تقديم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين والمرسلين، وسيد الأولين والآخرين، وعلى آله الأطهار، وصحبه الأبرار.

ورضي الله عن الأئمة الأخيار، أعلام الهدى، ومصابيح الدجى، الذين بذلوا في تبليغ هذا الدين أعمارهم، وأتلفوا في حفظه مهجهم، لا يريدون بذلك المديح والثناء، وإنما يريدون رضا خالق الأرض والسماء.

ولذلك تنافس الناس في آثارهم، وتسابقوا للوقوف على أخبارهم، فزينت بمناقبهم الكتب، وتنوعت في أخبارهم المؤلفات والسير، واشتهرت بأقوالهم واجتهاداتهم المذاهب.

ولقد كنت منذ بداية عهدي في طلب العلم أحرص كل الحرص على الوقوف على أخبار سلفنا -رضي الله عنهم- لأقتبس من سيرتهم، وأقتدي بـهديهم وأستنير بفقههم واجتهادهم، إذ من أهم ما يحتاج إليه العالم والمتعلم، ولا سيما في الفقه، معرفة الأقوال وقائليها، ليتسع أفقه، وتستنير بصيرته.

ولطالما قرأت في الفقه أقوال أصحابنا أصحاب الوجوه، المجتهدين في مذهب الإمام الشافعي، الذي تفقهت به، ولكن دون أن أعرف أعيانهم، أو أخبارهم، وقلما مرت مسألة لا يوجد للأصحاب فيها خلاف واجتهاد، ولقد كنت أود لو أنني تمكنت من جمعهم، ومعرفة أخبارهم وأقوالهم، وما زال هذا الخاطر يراود عقلي وقلبي إلى أن أقدرني الله على الوقوف على عدد من الأصحاب أصحاب الوجوه، عن طريق كتاب “تهذيب الأسماء واللغات” لشيخ المذهب الإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي -رضي الله عنه- إذ كان ينص في ترجمته للأصحاب على أصحاب الوجوه منهم، فجمعت من ذلك عدداً لا بأس به من أصحاب الوجوه.

ثم تابعت العمل والبحث في بطون كتب التاريخ والتراجم والفقه الخلافي في المذهب وبين المذاهب -إلى أن تمكنت من معرفة عدد لا بأس به من أصحاب الوجوه في المذهب، وهذا وإن لم يكن حاصراً لجميع المجتهدين في المذهب- إذاو لا سبيل إلى هذا- إلا أنه على ما أعتقد أتى على معظم الأصحاب والله أعلم.

وأما السبب في صعوبة الوقوف على جميع المجتهدين في المذهب وحصرهم -فهو يرجع إلى أنه توجد طبقة من الأصحاب يعسر التمييز فيها بين المرجحين والمجتهدين، يحار الإنسان فيها، هل هي من طبقة المجتهدين في المذهب، أو أنها من طبقة المرجحين، إذ ما من مرجح إلا وله اختيارات، ربما شذ فيها عن جميع الأقوال المعروفة للأصحاب، إلا أنها مستنبطة على قواعد الإمام..

فنحن إذا اعتبرنا أصحاب الوجوه في المذهب من كل من كان له بعض الوجوه ولو قلت -إذاً لاعتبرنا معظم المصنفين المرجحين من أصحابنا حتى نهاية القرن السادس أو السابع تقريباً من أصحاب الوجوه ولعددنا إمام الحرمين م 478هـ، والشيرازي م 476هـ، والغزالي م 505هـ، والروياني م 502هـ، بل الرافعي م 624هـ، والنووي م 676هـ، وهذا يؤدي بنا إلى القضاء على طبقة المرجحين، بل المجتهدين في المذهب، إذ يصبح الجميع من المجتهدين.

إلا أن أصحابنا رحمهم الله فرقوا يقيناً بين الطبقتين، وميزوا بين الفريقين، ولم يلحقوا المرجحين ولو كانت لهم وجوه في المذهب بالمجتهدين فيه.

ولذلك كان لا بد لنا من ضابط نسير عليه، ومنهج نتبعه، في حصر هذه الطبقة من الأصحاب، فرأيت أن يكون على النحو التالي:

1- كل من نص عليه النووي أنه من أصحاب الوجوه نصصت عليه، وترجمت له، فمن نص عليه لا اعتراض عليه.

إذا قالت حذام فصدقوها فإن القول ما قالت حذام.

2- من لم ينص عليه النووي سلكت فيه مسلك الاستقراء للأقوال المنقولة عنه، فإن وجدته قد كثرت أقواله وأوجهه، واشتهرت، ألحقته بالمجتهدين في المذهب، كالماوردي، وأبي الطيب الطبري، مستأنساً بنظرائه الذين هم في مرحلته ممن نص النووي على أنهم من أصحاب الوجوه، مع كونه متقدماً عليهم.

فمثلاً، نص النووي على أن أبا عاصم العبادي المتوفي عام 458 هـ من أصحابنا أصحاب الوجوه.

ولم ينص على أبي الحسن الماوردي م 450 هـ وأبي الطيب الطبري م450 هـ مع أنهما قد امتلأت بأقوالهما واختياراتـهما كتب الأصحاب وفتاويهم، ولذلك نصصت عليهما، وترجمت لهما، واعتبرتهما من أصحاب الوجوه بالأولى، مراعياً في ذلك الملكة الفقهية عند كل من الثلاثة مما يدركه الفقيه من خلال الأقوال والفتاوى، ومن خلال أقوال الأصحاب فيهم.

ومع ذلك فنحن لا يمكننا أبداً أن نسوي بين ابن أبي هريرة أو الإصطخري، وبين الماوردي والطبري، في درجة الاجتهاد في المذهب، إلا أن العبارة تضيق عن الوصف والتعبير، وهذا شيء يدرك بالفروق والممارسة والملكة، لا بالوصف والأرقام، وقد يتمكن من التمييز بالعبارة والرقم.

3- ينقسم أصحاب الوجوه من حيث كثرة الوجوه وقلتها إلى قسمين:

الأول: من كثرت وجوههم وأقوالهم، واشتهرت، وامتلأت بها كتب الأصحاب، كالأنماطي، وابن سريج، وابن خيران، والإصطخري، وابن أبي هريرة، والمروزي، والقفال، والسنجي وغيرهم، وهؤلاء جعلتهم في طبقة واحدة.

والثاني: من قلت وجوههم، ولم تشتهر شهرة الطبقة الأولى، وهؤلاء جعلتهم في طبقة مستقلة، وعنونت للأولى بـ “المكثرين” وللثانية بـ “المقلين”.

هذا بالنسبة للمجتهدين في المذهب.

وأما المجتهدون المنتسبون وهم من بلغوا درجة الاجتهاد المطلق على النحو الذي سنرسمه في ضابط هذه الطبقة فقد جعلتهم في طبقة مستقلة، للتمييز بينهم وبين أصحاب الوجوه، فهم وإن كانوا منتسبين للشافعي، إلا أنهم مجتهدون مستقلون، ولا تعتبر أقوالهم التي خرجوا بها عن المذهب من الأوجه فيه، على التفصيل الذي سنذكره عند الكلام على هذه الطبقة في المقدمة إن شاء الله.

كما أنني أفردت أصحاب الشافعي الذين جالسوه وأخذوا عنه مباشرة بطبقة مستقلة، وإن كانوا من مجتهدي المذهب، لما لمكانتهم من صحبته، ونقل أقواله من الأهمية.

ولقد رتبت الكتاب على النحو التالي:

1- ذكرت له مقدمة تحتوي على أصناف المجتهدين، وأوصافهم، وشروط كل صنف منهم.

2- ترجمت للإمام الشافعي ترجمة موجزة تليق بالغرض من الكتاب.

3- الطبقة الأولى في المجتهدين المنتسبين للشافعي.

4- الطبقة الثانية في المجتهدين من أصحابه الذين جالسوه، وأخذوا عنه.

5- الطبقة الثالثة في مجتهدي المذهب بعد أصحابه وهي تنقسم إلى قسمين:

الأول: المكثرون.

الثاني: المقلون.

6- رتبت جميع التراجم في جميع الطبقات حسب سني الوفاة لما في ذلك من الأهمية من حيث القرب والبعد في الزمن ومن حيث العصر الذي عاش فيه أولئك الأصحاب.

وألحقت بالكتاب فهرساً تفصيلياً مرتباً حسب الأحرف لتسهيل الوصول إلى الإمام المراد معرفته.

وأما المنهج الذي اتبعته في الترجمة فهو أني أترجم للإمام المجتهد ترجمة موجزة مبرزاً فيها ما يتناسب مع موضوعنا ومن ذلك:

1- شيوخه في المذهب.

2- تلامذته في المذهب.

3- أقرانه وأصحابه في المذهب.

4- بعض مناقبه.

5- أشهر كتبه الفقهية ولا سيما ما كان منها في المذهب، وربما ترجمت للكتاب.

6- أهم الكتب التي ورد ذكره فيها من كتب المذهب.

7- أهم آرائه التي انفرد بها، أو شذ بها عن المذهب أو الأصحاب.

8- ولادته ووفاته إن كانت معروفة.

وإني إذ فعلت ما فعلت لا أدعي العصمة والصواب في كل ما ذكرته، وإنما هو ما أداني إليه اجتهادي، فما كان فيه من صواب فأسأل الله أن يثيبني عليه، وما كان فيه من خطأ أسأل الله أن يغفره لي، فما قصدته.

وربما وقع مني بعض الخلل في بعض التراجم، أو في ذكر رجل على أنه من أصحاب الوجوه، وهو ليس منهم، أو أنني أهملت رجلاً مع أنه من أصحاب الوجوه، وهذا يقع لكل إنسان، فأرجو ممن وقف عليه أن يرشدني إليه. ولا سيما أن هذا البحث هو الأول من نوعه في هذا المضمار.

راجياً الله تعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الكويت – الجمعة 1 رمضان 1404 هـ

1/6/1984

المؤلف

أبو عبدالله

محمد حسن هيتو