الصفحة الرئيسية  »  الحديث المرسل   »   أمثلة للأحاديث المرسلة واختلاف الفقهاء فيها

أمثلة للأحاديث المرسلة واختلاف الفقهاء فيها

الحديث المرسل

أ. د. محمد حسن هيتو

أمثلة للأحاديث المرسلة واختلاف الفقهاء فيها

روى أبو داود في المراسيل (ص3) عن أبى العالية قال : ” جاء رجل في بصره ضر ، فدخل المسجد ورسول الله r يصلى بأصحابه فتردى في حفرة كانت بالمسجد ، فضحكت طوائف منهم ، فلما قضى رسول الله r أمر من كان ضحك منهم أن يعيدوا الوضوء ويعيدوا الصلاة “.

وروى الدارقطنى في سننه هذا الحديث من طرق عديدة في أربع وأربعين سنداً ثم قال بعدها : رجعت هذه الأحاديث من طرق ذكرها في هذا الباب إلى أبى العالية الرياحى ، وأبو العالية أرسل هذا الحديث عن النبي r ولم يسلم بينه وبينه رجلا سمعه منه عنه ، وقد روى عاصم الأحول ، عن محمد بن سيرين وكان عالماً بأبى العالية والحسن فقال : لا تأخذوا بمراسيل الحسن ولا أبى العالية ، فإنهما لا يباليان عمن أخذا. اهـ .

وقد روى هذا الحديث مرسلاً عن الحسن ، وإبراهيم النخعى ، والزهرى ، ومعبد الجهنى.

فأخذ به أبو حنيفة على قاعدته في قبول الحديث المرسل وقال إن القهقهة في الصلاة تنقض الوضوء .

واستدل له بالإضافة إلى المرسل السابق بما يروى عن عمران بن الحصين عن النبي r والضحك في الصلاة قرقرة يبطل الصلاة والوضوء ” . وقالوا : عبادة يبطلها الحدث فأبطلها الضحك كالصلاة.

وذهب الشافعي – رضي الله عنه – إلى الضحك قهقهة في الصلاة يبطلها ولا يبطل الوضوء جرياً على قاعدته في عدم الاستدلال بالحديث المرسل .

وتبعه على هذا الجماهير من العلماء .

وبه قال ابن مسعود ، وجابر ، وأبو موسى الأشعرى ، وهو قول جمهور التابعين .

وروى البيهقى عن أبى الزناد قال : أدركت من فقهائنا الذين ينتهى إلى قولهم سعيد من المسيب ، وعروة بن الزبير ، وعبيد الله بن عبد الله بن عقبة ، وسليمان بن يسار ، والقاسم بن محمد ، وأبو بكر بن عبد الحمن ، وخراجة بن زيد بن ثابت ، ومشيخة جلة سواهم يقولون : الضحك في الصلاة ينقضها ولا ينقض الوضوء .

قال البيهقى : وروينا نحوه عن عطاء والشعبى و الزهرى ، وحكاه أصحابنا عن مكحول ، ومالك ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبى ثور ، وداود .

قلت : وهو قول الأوزاعى في إحدى الروايتين عنه .

فإن قالوا مرسل اعتضد بمجيئه من طرق أخرى فيجب قبوله على مذهب الشافعي .

قلنا : أجمع المحدثون على أن كل الطريق التي روى منها هذا المرسل ضعيفة ، وقالوا : لم يصح في هذه المسألة حديث ، وقد بين البيهقى وغيره وجوه ضعفها بياناً شافياً ، والشافعي يقبل المرسل المعتضد إذا كان صحيحا وورد من طرق أخرى صحيحة كقياس ، وغيره مما ذكرناه آنفاً ، وهو مع ذلك حجة ضعيفة ، وما نحن فيه ليس من هذا القبيل ، فهو :

أولاً : في نفسه غير صحيح ، والطرق الأخرى التي ورد منها غير صحيحة .

ثانيا ً: قد خالف ما روى عن جابر مرفوعاً وموقوفاً أن النبي r قال : ” الضحك في الصلاة ينقص الصلاة ولا ينقص الوضوء ” فهو وإن كان رفعه ضعيفاً ، وأن الصحيح فيه أنه موقوف على جابر ، إلا أنه صحيح إلى جابر ، ولا يضر كونه موقوفاً عليه ، لأنه لا يقال من قبل الرأى ، فله حكم المرفوع ، فقد ذكره البخارى في صحيحه تعليقاً عن جابر موقوفاً عليه ، والدارقطنى في عشرين أثراً بين مرفوع وموقوف .

فالمرسل عند الشافعي ليس حجة بذاته ، فإذا خالف خبراً آخر ، أو قول جمهور العلماء ، فلا يمكن التمسك به حينئذ أبداً ، وقد نص الشافعي على ذلك في الرسالة .

وأما قياسهم الذي ذكروه فلا يصح ، قال النووى : لأن الأحداث لا تثبت قياساً ، لأنها غير معقولة العلة . اهـ . أى فلا بد لإثباتها من خير صحيح .

وقد اعترف الأحناف أن القياس الحق مع قول الشافعي فقال في شرح الهداية (1/24) فتح القدير : ـ القياس أنها لا تنقض ، وهو قول الشافعي . وبهذا يتبين لدينا أن هذا المرسل أيضاً يخالف القياس الصحيح ـ فلا يمكن للشافعي أن يأخذ به ـ بالإضافة للأسباب السابقة .

وقال في شأن حديث القهقهة فقرة 1299 : أخبرنا الثقة ، عن ابن أبى ذئب ، عن ابن شهاب : أن رسول الله أمر رجلاً ضحك في الصلاة أن يعيد الوضوء والصلاة .

فلم نقبل هذا لأنه مرسل .

ثم أخبرنا الثقة عن معمر ، عن ابن شهاب ، عن سليمان بن أرقم عن الحسن عن النبي : بهذا الحديث .

وابن شهاب عندنا إمام في الحديث والتخيير وثقة الرجال ، إنما يسمى بعض أصحاب النبي ، ثم خيار التابعين ، ولا نعلم محدثاً يسمى أفضل ولا أشهر ممن يحدث عنه ابن شهاب .

قال : فأنى تراه أتى في قبول عن سليمان بن أرقم ؟

رآه رجلاً من أهل المروءة والعقل ، فقبل عنه ، وأحسن الظن به ،فسكت عن اسمه ، إما لأنه أصغر منه ، وإما لغير ذلك معمر عن حديثه عنه فأسنده له . اهـ .

وبهذا يتبين علة عدم قبول الشافعي لحدث القهقهة ببيان ضعف طرقها .

قال الشافعي : فلما أمكن في ابن شهاب أن يكون يروى عن سليمان ، مع ما وصفت به ابن شهاب ـ لم يؤمن مثل هذا على غيره . وبهذا يتبين سبب عدم قبول الشافعي للمرسل مطلقاً.

* * *

2ـ عن مكحول ـ رضي الله عنه ـ ، أ، النبي r قال : ” لاربا بين مسلم وحربى في دار الحرب ” .

فهذا الحديث مرسل من قبل مكحول .

فمن يحتج بالمرسل ـ كأبى حنيفة ـ يقبله ، فيقول لا ربا بين الحربيين والمسلمين إن كانوا في دار الحرب .

وأما من رده كالشافعي فلم يقله ، ولذلك لا يجوز عندنا الربا بين الحربيين والمسلمين سواء أكانوا في دار الحرب أم في دار الإسلام ، والعبرة عندنا بالعاقد لا بالذيار ، خلافاً لأبى حنيفة .

وتابع الشافعي على ذلك مالك ، وأحمد ، وأبو يوسف ، ومحمد بن الحسن ، علماً بأن مالكاً من القائلين بحجية المرسل ، وذلك لأن إسناده لم يصح إلى مكحول . والله أعلم .

وهناك أدلة أخرى لكلا الفريقين لا داعى لذكرها لأننا في مقام التمثيل للمرسل واثره لا في مقام الترجيح .

* * *

3ـ روى أبو داود ، والترمذى ، والنسائى ، وابن ماجه ، عن الحسن ، عن سمرة ـ رضي الله عنه ـ ، أ، النبي r : ” نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة ” .

فاختلف الناس في سماع الحسن من سمرة ، والجمهور على أنه لم يسمع منه إلا حديث العقيقة ، وقيل صح سماعه منه لغيره .

قال البيهقى : أكثر الحفاظ لا يثبتون سماع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة . اهـ . وقد تقدم القوم في سماع قبل قليل فليرجع عليه.

وعلى القول الراجع ، وهو عدم سماعه ، فالحديث مرسل .

فمن يحتج بالمرسل ذهب إلى عدم الجواز كمالك وأبى حنيفة ـ رضي الله عنهما ـ احتجاجاً بهذا الحديث المرسل .

واستدلوا أيضاً بما روى عن ابن عباس قال : ” نهى رسول r عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة “.

وذهب الإمام الشافعي ـ رضي الله عنه ـ بناء على قاعدته في رد المرسل ـ إلى جواز بيع كل ماليس مطعوماً ولا فضة ، بعضة ببعض متفاضلاً مؤجلاً .

وأجاب عن رواية ابن عباس بأنها مرسلة أيضاً عن عكرمة عن النبي r ، وأنها ضعيفة.

وقال النووى في لمجموع (9/459) : اتفق الحفاظ على ضعفه ، وأن الصحيح أنه مرسل عن عكرمة عن النبي r ، وممن قال ذلك البخارى ، وابن خزيمة ، والبيهقى ، وغيرهم ، قال ابن خزيمة : الصحيح عند أهل العلم بالحديث أنه مرسل . اهـ .

فإن قيل : فهذان مرسلان تظاهرا فليعمل بهما على قاعدة الشافعي

قلنا : الجواب عنه ما أجبنا به عن حديث القهقهة في الصلاة ، وهو أن الشافعي يعمل بالمرسل إذا اعتضد ولم يخالف الحفاظ فيما يروونه من حديث لأن المرسل على القول به بعد الاعتضاد ـ ضعيف الحجية . فإذا خالف ما يرويه الحفاظ سقط الاحتجاج به ـ على ما شرطه الشافعي في قبوله .

وهنا قد خالف هذا المرسل ما روى عن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ قال : ” أمرنى رسول الله r أ، أجهز جيشاً ، فنفدت الإبل ، فأمرنى أن آخر على قلاص الصدقة ، فكنت آخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة ” .

رواه أبو داود ، وسكت عليه ، فيقتضى أنه عنده حسن ، وإن كان في إسناده نظر، لكن قال البيهقى له شاهد صحيح ، فذكر بإسناده الصحيح عن عبدالله بن عمرو بن العاص ، أن رسول الله r أمره أن يجهز جيشاً ، قال عبدالله : وليس عندنا ظهر ، قال : فأمره النبي r أ، يبتاع ظهراً إلى خروج التصدق ، فابتاع عبدالله البعير بالبعيرين وبالأبعرة إلى خروج التصدق ، أمر رسول الله r وهذه الرواية رواها أيضاً الدارقطنى . بإسناد صحيح ، المجموع ( 9/454) .

وكذلك ما روى عن على كرم الله وجهه : ” أنه باع جملاً إلى أجل بعشرين بعيراً ” كما رواه مالك في الموطأ ، والشافعي في مسنده ، وفى الأم بإسناد صحيح عن حسين بن محمد بن على أن على بن أبى طالب ـ رضي الله عنه ـ باع جملاً له عصيفير بعشرين بعيراً إلى أجل ، قال النووى لكن في سنده انقطاع من طريق حسين بن محمد بن على . فلم يدركه .

وما روى عن ابن عباس من أنه باع بعيراً بأربعة أبعرة .

فهذه الآثار جميعها معارضة لمرسل الحسن عن سمرة ، ولذلك لم يقل به الشافعي ، مسنداً كان أم مرسلاً معتضداً .

* * *

4- روى الدارقطنى في السنن ، في باب ما روى في المضمضة والاستنشاف في غسل الجنابة قال : حديثا عبدالباقى بن قانع ، نا الحسن بن على المعمرى وأحمد بن النضر بن بحر العسكرى وغيرهما ، قالوا : نا بركة بن محمد ، نا يوسف بن أسباط ، عن سفيان الثورى ، عن خالد الحذاء عن أبى هريرة ، أن النبي r جعل المضمضة والاستنشاق للجنب ثلاثاً فريضة . ورواه أيضاً ابن عدى وابن حباب كلاهما عن بركة بن محمد .

قال الدار قطنى : هذا باطل ، ولم يحدث به البركة ، وبركة هذا الآلئ المصنوعة بعد أن ذكره وذكر كلام الدارقطنى : قلت : قال الذهبى في الميزان : هذا باطل ، وقد جاء مرسلاً والله أعلم .

وبناء على هذا فقد قبله الأحناف، وفرضوا المضمضة والاستنشاق في الغسل من الجنابة، بناء على أصلهم في قبول الحديث المرسل والاحتجاج به . علماً بأن الحديث على إرساله ، ضعيف كما علمنا ومعارض بمرسل آخر يخالفه . وذهب الشافعي إلى أنهما سنة ، بناء على أصله في عدم قبول الحديث المرسل إذا صح سنده إلى مرسله ، فما بالك إذا لم يصح ، أو عارضه مرسل آخر صحيح ، وهو ما رواه الدارقطنى ، عن وكيع ، عن سفيان ، عن خالد الحذاء ، عن ابن سيرين قال : سن رسول الله r الاستنشاق في الجنابة ثلاثاً .

قال الدارقطنى : والصواب حديث وكيع الذي ذكرناه قبل هذا مرسلاً عن ابن سيرين أن النبي r سن الاستنشاف في الجنابة ثلاثاً ، وتابع وكيعاً عبيدالله بن موسى وغيره .

5- روى أبو داود والنسائى والترمذى في السنن عن عبد الله بن عكيم ، قال : أتانا كتاب رسول الله r أن لاتنتفعوا من الميتة بإهاب ولاعصب .

قال الترمذى : هذا حديث حسن ، ويروى عن عبد الله بن عكيم عن أشياخ لهم هذا الحديث ، وليس العمل على هذا عند أكثر أهل العلم ، وقد روى هذا الحديث عن عبد الله بن عكيم أنه قال ، أتان كتاب النبي r قبل وفاته بشهرين قال : سمعت أحمد بن الحسن يقول : كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا الحديث لما ذكر فيه قبل وفاته بشهرين ، وكان يقول : كان هذا آخر أمر النبي r ، ثم ترك أحمد ابن حنبل هذا الحديث لما اضطربوا في إسناده حيث روى بعضهم فقال : عن عبد الله بن عكيم ، عن أشياخ لهم من جهينة . أهـ .

قال البيهقى في كتابه معرفة السنن والآثار وآخرون من الأئمة الحفاظ : هذا الحديث مرسل ، وابن عكيم ليس بصحابى .

وقال الخطابى : مذهب عامة العلماء جواز الدباغ ، ووهنوا هذا الحديث لأن ابن عكيم لم يلق النبي r اهـ .

إذن فالحديث مرسل .

فمن احتج بالمرسل احتج به ، كابن حنبل في أشهر الروايتين عنه ، ومالك في رواية عنه، وعبد الله بن المبارك ، وإسحق بن إبراهيم .

قال النووى في المجموع : وعمدتهم هذا الحديث . ورجحوه على غيره من الآثار الصحية التي سنشير إليها لكونه جاء قبل وفاة الرسول r بشهر . اهـ .

وأما من أنكر الاحتجاج بالحديث المرسل فلم يذهب إليه ، بل ذهب إلى خلافه ، وهو طهارة جلود الحيوانات بالدباغ ، ماعدا الكلب والخنزير واحتجوا له بما روى البخارى ، ومسلم والترمذى ، والنسائى ، وأبو داود ، وابن ماجه ، والدارقطنى وغيرهم من أصحاب الحديث بأسانيد متفق على صحتها أن رسول الله r قال في شاة ميمونة : ” هل أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا قالوا : يا رسول الله أنها ميتة ، قال : ” إنما حرم أكلها ” . وإلا هذا ذهب الإمام الشافعي – رضي الله عنه – ، وأبو حنيفة – رضي الله عنه – ولكنه لم يستثن غير الخنزير . وردوا على حديث عبد الله بن عكيم الذي استدل به ابن حنبل وموافقوه بأنه حديث مرسل ، ومضطرب ، لا تقوم به حجة ، ولا يبنى عليه برهان ، لاسيما وقد عارضه ما هو أقوى منه مما هو متفق على صحته .

* * * *

6- روى أحمد ، وأبو داود ، عن خالد بن معدان ، عن بعض أزواج النبي r : ” أن رسول الله r رأى رجلاً يصلى في ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم ، لم يصبها الماء ، فأمره رسول الله r أن يعيد الضوء ” زاد أبو داود والصلاة .

قال ابن القطان ، البيهقى : هو مرسل .

فمن احتج به ، استدل بوجوب الموالاة في الوضوء ، وإلى ذلك ذهب الإمام مالك ، وأحمد ، والليث ، والأوزاعى .

ومن لم يحتج به لم يوجبها ، وهو مذهب الإمام الشافعي في الجديد ، وبهذا قال عمر بن الخطاب ، وابنه ، وسعيد بن المسيب ، وعطاء ، وطاوس ، والحسن ، والنخعى ، وسفيان الثورى ، وأحمد في رواية عنه ، وداود ، وابن المنذر ، واحتجوا بالأثر الصحيح الذي رواه مالك ، عن نافع : ” أن ابن عمر توضأ في السوق ، فغسل وجهه ويديه ومسح برأسه ، ثم دعى إلى جنازة ، فدخل المسجد ، ثم مسح على خفية بعد ما جف وضوءه وصلى ”

قال البيهقى : هذا صحيح عن ابن عمر ، مشهور بهذا اللفظ ، وهذا دليل حين ، فإن ابن عمر فعله بحضرة حاضرى الجنازة ولم ينكر عليه أحد .

* * * *

7- روى ابن ماجه والدارقطنى عن إسماعيل بن عياش ، عن ابن جريج ، عن ابن أبى مليكة ، عن عائشة رضي الله عنها – قالت : قال رسول الله r : ” من أصابه قئ ، أو رعاف ، أو قلس ، أو مذى ، فلينصرف فليتوضأ ، ثم ليبن على صلاته ، وهو في ذلك لا يتكلم ” .

قال ابن تيمية صاحب منتقى الأخبار : قال الحفاظ من أصحاب ابن جريج يروونه عن ابن جريج ، عن أبيه ، عن النبي r مرسلاً . اهـ.

وقد صحح هذه الطريقة المرسلة الذهلى ، والدارقطنى في العلل ، وأبو حاتم ، وقال : رواية إسماعيل خطأ ، أى إسماعيل بن عياش المذكورة هنا والتى جعل فيها الحديث مسنداً ، لأن ابن جريج حجازى ، ورواية ابن عياش عن الحجازيين ضعيفة ، وقد خافه الحفاظ من أصحاب ابن جريج كما أسلفنا فرووه عنه مرسلاً . وقال أحمد الصواب عن ابن جريج عن أبيه عن النبي r ، أى مرسلاً .

وقال البيهقى : الصواب إرساله .

فمن احتج جعل الدم من نواقض الوضوء ، وإلى هذا ذاهب الإمام أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد ، وأحمد بن حنبل ، وإسحق .

ومن لم يحتج به ، لم يجعله ناقضاً للوضوء ، وإلى ذلك ذهب الشافعي ، ومالك ، وابن أبى أوفى ، وأبو هريرة ، وجابر بن زيد ، وابن المسيب ، ومكحول ، وربيعة ، لاسيما وأنه مخالف لما رواه البيهقى والدارقطنى عن أنس قال : ” احتجم رسول الله r فصلى ولم يتوضأ ، ولم يزد على غسل محاجمه “.

وبما رواه أبو داود ، وابن خزيمة ، والبخارى تعليقاً : ” أن عبادة بن بشر أصيب بسهام وهو يصلى ، فاستمر في صلاته “.

إذ يبعد أن لا يطلع النبي r على مثل هذه الواقعة العظيمة ، ولم ينقل أنه أخبره بأن صلاته قد بطلت .

* * * *

8- روى أبو داود، والنسائى عن إبراهيم التيمى ، عن عائشة – رضي الله عنه – : ” أن النبي r ، كان يقبل بعض أزواجه ، ثم يصلى ولا يتوضأ” .

قال أبو داود : هو مرسل . إبراهيم التيمى لم يسمع من عائشة .

وقال النسائى : ليس في هذا الباب أحسن من هذا الحديث وإن كان مرسلاً .

وأرجه أيضاً أحمد والترمذى .

قال الحافظ : روى من عشرة أوجه أوردها البيهقى في الخلافيات وضعفها .

فمن قبل المرسل احتج به ، وإلى ذلك ذهب الإمام أبو حنيفة – رضي الله عنه – ، وهو قول سفيان الثورى وأهل الكوفة .

وذهب مالك ، والشافعي ، والأوزاعى ، وأحمد ، وإسحق ، إلى أن القبلة وضوء ، بناء على ضعف هذا الحديث بسبب الإرسال ، ولأنه معارض بما رواه مالك ، عن ابن شهاب الزهرى ، عن سالم بن عبد الله ، عن عبد الله بن عمر عن عمر بن الخطاب أنه قال : قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة فمن قبل امرأته أو جسها بيده فليتوضأ .

* * * *

9- روى أبو داود ، والطبرانى عن أيوب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : أن رسول الله r عق عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً . ورواه غير واحد عن عكرمة مرسلاً .

قال أبو حاتم : وهو الأصح .

فمن احتج به كالإمام قال : العتيقة شاة عن الذكر والأنثى محتجاً بهذا الحديث وإن كان مرسلاً ، بناء على مذهبه في قبول المرسل .

وذهب الشافعي ، وأحمد ، وأبو ثور ، وداود ، وحكاه في الفتح عن الجمهور : إلى أن العقيقة شاتان عن الذكر ، وشاه عن الأنثى .

واستدلوا بما روى من طرق عديدة صحيحة أن رسول الله r قال : ” عن الغلام شاتان مكافأتان ، وعن الجارية شاة ”

* * * *

10- روى سعيد في سننه عن أبى النعمان الأزدى قال : ” زوج رسو الله r امرأة على سورة من القرآن ، ثم قال : لا يكون لأحد بعدك مهراً ” .

وهذا الحديث مرسل .

فمن رأى الاحتجاج به ، كالطحاوى من الأحناف ، والأبهرى ، وغيرهما ، ذهبوا إلى أن جواز كون المنفعة صداقاً مختص بذلك الرجل الذي زوجه رسول الله r ، لقوله في الحديث ، لايكون لأحد بعدك مهراً .

وذهب الشافعي وغيره إلى جواز كون المنفعة صداقاً ولو كانت قرآناً لأى رجل بدون استثناء ، واستدلوا على ذلك بما رواه البخارى ومسلم وغيرهما عن سهل بن سعيد : ” أن النبي r جاءته امرأة فقالت : أنى قد وهبت نفسى لك ، فقامت قياماً طويلاً ، فقام رجل فقال : يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة ، فقال رسول الله r : هل عندك من شئ تصدقها إياه ؟ فقال : ما عندى غلا إزارى هذا ، فقال النبي r : إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك فالتمس شيئاً ، فقال : ما أجد شيئاً ، فقال : التمس ولو خاتماً من حديد ، فالتمس فلم يجد شيئاً ، فقال له النبي r : هل معك من القرآن شئ ؟ قال نعم سورة كذا بسورْ يسميها ، فقال له النبي r : قد زوجتكها بما معك من القرآن “.

11- روى الترمذى ، وأبو داود في مراسيله عن الزهرى : ” أن النبي r أسهم لقوم من اليهود قاتلو معه ” .

وروى الترمذى عن الأوزاعى قال : أسهم النبي r للصبيان “بخيبر” .

وروى الترمذى . عن الأوزاعى قال : أسهم النبي r للنساء ” بخيبر” .

وهذه الأحاديث الثلاثة مرسلة .

فمن احتج بالحديث المرسل قال لأهل الذمة وإلى هذا ذهب الزهرى وطائفة من أهل العلم كما قال الترمذى في سننه .

وكذلك ذهب الأوزاعى ، وطائفة من أهل العلم إلى أنه يسهم للنساء والصبيان وأهل الذمة ، بناء على ردهم للحديث المرسل .

قال المباركفورى شارح الترمذى في التعليق على هذه المراسيل : هذا مرسل والمرسل لا تقوم به حجة على القول الراجح .

* * * *

هذا ، وأمثلة الحديث المرسل كثيرة لا يخلو منها باب من أبواب الفقه الإسلامى ، ولو ذهبت استقصيها أو أحاول حصرها وعدها لضاق على القرطاء ، وإن نظرة سريعة لمدارك الأحكام في كتب الفقه المقارن والمذهبى لكفيله بأن تعطى لناظر مدى الأثر الذي خلفه الحديث المرسل في فقهنا الإسلامى . ولكنى اكتفيت بهذا القليل لما فيه من غنية عن الكثير ، ولأنى حاولت فقط ضرب الأمثلة ليتضح أثر المرسل ، ولا يظنن ظان أن أدلة القابلين للحديث المرسل على المسألة الفقهية التي ذهبوا إليها – هو هذا الحديث المرسل فقط ، بل لهم بالإضافة إليه أدلة أخرى مذكورة في كتبهم وكتب الأحكام لم أتعرض لها لأنى لست في مقام الترجيح والمقارنة كذا قلت بل في مقام التمثيل للحديث المرسل فقط .

أمثلة المرسل المعتضد الذي يقبله الشافعي :

1- روى عن سعيد بن المسيب – رضي الله عنه – ، أن النبي r قال ” لا يباع حى بميت ” .

قال السبكي في تكملة المجموع (11/135) : حديث سعيد بن المسيب رواه أبو داود من طريق الزهرى عن سعيد .

ورواه مالك في الموطأ ، والشافعي عنه في المختصر والأم ، وأو داود أيضاً من طريق زيد بن أسلم عن سعيد ، أن رسول الله r نهى عن بيع اللحم بالحيوان .

قال : وكلا الحديثين ، أعنى رواية الزهرى ، وزيد بن أسلم مرسل ، ولم يسنده واحد عن سعيد .

قال : وقد روى من طرق أخرى .

منه عن الحسن عن سمرة أن النبي r : ” نهى عن أن تباع الشاة باللحم ” ورواه الحاكم في المستدرك وقال : رواته عن آخرهم أئمة حفاظ ثقات ، وقد احتج البخارى بالحسن عن سمرة.

ورواه البيهقى في سننه الكبير وقال : هذا إسناد صحيح ، ومن أثبت سماع الحسن عن سمرة عده موصولاً ، ومن لم يثبته فهو مرسل جيد انضم إلى مرسل سعيد . اهـ .

وروى الشافعي في الأم في باب بيع الآجال عن مسلم ، وهو ابن خالد عن ابن جريج ، عن القاسم بن أبى بزة قال : قدمت المدينة جزوراً قد جزرت ، فجزئت أجزاء ، كل جزء منها بعناق ، فأردت أن أبتاع منها جزءاً ، فقال لى رجل من أهل المدينة : إن رسول الله r نهى أن يباع حى بميت ، فسألت عن ذلك الرجل ، فأخبرت عنه خيراً ، السائل عن الرجل القاسم بن أبى بزة فيما أظن . اهـ .

وروى عن ابن عباس – رضي الله عنه – أن جزوراً نحرت على عهد أبى بكر الصديق – رضي الله عنه – ، فجاء رجل بعناق ، فقال : أعطونى بهذا لحماً فقال أبو بكر : لا يصلح هذا.

فأخذ الشافعي بحكم هذا المرسل وهو حرمة بيع الحيوان المأكول بجنيه كالبقر بلحم البقر، والغنم بلحم الغنم وذلك لأنه :

أولاً : أن هذا المرسل صحيح عن سعيد بن المسيب .

ثانياً : لأنه اعتضد بما ذكرناه من الشواهد ، لا سيما شاهد الحسن عن سمرة ، فهو إما مسند ، وإما مرسل ، وهو على كلا الحالين عاضد جيد .

ثالثاً : لأن هذا القول وهو التحريم قول عامة أهل العلم فإنه قال به أبو بكر الصديق – رضي الله عنه – ، وأربعة من الفقهاء السبعة ، والأوزاعى ، والليث بن سعد ، وأحمد ، ونقله الرويانى عن الثلاثة الباقين من الفقهاء السبعة وهم ، سليمان بن بشار ، وخارجة ، وعبيد الله بن عبد الله ، وكذلك نقله العبدرى عن الفقهاء السبعة .

وأما قول ابى بكر فقد أشار الشافعة إى وجه الاحتجاج به في المختصر بقوله : ولا نعلم أن أحدا من أصحاب رسول الله r خالف في ذلك أبا بكر .

قال الشيخ أبو حامد : والظاهر إذا نحرت جزور وحضرها إمام الوقت أن يكون هناك أناس كثيرون ، وقد قال هذا ولم ينر ليه أحد .

فهذا الذي ذكرناه من قول كافة أهل العلم ، وما يشبه الإجماع السكوتى عاضد ثان لمرسل سعيد ولذلك أخذ به الإمام الشافعي – رضي الله عنه – ، لأنه استوفى الشرط الذي شرطه في المرسل .

ومع ذلك ، ومع أن مذهب أبى حنيفة الاحتجاج بالمرسل ، فقد أعرض عن هذا الحديث وذهب إلى الحل ، وذهب معه إلى ذلك أبو يوسف مطلقاً ، ومحمد بن الحسن إذا كان اللحم أكثر من اللحم الذي في الحيوان ، فيكون فاضل اللحم في مقابلة الجلد والعظم .

وهذا من مناقضات الأحناف – رضي الله عنهم – .

2- روى مسلم في صحيحه عن ابى الزبير أنه سمع جاب بن عبد الله – رضي اله عنه – يسأل عن المهل فقال : سمعت : ” أحسبه رفع إلى النبي r فقال : ” ومهل أهل العراق من ذات عرق ” والحديث أخرجه ابن أبى شيبة وابن راوية والموصلى في مسانيدهم .

قال النووى في الجموع (7/191) ، فهذا إسناده صحيح ، لكنه لم يجزم برفعه إلى النبي r ، فلا يثبت رفعه بمجرد هذا .

وقال في شرح مسلم (8/89) : هذا صريح في كونه ميقات أهل العراق ، وليس رفع الحديث ثابتاً .

ورواه ابن ماجه من رواية إبراهيم بن يزيد بإسناده عن جابر مرفوعاً بغير شك قال : خطبنا رسول الله r فقال ” مُهَلُّ أهل المدينة من ذى الحليفة ومهل قُرْنٍ ن ومهل أهل المشرق من ذات عرق ” انظر السنن رقم 2915 وفيه إبراهيم بن يزيد ، وهو ضعيف ، قال فيه أحمد وغيره متروك احاديث ، وقيل منكر الحديث ، وقيل ضعيف .

ورواه الإمام أحمد في مسنده عن جابر عن النبي r بغير شك أيضاً لكن من رواية الحجاج بن أرطأة وهو ضعيف . انظر ترتيب المسند (11/108) .

وروى أبى داود ، والنسائى ، والدارقطنى عن أفلح بن حميد عن القاسم عن عائشة أن النبي r وقت لأهل العراق ذات عرق .

لكن نقل ابن عدى في الكامل أن أحمد بن حنبل كان ينكر على أفلح بن حميد هذا الحديث ، وانفراده به .

قال ابن حجر في التلخيص : تفرد به المعافى بن عمران عن أفلح عنه ، والمعافى ثقة.

وروى أبو داود والتمرذى عن ابن عبس أنه قال : وقف رسول الله r لأهل المشرق العقيق ” قال الترمذى حديث حسن .

قال النووى في المجموع (7/191) : وليس كما قال فإنه من رواية يزيد بن زيد وهو ضعيف باتفاق المحدثين .

وروى عن عطاء عن النبي r : ” أنه وقت لأهل المشرق ذات عرق” رواه الشافعي في الأم (2/113) والبيهقى في السنن بإسناد حسن .

وعطاء هذا تابعى من كبار التابعين ، والصحيح من روايته أنها مرسلة كما قاله البيهقى .

والأحاديث التي رويت في توقيت ذات عرق لأهل العراق ، لم يخل طريق من طرقها من مقال . قال ابن حجر في الفتح (2/133) : ” قال ابن خزيمة : رويت في ذات عرق أخبار لا يثبت شئ منها عند أهل الحديث ، وقال ابن رويت في ذات عرق أخبار لا يثبت شئ منها عند أهل الحديث ، وقال ابن المنذر : لم نجد في ذات عرق حديثاً ثابتاً لكن بمجموع الطرق يقوى ” .

فلم يبق أمامنا إلا المرسل الذي روى عن عطاء ، بسند صحيح إليه . فهل يعمل به على قاعدة الإمام الشافعي في العمل بالمرسل إذا اعتضد؟

قال النووى في المجموع (7/192) : ” وعطاء من كبار التابعين ، وقد قدمنا في مقدمة هذا الشرح أن مذهب الشافعي الاحتجاج بمرسل كبار التابعين إذا اعتضد بأحد أربعة أمور ، منها : أن يقول به بعض الصحابة ، أو أكثر العلماء ، وهذا قد اتفق على العمل به الصحابة ومن بعدهم ” .

هذا ، والمسألة في كون ذات عرق ميقاتاً ، مختلف فيها على أنه اجتهادية أم منصوصة ، وليس هذا مكان البحث فيها وإنما نريد ضرب المثال فقط للمرسل الذي يعمل به الشافعي .

* * * *

ذكر مناقضات وقع للقائلين بحجية الحديث المرسل :

قال الإمام ابن حزم في الأحكام (2/136) بعد أن ذكر أن المرسل لا تقوم به حجة : والمخالفون لنا في قبول المرسل هم أصحاب أبى حنيفة ، وأصحاب مالك ، وهم أترك خلق الله للمرسل إذا خالف مذهب صاحبهم ورأيه .

وقد ترك مالك حديث أبى العالية في الوضوء من الضحك في الصلاة ولم يعيبوه إلا بالإرسال ، وأبو العالية قد أدرك الصحابة – رضي الله عنهم – وقد رواه أيضاً الحسن وإبراهيم النخعى ، والزهرى مرسلاً .

قلت : ورواه أبو حنيفة عن معبد الجهنى .

قال ابن حزم : وتركوا حديث مالك عن هشام بن عروة عن أبيه النبي r صلى في مرضه الذي مات فيه الناس جالساً والناس قيام.

وترك مالك وأصحابه الحديث المروى عن طريق الليث عن عقيل بن خلد عن الزهرى عن سعيد بن المسيب ، والقاسم ، وسالم ، وأبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف : أن النبي r فرض الزكاة الفطر مدين من بر على كل إنسان مكان صاع من شعير ، وذكر سعيد بن المسيب أن ذلك كان من عمل الناس أيام أبى بكر وعمر.

وذكر غيره أن حكم عثمان أيضاً ، وابن عباس .

وذكر ابن عمر أنه عمل الناس .

فهؤلاء فقهاء المدينة ، رووا الحديث مرسلاً ، وأنه صحبه العمل عندهم فرك ذلك أصحاب مالك .

فأين أتباعهم المرسل وتصحيحهم إياه ؟

وأين أتباعهم رواية أهل المدينة ، وعمل الأئمة بها ؟

وترك الحنفيون حديث سعيد بن المسيب عن النبي r في أن لا يباع الحيوان باللحم ، وهو أيضاً فعل أبى بكر الصديق رضوان الله عليه .

ومثل هذا كثير جداً .

ولو تتبعنا ما تركت كلتا الطائفتين لبلغت أزيد من ألفى حديث بلا شك ، وسنجمع من ذلك ما تيسر إن شاء الله تعالى في كتاب مفرد لذلك إن أعان الله عالى بقوة من عنده ، وأمد بفسحة في العمر .

فإنما أوقعهم في لأخذ بالمرسل ،ثم تركوه في غير تلك المسائل ، وإنما غرض القوم نصرة المسألة الحاضرة بما أمكن من باطل أو حق ، ولا يبالون بأن يهدموا بذلك ألف مسألة لهم ، ثم لا يبالون بعد ذلك بإبطال ما صححوه في هذه المسألة إذا أخذوا في الكلام في أخره . اهـ .

قال الشافعي – رضي الله عنه – في الرسالة (الفقرة 1308) بعد أن أفحم الخصم بحجية المرسل : وقلت له : أنت تسأل عن الحجة في رد المرسل وترده ثم تجاوز فترد المسند الذي يلزمك عندنا الأخذ به !”

ومن مناقضا الحنابلة الذين يقولون بحجية المرسل في أشهر أقوالهم – ما ذكره ابن قدامه المقدسى في المغنى (4/37) في الكلام على حرمة الربا مطلقاً سواء أكان في دار الحرب أم الإسلام ، وساء كان بين المسمين أو المسلمين والكفار فقال : ” ويحرم الربا في دار الحرب كتحريمه دار الإسلام ” وبه قال مالك ، والأوزاعى ، وأبو يوسف ، والشافعي ، وإسحاق ، وقال أب حنيفة : لا يجر الربا بين مسلم وحربى في دار الحرب ، وعنه في مسلمين أسلما في دار الحرب لا ربا بينهما ، لما روى مكحول عن النبي r أنه قال ” لا ربا بين المسلمين وأهل الحرب في دار الحرب” .

ثم علق على هذا الخبر بقوله : ” وخبرهم مرسل لا نعرف صحته ” اهـ .

وقال في مكان آخر : ” ولا يجوز ترك ما ورد بتحريمه القرآن وتظاهرت به السنة ، وانعقد على تحريمه الإجماع – بخبر مجهول ، لم يرد في صحيح ، ولا مسند ولا كتاب موثوق به وهو مع ذلك مرسل ” .

فهذه جملة من مناقضات الحنفية ، والمالكية ، والحنابلة القائلين بحجية المرسل ، وهناك منها المئين كما قال ابن حزم وأن كل من أنصف لابد وأنه يعرف أن الحق عليهم لالهم ، والله الهادى إلى سواء السبيل والحمد لله رب العالمين .

——————————————————————————–

1) مخطوط

1) هكذا في الأصل بإثبات حرف العلة مع الجازم

1) قلت : إن كان المسند صحيحاً فهما دليلان كما قال النووى ، وإلا فالمجموع من المرسل والعاضد حجة . كما قال في جمع الجوامع . وهذا هو الجواب والله أعلم . أشار إليه شيخ الإسلام زكريا .