الصفحة الرئيسية  »  العقل والغيب   »   أمثلة لبعض مالا يستوعبه العقل من التعبديات والغيبيات

أمثلة لبعض مالا يستوعبه العقل من التعبديات والغيبيات

العقل والغيب

أ. د. محمد حسن هيتو

ولذلك قال على بن أبى طالب رضى الله عنه : ” لو كان الدين بالرأى ، لكان مسح باطن الخف أولى من ظاهره ” لأن الفَرْضَ فى مسح الخف مسح ظاهرة ، ومع أن الذى يتلوث أثناء السير هو أسفل الخف ، لا أعلاه ، فلو أردنا أن نحكم العقل فى هذه المسألة لحكم بوجوب مسح أسفله لا أعلاه .

ومن نظائر هذا فى الأمور التعبدية :

1- خروج الريح من الدبر ، فإنه ناقض للطهارة ، ويوجب الوضوء فى أعضاء الوضوء الأربعة ، وهى الوجه واليدان ، والرأس ، والرجلان ، ولا يوجب غسل محل خروج الريح ، وهو الدبر ، ولو حكمنا العقل ، لحكم بوجوب غسل محل خروج الريح ، المؤدى إلى الحدث ، لأنه هو المناسب فى حكم العقل للغسل ، وذلك حسب إمكانيات العقل .

2- الحكمة فى مشروعية الوضوء هى النظافة ، واسمه المشتق من الوضاءة يدل عليها ، ومع ذلك نرى الشارع يأمرنا عن عدم الماء بالتيمم ، وهذا ليست فيه نظافة ، بل هو تعفير للوجه واليدين بالتراب ، ولو حكمنا العقل فى هذه أيضاً لنفاها واستبعدها ، وهذا أيضاً دليل على عجزه وقصوره .

ومن هذا أيضاً لو أن الإنسان أراد أن يفكر بعقله فى الخلود الأبدى فى الجنة أو الناء ، مما لا يضبط بملايين السنين ، ولا بالمليارات ، ولا بمليارات المليارات ، حتى ولو كان الحساب بالسنين الضوئية ، فإنه لا نهاية له ، ولذلك فإن كل رقم رياضى حقيقى أو وهمى سوف لا تكون له أية نسبة أمام اللانهاية ، التى سيعيش فيها الإنسان بعد البعث ، الإيمان بمثل هذا والتسليم له .

الجواب على هذا وبكل بساطة : لا

ولا أريد أن أستطرد بسرد الأمثلة من فروع الفقه أو مسائل العقيدة ، فهى كثيرة ، لا حصر لها ، وكلها تعتمد على الإيمان بالغيب ، ويعجز العقل معها عن الحركة والعمل ، ولا يجد بداً من التسليم .

العقل عاجز عن استيعاب ما وراء طاقته من وقائع الحياة :

ولكن سأتكلم على وقائع الحياة المادية التى نشاهدها ، أو نسمع عنها صباح مساء ، وكلها تدر على مدى العجز والقصور عند العقل البشرى فيما إذا كانت الأمور وراء طاقته وقدرته .

فلو أن رجلاً أخبر أجدادنا قبل مئة عام بأن بعد مئة عام سيتوصل الناس إلى ضرب من العلم يستطيعون بواسطته أن يصعدوا إلى القمر ، بل إلى أبعد كواكب المجموعة الشمسية … ، وأنهم فوق هذا سيتمكنون – وهم فى هذا البعد السحيق عن الأرض – سيتمكنون من قراءة الكتاب الذى نحمله بأيدينا ونحن على الأرض ، بل يعرفون ماذا يوجد تحت أرجلنا فى باطنها مما نجهله ونحن عليها ، وأنهم سيتمكنون وهو على الأرض من عد ضربات قلب الإنسان وهو على سطح القمر … لأنكروا هذا فى ذلك الوقت أيما إنكار ، ولسخروا من قائله ، ونسبوه إلى الجنون والهذيان ، لأن العقل كان عاجزا فى تلك الحقبة من الزمن عن إدراك الحقيقة التى صارت بديهية فى حياتنا اليوم .

لكنه رغم هذا التقدم العلمى الهائل فى مجال الكون ، والحياة ، والصناعة ، مما فاق الخيال وسبقه ، رغم هذا نجد أن العقل البشرى اليوم قد أصبح يقر بالعجز عن ادارك حقائق الكون والحياة أكثر من أى يوم مضى ، رغم كشفه لكثير من أسرار الكون والحياة ، ومشاهدته لتغيراتهما وتقلباتهما .

بل هو اليوم معترف بعجزه وقصوره عن الإحاطة بجانب واحد من جوانب الكن والحياة ، بعد أن اطلع على إعجاز القدرة الإلهية فيهما .

بل إنه ليقف اليوم ذاهلاً عاجزاً ، ليس عن إدراك حقائق الكون والحياة ، بل عن إدراك حقائق أصغر الكائنات المجهرية الجرثومة الحية … مما يؤدى بحياة المئات والآلاف دون أن يستطيع الطب أن يقدم لهم شيئاً .

فإذا ما ثبت لدينا أن العقل عاجز عن إدراك الحقائق التى بين جنبيه ، ثبت لدينا من باب أولى وبالبداهة عجزه عن الأمور الغائبة عن عينيه ، ووجب علينا الإيمان بها كما أخبر الشارع عنها .

وإلا أوقع نفسه فيما لا تحمد عقباه ، وسلك طريقاً لن يصل إلى منتهاه .

استبداد العقل أوقع الفلاسفة فى التناقص والكفر :

إذا ثبت لدينا أن العقل قاصر عن إدراك ما وراء طاقاته وإمكانيات ، ثبت لدينا أن خوضه فى هذا لن يصل به إلا إلى الضياع ، وأنه سوف يوقعه فى التناقص .

وذلك كالفلاسفة الذين أخضعوا كل أمر من الأمور – بدون استثناء – لأحكام عقولهم ، معتمدين عليها فى الفهم والإدراك ، ظانين أنها ستبلغهم القصد ، وتلهمهم الرشد ، ولكن الحقيقة أنها قادتهم إلى متاهات ضلوا فيها عن طريق الرشاد،وتنكبوا سبل الهداية والسداد ، ومن ثم وقعوا فى التناقص المزرى بالعقل ، وسلبوا الإيمان .

فقالوا : إن الله يعلم بما مضى من الأقوال والأعمال والأحوال ، ويعلم فى المستقبل الكليات ، ولكنه لا يعلم ما سيصدر عن الإنسان من أقواله وأفعاله الجزئية .. وهى مقولتهم المشهورة بأن الله يعلم الكليات ولا يعلم الجزيئات . وذلك لأن عقولهم لم تتصور إحاطة علم الله بالجزئيات التى ستقع فى المستقبل ، فكفروا بما قالوا ، إذ نسبوا لله الجهل .

وقالوا إن العالم قديم ، وليس بحادث ، لأن عقولهم لم تتصور حدوثه ، كما لم تتصور وجود الله ولا شئ معه فجعلوا لله شريكاً فى القدم ، فكانوا به كافرين .

وقالوا : إن الله يحشر الأرواح يوم القيامة ، دون الأجساد ، لأن عقولهم التى حكموها فى كل شئ ، لم تتمكن من تصور إعادة الجسد بعد الفناء كما كان ، وهم لم يزيدوا بهذا على ترديد ما قاله أمية بن خلف حينما أخذ عظماً بالياً ، فذروه فى الهواء ، وقال لمحمد r أتزعم أن ربك يبعث هذا ؟! ) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ( (يس : 78) وكان الجواب المحكم ، الذى لا يرتاب فيه عاقل مفكر : ) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ( (يس : 79).

إن أبسط قواعد المنطق السليم تقول : إن إعادة تركيب الآلة بعد فكها أسهل من اختراعها وتصميمها ، فمن اخترع الآلة وصممها سهل عليه إعادة فكها وتركيبها ، فالذى خلق الإنسان أول مرة ، على هذا النمط المدهش المعجز ، قادر على إعادة تركيبه وبعثه مرة ثانية ، وهو أهون عليه .

إذن فالقول بعدم إمكان بعث الأجساد وحشرها يوقع قائله فى تناقض مشين إذا كان هذا القائل ممن يؤمن بالله وأنه هو الذى خلق الأجساد أول مرة ، وهو الذى نفترضه ، على ما ذكرناه فى بداية الموضوع ، من أن كلامنا موجه لمن آمن بالله ، لا للكافر به .

الإيمان بوجود الله يستلزم الإيمان بقدمه وصفاته :

والإيمان بوجود الله ، يستلزم الإيمان بوحدانيته ، وقدمه ، وبقائه ، وإن كل ما سواه حادث أحدثه بإرادته وقدرته ، وإنه بكل شئ عليم ، وعلى كل شئ قدير ، وإلا كان التناقض المشين المزرى بالعقل .

وما وصل الفلاسفة وغيرهم إلى ما وصولوا إليه من التناقض والكفر الصريح إلا باعتمادهم الاعتماد الكلى على عقولهم ، وإطلاق عنانها بالخوض فى كل ما عن لها ، مما كان فى طوقها أو خارج عنه ، فقاسوا الغائب على الشاهد ، وتحكموا فى الحكم على الله من خلال القوانين التى حكموا بها على مخلوقاته ، حسبما سولت لهم أنفسهم ، وتصورته عقولهم ، متناسين أن الإيمان بالله يحتم عليهم الإيمان بكلامه الذى وصف فيه نفسه بأنه ) لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ( (الشورى : 11) .

وهذا شئ يقتضيه معنى الألوهية ، إذ لو كان كالحوادث ، لكان متصفاً بصفاتها ، ولكان محتاجاً إلى محدث ، فالإيمان بالله يحتم الإيمان بأنه مخالف للحوادث فى أوصافها .

ولذلك قال أسلافنا رضوان الله عليهم : كل ما خطر ببالك ، فالله بخلاف ذلك .

فمن أكبر العبث أن يجود العقل فيما لا يمكن له أن يتصوره ، ولو تصوره لتصوره تصوراً خاطئاً على غرار ما يتصوره من المحسوسات ، والمفترض أنه بخلافها .

كما أخبر الله تعالى عما أعده لعباده المؤمنين به يوم القيامه ، من النعيم ، مما سمى لهم بعضه باسمه ، مما عرفوا نظيره فى الدنيا ، إلا أنه أخبرهم بأنه إنما يشبه بالاسم ، إلا أنه يخالفه فى الحقيقة ، فقال : ) وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً ( وبين هذا فى الحديث القدسى وقال ” وأعددت لعبادى مالا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ” .

استطلاع رأي زوار موقع المستنير