الطبقة الأولى فى المجتهدين المنتسبين للشافعى

الطبقة الأولى في المجتهدين المنتسبين للشافعي

ابن راهويه(1)

(161-238 هـ)

الإمام المجتهد أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم بن مطر الحنظلي المروزي، ابن راهويه.

فقيه أهل المشرق، ومفتيهم، ومحدثهم.

قال الإمام العبادي: ناظر إسحاق الشافعي رحمه الله، فلما عرف فضله انتسخ كتبه، وجمع مصنفاته بمصر فرجع إلى أكثرها وبني عليها “الجامع الكبير” لنفسه.

قال الإمام أحمد بن حنبل وذكر إسحاق: لا أعرف له بالعراق نظيراً.

وقال الدارمي: ساد إسحاق أهل المشرق والمغرب بصدقه.

وقال ابن خزيمة: والله لو كان إسحاق في التابعين لأقروا له بحفظه، وعلمه، وفقهه .

وقال أبو داود الخفاف : سمعت إسحاق بن راهويه يقول: لكأني أنظر إلى مائة ألف حديث في كتبي، وثلاثين ألفا أسردها.

وقال إسحاق: ما سمعت شيئا إلا وحفظته، ولا حفظت شيئا قط فنسيته.

ومن مصنفاته:

1-الجامع الكبير، بناه على كتب الشافعي وقواعده.

2-التفسير، أملاه على أصحابه عن ظهر قلب.

ومن غرائب إسحاق:

1-قال ابن السبكي: الصحيح عند أصحابنا أن صلاة الكافر لا تصيره مسلما، سواء كان في دار الحرب، أم في دار الإسلام.

وحكي قول في الحربي يصلي في دار الحرب، والمسألة مبسوطة في المذهب، مطلقة، غير مقيدة بصلاة واحدة، أو بصلوات كثيرة.

ونقل ابن عبد البر أن إسحاق بن راهويه قال: إن العلماء أجمعوا في الصلاة على ما لم يجمعوا عليه في سائر الشرائع، فقالوا: من عرف بالكفر وكان لا يصلي، ثم رأوه يصلي، حتى صلى صلوات كثيرة في وقتها، ولم يعرفوا منه إقراراً باللسان، أنه يحكم له بالإيمان، وليس كذلك في الصوم والزكاة والحج.

قال ابن السبكي: وأقره ابن عبد البر عليه، وهو فرع غريب، ظاهر كلام المذهبين أنه لا فرق بين أن تكرر منه الصلاة أو لا تكرر.

وفاته:

توفي إسحاق ليله نصف شعبان سنه ثمان وثلاثين ومائتين.

قال البخاري: وله سبع وسبعون سنة.

قال الخطيب: وهذا يدل على أن مولده سنة إحدى وستين.

أبو ثور(2)

( … _ 240 هـ)

الإمام المجتهد أبو ثور، إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي البغدادي. وهو من أصحابنا البغداديين، وأحد رواة المذهب القديم، ومن مشاهير الأئمة المجتهدين المنتسبين للشافعي.

قال أحمد بن حنبل فيه: أعرفه بالسنة منذ خمسين عاماً، وهو عندي في مسلاخ سفيان الثوري.

وقال ابن حبان: كان أحد أئمة الدنيا، فقهاً، وورعاً، وفضلاً، وخيراً ممن صنف الكتب، وفرع على السنن، وذب عنها، وقمع مخالفيها.

وقال الخطيب البغدادي: كان أبو ثور يتفقه بالرأي، ويذهب إلى قول أهل العراق، حتى قدم الشافعي بغداد، فاختلف إليه، ورجع عن الرأي إلى الحديث.

قال النووي: ولازم الشافعي، وصار من أعلام أصحابه، وهو أحد أصحاب الشافعي البغداديين الأئمة الجلة، رواة كتاب الشافعي القديم، وهم:

احمد بن حنبل. وأبو ثور.

والكرابيسي. والزعفراني.

رحمهم الله.

قال: ومع هذا الذي ذكرته من كون أبي ثور من أصحاب الشافعي، وأحد تلامذته، والمنتفعين به، والآخذين عنه، والناقلين كتابه وأقواله، فهو صاحب مذهب مستقل، لا يُعد تفرده وجهاً في المذهب، بخلاف أبي القاسم الأنماطي، وابن سريج وغيرهما من أصحابنا أصحاب الوجوه. اهـ.

وقد سئل الإمام أحمد عن مسألة فقال للسائل: سل غيرنا، سل الفقهاء سل أبا ثور.

وقد تردد ذكر الإمام أبي ثور في ” المهذب” و”الوسيط “و” الروضة ” وغيرها من كتب المذهب.

ومن الفوائد عن أبي ثور:

1-روى عن الشافعي أن دم السمك نجس.

2-وحكي عن الشافعي رحمه الله أن التعريف بغير مكة لا يستحب.

3-وروي عنه انه سأل الشافعي عن رجل اشترى بيضة من إنسان وبيضه من آخر، ووضعهما في كمه، فانكسرت إحداهما، فخرجت مذرة، فعلى من يرد البيضة وقد أنكرا ذلك ؟

قال: آمره حتى يدعي.

قال: يقول: لا أدري.

قال: أقول: انصرف حتى تدري، فإنا مفتون لا معلمون.

ومن غرائب أبي ثور رحمه الله:

1- نقل ابن السبكي عن العبدري، أن الدين مقدم على الوصية عند الفقهاء كلهم إلا أبا ثور، فإنه قدم الوصية.

قال ابن السبكي: وهذا غريب، مصرح بحكاية الإجماع على خلافه، فلعل إجماعهم لم يبلغ أبا ثور، ولعله ينازع في وقوع الإجماع على ذلك، أو لعل ما نقله العبدري غير ثابت، ثم دلل ابن السبكي على عدم صحة نقل العبدري.

2- نقل الفواراني في “العمد” أن أبا ثور قال: لا تقطع اليد إلا في خمسة دراهم.

3- نقل ابن المنذر أن أبا ثور قال: إن خيار الرد بالعيب لا يكون بالرضا إلا بالكلام، أو يأتي من الفعل ما يكون في المعقول من اللغة أنه رضا.

4- نقل أبو علي الطبري فيما علقه عن أبي علي بن أبي هريرة في “شرح مختصر المزني” أن أبا ثور كان يلحق الزيت بالماء فيعتبره بالقلتين إذا وقعت فيه نجاسة غير مغيره.

قال ابن السبكي: ورأيت في جامع الخلال من كتب الحنابلة أن المروزي ذكر لأحمد أن أبا ثور كان يلحق السمن والزيت بالماء.

قال: والظاهر أن جميع المائعات سواء، والمعروف في المذهب أن غير الماء من المائعات ينجس بملاقاة يسير النجاسة، وإن بلغ قلالاً.

وذكر ابن السبكي بحثا نفيساً في الموضوع.

وفاتـــــه: توفي أبو ثور رحمه الله في صفر سنه أربعين ومائتين.

محمد بن نصر المروزي(3)

(202 _ 294 هـ)

الإمام أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي.

من أصحابنا أصحاب الوجوه، وقد بلغ رتبة الاجتهاد المطلق، (2) وهو مع ذلك من أركان مذهبنا.(4) تفقه على أصحاب الشافعي.

كان فقيهاً، عابداً إماماً في عدة فنون، وكان من أعلم الناس باختلاف الصحابة ومن بعدهم في الأحكام، وكان إمام أهل الحديث في عصره بلا مدافعه.

قال ابن حزم”: أعلم الناس من كان أجمعهم للسنن، وأضبطهم لها، وأذكرهم لمعانيها، وأدراهم بصحتها، وبما أجمع الناس عليه مما اختلفوا فيه، وما نعلم هذه الصفة بعد الصحابة أتم منها في محمد بن نصر المروزي، فلوا قال قائل: ليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم حديث، ولا لأصحابه إلا وهو عند محمد بن نصر لما بعد عن الصدق.

وقال أبو ذر محمد بن محمد بن يوسف القاضي: كان الصدر الأول من مشايخنا يقولون: رجال خراسان أربعه: ابن مبارك، ويحيى بن يحيى، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن نصر المروزي.

قال ابن الأخرم: وكان من أحسن الناس صلاة كان الذباب يقع على أذنه فيسيل الدم ولا يذبه عن نفسه، ولقد كنا نتعجب من حسن صلاته، وخشوعه، وهيبته للصلاة، كان يضع ذقنه على صدره، فينتصب كأنه خشبة منصوبة، وكان من أحسن الناس خلقاً، كأنما فقئ في وجهه حب الرمان، وعلى خديه كالورد ولحيته بيضاء,

وقد كانت لمحمد بن نصر رحلة إلى سائر أمصار الإسلام، وقد ولد ببغداد، ونشأ بنيسابور، واستوطن سمرقند.

وقد جمعت الرحلة بينه وبين محمد بن جرير الطبري، ومحمد بن إسحاق بن خزيهم، ومحمد بن هارون الروياني بمصر، فأملقوا فيها، ولهم في ذلك قصة جميلة.(5)

ولم يكن لابن نصر ولد، فكان يتمناه على كبر سنه إلى أن رزقه الله ولداً أسماه إسماعيل.

ومن غرائب محمد بن نصر:

1- ذهب إلى أن صلاة الصبح تقصر في الخوف إلى ركعة.

2- وأنه يجزئ المسح على العمامة.

مؤلفاته:

لمحمد بن نصر مؤلفات نفيسة منها:

1- القسامة في الفقه، قال الصيرفي: لو لم يصنف محمد بن نصر إلا كتاب القسامة لكان من أفقه الناس، فكيف وقد صنف كتباً سواه.

2- تعظيم قدر الصلاة.

3- الوتر.

4- الورع.

5- قيام الليل.

6- ما خالف فيه أبو حنيفة علياً وعبد الله رضي الله عنهما.

7- اختلاف العلماء.

تردد ذكر ابن نصر في”الروضة” وغيرها. ولد سنة اثنتين ومائتين، وتوفي بسمرقند في المحرم سنة أربع وتسعين ومائتين,

أبو جعفر الطبري(6)

الإمام المجتهد أبو جعفر، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبري.

(224 _ 310 هـ)(7)

الإمام الجليل، والحافظ النبيل، والمفسر المدقق، والمؤرخ المحقق، المجتهد المطلق، الذي لا يخفى على أحد من علماء المسلمين.

اخذ فقه الشافعي عن الربيع المرادي، والحسن الزعفراني.

قال رحمه الله: أظهرت فقه الشافعي، وأفتيت به في بغداد عشر سنين، وتلقنه مني ابن بشار الأحوال أستاذ أبي العباس بن سريج.

كان الطبري رحمه الله من عجائب العلماء في الإسلام، ذكر الخطيب رحمه الله أنه مكث أربعين سنة يكتب في كل يوم أربعين ورقه.حفظ القرآن ابن سبع سنين وصلى بالناس وهو ابن ثمان سنين، وكتب الحديث وهو ابن تسع.

قال الخطيب: كان ابن جرير أحد الأئمة، يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه، لمعرفته وفضله، جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، فكان حافظاً لكتاب الله، بصيراً بالمعاني فقيهاً في أحكام القرآن، عالماً بالسنن وطرقها، صحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفاً بأقوال الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من المخالفين في الأحكام، ومسائل الحلال والحرام، عارفاً بأيام الناس وأخبارهم .

وقال بان سريج: محمد بن جرير الطبري فقيه العالم.

وقال ابن خزيهم: ما أعلمُ على أديم الأرض أعلم من ابن جرير.

وروي أنه لما عزم على إملاء تفسيره “جامع البيان عن تأويل آي القرآن” والذي يعتبر من أكبر التفاسير بالمأثور وأدقها وأكثرها فائدة، قال لأصحابه:أتنشطون لتفسير القرآن، قالوا: كم يكون قدره ؟ فقال: ثلاثون ألف ورقة، فقالوا: هذا مما تفنى الأعمال قبل تمامه، فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة.

ثم قال: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا، قالوا: كم قدره ؟ فذكر نحواً مما ذكر في التفسير، فأجابوه بمثل ذلك فقال: إنا لله، ماتت الهمم، فاختصره في نحو ما اختصر التفسير.

ومع هذا العلم الذي لم تتمتع به إلا القلة من عباقرة الإسلام كان الطبري على جانب عظيم من الورع والتقوى والقيام بواجب النصيحة، لم تأخذه في ذلك لومة لائم، وكان يأبى أعطيات الحكام ويردها.

ذكر أن المكتفي الخليفة قال للحسن بن العباس: أريد أن أوقِفَ وقفاً، تجتمع أقاويل العلماء على صحته، ويسلم الخلاف، قال فأحضر ابن جرير، فأملى عليهم كتاباً بذلك، فأخرجت له جائزة سنية، فأبى أن يقبلها، فقيل له: لا بد من جائزة، أو قضاء حاجة، فقال: نعم، الحاجة، أسأل أمير المؤمنين أن يتقدم إلى الشرط أن يمنعوا السؤال من دخول المقصورة يوم الجمعة فتقدم بذلك وعظم في نفوسهم.

ولما تولى الخاقاني الوزارة وجه إليه بمال كثير، فأبى أن يقبله، فعرض عليه القضاء، فامتنع، فعاتبه أصحابه، وقالوا له: لك في هذا ثواب، وتحيي سنة قد درست، وطمعوا في أن يقبل ولاية المظالم، فانتهرهم وقال: قد كنت أظن أني لو رغبت في ذلك لنهيتموني عنه.

وكان والده ينفذ إليه بالشيء بعد الشئ إلى البلدان، قال: فأبطأت عني نفقه والدي، واضطررت إلى أن فتقت كمي القميص فبعتهما.

وله مع محمد بن نصر المروزي، وابن خزيهم، والروياني قصة عجيبة ذكرها ابن السبكي في الطبقات 2/251 لا أريد الإطالة حتى لا اخل بشرط الكتاب تدل على ما لهم من الكرامة.

أقوال الطبري:

لقد ذكرت أن ابن جرير رحمه الله كان مجتهدا مطلقا، إلا أنه مع ذلك منتسب للشافعي، ومعدود في جمله أصحابه.

قال ابن السبكي: ابن نصر، وابن جرير، وابن خزيهم، وابن المنذر من أركان مذهبنا (8) وقال : المحمدون الأربعة ، محمد بن نصر ، وابن جرير ، وابن خزيمة وابن المنذر من أصحابنا، وقد بلغوا درجة الاجتهاد المطلق، ولم يخرجهم ذلك عن كونهم من أصحاب الشافعي، المخرجين على أصوله، المتمذهبين بمذهبه، لوفاق اجتهادهم اجتهاده.(9)

وبناء على ذلك كان من أقواله جارياً على قواعد المذهب وافقه فيه الأصحاب، ربما عد وجهاً في المذهب، وما كان مخالفاً فلا، بل هو من مذهبه، فهو صاحب مذهب.

قال ابن السبكي: فإن موافقة غير ابن جرير من أصحابنا له يؤكد عد قوله من المذهب، بخلاف ما إذا لم يوجد له موافق، فإن النظر إذ ذاك قد يتوقف في إلحاق أقواله بالمذهب، لأن المحمدين الأربعة وإن كانوا من أصحابنا، فربما ذهبوا باجتهادهم المطلق إلى مذاهب خارجه عن المذهب،

فلا تعد تلك المذاهب من مذهبنا، بل سبيلها سبيل من خالف إمامه من شيء من المتأخرين أو المتقدمين.(10)

مصنفاته:

1- تفسير القران “جامع البيان عن تأويل أي قرآن ” الذي يعتبر من أهم التفاسير على وجه الأرض، أملاه إملاء من سنة ثلاث وثمانين إلى سنة تسعين.

2- تاريخ الرسل والملوك.

3- القراءات والعدد والتنزيل.

4- اختلاف العلماء.

5- تاريخ الرجال من الصحابة والتابعين.

6- كتاب أحكام شرائع الإسلام.

7- كتاب الخفيف، وهو مختصر في الفقه.

8- التبصير في أصول الدين .

9- تهذيب الآثار ولم يتمه.

10-كتاب البسيط في الفقه ولم يتمه.

وفاته: توفي الطبري رحمه الله عشية الأحد، ليومين بقيا من شوال سنه عشر وثلاثمائة.

(1) طبقات ابن السبكي 2/83

(2) طبقات السبكي ………..انظر صفحة (67)

(3) طبقات ابن السبكي …………انظر الصفحة 70

(4) طبقات ابن السبكي 2 / 251

(5) طبقات ابن السبكي 2 / 251

(6)

(7) طبقات ابن السبكي ……..انظر الصفحة 72

(8) الطبقات 2 / 251

(9) 3/102

(10) الطبقات 2/127