إخضاع نصوص الشرع للعقل وإنكار المعجزات وعناوين أخرى

المتفيهقون

أ. د. محمد حسن هيتو

لم يقف أمر التفيهق في هذا العصر عند حد الاجتهادات الخاطئة في نصوص الشريعة ، بالجهل المطبق بقواعد الاجتهاد والاستنباط ، على نحو ما ذكرنا، وإنما تعداها إلى حد آخر، يعتبر أشد خطراً، وأكبر أثراً، وأعظم ضرراً، ألا وهو إخضاع نصوص الشريعة لحكم العقل، دون اعتبار لقوانين الشريعة وقواعدها.

ما رضيه العقل، وقنع به، وأقره، صار معتبراً مقبولاً، وما رفضه لعدم القناعة به، صار مردوداً مرفوضاً، واتخذا هذا المنهج من التفيهق اسم التجديد .

ويلزم من هذا أن الحاكم أولاً وأخيرا هو العقل، وليس الشرعَ، فيجب عرض الشرع على العقل، فما أقره العقل، قُبل، وما رفضه، رُفضَ، ورفضه يكون بأمرين ، إما برده إن كان لرده مجال ،كأحاديث النبي r، مهما بلغت من الصحة ، وإما بالعبث في معناه حتى يصير على مراد العقل، ولو مؤقتا، ريثما يحين الوقت لرده عن طريق التشكيك فيه، على ما جرت عليه الخطط المرسومة من قبل المتربصين بهذا الدين منذ حين، وذلك كبعض آيات القرآن الكريم.

وبناء على هذا عبث بالكثير من نصوص الشريعة، من كتاب الله وسنة رسوله r لعدم إمكانية هضمها في عقل من ردها وأدى هذا الأمر إلى إنكار المعجزات ، لأنها من أصعب وأبعد ما يمكن للعقل الذي طمْ يشاهدها أن يؤمن بها .

وهذا هو الطريق الأمثل لإنكار الوحي ، لأنه من أبلغ المعجزات ، وأبعدها عن تصورات العقل المادي الذي لم يؤمن بالله .

وإني سأعرض لنماذج من عبث أدعياء التجديد ، يتبين من خلالها مدى ما صارت إليه الفوضى العلمية في دين الله ، بسبب غياب الضوابط السليمة، والقواعد الصحيحة، التي كانت تحكم اجتهادات العلماء، عند نظرهم في نصوص الشرع، واستنباطهم منها .

وأبدأ بما لم يتمكنوا من رده لقطعية ثبوته، ككتاب الله، فعمدوا إلى العبث في معناه حتى يتلاءم مع عقولهم القاصرة،أو منهاجهم العلمية المادية التي تأثروا فيها بمناهج الغرب المادية التي لا تؤمن بالله.

فزعم أحدهم أن قوله تعالى : وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ {البقرة/60} زعم أنه ليس في هذا معجزة خارقة للعادة ، وإنما هو أمر جار على قوانين الطبيعة والمادة، وأن موسى عليه السلام كان يملك آلة حفر الآبار، وأن قوله تعالى : اضْرِب بِّعَصَاكَ الحجر {البقرة/60} . أي احفر بآلتك الأرض، فالعصا كناية عن آلة الحفر، والحجر كناية عن الأرض .

فما عمله موسى لم يكن سوى عملية حفر لبئر في الأرض، يشرب منها أسباط بني إسرائيل.

وهكذا عمل في كل معجزة من معجزات الأنبياء المادية، وشحن بمثل هذه الأباطيل تفسيره.

وزعم آخر قوله تعالى : وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ { 3} تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ { 4} زعم أن الطيور عبارة عن الميكروبات حملت إليهم الطاعون ، أو البعوض حمل إليهم الحُمَّيات الخبيثة ، أو ميكروبات الجُدَرِي ، واستدل على ذلك بجيش نابليون الأول ، لما حاصر عكا ، ولبث أمامها أشَهراً ، حتى أصاب جيشَهُ الطاعونُ ، فرجع عنها .

والأمثلة على هذا كثيرة في هذا العصر، وكلها تنزع من معين واحد، ألا وهو مجارات العقل المادي الذي لا يؤمن بالغيب .

وكأنهم بعملهم هذا يستكبرون على الله إجراء المعجزات، مما يتنافى مع أبسط مبادئ الإيمان بالله، ومما يُلزمُ الضلالَ والانحراف إن لم نقل الكفرَ والإلحاد.

وأما بالنسبة للسنَّة فأمرها أهون عندهم من أمر القرآن، وذلك بردها مباشرة، مما يغنيهم عن الخوض في معانيها على نحو ما خاضوا به في القرآن.

فأنكر بعضهم حديث الذبابة، وكل حديث ورد فيه ذكر الشياطين، مع وجودها في الصحيحين

وأنكر بعضهم حديث لعق الأصابع .

وأنكر بعضهم الأحاديث المعلقة بالمعاملات، واستدل على ذلك بقوله عليه السلام: (( وأنتم أعلم بأمور دنياكم )) .

وأنكر بعضهم الأحاديث المتعلقة بالحجاب .

وأنكر بعضهم الأحاديث المتعلقة بولاية المرأة ، وزاد على الإنكار الهزء بها .

وأنكر بعضهم الأحاديث المتعلقة بالموسيقى .

وقد وصل الغلو ببعضهم إلى أن طالب بهجر كل ما أعتمده علماء الأمة منذ فجر الإسلام إلى اليوم من قواعد علمية لقبول أو رد ما يروى من أحاديث رسول الله r، وطالب بإيجاد قانون جديد يحكمه العقل، يكون هو الفيصل في قبول أو رد الأحاديث، كما طالب بإيجاد صحيح جديد غير صحيحي البخاري ومسلم بناء على قانونه العقلي .

ومن خلال هذه الصور التي ذكرناها، مما يردده أدعياء التجديد في دين الله يتبين لنا أن المراد هو القضاء على الدين القائم على الوحي، وإيجاد دين جديد قائم على العقل.

وقد صرح أحدهم بهذا فقال :

لقد توسع القرآن الكريم في معنى الوحي ، فلم يقصره على النبيين ، بل أطلقه على أدنى درجات الانسياق الطبيعي الحيواني ، فقال تعالى : وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ {النحل/68} قال : وإذا صح إطلاق الوحي على هذا الانسياق الفطري . الحيواني، صح من باب أولى إطلاقه على نتاج العقل الإنساني، لأن الله خالق كل شيء، والباعث على كل شيء، فيكون لا تنافي بين قول مشرعي أوروبا إن الشرائع أصلها العقل، وبين قول الدينيين إن أصلها الوحي.

ثم قال: وإذا لم يقل الدينيون هذا الحل الموافق للكتاب والعلم فقد تعرضوا لشبه لا مخلص لهم منها ثم ساق الشبه، هذا كلامه بحروفه (1).

وهو غني عن التعليق لأنه محض الكفر، وهذا هو نتاج الخوض في دين الله بغير علم .

وهذا يوجب علينا أن نتكلم على العقل والدين والغيب، وقد عرضنا لذلك بالتفصيل في كتابنا ” العقل والغيب “(2)، فليراجع.

العلماء والسفهاء

في كثير من الأحيان يجد الإنسان نفسه مضطراً للصمت، إما أمام مخاصم فاجر، أو مجادل معاند أو متنطع جاهل.

وهو لا يصمت، على أن الصمت أبلغ في الجواب ، لأن هذا إنما يكون عند عاقل مسه طائف من الشيطان فجهل ، أو عالم سها فزل ، فإن العاقل المنصف لا يسعه في مثل هذا المقام إلاَّ الصمت ، ويكون صمته أبلغ في التعبير من نطقه ، وهذا هو المأمور به في الشرع ، فقد قال r : (( أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم )) .

إلا أنه عندما يكون المخاصم فاجراً، أو مجادلاً معانداً، أو سفيهاً جاهلاً، فإن العاقل لا يمكنه إلا السكوت أيضاً، ولكن ليس سكوتَ إقالةِ الكريم عثرته، وإنما هو سكوت الدهشة، والإبقاء على المروءة.

فالنقاش والكلام يفيدان عندما تكون هناك قواعد مشتركة، ومبادئ ثابتة، يرجع المتناقشان إليها، ويعولان عليها، وتكون بينهما الحكم والفيصل، وأما إذا عدمت مثل هذه القواعد، بأن كان أحد الرجلين أو كلاهما، لا يعرفان عنها شيئا، فإن النقاش في هذه الحالة ينقلب إلى سفسطة ثم إلى عناد، تكون الغلبة فيه لأكثرهما فجوراً، ولن يلتقيا في حال من الأحوال، وفي كثير من الحالات يكون الصمت هو الجواب .

ولقد قال إمامنا الشافعي رحمه الله في مثل هذه الحالة: ما جادلت عالماً إلا وغلبته، وما جادلت جاهلاً إلا وغلبني، وهذه حقيقة يقرها الجهلة ويعرفها العلماء.

فقد حكي أبو حاتم البستي أنه دخل مسجداً ، فقام بعد الصلاة شابٌ ، فقال : حدثنا أبو خليفة ، حدثنا أبو الوليد ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن أنس ، وذكر حديثاً .

قال أبو حاتم: فلما فرغ دعوتُه، قلت: رأيتَ أبا خليفة ؟ قال:لا، قلتُ: كيف تروى عنه ولم تره ؟فقال: إن المناقشة معنا من قلة المروءة: أنا أحفظ هذا الإسناد، فكلما سمعت حديثاً ضممته إلى هذا الإسناد .

وروى ابن الجوزي بإسناده إلى أبي جعفر بن محمد الطيالسي قال : صلَّى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد الرصافة ، فقام بين أيديهم قاصٌ ، فقال : حدثنا أحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، قالا : حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة عن أنس قال : قال رسول الله r: من قال لا إله إلا الله خلق الله من كل كلمة طيراً، منقاره من ذهب، وريشه من مرجان !! وأخذ في قصةٍ نحواً من عشرين ورقة، فجعل أحمد بن حنبل ينظر إلى يحيى بن معين وجعل يحيى بن معين ينظر إلى أحمد ، فقال له حدثته بهذا ؟! فيقول : والله ما سمعت هذا إلاّ الساعة ، فلما فرغ من قصصه وأخذ العطيات، ثم قعد ينتظر بقيتها ، قال له يحيى بن معين بيده : تعالَ ، فجاء ، متوهماً لنوال ، فقال له يحي : من حدثك بهذا الحديث ؟ فقال : أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ، فقال : أنا يحيى بن معين ، وهذا أحمد بن حنبل ، ما سمعنا بهذا قط في حديث رسول الله r ، فقال: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق ما تحققتُ هذا إلا الساعة ! كأن ليس فيها يحيى بن معين واحمدُ بن حنبل سواكما ن قد كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ؟؟ فوضع أحمد كمه على وجهه، وقال: دعه يقم، فقام كالمستهزئ بهما.

وذلك أن النقاش معه ومع أمثاله بهذا الجهل الفاضح، والحمق الواضح، والفجور الظاهر مسقط لمروءة أحمد ويحيى، فإنهما لا يتوقعان من مناقشته إلا تجهيلهما والإزراء بهما، فصانا نفسيهما بالإعراض عنه والابتعاد منه.

ومما يروى عن الإمام أبي حنيفة النعمان – رضي الله عنه – أن كان خارج بغداد، فلقيه سفيه من السفهاء الذين لا يعرفونه ، ولئن عرفوه ، فلن ينزلوه منزلته، لأنه كما قال رسول الله r : (( لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أهل الفضل )) ، فلا يقدر منزلة العالم إلا العالم ، ونحن وإن كنا نجد العامة في مجتمعنا الإسلامي يقدرون العلماء ويجلونهم ، فليس هذا لأنهم أدركوا منزلتهم العلمية وعرفوا حقيقة علومهم ، فإنه لا سبيل إلى هذا ، وإنما هو لأنهم عرفوا على الجملة أنهم علماء ،وأنهم بحاجة إليهم ليستمدوا منهم الفتوى ، وأنهم امتداد للنبوة في الأرض بعد أن انقطع الوحي من السماء ، وأن دينهم أمرهم باحترامهم بقوله عليه الصلاة والسلام: (( ليس منا من لم يرحم صغيرنا ، ويوقر كبيرنا ويعطي عالمنا حقه )) فتأدبُ العامة بآداب الإسلام العامة هو الذي جعلهم يحترمون علماءهم ، ولو كان الأمر منوطاً بعلم العلماء فقط ، لما كان الأمر هكذا .

لقد لقي السفيه أبا حنيفة رضي الله عنه خارج بغداد وهو لا يعرفه ، فتعرض له ، ثم شتمه ، وتمادى في شتمه إلى أن وصلا إلى سور بغداد فالتفت أبو حنيفة إلى ذلك السفيه وقال له : أعندك شتائم أخرى تريد أن تفرغها من إهابتك ، فإن كانت فقلها . . ! فاستغرب السفيه هذا الموقف ، مع عدم رد أبي حنيفة عليه بكلمة واحدة . . ! وقال له : لم تأمرني بهذا . . ؟!

فقال له أبو حنيفة: لما كنا خارج بغداد لم يكن معنا أحد، وأنا سامحتك فيما قلت وكأنك لم تقله وكأني لم أسمعه، ولكني أخشى إن دخلت بغداد، وسمعك الناس تشتمني. . . أخشى أن يضربوك. . . فأنا أبو حنيفة النعمان . . .

* * *

الدعوة والعصبية

لقد كنت أتكلم في موضوع علمي مهم ، يتعلق بالعقيدة فبحثته من جميع جوانبه ، وبينت أقوال العلماء فيه ، ثم عرضت لرأي ابن القيم في الموضوع ، وكان مما انفرد به عن عامة المسلمين ، وبينت خطأه فيه ، ووجهت ذلك بالدليل والبرهان ، لكي لا يكون في الأمر لبس ولا شبهة ، وإن كان لا يحتاج إلى دليل ، لأنه مما يكاد يكون معلوما من الدين بالضرورة .

رسالة على المكتب

وفوجئت بعد يومين برسالة على مكتبي من أحد الطلبة . يشكر فيها اهتمامي بالمحاضرات ، وأثرى في الطلاب ، ويثني ، ويؤكد الثناء بالثناء ، ثم قال : بلغني ،أنك تعرضت في المحاضرة الماضية لابن القيم ، وبينت خطأه في الموضوع الفلاني ، وليتك لم تفعل ، لأن أحد الطلبة ، ممن يكن لك المحبة والاحترام ، قد آلمه ما ذكرت عن ابن القيم ، لأنه يحبه ، ونشأ على كتبه ، ومن ثم قال : إنك سقطت من عينه ، إذ أبنت خطأ من يحب، طويت الرسالة، ولم يكن ما وجدته فيها مفاجأة، لأني عهدت من قبل مثل هذا الخلق في بعض من ينتسب إلى الدعوة.

المنهج الوسط في النقد

ثم دخلت قاعة الدرس ، وافتتحت المحاضرة بما يمس هذا الموضوع، مما يجب أن يعلمه كل داعية مسلم، ويتنبه له، فقلت: إننا نحن المسلمين من علماء ودعاة ومفكرين عندما نثني على إنسان ما، في موضوع ما، لا نعني أن هذا الإنسان معصوم عن الخطأ، ومصيب في كل ما أتاه من عمل، وإنما نريد الثناء عليه، فيما عرضنا له من موضوع الساعة، أو على مجمل خلقه وسيرته.

وعندما ننتقد إنساناً ما ، في موضوع ما ، لا نعني أننا نريد انتقاص هذا الإنسان ، ونفي صفة العلم عنه إذا كان عالماً ، أو صفة الدعوة إذا كان داعية ، ولا نريد الحط من منزلته ، وإنما نريد أن نبين أنه أخطأ في المسألة الفلانية ، مع المحافظة على ما له من مكانة في العلم ، وتضحية في الدعوة ، وأثر في الفكر ، إذ النقاش، والنقد حول فكرة معينة ، لا حول الرجل وفكره ودعوته .

العصمة لمن عصمه الله

ونحن المسلمين لا يوجد عندنا إنسان معصوم عن الخطأ، أيا كان هذا الإنسان، صحابياً أم تابعياً، أم إماماً مجتهداً. أم من عامة الناس، سوى من عصمه الله تعالى من نبي أو رسول، ومن سواهم، يؤخذ منه ويرد عليه. كما قال الإمام مالك – رضي الله عنه: (( كل رجل يؤخذ منه ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر ، وأشار إلى قبره )) .

يستوي في ذلك عندنا كل إنسان من المسلمين كبر شأنه أو صغر ، علت منزلته أو نزلت ، لأننا جميعا خاضعون لشرع الله ، وهو الحاكم علينا ، إذ الشرع حاكم ، وليس محكوماً عليه ، ونحن نعرف الرجال بالحق ، ولا نعرف الحق بالرجال ونزن الإنسان بميزان الشرع ، ولا نزن الشرع بميزان الناس .

والدين عندنا غير منوط برجل، لا يؤخذ إلا منه، ولا يروى إلاَّ عنه، ولا يعرف إلا به، لأن ديننا جاء ليوجه الناس، لا ليوجه من قبل الناس.

فما قاله أي إنسان في الدنيا نعرضه على مصادر التشريع فما وافقها: أخذنا به، وما خالفها: أعرضنا عنه. ولا يغير هذه القاعدة مكانة الرجل ولا منزلته.

وإنما يعرف الحق بالرجال عند غيرنا من الوثنيين، الذين اتخذوا من الرجال أرباباً لهم من دون الله، فما رضوا عنه فهو الحق، وما سخطوا عليه فهو الباطل ، وما قالوه لا يعدو الصواب وإن كان في الواقع خطأ ، فأنزلوا الناس منزلة الله ، ولا كذلك نحن المسلمين ، وليس عندنا من يقال فيه : لا يسأل عما يفعل إلاَّ الله ، أو من أوجب الله على الناس طاعته من نبي أو رسول .

وإن مما يخل بمكانة الرجل ، وينزل بمرتبته ، أن يوضع في منزلة غير منزلته ، فمن زعم أن زيداً من الناس معصوم لا يخطئ ، فقد وضعه في منزلة غير منزلته، ألا وهي منزلة الله ، أو الرسول ، وهذا هبوط بالإنسان، إذ الهبوط بالمرء عند العقلاء أن يوضع في غير موضعه. علا الموضع أو نزل. لقد جاء الإسلام ليخرج بالناس من عصبية الجاهلية المنتنة، إلى سماحة الدين الغضة، ومن التحيز لقبيلة أو جنس أو لون إلى العدالة والمساواة بين جميع الخلق.

النقد للإصلاح

ولقد علمنا رسول الله r أن ينقد بعضنا بعضاً من أجل الإصلاح، فجعل المرء مرآة لأخيه، وأمرنا أن نقبل النقد، لأن كل بني آدم خطاء.

ولقد علمنا أصحاب رسول الله r – وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون – بسلوكهم العملي، كيف يرضى الإنسان المسلم بما يوجه إليه من نقد، ويستغفر الله مما كان قد وقع به من خطأ.

أسلوب الصحابة

لقد رد عبد الله بن عباس ، وهو من أصغر الصحابة سناً ، على أمير المؤمنين ، الفاروق عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – في كثير من مسائل العلم ، ولم يقل أحد من الناس إن ابن عباس أخطأ ، لأنه رد على عمر ولم يفهم أحد من الناس أن ابن عباس كان ينتقص عمر أو يحط من شأنه، بل ردت عليه امرأة ، وأبانت عن وجه خطئه ،وقبل .

واستدركت عائشة رضي الله عنها على العشرات من كبار أصحاب رسول الله ، ولم يفهم أحد منهم أنها أساءت، لأنها بينت خطأ أو وهم من أخطأ أو وهم، ولم يفهم أحد من الناس أنها كانت تنتقصهم، أو تحط من شأنهم .

بين الشافعي ومالك

ورد الشافعي على مالك ، في كتاب كامل (( كتاب الوضع على مالك )) ولم يقل أحد أن الشافعي أساء، أو انتقص مالكاً ، كيف وهو القائل فيه: إذا ذكر العلماء فمالك النجم، وكان تلميذاً له، تفقه عليه، وروى عنه.

لأن الأمر ليس أمر شخص، وذات، وهوى، وإنما هو أمر دين يستوي فيه قدم الجميع، والحق أحق أن يتبع.

بين القاضي والشافعي

لقد كان القاضي عبد الجبار من أشد الناس تمسكا بأصول الشافعي، شديد الدفاع عنها، ولما وصل إلى مسألة نسخ الكتاب بالسنَّة ، ونسخ السنة بالكتاب – والشافعي يقول : لا ينسخ الكتاب بالسنَّة ، ولا السنَّة بالكتاب ، في مذهب خاص له، انفرد به عن جمهور الأصوليين ، وعلى تفصيل فيه ، ليس هذا مكانه – عندما وصل القاضي إلى هذه المسألة قال : الشافعي كبير ، والحق أكبر منه ، إلا أن القرآن ينسخ السنَّة ، والسنَّة تنسخ القرآن ، ولم يقل أحد من الناس إنه أساء ، وإنما قالوا ، ولازالوا يقولون ، إن القاضي من أشد الناس تمسكا بأصول الشافعي ، إلا أن القاضي أنزل الشافعي منزلته البشرية ، ورد عليه فيما يعتقد أنه خطأ .

ومن قرأ كتب فقهاء هذه الأمة وجد أمراً عجباً، من حرية الرأي – ضمن الضوابط والقواعد العلمية – وحرية النقد والاختيار، ما لم يكن هوى.

بين الأمس واليوم

وكان هذا دأب سلف هذه الأمة، وخلفها من العلماء، والدعاة، إلى أن وصلنا إلى ما نحن فيه الآن من عصبية، كادت وللأسف تذهب برواء كثير ممن يتكلمون في هذا الدين، ويدعون إليه.

فوصل بعض الشباب إلى مرحلة ، إذا تقلد فيها رأياً عمى عما سواه ، وأصم أذنه عند سماعه ، وكأنه أوحي إليه أن الله قد جمع الحق في هذا الذي أشرب قلبه بمحبته ، فهو ليس بمستعد لسماع أي نقد ، أو أي نصح ، أو أي اعتراض ، ومن ثم فهو ليس على استعداد لأن يعتقد أن هذا الذي أعتقد رأيه قابل للخطأ .

بعض الشباب قرأ لسيد قطب ـ رحمه الله، وأسكنه فسيح جنته ـ وتعشق كتبه وأفكاره، وإلي هنا نعتبر هذه فضيلة، ونقبلها، إلا أنه وصل الأمر ببعضهم إلي ما ذكرت، مما وصفت من العصبية المفرطة لكل ما قال، وهذا لا نقبله .

وبعضهم قرأ لأبي الأعلى المودودي ـ رحمه الله ، وأسكنه فسيح جنته ـ وصار أيضاً أمره لما ذكرت، نحن لا ننكر أن سيداً، وأبا الأعلى، وغيرهما، قد أثروا المكتبة الإسلامية بتراث فكري كان ينقصها ، وسدوا ثغرة من ثغر العلم، وجهروا بمبادئ الحق، وزيفوا أباطيل الخصوم، وجزاهم الله عن كل ما قرأ لهم واستفاد منهم خيراً .

إلا أن هذا لا يعني أنهم معصومون، بل هم من بني آدم الذين قال فيهم رسول الله: ” كل بني آدم خطاّء ”

وربما جاء من بعدهم من يساويهم، بل يفوقهم، وفضل الله واسع ، يؤتيه من يشاء، ولكل مجتهد نصيب، ولا يخل ذلك بمرتبتهم ومقالهم .

فإذا ما سمعنا اعتراضا على أحدهم، ممن ألفنا وأحببنا، لا يجوز أن نرد الدعوى والاعتراض،لأن قائل الكلام فلان ، فلا اعتراض عليه، ولا يخطئ، بل نسمع الاعتراض، ونناقشه، فإما أن نقتنع، وإما أن نقنع.

والجدال يجب أن يدور حول الفكرة المعترض عليها، لا حول قائلها، لأن قائلها لم يقل هذه الكلمة فقط حتى يصبح رهيناً لها، ولن ينقصه أن يثار حول بعض آرائه الجدل ، لما ذكرت من سلوك سلف هذه الأمة وخلفها ، وكفى المرء نبلاً أن تُعَدَّ معايبُه .

وعلى العكس من ذلك نجد إنساناً آخر، يغالي في النقد، ويفرط فيه، فيأتي إلى كلمة جرت على لسان أحد الأشخاص ويجعل منها شخصية الرجل الكامل، ومن ثم يفجرها فيه، ليذهب بكل فضل له من أجلها.

ومن هذا القبيل ما يكون من بعض الدعاة الذين يتخذون الدعوة وسيلة لتثبيت مواقفهم ، وتدعيم آرائهم وإن كانت مواقفهم وآراؤهم خاطئة .

يختصم اثنان حول فكرة ما، أو حول أمر معين، فما يكون من أحدهما إلا أن يذهب إلى أصحابه، الذين يؤمنون بفكره، ويقول لهم : إن فلانا اعترض علي، أو علينا، وما يكون منهم إلا أن يقاطعوه، بل يذموه، دون أن يعرفوا وجه اعتراضه، ودون أن يناقشوا رأيه، أو يسمعوا كلامه،بل لمجرد سخط فلان عليه، أو لمجرد. اعتراضه، فجعلوا من أنفسهم إمعة يأباها الإسلام ، ويأباهم الخلق الإسلامي الكريم ،ولقد حفظوا جميعا أن الله عاتب نبيه داود إذ تسرع بالحكم في مسألة النعاج، دون أن يسمع من الخصم وعرفوا جميعاً أن هذه عصبية يمقت الإسلام عليها.

وأدركوا جميعاً أننا يجب علينا أن نبني آرائنا في الرجال على قواعد العقل والدين، لا على قواعد العاطفة والهوى .

وإن هذا الميزان يقول: لا يمكن أن ينقلب الرجل، وبلحظة واحدة، من صديق إلى عدو، دون أن يحدث أي تغير في فكره أو دينه، بل لمجرد أنه رأى رأيا يخالف رأي من يحب، أو اعترض عليه.

وتزداد الشقة، ويتسع الخلاف، وينقض العدو فيفتك بالفريقين، بعد أن تفرقا، ففشلا، فذهبت ريحهما.

ولولا أن الظروف لا تسمح لي بالكلام التفصيلي ; لسردت من الوقائع والأرقام ما يشيب له رأس الداعية مما يعانيه إخوتنا المسلمون في الدعوة اليوم.

الإنصاف. . الإنصاف

ولذلك يجب علينا جميعاً أن نتحلى بفضائل الإنصاف ، وأن نعلم أن الأشخاص ذاهبون ، وأن الدين باق ، وأن الأشخاص محكومون ، وأن الشرع حاكم ، وأن كل إنسان يؤخذ منه ويرد عليه إلا صاحب الدعوة عليه السلام ، ولا يجوز بحال من الأحوال أن يكون المرء إمعة ، إن أحسن الناس أحسن ، وإن أساءوا أساء، فما جاء الإسلام إلا لينقذنا من العصبية ويبعدنا عن الهوى والله الموفق والهادي إلى سبيل الرشاد

* * *

النساء والحلي

إن مما أدركه خلفنا – بعلمائه وعامته – من سلفنا بعلمائه وعامته ، ومما هو معلوم بالبديهة من ديننا، ومما لا يخفى على البعيدين عن الشرع علاوة عن القريبين منه، أن الشارع الحكيم أباح لإناثنا حلية الذهب والفضة وحرَّمها على ذكورنا ، بالتفاصيل المعروفة ، والضوابط المحدودة .

على هذا دلَّت الأحاديث النبوية القولية والفعلية وعليه دلَّ ما أثر عن السلف الصالح وعليه اتفقت الأمة الإسلامية .

روى أبو داود في سننه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قدمت على النبي r حلية من عند النجاشي، أهداها له، فيها خاتم من ذهب، فيه فص حبشي، قالت: فأخذه رسول الله r بعود معرضاً عنه، أو ببعض أصابعه، ثم دعا أمامه بنت أبي العاص بنت ابنته زينب ، فقال : ” تحلي بهذا يا بنية”.

وفي ” المطالب العالية ” وعزاه لمسند أبي بكر، عن زينب بنت نبيط، عن جاب، قالت : ” أوصى أبو أمامه أسعد بن زرارة إلى رسول الله r بأمي وخالتي ، فأتاه حلي فيه ذهب ولؤلؤ ، يقال له : الرعاث ، فحلاهن رسول الله r من تلك الرعاث، فأدركت ذلك الحلي الرعاث، فحلاهن رسول الله r من تلك الرعاث فأدركت ذلك الحلي عند أهلي “. قال الهيثمي في ” مجمع الزوائد ” ورواه الطبراني في عدة أسانيد ، ومن ثم حسن أحدها .

والرعاث : واحدتها رعثة ، وهي : القرط من حلي الأذن .

وروى الترمذي ، والنسائي عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله r قال : ((حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي وأحل لنسائها )) . قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .

وروى أبو داود والنسائي ، عن علي بن أبي طالب رضٍي الله عنه قال : رأيت رسول الله r أخذ حريراً فجعله في يمينه، وذهبا فجعله في شماله، ثم قال إن هذين حرام على ذكور أمتي .

ففي هذه الأحاديث من وضوح الدلالة ، وظهور النص ما يكفي للقول بحل الذهب والفضة للنساء مطلقاً،دون حاجة إلى بيان وتفصيل،أو شرح وتحليل،(( لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ))

وروى أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، والدار قطني ، واللفظ لأبي داود ، عن عمرو بن شعيب رضي الله عنه ، عن أبيه ، عن جده ، أن امرأة أتت النبي r ومعها ابنة لها ، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب ، فقال لها : (( أتعطين زكاة هذا ؟ )) قالت : لا ، قال : أيسرّك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار ، قال : فحذفتهما ، فألقتهما إلى النبي وقالت : هما لله ولرسوله .

ولفظ الترمذي والدار قطني، أن امرأتين أتتا رسول الله r وفي أيديهما سواران من ذهب ، فقال لهما : ” أتؤديان زكاته ؟ )) قالتا : لا ، فقال لهما رسول الله r : ” أتحبان أن يسوركما الله بسوارين من نار ؟ ” قالتا : لا ، قال : ” فأديا زكاته ” .

وأخرج أبو داود : والدا رقطني عن عائشة زوج النبي – قالت : دخل علي رسول الله r فرأى في يدي فتختان من وَرِق ، فقال : r ” ما هذا يا عائشة ؟” فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله ، قال : أتؤدين زكاتهن ؟ قلت: لا ،أو ما شاء الله، قال :”هي حسبك من النار” .

والفتخة : حلقة لا فص لها : تجعلها المرأة في أصابع رجليها ، وربما وضعتها في يدها .

وروى أحمد بإسناد حسن عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها قالت: دخلت أنا وخالتي على النبي، وعلينا أسورة من ذهب، فقال لنا: ” أتعطيان زكاته ؟” قالت : فقلنا : لا ، فقال : (( أما تخافان أن يسوركما الله أسورة من نار ، أديا زكاته )) .

وروى البخاري عن النبي r أنه قال للنساء في موعظته إياهن : ” تصدقن ولو من حليكن ” .

وفي هذه الأحاديث أيضا ، ما يدل دلالة واضحة على أن رسول الله r أقر النساء على اتخاذ الحلي من الذهب والفضة زينة يتزين به ، سواء أكان سوارا ، أم خاتما، أم قرطا ، أم طوقا ، وأمرهن أن يتصدقن منه ببعضه، ولو كان حراما لنهاهن عنه مطلقا، وإنما حرم عليهن اتخاذه مع عدم دفع زكاته ، ولم يأمرهن بتركه وتجنبه . ويزيد هذا وضوحا .

ما رواه أبو داود بإسناد حسن عن أم سلمة قالت : كنت ألبس أوضاحاً من ذهب ، فقلت : يا رسول الله ، أكنز هو ؟ فقال : ” ما بلغ أن يؤدي زكاته فزكي ، فليس بكنز ” ولم ينهها عليه الصلاة والسلام عن لبسه ، ولم يحرمه عليها ، بل أباحه لها إن زكته إذا بلغ ما تجب فيه الزكاة .

روى مالك في الموطأ ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تحلي بنات أخيها ، يتامى في حجرها، لهن الحلي، فلا تخرج منه الزكاة .

وهذا إسناد صحيح عن عائشة .

وروى الدار قطني بإسناده عن أسماء بنت أبي بكر – رضي الله عنها – أنها كانت تحلي بناتها الذهب ولا تزكيه نحواً من خمسين ألفاً.

وقد اختلف السلف من الصحابة، والتابعين والأئمة المجتهدين، في وجوب الزكاة على الحلي المباح، بعد أن اتفقوا على جواز اتخاذه واستعماله للنساء دون الرجال، وهم على كثرتهم لم ينقل عن واحد منهم تحريمه بل الذين نقلت عنهم الإباحة وهم:

عمر بن الخطاب ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن مسعود ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وسعيد بن المسيب ، وعطاء ،وسعيد بن جبير ، وعبد الله بن شداد ، وميمون بن مهران ، وابن سيرين ، ومجاهد ، وجابر بن زيد ، والزهري، وسفيان الثوري ، وأبو حنيفة ، وابن المنذر ، وعبد الله بن عمر ، وجابر بن عبد الله ، وأسماء ابنة أبي بكر ، وعائشة ، والشعبي ، والقاسم بن محمد ، ومالك ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق ، والإمام الشافعي رضي الله عنهم .

ولم ينقل إلينا عن أحد من أئمة المسلمين أنه قال بحرمة الذهب والفضة حلياً على النساء، ولا نعرف خلافا في جواز استعمالهن له.

قال الإمام النووي في ” المجموع ” 6 / 36 : (( أجمع المسلمون على أنه يجوز للنساء لبس أنواع الحلي من الفضة ، والذهب جميعاً ، كالطوق ، والعقد ، والخاتم، والسوار ، والخلخال ، والتعاويذ ، والدماج ، والقلائد ، والمخانق ، وكل ما يتخذ في العنق وغيره ، وكل ما يعتد لبسه ، ولا خلاف في شيء من هذا )) .

وقال ابن قدامة الحنبلي في “المغني ” 2/ 609 : ” ويباح للنساء من حلي الذهب والفضة والجواهر كل ما جرت عادتهن بلبسه، مثل السوار ، والخلخال، والقرط ، والخاتم ، وما يلبسنه على وجوهن ، وفي أعناقهن ، وأيديهن ، وأرجلهن ، وآذانهن، وغيره ” .

وقال الإمام ابن تيمية في ” فتاواه ” 25/ 64 : ” وأما باب اللباس، فإن لباس الذهب والفضة يباح للنساء بالاتفاق ” .

بل ذهب ابن تيمية إلى التسامح في يسير الذهب التابع لغيره في حق الرجال، إذا كان الذهب مقطعاً كالطرز وغيره، وعزاه لأصح القولين في مذهب أحمد .

ولا أظن أننا بعد هذا الذي ذكرناه من الحديث، والأثر، وإجماع الأمة بحاجة إلي دليل آخر على جواز استعمال الذهب والفضة بكافة طرق لاستعمال وأنواعه في حق النساء دون الرجال.

ولكن العجب كل العجب من رجل يضرب عن كل هذه الأحاديث والآثار، وعن إجماع الأمة، ويذهب مذهباً لم يوافقه أحداً من سلف الأمة ولا خلفها عليه، فيذهب إلى حرمة التحلي بالذهب على النساء ألا وهو الأستاذ محمد ناصر الدين الألباني في كتابه ” آداب الزفاف ” ص 132 الطبعة الثالثة ، حيث يقول فيه :

” واعلم أن النساء يشتركن مع الرجال في تحريم خاتم الذهب عليهن ومثله السوار، والطوق من الذهب ” ثم ذهب يستدل على ما ذهب إليه بما لا دلالة فيه مما سنبينه بعد قليل، وذيل كلامه بحثاً مستقلاً ، نبين فيه حقيقة الإجماع ، ومرتبته في مصادر التشريع .

وأظن أن شهوة الإتيان بالجديد ولو كان مخالفاً للحق والواقع ، قد جمحت ببعض الناس إلى ركوب الصعب، واقتحام المشاق، ولو رحموا أنفسهم وأخلصوا لله نيتهم، وأنصفوا، وتواضعوا، لأراحوا أنفسهم من عناء التخبط في دين الله مما قد يؤدي بهم إلى المهالك .

فإن ما استشهد به من زعم حرمة الذهب على النساء مما روى عن رسول اللهr من أحاديث لا دلالة فيه كما سنبينه .

فقد روى أبو داود والنسائي بإسناد جيد عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها ـ أن رسول الله r قال: ” أيما امرأة تقلدت قلادة من ذهب قلدت في عنقها مثلها من النار يوم القيامة، وأيما امرأة جعلت في أذنها خرصاً من ذهب جعل في أذنها مثله من النار يوم القيامة ” .

وروى أبو داود وغيره عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله r قال : (( من أحب أن يحلق حبيبه حلقة من نار فليحلقه حلقة من ذهب ، ومن أحب أن يطوق حبيبه طوقاً من نار فليطوقه طوقاً من ذهب ، ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها )) .

وروى النسائي عن عقبة بن عامر أن رسول الله كان يمنع أهله الحلية والحرير ويقول: (( إن كنتم تحبون حلية الجنة وحريرها، فلا تلبسوها في الدنيا )).

وروى النسائي عن ثوبان رضي الله عنه قال : جاءت هند بنت هبيرة رضي الله عنها إلى رسول الله في يدها فتخ من ذهب – أي خواتيم ضخام – فجعل رسول الله r يضرب يدها ، فدخلت على فاطمة رضي الله عنها – تشكو إليها الذي صنع بها رسول الله r ، فانتزعت فاطمة سلسلة في عنقها من ذهب ، قالت : هذه أهداها أبو حسن، فدخل رسول الله r فقال: (( يا فاطمة ، أيغرك أن يقول الناس ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي يدك سلسلة من نار )) ثم خرج ولم يقعد، فأرسلت فاطمة – رضي الله عنها – بالسلسلة إلى السوق، فباعتها، واشترت بثمنها غلاما، وقال مُرَّةُ عبداً ، وذكر كلمة معناها، فأعتقته، فحدث بذلك النبي صلى الله عليه وسلم r فقال : ((الحمد لله الذي أنجي فاطمة من النار)) . وروى النسائي عن معاوية أن رسول الله r نهى عن لبس الذهب إلا مقطعاً.

فهذه الأحاديث وما شابهها من الأحاديث التي تدل بظاهرها على تحريم الحلي على النساء ، معارضة بالأحاديث الصحيحة التي ذكرناها آنفاً، والتي اعتضدت بإجماع الأئمة من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، ولذلك وجب تأويل هذه الأحاديث التي تدل بظاهرها على التحريم ، للتوفيق بينها وبين الأحاديث التي تعارضها والتي هي أقوى منها لاعتضادها بإجماع الأمة الذي يعد المصدر الثالث من مصادر التشريع بعد القرآن والسنة .

ولذلك قال الإمام الحافظ المنذري في كتابه (( الترغيب والترهيب )) : وهذه الأحاديث التي ورد فيها الوعيد على تحلي النساء بالذهب تحتمل وجوهاً من التأويل :

أحدها:

أن ذلك منسوخ، فإنه قد ثبت تحلي النساء بالذهب.

الثاني :

أن هذا في حق من لا يؤدي زكاته ، دون من أداها ، ويدل على هذا حديث عمرو بن شعيب ، وعائشة ، وأسماء أي الأحاديث 5 ، 6 ، 7، التي ذكرناها آنفاً .

الثالث:

أنه في حق من تزينت به وأظهرته، ويدل لهذا ما رواه النسائي ، وأبو داود ، عن ربعي بن خراش ، عن امرأته ،عن أخت لحذيفة، أن رسول الله قال : (( يا معشر النساء ، ما لكن في الفضة ما تحلين به ، أما إنه ليس منكن امرأة تتحلى ذهباً وتظهره إلا عذبت به )) وأخت حذيفة اسمها فاطمة .

وقال النسائي : باب الكراهة للنساء في إظهار حلي الذهب .

الرابع :

أنه إنما منع منه في حديث الأسورة والفتخات لما رأى من غلظه، فإنه مظنة الفخر والخيلاء ، وبقية الأحاديث محمولة على هذا . اهـ .

وقال الإمام جلال الدين السيوطي في كتابه ” زهر الربي على المجتبى ” شرح سنن النسائي ، عند الكلام على أحاديث الباب الذي فيه حرمة الذهب على النساء مما رويناه قبل قليل : هذا منسوخ بحديث (( إن هذين حرام على ذكور أمتي حل لإناثها )) ، قال ابن شاهين في ” ناسخه ” : كان في أول الأمر يلبس الرجال خواتيم الذهب وغير ذلك ، وكان الحظر قد وقع على الناس كلهم ، ثم أباحه رسول الله للنساء دون الرجال ، فصار ما كان على النساء من الحظر مباحاً لهن ، فنسخت الإباحة الحظر .

وحكي النووي في شرح مسلم ” إجماع المسلمين على ذلك “.ا هـ .

قلت : وممن نقل الإجماع أيضاً ابن تيمية في “الفتاوى ” كما أسلفنا ، والبيهقي في السنن ، وابن حجر في الفتح .

وقال السندي في حاشيته على النسائي : (( ولولا الإجماع لكان الظاهر أن يقال : أولاً كان الذهب حلالاً للكل ، ثم أبيح للنساء دون الرجال ، ثم حرم على النساء أيضاً )) . أهـ .

فانظر إلى دقة هذا الإمام ، وانظر إلى علمه ، فالإجماع من مصادر التشريع التي لا يجوز الخروج عنها ولو لم يقترن بدليل شرعي ، كما هو مقرر عند علماء الأصول ، فكيف به إذا اقترنت به عشرات الأحاديث الصحيحة الدالة على ما دل عليه ولكنها العصبية المفرطة ولا يسعنا نحن في خضم التيارات العنيفة التي تجتاح مجتمعنا الإسلامي وقد درس العلم، وفشا الجهل ، ورأينا الشح المطاع ، والهوى المتبع ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه إلا أن نقول ما أمرنا الله به عند نزول المصائب : ” إنا لله وإنا إليه راجعون ” .

وفي ختام هذا البحث نعود فنقول :

إن التحلي بالذهب والفضة جائز للنساء مطلقا ، لا فرق بين المقطع منه والمتصل ، فالأحاديث الواردة في حله عامة، لم تخص نوعا دون نوع ، وما ورد منها في جواز المقطع فقط يحمل على المحامل التي ذكرناها عن المنذري والسيوطي آنفاً .

وسواء في الحلي ما كان من الحلي في اليد، أم العنق، أم الأذن، أم غير ذلك إلا أننا نقول إن الإسراف في استعمال الحلي حرام ، لا لأنه ذهب أو فضة ، وإنما لأنه سرف وتبذير ، وقد قال تعالى : ]إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ[ {الإسراء/27} والسرف ليس له ضابط في الشرع ولا في اللغة ، ولذلك يرجع فيه إلى العرف كما هو مقرر في القواعد الفقهية العامة .

وأخيراً إليك ما قاله إمام السلفية وحامل لوائهم ، ابن تيمية في ” الفتاوى ” 25/64 :

” وباب اللباس أوسع من باب الآنية، فإن آنية الذهب والفضة تحرم على الرجال والنساء، وأما باب اللباس: فإن لباس الذهب والفضة يباح للنساء بالاتفاق، يباح للرجل ما يحتاج إليه من ذلك ، ويباح يسير الفضة للزينة، وكذلك يسير الذهب التابع لغيره، كالطرز ونحوه في أصح القولين في مذهب أحمد وغيره، فإن النبي نهى عن الذهب إلا مقطعاً. ا هـ .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

* * *

(1) دائرة معارف القرن العشرين 6 / 210

(2) صدر عن دار البشائر الإسلامية ، بيروت ، في 1994 م .