قيمنا وأخلاقنا الإسلامية ذروة ما تتطلع إليه الإنسانية

العقل والغيب

أ. د. محمد حسن هيتو

فلو عرضنا هذه القيم على كل من فى الأرض لقال : إنها ذروة ما تفكر كل الأمم فى الوصول إليه ، ولن تكون الحضارة الحقيقية إلا به .

إلا أنه الحقد الذميم ، الذى لا يذهب ببهاء الكلام ويظهر اضطرابه ، وتناقضه ، وهوانه فقط ، بل يذهب ببصر المتكلم وبصيرته .

فهو لا يرى من خلال العقل والمنطق ، وإنما يرى من خلال الحقد والهوى ، وبناء على ذلك فإنه يتصور الحقائق معكوسة منكوسة ، كعقله الذى انعكس بهواه.

ومـن يـكُ ذا فـمٍ مُـرٍّ مريـرٍ

يَجِـدْ مُـراً بـهِ المـاءَ الـزّلالا

ومن ثم تضطرب موازينه ، فيرى الحق باطلاً ، والباطل حقاً ، والجميل قبيحاً والقبيح جميلاً ، وما يزال يتعاظم هذا الخلل عنده حتى يصل لدرجة لا يعبر عنها إلا التصوير الرمزى ، أو كما قال الشعر :

يقضى على المرء فى أيام محنته حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن

ومن كان هذا دأبه ، فإنه لا يجدى معه المنطق بحال ، ولا ينفعه الدليل والبرهان ، وإنما يهمل حتى لا تشيع فاحشته ، ويستمر أهل الحقل على الطريق كما قال أبو تمام :

إذا محاسنى الاتى أدل بها كانت ذنوبى ، فقل لى :كيف أعتذر

على نحت القوافى من معادنها وما على لهم أن يفهم البقر

ولا تضير الحق مثل هذه الأباطيل ، كما لا يضير الشمس أن ينكر الأعمى ضياءها ، كما قال المتنبى :

وهبنى قلت : هذا الصبح ليل أيعمى العالمون عن الضياء

وقد قال حكيم المعرة أبو العلاء :

من الناس من لفظه لؤلؤ يبادره اللقط إذ يلفظ

ومنهم من قوله كالحصى يقال فيلغى ولا يحفظ

زعمه أن التخلف ناتج عن الإيمان بالغيب :

وأما شق كلامه الآخر ، وهو الذى نسب فيه تخلف الأمة إلى الإيمان بالغيب ، وربط مشاكل المجتمع ومستقبل الحياة بإرادة الخالق … فهو الذى قدمت له فى بداية هذا الموضوع ، وبينت فيه أن الذى نناقشه إن كان يجحد الخالق فمن أكبر العبث أن أخوض معه فى فكرة ربط مستقل الحياة بإرادة الخالق ، وهو لما يؤمن بالخالق بعد .

هل الكفر بالغيب يرتقى بالأمم ؟

ولكننى تأملت عبارته طويلاً ، ثم تساءلت : ترى إذا جرينا مع من يؤمن بهذا الفكر ، فقلنا إن سبب تخلف الأمة هو الإيمان بالغيب ، ترى لو كفر الناس بالغيب والخالق ، هل يستطيعون بكفرهم أن يخترعوا مركبة فضاء ينزلون بها على القمر … ؟! فوجدت أن الجواب على كل مستويات التفكير ، وبكل بساطة :

لا…

وأنا قبل أن أقرر العكس ، وهو أن الإيمان بالغيب والخالق من أعظم ما يمكن أن يدفع بالمرء إلى ذروة المجد ويفاع الحضارة . لابد أن نبين لأصحاب ذلك الفكر المتهاوى لماذا كان الجواب :

لا .

إن الذى أملى على كل عاقل أن يقول : لن يكون الكفر سبيلاً للرقى والحضارة ، هو الواقع ، فها هى دول أميركا الجنوبية ، لاتؤمن بالغيب الذى نؤمن به، ولم تربط مستقبلها بإرادة الخالق ، ولكنها ما زالت تعيش فى مستويات حضارية أدنى من المستويات التى تعيش بها أمتنا اليوم ،إلى جانب ما فيها من الويلات التى لا سبيل إلى ذكرها وتعدادها الآن .

الوقع يدل على أن الكفر بالغيب لا يرتقى بالأمم :

فها هى الصين الشعبية التى تشكل أكبر قوة بشرية فى العالم ، وثارت عدة ثورات على الغيب ، والألوهية ، والدين ، آخرها الثورة الثقافية أيام ماوتسى تونغ ، إلا أنها رغم هذا لم تستطيع أن تنهض من مكانها ، بل تراجت ولم تتقدم ، مما دعا إلى الثورة على تلك الثورة ، على ما هو معروف لكل عاقل …

ولا أريد أن استطرد بذكر الأمثلة ، فمعظم بقاع العالم ، أو على الأقل نصف بقاع العالم ، لاتؤمن بالغيب الذى نؤمن به ، ولم تربط مستقبلها بيد الخالق إلا أنها ما زالت فى مستويات حضارية دون المستويات الحضارية التى تعيش فيها مجتماعتنا الإسلامية .

ربط التخلف بالإيمان سفسطة ملحدة :

إذن فربط التخلف بالغيب ، والألوهية ، والدين ، إنما هو سفسطة وهزل ، دفع إليهما عاطفة مشبوبة بالحقد على الدين ، لاالحرص على التقدم ومصالح الأمة .

الإيمان بالغيب وواقع أمتنا المعاصر :

على أن الإيمان بالغيب قد ضعف فى أمتنا ، وفشا فى أوساطها مالم يكن ظاهراً على مر تاريخها الطويل ، من الكفر والإلحاد ، والرذائل الاجتماعية والخلقية ، أقلها المخدرات ، وأكثرها ما يبيع الإنسان أمته ووطنه ودينه من أجله .

أما المخدرات فقد أصبحت ظاهرة عامة ، كادت تدخل كل بيت فى بعض مجتمعاتنا الإسلامية ، مما جعل الأمة بأسرها تئن من شدة وطأتها .

وهنا تساءلت ثانية أيهما أولى أن يربط التخلف به فى ذهن أولئك المتباكين على مستقبل الأمة ، ذلك الشاب الذى يتمتع بكافة طاقاته الجسدية والعقلية إذ حرم علية إيمانه بالله والغيب تلك المخدرات … ؟

أم ذلك الشاب الذى فقد كل طاقاته الجسدية والعقلية بالمخدرات ، حتى صار مجنوناً أو كالمجانين ، يترنح بالطرقات ، ويتسلق بسيارته أعمدة الكهرباء ، وجدران المنازل الآمنة ، ليروع الأمة ، ويدمر حضارتها ، ويهدر طاقتها ، بعد أن فاحت منه وحوله روائح النتن ، وانتشرت آثار الفساد .

ربط التخلف بالرذائل أولى من ربطه بالفضائل :

وأيهما أولى أن ينسب التخلف إليه ذلك الشاب المتهتك الماجن ، الذى نسى مروءته ، وكرامته ، بعد أن نسى الفضائل والقيم ، وهام فى طرق الباطل وأوكار الرذيلة ، يفسد عفة المجتمع ، ويهدر قيمه ، ليله عنف وضياع ، ونهاره سخط وصراع ، وحياته كلها جحيم ، أم ذلك الشاب الذى زينه إيمان بالفضائل والتقوى ، وتوجه بالصدق والصفاء ، والعفة والإباء ، وصيره عنوان المكارم ، نهاره جد وعمل وإبداع ، وليله عبارة وتبتل ودعاء ، عرف أن ربه الذى آمن به يراقب عمله وسيحاسبه عليه ، فصرف كل طاقاته من أجل الإخلاص فيه ، وكف نفسه عما حرمه الله عليه ، فاطمأن ذلك قلبه ، وصفت سريرته ، وأمن غوائل الباطل ، دون الحاجة إلى قانون يردعه ، أو رقيب يتحسس عليه .

ولا أريد أن استطرد بذكر الأمثلة والمفارقات ، فلو عرض هذان المثالان على كل عاقل فى الأرض

لقال : إن تخلف الأمة منوط بذلك الصنف من الناس ، الذى عطل عقله ، وأهدر طاقته ، وضيع عمره فى اللهو والغواية ، فكان عالة على الأمة ، ونقمة على المجتمع ، وسبباً لكل ضياع .

وأما ذاك فهو ماتجد كل الأمم المفكرة فى الأرض لتجعل أبناءها فى مواصفاته وأخلاقه ، لأن التقدم عند العقلاء منوط بالفضائل لا بالرذائل زبالحق لا بالباطل .

الإيمان طريق الحضارة والرقى :

وبناء على هذا الذى ذكرناه يكون الإيمان فى أبسط مقدماته ومبادئه دعوة إلى الرقى والحضارة ، والتفوق والتقدم ، والإنتاج والإبداع ، بالسمو الروحى ، والكمال الخلفى .

وهذا أيضاً شئ نعرفه من خلال الواقع ، كما عرفنا أثر الكفر من خلال الواقع .

ارتباط عزة أمتنا بالإيمان :

لقد كانت الأمة العربية أمة أمية ، فى مؤخرة أمم الأرض ، فجاء الإسلام فأنقذها مما هى فيه ، وما زالت ترتقى فى سلم الحضارة والتقدم بإيمانها بخالقها إلى أن صارت أعظم دوله فى العالم القديم والحديث ، تتوغل جيوشها فى كل معلم من معالم الأرض ، ولكن لا لتحمل إليه الدمار والخراب للبلاد التى تفتحها ، كما عملت جيوش الغرب عندما اجتاحت بلاد العالم التى استعمرتها ، وإنما لتحمل إليها نور الهداية الربانية ، ومنهج الحياة الفاضلة ، ولترتقى بها من حضيض الجهل والبؤس ، والتخلف ، والعبودية ، إلى ذروة العلم والمعرفة ، والسعادة والتقدم ، والحرية الحقيقية التى استعاد بها الإنسان كرامته التى كان قد نسيها تحت وطأة استعباد الكنيسة ، والإقطاع ، والمبادئ الزائفة ، من التمييز العنصرى ، والترتيب الطبقى ، وغير ذلك .

وها هى أمتنا تعود اليوم لتنتكس وترتكس ، وتصبح فى مؤخرة أمم الأرض ، كما كانت علية فى جاهليتها ، بعد أن تنكبت طريق عزتها وكرامتها ،

وبعدت عن منهج ربها ، وتخلت عن إيمانها .

وعندها كانت أمتنا تؤمن بالغيب ، وتربط مصيرها بربها ، كانت أمة الإبداع والإنتاج ، وكانت تشع على العالم بنور العلم والمعرفة ، فهى التى وضعت مبادئ كثير من العلوم التى قامت عليها النهضة العلمية الحديثة فى أوروبا وغيرها من بلاد العالم ،كما أنها طورت العشرات من العلوم الأخرى وارتقت هبا إلى مسارها الصحيح ، بعد أن نقحتها من أخطائها وانحرافاتها .

وعندما كانت بغداد حاضرة العلم والمعرفة- إذ كانت عاصمة الأمة الإسلامية المؤمنة بالله والغيب – كانت أوروبا مكبة على تعلم مبادئ القراءة والكتابة ، وعندما قاس علماء المسلمين قطر الأرض في عهد الخليفة المأمون، كانت أوروبا تعدم كل من يقول إن الأرض كرة أو أنها تدور.

وعندما كانت أمتنا تعج بكبار العباقره من الأطباء والصيادله وأساطين العلوم التجريبيه ، كانت أوربا تخضع للسحر والشعوذه ، وكانت أمريكا في العالم المجهول .

وعندما كانت أمتنا مؤمنة بالله والغيب كان الأوربي يفخر بأنه على صلة بالثقافه الإسلاميه ، وأنه يعرف اللغه العربيه ، وأنه زار بلاد المسلمين ، أو تخرج من جامعتها الإسلاميه ، في طليطلة ٍ، وغرناطه وقرطبه ، إذ كانت الأندلس الأوربيه اليوم إسلاميه ذاك اليوم ، وكانت محط ركاب الحضاره والعلم , والتقدم ، وفي ذروة المثالية ، والكمال ، والجمال ، في ظل الإسلام وسماحته وتعاليه ،

وعندما حجد بعض أبناء أمتنا الخالق ، واستهزأ بالغيب ، وابتعد بعضهم الأخر عن شرع الله ، وضعف إيمانه بالغيب ، صارت حالنا إلى مالا يحمد ، مما يسر العدو ، ويحزن الصديق ، إذ صال اليهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة أصحاب الكلمة الأولى في مصير هذه الأمه

الكفر هو سبب تخلف أمتنا :

إن السبب الحقيقي في تخلفب أمتنا ليس هو الإيمان بربها ، وربط مصيرها بقدرة خالقها ، وإنما هو بعدها عن تحكيم شرع الله الذي كان سبب عزلتها وكرامتها على مدى تاريخها الطويل .

إن السبب الحقيقي في تخلف أمتنا هذه الفوضى التي يعج مجتمعنا الذي أصبح يعيش بدون عايه أوهدف ، بعد أن نحي الدين عن واقع الحياة وأصبح الأنسان منقاد للشهوات والأهواء تتقاذفه أمواج الناس ، بعد أن حطمته أعاصير الاستبداد ، من وراء البراقع البراقة الخادعة ، التي تلفح بها عبيد النجمة السداسية ، وبقايا فلول الحروب الصليبية .

إن سبب تخلف أمتنا هو هذا الفراغ الذي يعيش به أبناؤنا وقد سلبوا بقوى الغدر والطغيان كل مقومات الحياة الإنسانية ، من حرية الفكر ، وحرية القول ، وحرية المعتقد .

إن السبب الحقيقي في تخلف أمتنا هو أولئك الذين خانوا دينهم ، وأمتهم ، بعد أن باعوا أنفسهم لأعدائها ، وصاروا يلهجون بفكرهم ، ويروجون لبطلانهم ،

إن السبب الحقيقي في تخلف أمتنا هو البعد عن المنهج هو البعد عن المنهج الذي انتصر به أسلافها عندما كانوا في قلة ، وكان عدوهم في كثرة ، وعندما كانوا في فقر ، وكان عدوهم في غنى ، وكانوا حفاة عراة تصهرهم الشمس بأشعتها ، وتتجهمهم الصحراء بقسوتها ، وأعداؤهم في الحصون والقلاع ، يداعبون الغيد ، ويعاقرون الخمر ، ويعيشون في أحلام العظمة الزائفة .

ولن يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أمر أولها

شهادة علماء الغرب للحضارة الإسلامية : .

يقول دابر الأستاذ بجامعة نيويورك ، في كتابه المنازعة بين العلم والدين :

بعد وفاة محمد صلى الله عليه وسلم ترجمت إلى اللغة العربية ، أهم المؤلفات الإغريقية ، وترجمت القصائد اليونانية الشهيرة .

ولما ولى الخلافة أبو جعفر المنصور ، نقل عاصمة الملك إلى بغداد ، وجعلها عاصمة فخمة ، فلم يأل جهدا في بذل الوسع في درس العلوم الفلكية ، وتأسيس مدارس الطب والشريعة

ولما جلس حفيده هارون الرشيد على عرش الملك اتبع أثر جده في هذه الفتوحات العلمية ، وأمر بإضافة مدرسة إلى كل مسجد في جميع أرجاء ملكه .

ولكن عصر العلم الزاهر في القارة الآسيوي لم يشرق إلا في خلافة المأمون ، فإنه جعل بغداد العاصمة العلمية العظمى ، وجمع إليه كتبا لا تحصى ، وقرب إليه العلماء ، وبالغ في الحقاوة بهم

وهذا الذوق السليم في العلم استمر لديهم حتى بعد أن انقسمت المملكة إلى ثلاثة أقسام ، حتى إن العباسيين في آسيا ، والفاطميين في مصر ، والأمويين في أسبانيا ، لم يكونوا متناظرين متغايرين على الحكومة فقط ، بل كانوا كذلك على ألآداب والعلوم أيضا .

ثم قال

ذاق العرب في الفنون الأدبية كل ما من شأنه أن يحد القريحة ، ويصقل الذهن ، وقد افتخروا فيما بعد بأنهم أنجبوا من الشعراء بقدر ما أنجبت منهم الأمم كلها .

أما في العلوم فقد كان تفوقهم فيها ناشئا من الأسلوب الذي توخوه في المباحث …وهو الأسلوب التجريبي ، والدستور العلمي – الحسي ، وقد كانوا يعتبرون الهندسه ، والعلوم الرياضية أدوات ومعدات لعلم المنطق .

وقد يلاحظ المطالع لكتبهم العديدة على الميكانيكا ، وعلم موازنة السوائل وضغطها على جدران أوعيتها ن ونظريات الضوء والإبصار ، بأنهم قد اهتدوا إلى حلول مسائلهم من طريق التجربة ، والنظر بواسطة الآلات .

هذا هو الذي قاد العرب لأن يكونوا أول الواضعين لعلم الكيمياء ، والمكتشفين لجملة آلات التقطير والتصعيد ، والإسالة ، التصفية .

وهذا بعينه ايضا هو الذي جعلهم يستعملون في أبحاثهم الفلكية الآلات المدرجة ، والسطوح المعلمة ، والأسطرلابات .

وهو الذي بعثهم لاستخدام الميزان في العلوم الكيميائية .وهو أيضا أرشدهم لعمل الجداول عن الأوزان النوعية للأجسام ، والأزياج ( وهي جداول تعرل منها حركات الكواكب ) كالتي كانت في بغداد ، وقرطبة ، وسمرقنند “.

وهو أيضا الذي أوجب لهم الترقي الباهر في الهندسة ، وحساب المثلثات ، واكتشاف علم الحبر .

ولقد دأبوا على جمع الكتب بصفة منتظمة لأجل أن يتوصلوا إلى تكوين المكتبات، وفد قيل : إن المأمون نقل إلى بغداد مائة حمل بعير من الكتب ، وقد كان أحد شروط معاهدة الصلح بينه وبين الإمبراطور ميشيل الثالث أن يعطيه إحدى مكتبات القسطنطينية ، التي كان فيها بين ال1ذخائر الثمينة الأخرى كتاب بطليموس على الرياضيات السطوحية ، فأمر المأمون بترجمته إلى العربية وسماه ( المجسطي ) حتى إن مكتبة القاهرة كانت بها نحو مائة ألف كتاب ، معتنى بكتابتها وتجليدها غاية الاعتناء ، وكان يوجد من بين هذه الكتب ستة آلاف وخمسمائة مجلد في الطب والعلوم الفلكية فقط .

وكان بتلك المكتبة كرتان أرضيتان ، إحداهما من الفضة والأخرى من البرونز

وقد اشتملت مكتبة خلفاء الأندلس فيما بعد على ستمائة ألف مجلد ، وكان جدول أسمائها وحده محويا في أربعة وأربعين جزءا ، كما كان في الأندلس سبعون مكتبة عامة وكثير من المكتبات الخاصة

ثم قال :

لم يقف بحث العرب عند حد ، فقد كتبوا في كل فن وفي كل علم …وكل هذه المؤلفات كانت تنشر بدون رقابة ولا حجر .

وقد كانت كتب العرب الزاخرة بالمعلومات التي تصلح لأن تتخذ مادة في العلوم كثيرة جدا ، في الجغرافيا ، والإحصاءات ، والطب ، والتاريخ ، وقواميس اللغة ، وكان لديهم دائرة معارف علمية .

وكان للعرب ذوق دقيق في صنع الزرق النظيف الناصغ البياض ، وفي إعطاء الحبر الألوان المختلفة ، وكان الملك الإسلامي العربي مملوءا بالمدارس والكليات

ثم قال :

ولقد اتبعت المدارس الطبية عامة مثال مدرسة الطب في القاهرة في اختيار الطلة قبل تخرجهم نهائيا ، بحيث لا يستطيع أحدهم أن يشتغل بمهنة الطب إلا بهذا الشرط .

وأول مدرسة انشئت من هذا القبيل في أوروبا هي المدرسة التي اسسها العرب في سالون في إيطاليا ، وأول مرصد أقيم فيها هو ما أقامه المسلمون في إشبيليا بأسبانيا

ثم قال :

ولو أردنا أن نستقصي كل نتائج هذه الحركة العلمية العظمى لخرجنا عن حدود هذا الكتاب , فإنهم قد زقوا العلوم القديمة ترقية كبيرة جدا ، وأوجدوا علوما أخرى لم تكن معروفة من قبلهم .

ثم عدد عشرات العلوم والنظريات العلمية التي استكبرها المسلمون واسسوها . مما يمكن الرجوع إليه في كتابه ، فلا نطيل به .

ويقول في المدينة الإسلامية :

كانت قرطبة تتألف من مائة ألف بيت ، ويسكنها مليون من النسمات ، ويكفي أن تعرف أن شارعها الأكبر كان بطول عشرة أميال ، يضاء ليلا للمارة بمصابيح كبيرة ، وذلك مشهد من مشاهد الحضارة لم تعرفه مدينة لندن إلا بعد ذلك العهد بسبعمائة عام ، وكانت طرقها مرصوفة بالأشجار ، في حين أن باريس طلت قرونا بعد حضارة العرب في الأندلس بركا للمياه والأوحال ، التي تغوص فيها الأرجل إلى الركب في فصل الشتاء ؟
ولم يقتصر الأمر على قرطبة ، بل إن غرناطه ، وإشبيليا ، وطليطلة ، كانت مدنا تعد اشباها لقرطبة ، ونظائر لها .

وكانت قصور الأمراء مثلا من الفخامة الشرقية ، بل كانت متاحف للفنون الرفيعة , وعنوانا على حضارة عريقة في حين أن المنازل التي سكنها أمراء ألمانيا وفرنسا وإنجلترا لم تكن تفضل حظائر الماشية في شيء ، فهي بلا مداخن ، ولا نوافذ ، وكان المخرج الوحيد الذي يسلم إلى فضاء الحو كوه من أعلى السقف يتصرف منها الدخان

ومن الأسف أن الأدب الأوروبي حاول أن ينسينا واجبنا العلمي نخو المسلمين ، فقد حان الوقت الذي ينبغي لنا أن نعرفهم ، وإن قلة الإنصاف المبنية على الأحقاد وعلى العنجهية القومية لا تدوم أبد الدهر .

ويقول المؤرخ جزستاف لوبون في كتابه 0 حضارة العرب )

إذا رجعنا إلى القرن التاسع والقرن العاشر من الميلاد ، حين كانت الحضاره الإسلامية في إسبانيا ساطعة جدا ، رأينا أن مراكز الثقافه في الغرب كانت أبراجا يسكنها ستيورات متوحشون يفخرون بأنهم لا يقرأون ، وأن أكثر رجال النصرانية معرفة كانوا من الرهبان المساكين الجاهلين ، الذين يقضون أوقاتهم في أديارهم ليكشطوا كتب الأقدمين النفيسة بخشوع ، وذلك كيما يكون عندهم الرقوق ما هو ضروري لنسخ كتب العبادة .

ودامت همجية أوربا زمنا طويلا من غير أن نشعر بها ، ولم يبد في أوربا بع الميل إلى العلم إلا في القرن الحادي عشر والثاني عشر من السلام ، وذلك حينما ظهر فيها أناس رأوا أن يرفعوا أكفاف الجهل الثقيل عنهم ، فولوا وجوههم شطر العرب الذين كانوا أئمة وحدهم

ثم قال في وصف العرب المسلمين وحضارتهم التي بهرت الأنظار :

العرب مع ولوعهم بالأبحاث المظرية ، لم يهملوا تطبيقها على الصنائع ، فقد أكسب علومهم الصنائغ جودة عالية جدا ، وأننا وأن كنا لم نزل نجهل أكثر الطرق التي سلكوها في ذلك ، إلا أننا نعرف نتائجها وآثارها .

فنعرف مثلا أنهم احتفروا المناجم ، واستخرجوا منها الكبريت ، والنخاس ، والزئبق ، والحديد ، والذهب .

وأنهم قد يرعوا جدا في صناعة الصباعة

وأنهم مهروا في سقي الفولاذ مهارة بعيدة المدى حتى إن صفائح طليطلة أصدق البراهين على ذلك ، ونعرف أيضا أنه كان لمنسوجاتهم ، وأسلحتهم ، ومدبوغاتهم من الجلود ، ولورقهم شهرة عامة .

وأنهم في كثير من فنون الصنائع برعوا براعة لم يلحق لهم شأو فيه للآن …؟

ومن بين المكتشفات المعزوة للعرب أشياء ذات شأن كبير كالبازود مثلا

ثم قال بعد كلام طويل على المخترعات العربية :

مما مر يتجلى للقارئ أن ديوان المكتشفات العربية في الغلوم الطبيعية لا يقل في الخطورة والقدرة عما لهم منها في العلوم الرياضية والفلكية ، وذلك أنهم كانت لهم معلومات عالية في الطبيعة النظرية ، خصوصا في نظريات الضوء والإبصار .

وقد حفظ عنهم أنهم اخترعوا أجهزة من أدق ما يغرف من نوعها ، واكتشافهم للجواهر التي تعد من أعظم أركان علم الكيمياء ، مثل الكحول ، وحمض التتريك ، وحمض الكبريتيك ، وقد سجل لهم أكبر الأعمال الأساسية ، كالتقطير مثلا .

و أثر عنهم استخدام الكيمياء لفن الصيدلة . اهٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍـ .

و قد استطرد لوبون في كلامه على الحضارة الإسلامية و أثرها على الحضارة العالمية فليرجع إلى كتابه من يشاء ، فقد أفه لهذا الغرض.

و يقول ترند في مقالة (( إسبانيا و البرتغال )) : من الثابت أنه بينما كانت أغلب أوروبا ترزح تحت نير الشقاء و الفساد ، ماديا و روحيا ، أقام المسلمون في الأندلس حضارة زاهرة ، و حساة اقتصادية منظمة ، لعب فيها الأندلسيون دورا حاسما في تطور الفن ، و العلم ، و الفلسفة ، والشعر ، و أثرت حتى في أرفع أعلام الفكر النصراني للقرن الثالث عشر )) … فكانت إسبانيا ] الإسلامية [

مشعل أوروبا . أ هـ .

ويقولون أيضا :

ولا يأتي للمرء معرفة التاثير العظيم الذي أثره العرب في الغرب إلا إذا تً,روا حالة أوروبا في الزمن الذي دخلت فيه الحضارة .

فإذا رجنا إلى القرنين التاسع و العاشر للميلاد ، يوم كانت المدينة الإسلامية في إسبانيا زاهرة باهرة ، نرى أن المراكز العلمية الوحيدة في عامة بلاد الغرب كانت عبارة عن أبراج يسكنها سادةنصف متوحشين ، يفاخرون بأنهم أميون ، لا يقرأون و لا يكتبون ، و كانت الطبقة الستنيرةعبارة عن رهبان فقراء يقضون الوقت بالتكسب في أديارتهم بنسخ كتب العلماء ، دون فهم أو اقتناع ، ليبتاعوا ورق البردي اللازم لنسخ كتب العبادة .

وطال عهد الجهالة في أوروبا ، و عم تأثيره ، بحيث لم تعد تشعر بتوحشها ، ولم يبد فيها بعض الميل إلا في نهايه القرن الحادي عشر ، وبعبارة أصح القرن الثاني عشر .

ولما شعرت بعض العقول المستنيرة بالحجة إلى نفض كفن الجهل الثقيل ، الذي ينوء الناس تحته ، طرقوا أبواب العرب يستهدونهم ما يحتاجون إليه ، لأنهم كانوا وحدهم سادة العلم في ذلك العهد .

ولم يدخل العلم أوروبا إبان الحروب الصليبية ، كما هو الرأي الشائع ، بل دخله بواسطة الأندلس ، وصقلية ، وإيطاليا. و عرف الغرب بترجمة كتب العرب عالما جديدا .

و قد عدد (( الكلرك )) في تاريخ الطب العربي ثلاثمئة كتاب نقلها الغرب إلى اللاتينية من العربية .

وما عرفت القرون الوسطى المدينة إلا بعد أن سرت إليهم من أشياع محمد صلى الله عليه و سلم .

وبعض هذه الترجمات لكتب القدماء التي فقد أصلها ، حفظت هذه الأسفار من الضياع ، فوصلت إلى العرب ، و إلى العرب وحدهم ، لا رهبان القرون الوسطى ، ممن كانوا يجهلون حتى اللغة اليونانية ، يرجع الفضل في معرفتها إليهم ، و العالم مدين لهم على وجه الدهر، لإنقاذهم هذا الكنز الثمين .

و قال أيضا :

و كلما تعمق المرء في دراسة المدينة العربية الإسلامية تجلت له أمور جديدة ، و اتسعت أمامه الآفاق ، و ثبت له أ، القرون الوسطى لم تعرف الأمم القديمة إلا بواسطة العرب ، وأن جامعات الغرب عاشت خمسمائة سنة تكتب للعرب خاصة ، وأن العرب هم الذين مدنوا أوروبا في المادة و العقل و الخلق ، و أن العرب و المسلمين أول من علم العالم كيف تتفق حرية الفكر مع استقامة الدين .

ويرة البعض أنه من العار أن تكون أوروبا مدينة في خروجها من دور الهمجية للمسلمين ، ولكن من الصعب أن يحجب مثل هذا العار الوهمي وجه الحقائق .

و على الجملة فإن التاريخ ما عرف فاتحا أعدل و لا أرحم من العرب .

و يقول بريغولت :

إن روجر بيكون درس اللغة العربية ، و العلوم العربية في مدرسة أكسفورد على خلفاء معملية العرب في الأندلس .

و ليس لروجر بيكون ، و لا لسميه الذي جاء بعده (( فرانسيس بيكون )) الحق في أن ينسب إليهما الفضل في ابتكار المنهج التجريبي ، فلم يكن (( بيكون )) إلا رسولا من رسل العلم ، و منهج الإسلامية إلى أوروبا المسيحية ، و هو لم يمل قط من التصريح بأن تعلم معاصريه للغة العرب ، و علوم العرب ، هو الطريق الوحيد لمعرفة الحق . و قد كان منهج العرب التجريبي في عصر بيكون قد انتشر انتشارا واسعا ، و انكب الناس في لهفة على تحصيله في ربوع أوروبا(1) .

ويقول د. لويجي رينالي :

لقد اجتاح العالم الغربي حوالي ألف سنة ميلادية غزو إسلامي جديد ، كالسيل الجازف ، ولم يكن أي حاجز يقوي على صده .

ذلك الغزو الذي يحمل التهذيب العربي ، و المدينة الإسلامية .

فإن شعب الصحراء العظيم ظهر على وجه الأرض ، بعد سقوط المدينتين الرومانية و اليونانية