباً فيها.

وكان عارفاً بالطب، والرمي، فارساً يأخذ بأذن الفرس، والفرس يعدو.

وفاته:

لما حضرت الشافعي الوفاة أوصى أن يكون القاعد في حلقته وخليفته فيها البويطي.

وتوفي رحمه الله تعالي ليلة الجمعة بعد المغرب، ودفن بعد العصر يوم الجمعة أخر يوم من رجب سنة أربع ومائتين من الهجرة رحمه الله وأحسن مثواه ومأواه.