مقدمة فى الاجتهاد وأصناف المجتهدين /شروط الاجتهاد

مقدمة

في

الاجتهاد وأصناف المجتهدين

الاجتهاد كلمة براقة جميلة، تستهوي العقول، وتستميل النفوس، وما من امرئ إلا ويتمني الوصول إليها، والتحلي بها، فهي ذروة ما يصل إليه الإنسان في علوم الشرع من الكمال، ونهاية ما يبدع به العقل من الإتقان.

ولقد قدر سلفنا رضوان الله عليهم هذه الكلمة حق قدرها، فوضعوا لها الحدود، ورسموا لها الضوابط، وفهموا منها معناها الحقيقي الذي يستفاد منها، فما كان يدعيها إلا من هو أهل لها إذ كانوا يدركون معني اقتحام لجج الفتوى، وخطر الخوض في غمارها، بإدراكهم أن الجرأة على الفتوى جرأة على النار، فحرصوا على الاتباع دون الابتداع، والنصفة من النفس والهوى.

إلا أن هذه الكلمة برقت في عصرنا الحاضر بريقا لم تبرقه في يوم من الأيام، ولكنها وفي نفس الوقت. فقدت معناها فقداناً لم تفقده في يوم من الأيام، على قلة ما عندنا من العلم وكثرة ما كان عند سلفنا منه.

وهكذا يستسيغ الجاهل الكلام….

لأنه إن أخذ الكلمة بمعناها الحقيقي ثقلت في سمعه، ومن ثم ثقلت في قلبه، ومن ثم لفظها، لأن أخلاط فكره لم تستطع التفاعل معها، كما يأبى الجسد المريض شربة العسل .

نعم.. لقد برقت هذه الكلمة في عصرنا، وصار يدعيها كل غِرًّ جاهل وكل مغالط مخادع.

حتى وصل الأمر في دعواها إلى أن ادعاها من لا صلة له بعلوم الشرع من قريب أو بعيد.

ونحن لا ننكر على من لم يدرس علوم الشرع أن يصير مجتهدا بعد أن يتعلم ولكننا ننكر عليه أن يكون مجتهدا قبل ذلك.

فمن تطبب بغير طب فقد برئت منه ذمة إسلام، ومن قال في الدين برأيه وبما لا يعلم فقد أعظم الفرية على دين الله فليتبوأ مقعده من النار.

نجد بعض الناس اليوم وقد حسن إسلامه بالأمس، نجده يدعي الاجتهاد اليوم.

ونجد بعض من يتوهمون أنهم علماء، يدعون الاجتهاد، ويخوضون في دين الله، فيحرمون حلاله، ويحلون حرامه، وهم لما يتعلموا قراءه القرآن بعد…؟!.- ولم تستقم ألسنتهم بلغة قرءانهم ، الذي تعبدهم الله بفهمه ، بناء على قواعد لغة العرب وكان من نتيحة هذا أن اضطربت المعايير، وانقلبت المفاهيم، فصارت السنة بدعة، والبدعة سنة، وصار الجهل علماً، والعلم جهلاً،فصدق الجاهل، وكذب العالم، وائتمن الخائن، وخوِّن الأمين، وكل هذا من أشراط الساعة.

لقد أوغل بعض الجهلة في الضلال – وقد عجز عن تعلم أصول الفقه- فقال: إن أصول الفقه بدعة…؟

وأوغل بعضهم الآخر فزعم أن علم التجويد بدعة….؟

ونادي بعضهم بنبذ كتب الفقه، وعدم جواز الاعتماد عليها، وزعم أحدهم أن علم التوحيد بدعه وضلال، وأن الله لم يغب حتى يحتاج إلى إقامة البرهان على وجوده، وقامت دعوة جديدة لإصلاح كتب التاريخ،وآخر ما وصل إليه الإسفاف الفكري، والجهل المركب، والانحراف عن منهج الأئمة أن نبذ كثير من المسلمين – لخلافات فكرية – بالكفر والإلحاد، أو الضلال والانحراف، أو الخروج عن صف أهل السنة ؟!.

إلى آخر ما هناك من الأباطيل والمضحكات.

ونظرت في هذه الاجتهادات القاتمة، فإذا هي دعوة لتجميع تراث أمة الإسلام خلاف أربعة عشر قرنا، ملأت بها الدنيا علماً، وفقهاً، وأدبا، وفكراً، وشعراً، وخلقاً، وشجاعة، ونبلاً، وتفجيرها بمتفجرات الجاهلية المعاصرة التي لم تشهدها الأمة في يوم من أيام تاريخها الأبيض الطويل، ولا في أيامها السوداء الحزينة ؟!.

إننا لا ندعي غلق باب الاجتهاد، ولا نريد أن نمنع الناس منه، ولكننا نريد أن نقول للناس: قبل أن تجتهدوا تعلموا.

فليس الاجتهاد بالتحلي، ولا بالتمني، ولكنه ببلوغ درجه معينه من العلم يستطيع المرء بواسطتها من استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها.

ولقد كان العلماء في الماضي يبلغون الدرجة العليا في حفظ القرآن والسنة، ولغة العرب، ويتقنون الفقه وأصوله، وما كان الواحد منهم يدعي الاجتهاد.

فلو درسنا سيرة حفاظ الأمة جميعا، لوجدناهم متمذهبين بمذاهب الأئمة المتقدمين، من البخاري، إلى مسلم، إلى أصحاب السنن، إلى الحاكم، والبيهقي، وابن عساكر، وابن الصلاح، والعز بن عبد السلام، والنووي، والذهبي، والمزي، والعراقي، وابن حجر، والسيوطي، وغيرهم مما لا سبيل إلى تعدادهم وحصرهم.

فما بال المغمورين من جهلة أبناء العصر يدعون هذه المنزلة الرفيعة العالية وهم لما يجيدوا القراءة بعد…..؟!

إلا أنه مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى “إذا لم تستح فاصنع ما شئت”.

ورحم الله امرأً عرف قدره فوقف عنده.

وسنرى خلال السطور القادمة إن شاء الله الشروط التي يجب أن تتوفر في المرء حتى يصير مجتهداً مطلقاً، أو مجتهد مذهب أو فتوى، لنرى الهوة الواسعة بين دعوى الاجتهاد وحقيقته.

على أن لي إلى هذا الموضوع لعودة في بحث مستقل في القريب العاجل إن شاء الله.

الاجتهاد لغة:

هو بذل المجهود واستفراغ الوسع في فعل من الأفعال.

ولا يستعمل إلا فيما فيه كلفة ومشقة.

فيقال: اجتهد في حمل الصخرة الكبيرة، ولا يقال: اجتهد في حمل حبة قمح أو نواة تمر.

الاجتهاد اصطلاحا:

استفراغ الفقيه الوسع، لتحصيل ظن بحكم شرعي(1).

والمراد باستفراغ الوسع: أن يبذل الوسع في طلب الحكم بحيث يحس من نفسه بالعجز من مزيد طلب، كما قاله الغزالي في الاجتهاد التام(2).

والاستفراغ جنس، يشمل استفراغ الفقيه، واستفراغ المقلد، ولذلك قيدناه بالفقيه، ليخرج معنا المقلد، فإنه وان استفرغ جهده لا يسمى مجتهداً.

ولم نقل في التعريف “استفراغ المجتهد الوسع” لأنه يلزم منه الدور، إذ تكون معرفة الاجتهاد، متوقفة على المجتهد ومعرفة المجتهد ، متوقفة على الاجتهاد في هذا التعريف.

وأما قولنا: “لتحصيل ظن ” إنما هو لبيان أن المجتهد فيه إنما الظنيات، أما القطعيات، فلا اجتهاد فيها.

وقولنا: “بحكم شرعي” ليخرج غيره من الحسيات والعقليات، لأننا نتكلم عن الاجتهاد في الشرعيات، وهذه بمعزل عنها(3).

المجتهد:

وبناء على ما عرفناه من تعريف الاجتهاد، فالمجتهد هو: الفقيه المستفرغ لوسعه في تحصيل الحكم الشرعي.

****

هذا والمجتهد ينقسم إلى أقسام، وذلك باعتبار قدرته على الاستقلال في الاجتهاد وعدمها.

فان كان مستقلا ً باجتهاده في الأصول والفروع، وطرق الاستنباط، لا ينتسب إلى أحد، ولا يقلد أحداً، وإنما يأخذ مباشرة من نصوص الشارع، بواسطة القواعد التي وضعها، والأسس التي اعتمدها ومهدها، فهو المجتهد المطلق.

وإلا، بأن كان يعتمد على أصول غيره، أو على أصول غيره وفروعه، فهو المجتهد المنتسب، أو مجتهد المذهب، أو مجتهد الفتوى، يختلف ذلك باختلاف قدرته على الاستقلال، والاستنباط، والحفظ، كما سنراه إن شاء الله في وصف كل واحد منهم وشرطه.

وخلاصة هذا أن المجتهد خمسة أصناف، كما قسمه الشيخ أبو عمرو بن الصلاح وتبعه عليه النووي في “المجموع ” وهي:

1-المجتهد المطلق.

2-المجتهد المنتسب.

3-مجتهد المذهب.

4-مجتهد الفتوى والترجيح.

5-الحافظ للمذهب المفتي به.

المجتهد المطلق

وهو الذي يستقل باجتهاده في الأصول، والفروع، والاستنباط من الأدلة، والتصحيح والتضعيف للأخبار، والترجيح بينها والتعديل والتجريح للرواة، وغير ذلك من شروط الاجتهاد على ما سنذكره، يضع الأسس العامة لاجتهاده، ويمهد القواعد، ويوجه الأدلة، لا ينتسب إلى أحد ولا يقلد أحداً.

ولئن وافق في قاعدته قاعدة غيره، أو وافق فرعه فرع غيره، فإنما هو من موافقة الاجتهاد للاجتهاد، لا من قبيل التقليد.

وهذا هو حال الأئمة المجتهدين المتبوعين في القرون الأولى ، كأبي حنيفة ، ومالك، والشافعي، واحمد، والثوري، والأوزاعي، و غيرهم من أئمة الاجتهاد المطلق، رضي الله عنهم وأرضاهم.

ولبلوغ هذه المرتبة شروط لا بد منها، نوجزها فما يلي:

شروط الاجتهاد

1- الإسلام:

وهذا شرط عام بديهي وضروري، ولذلك لم يذكره كثير من الأصوليين، فلا يعتد بكلام الكافر، على افتراض بلوغه رتبة الاجتهاد.

لأننا إذا كنا لا نقبل فتوى الفاسق واجتهاده، كما سيأتي معنا، فأن لا نقبل فتوى الكافر واجتهاده من باب أولى.

والإسلام شرط في قبول فتوى الكافر واجتهاده، وليس شرطا في بلوغ رتبة الاجتهاد، فقد يبلغ رتبة الاجتهاد وهو كافر، إلا انه لا عبرة به، وهذا على افتراض جوازه عقلا، إلا انه لم يقع، ولو وقع فلا عبرة به كما ذكرنا(4).

2- العقل:

فلا يعتد بكلام المجنون، ولو كان قبل الجنون مجتهدا، لأنه لا عقل له يهتدي به إلى التمييز بين الحق والباطل حال جنونه.

وأما ما قاله قبل الجنون، فإنه يعتد به، ويعول عليه، وكذلك لو زال جنونه، وعادت إليه ملكاته العقلية، فإنه يقبل كلامه واجتهاده.

ولو كان جنونه متقطعا يصحو تارة، ويذهب عقله تارة أخري، فالظاهر الذي تقتضيه النظائر الفقهية أنه لا يعول على كلامه، لعدم الثقة به، بسبب اضطراب تمييزه وعدم اضطراده.

3- البلوغ:

فانه يشترط في المجتهد أن يكون بالغا، أما الصبي فلا يقبل اجتهاده، ولو بلغ رتبه الاجتهاد.

وذلك لعدم اكتمال ملكاته العقلية، التي بها يتم الإدراك والتمييز، فعدم بلوغه يعدم الثقة بنظره.

4- العدالة:

وهي ملكة تحمل صاحبها على اجتناب الكبائر، وترك الإصرار على الصغائر، والبعد عما فيه خرم للمروءة.

والعدالة ليست شرطا في بلوغ المرء رتبة الاجتهاد، إذ لا مانع أن يبلغ رتبة الاجتهاد بعض الفسقة.

ولكن العدالة شرط في قبول فتوى المجتهد والعمل بقوله، فلا تقبل فتوى الفاسق، ولا يعمل بقوله، كما قاله الغزالي في “المستصفى” وإمام الحرمين في” البرهان” وتبعهما عليه الأصوليون.

وهذا نظير ما ذكرناه في اجتهاد الكافر والله أعلم.

5- فقه النفس:

وهو أن يبلغ الإنسان مرحلة من الفهم للنصوص، ودقه الاستنباط منها، وحضور البديهة فيها، القدرة على التمييز بين المتشابه من الفروع، بإبداء الفروق والموانع، والجمع بينها بالعلل والأشباه والنظائر – أن يبلغ مرحله عالية، بحيث تصبح هذه الأمور ملكة قائمه في نفسه، لا يحتاج معها إلى جهد في الوصول إليها.

وذلك كمن يعرف جمع الأعداد، وضربها، وتقسيمها، وتربيعها، وتكعيبها، وجذرها بمجرد عرضها على ذهنه، دون الحاجة إلى ورقة وقلم، ودون إبداء مجهود في معرفة النتائج فهذا يقال فيه: إنه فقيه النفس في الحساب، وأما من يعرف نتائج تلك العمليات الرياضية، ولكن ليس بالبديهة، بل بالحساب البطيء، عن طريق الورقة والقلم، فهذا لا يقال فيه: انه فقيه النفس في الحساب، ولا يقال: إن الحساب عنده ملكة ، وإن كان يسمى عارفا بالحساب وعالماً.

وكذلك الفقه في مسائل الشرع، يقال للإنسان: إنه فقيه النفس، إذا وصل إلى مرحلة تصبح فيها علوم الشرع ملكة في نفسه، يستطيع أن يصول فيها ويجول، بمجرد عرضها عليه، وإلا فليس بمجتهد.

وهذه المرحلة في الغالب تكون جبلِّية ً، يجبل عليها الإنسان، كالذكاء والبلادة، وقد يبلغها الذكي بالحفظ، والدربة على الاقسية، واستنباط العلل، وإبداء المناسبات، وإبداء الفروق والموانع وإظهار الأشباه والنظائر.

قال إمام الحرمين في “البرهان”(5) ثم يشترط وراء ذلك كله فقه النفس فهو رأس مال المجتهد – ولا يتأتى كسبه – فإن جبل على ذلك فهو المراد، وإلا فلا يتأتى تحصيله بحفظ الكتب.

6- العلم بالقرآن :

يشترط في المجتهد أن يكون عارفاً بكتاب الله، وهو دستور الإسلام، والمصدر التشريعي الأول، الذي تعتمد كل المصادر التشريعية الأخرى في حجيتها عليه، كما انه أصل جميع الأحكام، وأساس معرفة الحلال والحرام.

ولا يكفي المجتهد أن يعرف من القرآن لغته ومعناه الإجمالي فقط، بل يجب عليه أن يحصل لنفسه علماً حقيقياً به، يستطيع بواسطته أن يتدبر القران، ويستنبط منه، ويتصور ويتذكر الآيات التي تستنبط منها الأحكام.

وليس المراد أن يكون حافظا لكتاب الله، فليس الحفظ شرطا في الاجتهاد، ولكن من حفظ كان خيرا ممن لم يحفظ.

كما انه لا يشترط فيه أن يكون حافظاً لآيات الأحكام، بل يجب عليه أن يكون عارفا بها، وبمواقعها، ليرجع عند الحاجة إليها.

وهي كما قال الغزالي وابن العربي حوالي خمسمائة آية، وهذا الكلام منهما إنما يصح إذا كان المراد به الآيات التي تدل على الأحكام دلاله صريحة. ، وإلا فالآيات التي تستنبط منها الأحكام أكثر من ذلك بكثير.

بل إن العالم بالكتاب، المتفرس فيه، يستطيع أن يستنبط الأحكام من الأخبار والقصص، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

ومن نظر في كتب المتبحرين في التفسير، المتدبرين للقرآن، وقع في هذا المجال على العجب العجاب.

قال إمام الحرمين: ولا ينبغي أن يقنع فيه بما يفهمه من لغته، فإن معظم التفاسير يعتمد النقل.

وليس له أن يعتمد في نقله على الكتب والتصانيف، فينبغي أن يحصل لنفسه على علم بحقيقته..ا هـ.

ومما يجب على المجتهد أن يعرفه من كتاب الله ، مما يتوقف عليه الإجتهاد :

أ- الناسخ والمنسوخ:

فيجب عليه أن يعرف الناسخ من الآيات والمنسوخ منها، ليعمل بالناسخ، ويتجنب العمل بالمنسوخ.

وهذا يتوقف على معرفة تاريخ نزول الآيات، وقوانين النسخ، وحقيقته، وأنواعه، والجمع بين أقوال ألصحابه في هذا الموضوع عند تعارضها، والترجيح بينها، وغير ذلك من الأمور المتعلقة بباب النسخ(6).

ب- العام والخاص:

كما يحب عليه أن يعرف الآيات العامة، والخاصة، وكيفيه العمل بها، والآيات العامة التي دخلها الخصوص، والعامة التي أريد بها الخصوص والشروط التي يحمل بها العام على الخاص، وكيفيه العمل في هذه الحالة، وغير ذلك مما يتعلق بالعموم.

ج- المطلق المقيد:

ويجب أن يعرف الآيات المطلقة، والمقيدة ليتمكن من حمل المطلق على المقيد عند قيام دواعيه، أو يبقي كلا منهما على ما هو عليه عند عدم قيام الدواعي، وغير ذلك من مباحث الإطلاق والتقييد.

د- أسباب النزول:

فيجب عليه أن يعرف سبب نزول الآية، أن كان لها سبب، لأنه بمعرفة السبب يتضح المراد من الآية، ويفهم المقصود من الخطاب، ويقطع بدخول صورة السبب في الحكم، ويمتنع تخصيصها عند تخصيص الآية.

هـ- معارف أخرى:

كما يجب عليه أن يعرف الظاهر والمؤول، والمجمل والمبين، والمكي والمدني، وغير ذلك مما يؤثر في درك الأحكام.

7- معرفة السنة:

فيجب عليه انه يعرف من السنة مثل ما عرف من القرآن، مما ذكرناه في الفقرة السابقة، من العموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، والإجمال والبيان، والناسخ والمنسوخ، وغير ذلك.

ففي الحفظ، لا يشترط أن يحفظها عن ظهر قلب، بل يحب عليه أن يعرفها، ويعرف مواقعها، ليرجع إليها عند الحاجة، على انه إن حفظها كان أفضل وأكمل.

وقد نص الأصوليون على إنه كان يكفي الإنسان في عصرنا أن يرجع إلى الأئمة المشهورين في هذا الفن، وإلى مصنفاتهم فيه، ولا سيما أن الرواية قد انقطعت أو كادت.

قال إمام الحرمين في “البرهان”(7): وإما الحديث فيكتفي فيه بالتقليد، وتيسر الوصول إلى دركه بمراجعة الكتب المرتبة المهذبة.

وقال الغزالي في ” المستصفى”(8): وإما السنن، فلا بد من معرفة الأحاديث التي تتعلق بالأحكام، وهي وإن كانت زائدة على ألوف، فهي محصورة ا هـ.

فيرجع الإنسان إلى الأمهات الست، وهي البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والى مسند احمد، وسنن البيهقي، وغير ذلك من السنن، والمصنفات، والجوامع، والمسانيد، مما لا داعي للإطالة بتعداده وذكره.

ولا يكفي الإنسان أبدا أن يقتصر على سنن أبي داود، أو الصحيحين، أو الصحاح الست، لأن هذه الكتب وان جمعت كثيراً من أحاديث الأحكام، إلا أنها لم تسوعبها، وكم من الأحاديث التي تذكر فيها الأحكام لم تتعرض لها هذه المصالح.

ولذلك كان لابد لمن يريد أن ينصب نفسه مجتهدا أن يكون عارفا بكل السنن، لاحتمال أن يوجد في بعضها ما لايوجد في بعضها الآخر.

وليس المراد – كما ذكرت – أن يكون حافظاً لها، وإنما المراد أن يكون مشرفا عليها، عارفاً بمواقعها.

وإلا فلكل مقام مقال، ولكل فن رجال، ومن بطأت به همته، لم يسرع به جهله، ولا يرحمه حمقه.

ورحم الله امرأً عرف قدره فوقف عنده.

قال إمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة: لا اعرف عن النبي صلي الله عليه وسلم سنةً لم يودعها الشافعي كتابه.

ومما يجب أن يعرفه زيادة عما عرفه من القرآن.:

أ- الأحاديث المتواترة والأحادية، ومنزلة كل واحد منها، وشرطه، لما يترتب على ذلك مما لا يخفى.

ب- الصحيح والضعيف:

أو المقبول والمردود، فيجب عليه أن يعرف الحديث الصحيح، من الحسن، من الضعيف، ليقدم الأول على الثاني، والثاني على الثالث، ولينـزل كل حديث منزلته، فيعمل بالصحيح، ويتجنب العمل بالضعيف، بالشروط والضوابط المعروفة في مباحث السنة من أصول الفقه، أو في مباحث مصطلح الحديث.

ج- التاريخ والرجال:

فيجب عليه أن يعرف ما تمس الحاجة إليه من علم التاريخ وأحوال الرواة، من العدالة، والجرح، ولقاء الشيوخ، والطلاب، ليتوصل به إلى معرفة الصحيح والضعيف، والمتصل والمنقطع، وغير ذلك من مهمات السند.

د- أسباب الجرح والتعديل:

فيجب أن يعرف أسباب الجرح، وضوابطها، وأنواعها، ومتي يكون الجرح متعبرا، ومتي يقدم على التعديل إن عارضه، وغير ذلك من الضوابط الضرورية لمعرفة الصحة، والضعف، أو القبول والرد.

هـ- كما أنه يجب عليه أن يعرف الشاذ من المحفوظ، والمنكر من المعروف، وعلل الحديث.

قال إمام الحرمين في “الغياثي”في شروط المجتهد: الثالث: معرفة السنن، فهي القاعدة الكبرى، فإن معظم أصول التكاليف متلقي من أقوال الرسول صلي الله عليه وسلم وأفعاله، وفنون أحواله، ومعظم آي الكتاب لا يستقل دون بيان الرسول.

ثم لا يتقرر الاستقلال بالسنة إلا بالتبحر في معرفة الرجال، والعلم بالصحيح من الأخبار والسقيم، وأسباب الجرح والتعديل، وما عليه التعويل في صفات الأثبات من الرواة والثقات، والمسند والمرسل، والتواريخ التي يترتب عليها استبانة الناسخ والمنسوخ(9).ا هـ.

قال الغزالي في “المستصفي”: يجب معرفة الرواية، وتمييز الصحيح منها عن الفاسد، والمقبول عن المردود، فإن ما لاينقله العدل عن العدل فلا حجة فيه.

والتخفيف فيه أن كل حديث يفتي به، مما قبلته الأمة، فلا حاجة به إلى النظر في إسناده.

وإن خالفه بعض العلماء، فينبغي أن يعرف رواته وعدالتهم، فإن كانوا مشهورين عنده، كما يرويه الشافعي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر مثلا، اعتمد عليه، فهؤلاء قد تواتر عند الناس عدالتهم وأحوالهم.

والعدالة إنما تعرف بالخبرة والمشاهدة، أو بتواتر الخبر.

فما نزل عنه فهو تقليد، وذلك بأن يقلد البخاري ومسلماً في أخبار الصحيحين، وأنهما ما رووها إلا عمن عرفوا عدالته، فهذا مجرد تقليد.

وإنما يزول التقليد بأن يعرف أحوال الرواة، بتسامع أحوالهم وسيرهم، ثم ينظر في سيرهم بأنها تقتضي العدالة أم لا، وذلك طويل، وهو في زماننا مع كثرة الوسائط عسير.

والتخفيف فيه أن يكتفي بتعديل الإمام العدل، بعد أن عرفنا أن مذهبه في التعديل مذهب صحيح، فإن المذاهب مختلفة فيما يعدل به ويجرح.

فإن من مات قبلنا بزمان، امتنعت الخبرة والمشاهدة في حقه، ولو شرط أن تتواتر سيرته، فذلك لا يصادف إلا في حق الأئمة المشهورين، فيقلد في معرفة سيرته عدلا فيما يخبره، فيقلده في تعديله، بعد أن عرفنا صحة مذهبه في التعديل.

فإن جوزنا للمفتي الاعتماد على الكتب الصحيحة التي ارتضى الأئمة رواتها، قصر الطريق على المفتي، وإلا طال الأمر، وعسر الخطب في هذا الزمان، مع كثرة الوسائط.

ولا يزال الأمر يزداد شدة بتعاقب الاعصار(10).أهـ .

8- معرفة اللغة العربية:

فيشترط بالمجتهد أن يكون عارفاً بلغة العرب، نحوها، وصرفها، وبلاغتها، شعرها ونثرها.

وذلك لأن ألفاظ الشرع جاءت بلغة العرب، فلا يمكن فهمها إلا بمعرفة قواعد اللغة العربية، من النحو، والصرف، والبلاغة، ومتن اللغة، وفقهها.

فلم يفهم كتاب الله، ولا سنة رسوله من لم يعرف لغة العرب وقواعدها، فمتن اللغة : تعرف به معاني المفردات.

والنحو: يعرف به معني التركيب والجملة، ويقيم اللسان والكلام.

والصرف: تعرف به بنية الكلمة، وما فيها من إعلال وإبدال، وزيادة ونقص، وغير ذلك.

والبلاغة: يعرف بها ما في الكلام من الاستعارات، والتجوزات، والكنايات، وغير ذلك مما هو معروف في أساليب العرب في كلامها.

قال إمام الحرمين: وينبغي أن يكون المفتي عالماً باللغة، فان الشريعة عربية، وإنما يفهَمُ أصولها من الكتاب والسنة من يعرف لغة العرب(11).

وقال في “الغياثي”في صفة المفتي: يجب أن يكون مستقلا باللغة العربية ، فإن شريعة المصطفى صلي الله عليه وسلم متلقاها ومستقاها الكتابُ، والسننُ، وآثار الصحابة ووقائعهم وأقضيتهم في الأحكام، وكلها بأفصح اللغات، وأشرف العبارات، ولا بد من الارتواء من العربية، فهي الذريعة إلى مكارم الشريعة(12).

وأما القدر الذي يجب تحصيله من اللغة، فهو كما قال ابن السبكي في “جمع الجوامع “(13): ذو الدرجة الوسطى بلاغة وعربية.

قال إمام الحرمين: ولا يشترط التعمق والتبحر فيها حتى يصير الرجل علامة العرب،ولا يقع الاكتفاء بالاستطراف وتحصيل المبادئ والأطراف، بل القول الضابط في ذلك: أن يحصل من اللغة العربية ما يترقى عن رتبة المقلدين في معرفة معني الكتاب والسنة، وهذا يستدعي منصبا ً وسطاً في علم اللغة العربية(14).

وقال الغزالي: ولا يشترط أن يكون متعمقا في اللغة بالغاًالذروة كالخليل، وسيبويه، والمبرد، وغيرهم وإنما يكفيه أن يعرف القدر الذي يفهم به خطاب العرب، وعادتهم في الاستعمال، إلى حد يميز بين صريح الكلام وظاهره ومجمله، وحقيقته ومجازه، وعامه وخاصه، ومحكمه ومتشابهه، ومطلقه ومقيده ، ونصه وفحواه، ولحنه ومفهمومه، بحيث يدرك حقائق المقاصد(15).

وإنما لم نفرض عليه أن يبلغ الذروة العليا في اللغة، لأن مرادنا من علمها معرفة معاني الكلام، وهذا لا يحتاج لأن يكون الإنسان في مرتبة سيبويه، بل يكفيه ما ذكرنا.

وثانيا: لأن لغة العرب ولسانهم لايحيط به عالم في الأرض، كما قال الإمام الشافعي في مقدمة رسالته(16)، ونقله عنه الإمام الأزهري في مقدمة تهذيبه.

قال: ولسان العرب أوسع الألسنة مذهباً، وأكثرها ألفاظاً، ولا نعلمه يحيط بجميع علم إنسان غير نبي، ولكنه لا يذهب منه شيء على عامتها حتى لا يكون موجوداً فيها من يعرفه ا هـ.

وليس المراد بالدرجة الوسطى ما يفهمه بعض الجهلة اليوم، من أنه يكون مجتهداً بمجرد تمكنه من حل الألفاظ، وتقويم النطق، وإنما المراد أن يكون ما يعرفه من علومها قد بلغ المرتبة التي تؤهله للاستقلال بالفهم والاستنباط، كما قدمناه عن الغزالي، وما يفوته منها إنما هو اليسير الذي لا تمكنه الإحاطة به.

ولذلك قال ابن السمعاني في”القواطع “: “والذي يلزم المجتهد أن يكون محيطاً بأكثر كلام العرب، ويرجع فيما غرب عنه إلى غيره “(17).

فمن زعم أنه مجتهد، وهو بهذه اللغة جاهل، فقد زعم بهتاناً، وادعى إفكاً.

ولن يكون الجاهل بلغة العرب عالماً –علاوة عن أن يكون مجتهداً-حتى يلج الجمل في سم الخياط.

9- معرفة مسائل الإجماع:

ويجب على المجتهد أن يكون عارفاً بمسائل الإجماع حتى لا يفتي بخلافها فيكون خارقاً للإجماع، متبعا لغير سبيل المؤمنين.

فلا يفتي إلا بما يوافقه الإجماع إن كانت المسألة مجمعاً عليها.

ولا يلزمه كما قال الغزالي أن يحفظ مواقع الإجماع والخلاف، بل كل مسألة يفتي فيها ـ ينبغي أن يعلم أن فتواه ليست مخالفه للإجماع.

إما بأن يعلم أنه موافق مذهباً من مذاهب العلماء أيهم كان.

أو يعلم أن هذه واقعة متولدة في العصر لم يكن لأهل الإجماع فيها خوض….(18).

10- معرفة مذاهب العلماء في مسائل الخلاف:

ويندرج تحت معرفته بمسائل الإجماع، معرفته بآراء العلماء في مسائل الخلاف.

فيجب عليه أن يعرف مذاهب العلماء المتقدمين، وأقاويل السلف، ليستضئ بنور بصيرتهم ويستفيد من نظرهم وعقلهم.

قال الشافعي – رضي الله عنه: ولا يكون لأحد أن يقيس حتى يكون عالماً بما مضى قبله من السنن، وأقاويل السلف، وإجماع الناس، واختلافهم(19).

قال إمام الحرمين: ويجب معرفة مذاهب العلماء المتقدمين الماضين في العصور الخالية.

ووجه اشتراط ذلك أن المفتي لو لم يكن محيطا بمذاهب المتقدمين، فربما يهجم فيما يجرئه على خرق الإجماع، والانسلال عن ربقة الوفاق(20).

11- معرفة أصول الفقه:

ومما يجب أن يعرفه المجتهد، بل من أهم ما يجب معرفته، والتمرس به، هو أصول الفقه.

لأنه أساس الاجتهاد وركنه، وشرط الاستنباط ودعامته، ولولاه لما تمكن العلماء من نصب الأدلة على مدلولاتها، ولما تمكنوا من استنباط الأحكام منها.

فبه يعرف العام والخاص، والمطلق والمقيد، والظاهر والمؤول، والمجمل والمبين، والنص والظاهر، والناسخ و المنسوخ، ودلول الأمر، والمراد من النهي، وحقيقة الخبر، والمقبول منه والمردود، وضابط الصحيح والضعيف، وضابط الإجماع وحكمه، وما يجب تقديمه عند التعارض من النصوص والأقيسة.

وبه يعرف القياس الذي هو لباب الأصول وغايته، ومعيار الاجتهاد وضابطه.

فيجب عليه أن يوليه عناية خاصة حتى يمهر به ويتقنه، ولاسيما فيما يتعلق بمباحث العلة، وشرائطها، ومسالكها، وقوادحها، لتسلم علته عن الإبطال وقياسه عن الخلل.

12- العلم بالدليل العقلي:

قد شرط الإمام الرازي(21) تبعا للإمام الغزالي(22) أن يكون المجتهد عالماً بالدليل العقلي، كاستصحاب الحال، والبراءَة الأصلية، فلا ينتقل عنها إلا بالدليل الناقل.

قال الغزالي في ” المستصفى”: وأما العقل فنعني به مستند النفي الأصلي للأحكام

فإن العقل قد دلّ على نفي الحرج في الأقوال والأفعال، وعلى نفي الأحكام عنها من صور لا نهاية لها.

أما ما استثنته الأدلة السمعية من الكتاب والسنة، فالمستثناة محصورة، وإن كانت كثيرة.

فينبغي أن يرجع في كل واقعه إلى النفي الأصلي، والبراءة الأصلية، ويعلم أن ذلك لا يغير إلا بنص، أو قياس على منصوص، فيأخذ في طلب النصوص.

وفي معنى النصوص والإجماع، وأفعال الرسول، بالاضافة إلى ما يدل عليه العقل، على الشرط الذي فصلناه. ا هـ.

مالا يشترط في المجتهد :

1- لا يشترط في المجتهد أن يكون عارفاً بعلم الكلام، لأنه لا علاقة له بالفقه، والقطعيات العقلية والنقلية لا اجتهاد فيها كما قدمنا.

2- ولا يشترط فيه أن يكون عالماً بالفروع الفقهية، لأن الفروع الفقهية ثمرة الاجتهاد وغايته، ولا يمكن أن تكون الثمرة والغاية شرطاً.

3- كما لا تشرط فيه الذكورة، إذ يصح أن تجتهد المرأة إن بلغت الرتبة.

4- ولا تشترط فيه الحرية، فيصح الاجتهاد من الرقيق، إن بلغوا الاجتهاد.

5- كما لاتشترط فيه العدالة على ما ذكرناه، من أنها شرط في قبول قول المجتهد وفتواه، وليست شرطاً في صحة اجتهاده، فيصح اجتهاده، ولا يقبل منه، لعدم الوثوق به.

قال ابن السمعاني – رحمه الله -: فصار شرط المفتي أغلظ من شرط الاجتهاد، بالعدالة، لما تضمنه من القبول.

وشرط الحاكم أغلظ من شرط المفتي بالحرية، والذكورية، لما تضمنه من الإلزام(23).

أمور مهمة ينبغي مراعاتها في الاجتهاد:

وأما الأمور العامة التي ينبغي أن تتوفر في المجتهد ليركن إلى قوله، ويطمئن القلب إلى فتواه، لا لبلوغ درجة الاجتهاد، فهي كما قال الإمام النووي رحمه الله.

ينبغي أن يكون المفتي ظاهر الورع، مشهوراً بالديانة الظاهرة، والصيانة الباهرة.

وكان مالك رحمه الله يعمل بما لا يلزمه الناس، ويقول: لا يكون عالماً حتى يعمل في خاصة نفسه بما لا يلزمه الناس، مما لو تركه لم يأثم، وكان يحكي نحوه عن شيخه ربيعه(24).

فال الماوردي في “الحاوي”: إن المفتي إذا نابذ في فتواه شخصاً معيناً، صار خصماً حكماً، فترد فتواه على من عاداه، كما ترد شهادته عليه(25).

قال النووي: واتفقوا على أن الفا سق لا تصح فتواه، ونقل الخطيب الإجماع عليه(26).

كلام الشافعي في المجتهد:

وفي الختام، يجب أن نزين هذا البحث بما ذكره الإمام الشافعي في ” الرسالة” و “إبطال الاستحسان” من “إلام ” في شروط الاجتهاد، لما فيه من الدرر الغالية والحكم البالغة.

قال في “الرسالة”(27):

ولا يقيس إلا من جمع الآلة التي بها القياس، وهي العلم بأحكام كتاب الله: فرضه، ونفله، وأدبه، وناسخه، ومنسوخه، وعامه، وخاصه، وإرشاده، ويستدل على ما احتمل التأويل منه بسنن رسول الله، فإذا لم يجد سنة فبإجماع المسلمين، فإن لم يكن إجماع فبالقياس. ، ولا يكون لأحد أن يقيس حتى يكون عالماً بما مضى قبله من السنن، وأقاويل السلف، وإجماع الناس، واختلافهم، ولسان العرب، ولا يكون له أن يقيس حتى يكون صحيح العقل، وحثي يفرق بين المشتبه، ولا يعجل بالقول به، دون التثبيت، ولا يمتنع من الاستماع ممن خالفه، لأنه قد يتنبه بالاستماع لترك الغفلة، ويزداد به تثبيتا فيما اعتقد الصواب، وعليه في ذلك بلوغ غاية جهده، والانصاف من نفسه، حتى يعرف من أين قال ما يقول، وترك ما يترك، ولا يكون بما قال أعنى منه بما خالفه، حتى يعرف فضل ما يصير إليه، على ما يترك إن شاء الله.

فأما من تم عقله، ولم يكن عالماً بما وصفنا، فلا يحل له أن يقول بقياس، وذلك أنه لا يعرف ما يقيس عليه، كما لا يحل لفقيه أن يقول في ثمن درهم ولا خبرة له بسوقه.

ومن كان عالماً بما وصفنا بالحفظ، لا بحقيقة المعرفة –فليس له أن يقول أيضاً ً بقياس لأنه قد يذهب عليه عقل المعاني.

وكذلك لو كان حافظاً مقصِّر العقل، أو مقصراً عن علم لسان العرب، لم يكن له أن يقيس من قِبلَ نقص عقله عن الآلة التي يجوز بها القياس.

ولا نقول يسع هذا – والله أعلم – أن يقول أبدا إلا اتباعاً، لا قياساً.

وقال رضي الله عنه – في كتاب “إبطال الاستحسان ” من ” الأم”(28):

ولا ينبغي للمفتي أن يفتي أحداً – إلا متى يجمع أن يكون عالماً علم الكتاب، وعلم ناسخه ومنسوخه، وخاصه وعامه، وأدبه.

وعالماً بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقاويل أهل العلم قديماً وحديثاً،وعالما بلسان العرب،عاقلاً، يميز بين المشتبه، ويعقل القياس. ، فإن عدم واحداً من هذه الخصال، لم يحل له أن يقول قياساً.

وكذلك لو كان عالماً بالأصول، غير عاقل للقياس الذي هو الفرع – لم يجز أن يقال لرجل: قِسْ، وهو لا يعقل القياس.

وإن كان عاقلا للقياس، وهو مضيع لعلم الأصول أو شيء منها، لم يجز أن يقال له: قِسْ على ما لا تعلم ا هـ.

تجزئة الاجتهاد:

والمراد به أن يتمكن من الاجتهاد في بعض أبواب العلم.

وذلك بأن يحصل لبعض العلماء قوة الاجتهاد في بعض أبواب العلم، بأن يعرف أدلتها، ويتمكن من النظر فيها وتقريرها، دون أدلة غيرها، وعلى الشروط التي ذكرناها، مما له علاقة بهذه المسألة.

فهل يجوز لهذا العالم أن يجتهد في الباب الذي تمكن من أدلته، وإن كان لا يتمكن من الاجتهاد في غيره؟

أم أنه لا بد له ليصح اجتهاده في باب من الأبواب أن يكون قادراً على الاجتهاد المطلق في جميع أبواب العلم؟

ذهب أكثر الأصوليين – وهو الصحيح المختار(29)- إلى أنه يجوز له أن يجتهد في هذا الباب الذين عرف أدلته، وأتقنها، وتمكن من النظر فيها، كما لو أتقن الإنسان أبواب الفرائض، أو النكاح، أو الحج مثلا، وأما من أتقن مسألة واحدة، وليس باباً كاملا ً من العلم، فهذا لا يجوز له الاجتهاد فيها، على ما قاله الزركشي، وجعله خارجاً عن محل النزاع.

والظاهر أنهم منعوه في المسالة الواحدة، لأن مسائل الباب الواحد مترابطة بعضها ببعض، ولا يكون بإمكان المرء أن يقرر مسألة واحدة عن نظائرها وأشباهها في ذلك الباب والله أعلم.

(1) هذا تصريف ابن الحاجب ، وهو قريب من تصريف الغزالي ، وبه عرف ابن السبكي الاجتهاد ، بعد حذف (( شرعي )) لأن الحكم يفي عنها في نظره .

(2) المستصغر 2 / 350.

(3) وانظر : رفع الحاجب 2 /ق 375 ب ، جمع الجوامع 2 / 379 ، نهاية السول 4 / 524 نجبت ، الأحكام 4 / 218 ، المحصول 6 / 7 .

(4) ينقل الهامش بكاملة من الأصل ص 18

(5) البرهان 2 / 1332.

(6) انظر مباحث النسخ في كتابنا الوجيز في أصول التشريع ص 339 .

(7) البرهان 2 / 1334.

(8) 2 / 351 .

(9) الغياثي ص 400 .

(10) المستصفى 2 / 352 .

(11) البرهان 2 / 1330.

(12) الغياثي ص 400 .

(13) المحلي على جمع الجوامع 2 / 383 بناني .

(14) الغياثي ص 403 .

(15) السمتصفى 2 / 352 .

(16) الرسالة فقرة / 138 وقد ذكر الشافعي في هذا الموضوع الإحاطة بالسنة كلاماً نفيساً يجدر بالمرء الرجوع إليه .

(17) القواطع ق 275 – ب .

(18) المستصفى 2 / 351 .

(19) الرسالة فقرة 1449 وما بعدها.

(20) الغياثي ص 401 .

(21) المحصول 6 / 34.

(22) المستصفى 2/351 .

(23) القواطع من ق / 275 – أ .

(24) المجموع 1 / 69

(25) المجموع 1 / 69

(26) المجموع 1 / 70

(27) من فقرة 1469 – 1479

(28) الأم 7 / 274

(29) يكتب الهامش الموجود في ص 36 من الكتاب .

وهو اختيار الغزالي في ” المستصفى ” 2 / 353 ، والنووي في ” المجموع ” 1 ، 71 ونسبه لابن دقيق العيد ، كما اختاره الآمدي في ” الإحكام ” 4 / 221 ، وابن السبكي في ” جمع الجوامع ” 2 / 386 بناني ، وابن الهمام في التحرير 4 / 183 تيسير التحرير ، والقرافي في ” شرح تنقيح الفصول ” ص 437 وصاحب فواتح الرحموت 2 / 364 وشارحه .