الهجوم على علماء الأصول ورميهم بالباطل وعناوين أخرى

المتفيهقون

أ. د. محمد حسن هيتو

الهجوم على علماء الأصول ورميهم بالباطل وعناوين أخرى

إن نماذج الجهل التي أشرت إليها في موضوعي السابق ليست محصورة قي مكان معين ، أو قطر معين ، بل هي منتشرة اليوم في كل قطر من أقطار الإسلام ، بعد أن فرغت الساحة أو كادت من العلماء ، الذين كانوا يردون الشبه ، ويزيلون الإشكالات، ويبينون الحقائق ، ويعيشون فيما حولهم هالهَ من العلم والمعرفة يفيد منها كل من تلقى عنهم ، أو اتصل بهم ، وبِخُلُوِّ الساحة منهم ، انقرض العلم ، وفشا الجهل ، وانتشر الزيغ والضلال ، واتخذ الناس رؤساء جهالاً فأفتوا بغير ما أنزل الله ، فضلوا وأضلوا ، كما قال r.

لقد كنت في زيارة لإحدى الجامعات الإسلامية، لإلقاء بعض المحاضرات في الفقه والأصول، وكان الطلاب يتهافتون علي للسؤال ، وكان همهم أن يعرفوا الجواب ، ويقنعوا به ، وينصرفوا ، ككل سائل منصف يريد الوصول إلى الحق ، واستجلاء الصواب .

وجاءني أحد الطلاب، وقد بدت عليه أمارات الزهو، إذ كان مشفوعاً بالثناء عليه ممن قدمه، فطلب منه أن يطرح مسألته ، ككل طالب سبقه ، إلاَّ أنه في الواقع لم يكن باحثاً عن جواب لما أشكل عليه من سؤال ، وإنما كان يريد أن يحاضر،فهو لم يأت مسترشداً ، بل أتى مرشداً، وإلى هنا لا نكارة في الموضوع إذ أن كثيراً من الناس ممن يسأل يسوق السؤال بمحاضرة طويلة جوابه بكلمتين، كما أنه يمكن أن يختصر بكلمتين ، اللهم إلا أن يقال : إنه يضيع الوقت على زملائه ممن يريد أن يستوضح ويسأل .

ولكن الغرابة أنه بدأ محاضرته بالهجوم الكاسح على علماء الأمْة، من السلف، وخص منهم الأصوليين، لكوني أحاضر في الأصول فقال:

إن علماء الأصول يدورون في حلقة مفرغة، فلا هم قادرين على الخروج منها، ولا هم قادرين على الاستقرار فيها، وأنهم يخوضون في مباحث فلسفية محضة لا طائل تحتها، ولا ثمرة لها، وأنهم،وأراد أن يستمر في الإزراء عليهم، وتعداد ما يزعمه من عيوبهم، وهنا تصديت له حتى لا تتراكم الاتهامات، فلا يستطيع هو أن يتذكرها، لأنه كان يتكلم بعاطفته المشحونة لا بعقله المتزن، ولا أنا أستطيع أن أجيب عليها.

ولذلك قلت له: أرجو أن نمشي خطوة خطوة، وأن لا نشرع في موضوع حتى نتم الموضوع الذي قبله، فاحفظ ما تريد أن تقول لي، ودعنا نتكلم فيما قلت، حتى نكون أقدر على استجماع الذهن، وأحكم في بلوغ المراد .

فاستجاب ….

فقلت له : إنك زعمت أن علماء الأصول يخوضون في مباحث فلسفية محضة، لا طائل ولا ثمرة لها، فقال: نعم .

فقلت له : ما هو مثالها ؟

فقال : الأمثلة كثيرة …..

فقلت له : أرجو منك أن تذكر لي مثالاً واحد من هذه الأمثلة الكثيرة، حتى نكون على تعيين مما ذكرت، ولا نقذف علماء الأمة في أعظم علومهم الشرعية، بما ينفر منهم، ويدعو إلى الابتعاد عنهم، وإلاَّ فكلامك كلام عاطفي غير صحيح، لأنك تتكلم في زعمك عن أمر واقع، فلا بد له من مثال واقع، وإلاَّ قلت لك: إن كلامك خاطئ، وكلامهم صواب، وليست تخطئتك لهم بأولى من تصويبي لهم، إذ كل منا يتكلم عن عاطفة وانفعال لا عن حقيقة ودافع .

فقال: مثال ذلك قاعدة من قواعدهم الأصولية، في مباحث الأمر، وهي أن الأمر بالأمر بالشيء، هل هو أمر بذلك الشيء أم لا….؟

وهذه قاعدة فلسفية لا فائدة منها، فذكرها في كتب الأصول تضيع للوقت، وإقحام لنا في مباحث فلسفية نحن بغنى عنها .

فقلت له: أولاً ؛ وقبل كل شيء يجب على السائل إن كان يريد أن يسأل ليتعلم أن يكون أديباً في سؤاله، بعيداً عن الهجوم والتجريح قبل أن يتبين له وجه الحق من الباطل، والخطأ من الصواب، حتى يجعل المسئول قادراً على الإجابة وهو مشروح الصدر، مطمئن القلب، وإلا فإنك بمثل هذا الهجوم الذي ينم عن التضجر والتذمر، بل الحقد أحياناً، إنك بمثل هذا تفرض على من تسأله أن يقف منك موقف الند المخاصم، لا موقف المعلم المجيب، وشتان بين الموقفين، مما يعكس أكبر الضرر على طبيعة الجواب .

وإن مما تعلمناه من أدب السؤال أن يطرح السائل سؤاله برفق، وفي ظرف يناسب الأستاذ، وأن يظهر الرغبة في معرفة الجواب، كما يظهر التواضع والاحترام والتوقير لمن يسأله، ” فليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا، ويعطي عالمنا حقه ” .

وثانياً : أرجو منك ومن غيرك حينما يطرح السؤال، أو الموضوع للبحث أن لا يفترض مسبقاً صحة ما يذهب إليه، وبطلان ما يخالفه، وإلاَّ لم يعد في هذه الحالة سائلاً، ولا باحثاً، وإنما صار في هذه الحالة مقرراً ومحاضراً، ولم يعد في هذه الحالة بحاجة إلى جواب .

وإنما يجب عليه أن يطرح السؤال بعيداً عن هذا الفرض، فربما كان عند المسئول ما يخالفه أو يرده ويبطله، بما يأتي به من وجه صواب، وقول محكم، وبهذا يسلم للسائل ماء وجهه، وقد استفاد ما لم يكن يعلم، وتبين له خطأ ما كان يعرف ويعتقد.

وثالثاً: يجب علينا أن نضع في أذهاننا أن أسلافنا رضوان الله عليهم كانوا غيورين على هذا الدين ـ في أسوأ الاحتمالات ـ كغيرتنا عليه، وفي أكثر الاحتمالات كانت غيرتهم أكبر من غيرتنا بمئات بل بآلاف المرات، فلماذا هذا الظن السيئ بهم، ونحن لما نعرف بعد الحق من الباطل .

أيهما أفضل ما دمنا لم نصل بعد إلى أدنى درجات العلم، أن نهاجم أولئك السلف بما ظننا أنه خطأ في وهمنا، أم أن نلتمس لهم العذر، فلعلهم أدركوا فائدة لما قالوه مما لم ندركه نحن اليوم ….؟

لا أشك ولا أظن أن أحداً يشك في ترجيح الاحتمال الثاني، فهم لم يقولوا ما قالوه، إلاَّ لما ترجح عندهم من الفائدة له، ولا سيما إذا كان كل من أتـى من بعدهم قد سار على طريقتهم .

وأما رابعاً: فإليك ما يدلك على خطأ ظنك، وبطلان زعمك، وأنك كنت مفترياً على العلماء فيما كنت تزعم وتَهِمُ .

وذلك أن هذه المسألة من مسائل الأمر المهمة لما ترتب عليها من الآثار الفقهية التي سأذكرها ولم تطلع عليها .

فمن ذلك قول النبي r : ” مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر” .

قال الأصوليين: هذا ليس أمراً للصبيان، وإنما هم أمر للآباء أن يأمروا الصبيان، والأمر بالأمر بشيء ليس أمراً بذلك الشيء، وذلك لأن الصبيان ليسوا محلاً للتكليف، إذ التكليف منوط بالبلوغ، فما لم يكن الإنسان بالغاً مكلفاً ، لا تتعلق به الأحكام الشرعية، فلا يتعلق به أمر ولا نهي، ولذلك أمر رسول الله الآباء، ولم يأمر الأبناء، وأمره للآباء أن يأمروا أولادهم ليس أمراً للأولاد لما ذكرنا .

ومن هذا أيضاً قول رسول الله r لعمر حينما طلق ابنه عبد الله زوجته، قال لعمر: ” مر عبد الله أن يراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسكها وإن شاء طلقها ” .

ولذلك لم يوجب جمهور الفقهاء الرجعة فيمن طلق امرأته وهى حائض، لأن النبي r لم يأمر عبد الله في هذا الحديث، وإنما أمر أباه أن يأمره، والأمر بالأمر بالشيء ليس أمراً بذلك الشيء .

وهناك فروع أخرى كثيرة لهذه القاعدة الأصولية المهمة، فهي إذن ليست قاعدة فلسفية لا فائدة منها،

وإنما هي قاعدة شرعية كل الفائدة فيها، فإذا كنت يا هذا غير عارف بآثارها، فليس معنى هذا أنها لا آثار لها، فليس إذا كان الإنسان أعمى لا يرى الألوان، ليس معنى هذا أنه ليس في الكون ألوان، بل معنى هذا أنه عاجز عن رؤية وإدراك الألوان.

ولذلك يجب عليك وعلى أمثالك ممن كان في بداية الطلب للعلم أو في نهايته، أن يكون على طلب الفائدة في التعلم أحرص منه على وأدها بالهجوم عليها والتشهير بها، لظن خاطئ، ووهم باطل، وإلاَّ كانت النتيجة دوماً كما سمعت ورأيت .

* * *

قضاء الصلاة المتروكة عمدا

إنني لا زلت في سياق الكلام على المتفيهقين ، وعجائب ما تتفتق عنه أذهانهم من الأوهام زاعمين أنها ذروة ما توصل إليه العقل من العلم والمعرفة .

لقد سألني بعضهم عن حكم الصلاة التي يتركها الإنسان عمدا ، من حيث القضاء وعدمه ؟

فقلت له : يجب قضاء هذه الصلاة ، باتفاق الأئمة الأربعة ، أبي حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد ، وأتباعهم في كل العصور .

فقال لي : إن هذا يخالف الحديث الصحيح ، الثابت عن رسول الله r، والذي لا يوجب قضاء الصلاة إلا على من تركها بسبب النوم أو النسيان، وأما من تركها عمدا، فلا قضاء عليه .

فقلت له : وما هو هذا الحديث ؟ والحديث معروف إلا أنني أردت أن أتثبت من أنه يريده بنطقه له .

فقال : ما رواه البخاري ، ومسلم ، ” أن رسول الله r قال : من نام عن صلاة أو نسيها ، فليصلها إذا ذكرها ” .

فنص الحديث على وجوب القضاء على الناسي والنائم فقط ، أي فلا يجب القضاء على من سواهما ، لأنه سكت عنه .

فقلت له : إن مرادك الاستدلال بمنطوق الحديث على وجوب القضاء على النائم والناسي ، وبمفهومه على عدم وجوبها على من سواهما ، استدلالاً بالمنطوق والمفهوم . فقال : نعم ، هو ما أردت

فقلت له : يا هذا … لا تقل إن علماء الأمة مع من تقدمهم من الأئمة الأربعة قد خالفوا حديث رسول الله r، وهم يعرفونه ويحفظونه ، وهم الذين نقلوه إلينا ولولاهم لما عرفناه . فإن في الأمة من هو أحرص مني ومنك على دين الله ، وحديث رسول الله r . وإن فيهم لمن عرف به تاريخ هذه الأمة .

والفقه الإسلامي الذي دونه الأئمة وأتباعهم ، ما دونوه إلا استنباطا من كتاب الله وسنة رسول الله .

ولكن قل لي بأدب المتعلم : كيف فهم أولئك السلف من عظماء الأمة حديث رسول الله r لتصل إلى المراد من فهم الحديث ، وتفوز بشرف الأدب الذي يجب أن يتحلى به طالب العلم ، وعندها يمكن لي أن أجيب .

وأنا لا أريد أن أخوض في هذه المسألة وأدلتها ، وفقد فرغت منها أمتنا منذ أربعة عشر قرناً .

وأتفق الأئمة الأربعة وأبتاعهم على وجوب القضاء للصلاة التي تترك عمداً .

ونحن حينما نقول اتفق الأئمة الأربعة وأتباعهم لا نعني بذلك عدة رجال ، وإنما نعني به الآلاف المؤلفة من عظماء أمتنا، من المفسرين، والمحدثين، والفقهاء، والأصوليين والمناطقة، واللغويين، وغيرهم ، ممن ملأت تراجم مئآت المجلدات من كتب التاريخ، وإنما أريد فيما أقوله أن أبين لك خطأ استدلالك بهذا الحديث، على ما ذهبت إليه من الفهم، من أن القضاء يجب على من ترك الصلاة سهوا أو نسيانا ، لا على من تركها عمدا ، لأبين لك أن الخطأ ليس في فهم الفقهاء ، إنما هو في فهمك الخاطئ لهذا الحديث .

يا هذا لقد استدللت بمنطوق الحديث على وجوب القضاء على النائم والناسي ، وهذا لا غبار عليه .

واستدللت بمفهومه على عدم وجوب القضاء على من سواهما ، وهذا هو الخطأ الذي وقعت فيه .

وذلك لما يلي :

إن الاستدلال بمفهوم المخالفة استدلال مهزوز ضعيف ، وقع فيه نزاع كبير بين الأصوليين .

فقد أنكره الحنفية ، والقاضي أبو بكر الباقلاني من المالكية ، والقفال ، والقاضي أبو حامد المروزي ، والغزالي في كتابه ” المستصفى ” دون ” المنخول ” والآمدي، والإمام الرازي في كتابيه ” المنتخب ” و ” المحصول ” من أصحابنا الشافعيين ، والقاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري من المعتزلة.

والقائلون بالمفهوم لم يقولوا به في كل مفهوم ، إذ اتفقوا تقريبا على عدم الاحتجاج بمفهوم اللقب .

وأما بقية المفاهيم من مفهوم الصفة، والشرط، والغاية، والعدد، والحال، والزمان، والمكان، وغيرها فقد وقع فيها خلاف، ولبعضهم فيها شروط وقيود وضوابط، لا أريد الاستطراد في شرحها، فليس هذا مكانها، وإنما يرجع إليها في كتب الأصول .

كما اتفق القائلون بمفهوم المخالفة على أنه لا يحتج بمفهوم المخالفة إلا إذا توفرت فيه ستة شروط ، فإذا انتفى واحد من هذه الشروط الستة فإنهم يعطلون العمل بمفهوم المخالفة .

ولذلك اتفقوا على عدم العمل بمفهوم هذا الحديث ، لأنه لم يتخلف فيه شرط واحد من شروط العمل بمفهوم المخالفة ، وإنما تخلف فيه ثلاثة شروط من شروطه ، ولذلك لم يعملوا به اتفاقا .

وهذه الشروط هي :

أن لا يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به ، وذلك كقوله تعالى : فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ {الإسراء/23} فإنه لا يفهم منه جواز الضرب لأن الضرب المسكوت عنه أولى بالحرمة من التأفيف المنطوق به .

أن لا يكون المسكوت عنه ترك لخوف ، فإن كان كذلك ، لم يعمل بالمفهوم ، وذلك كقول رجل حديث عهد بالإسلام ، لوكيله ، بحضور المسلمين : تصدق بهذا المال على المسلمين ، وهو يريد المسلمين وغيرهم من المحتاجين ، إلا أنه سكت عنهم خوفا من أن يتهم بالنفاق . فإذا قامت القرينة على أنه إنما سكت عن المعنى المفهوم خوفا ، عُطل العمل به .

أن لا يكون المسكوت عنه ترك للجهل به ، كمن قال : النفقة واجبة للأصول والفروع ، وهو يجهل حكم النفقة على الأطراف ، فإنه لا يعمل بالمفهوم هنا ، فلا يحكم بأن النفقة للأطراف ليست واجبة . لأنه يجهل حكمها ، فسكوته عنها ، لا لأن النفقة غير واجبة ، وإنما لعدم علمه بها ، ولذلك تعطل العمل بالمفهوم .

أن لا يكون المنطوق خرج مخرج الغالب ، فإن كان كذلك ، تعطل العمل به ، وذلك كقوله تعالى : وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم {النساء/23} فإن مفهوم هذا النص أن الربيبة إذا لم تكن في حجر زوج الأم ، جاز نكاحها ، إلا أن هذا المفهوم غير مراد ، والعمل به معطل ، لأن الحكم خرج مخرج الغالب، إذ غالبا ما تكون الربيبة في حجر الزوج مع أمها ، ولذلك قيد بها، وليس المراد نفي الحكم عن الربيبة التي لا تكون في الحجر .

وكذلك لم يعملوا بمفهوم قوله تعالى : لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً {آل عمران/130} لأن ذكر الضعف خرج مخرج الغالب ، أو العادة الجارية التي كانت متعارفا عليها ، لا من أجل نفي الحرمة عن الربا اليسير ، وإن كان مفهوما من الكلام لكل عاقل .

أن لا يكون المذكور بالحكم خرج جوابا لحادثة أو واقعة معينة وذلك كنهيه r عن بيع الرطب بالتمر ، فمفهومه أنه يجوز أن يباع الرطب بالرطب ، ولكن هذا المفهوم غير مراد ، لأن الكلام خرج جوابا لحادثة وسؤال معين، فهو يدور مع السؤال في عمومه وخصوصه ، ولا يراد منه أبدا نفي الحكم عما سوى المذكور .

أن لا يكون المذكور خرج مخرج الواقع ، فإن كان كذلك لم يعمل بالمفهوم، وذلك كقوله تعالى : “لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ” {آل عمران/28} فإن مفهوم هذه الآية أنه تجوز موالاة الكافرين مع المؤمنين ، وإنما النهي عن موالاتهم منفردين دون المؤمنين .

إلا أن هذا المفهوم غير مراد والآية لم تنزل لبيان هذا المفهوم ، وإنما نزلت في واقعة معينة ، في قوم وَالَوْا الكافرين دون المؤمنين ، فنهوا عن ذلك ، فالحكم أريد به بيان الواقع ، لا نفي الحكم عن غيره .

وأنا لا أريد أن أستطرد في ذكر الأمثلة ، فكتاب الله وسنة رسول لله rمليئان بها، وإنما ذكرت ما ذكرت تمهيداً لقول رسول الله r: ” من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ”

فقد قال العلماء فيه ما قيل في الأمثلة التي ذكرتها وعطل فيها العمل بالمفهوم، فقالوا : هذا الحديث يعطل العمل بمفهومه، لأن المسكوت عنه ، وهو ترك الصلاة عمداً ، أولى من المنطوق به وهو ترك الصلاة سهواً أو نسياناًَ .

فإذا كان القضاء قد وجب على تارك الصلاة بعذر النوم أو النسيان ، وقد رفع عنه القلم ، وسقط عنه التكليف ، فأن يجب على من تركها بغير عذر من باب أولى .

وثانيا : لأن هذا الحكم خرج مخرج الغالب ، إذ الغالب من حال المؤمن أنه لا يترك الصلاة إلا بسبب من نوم أو نسيان ، وليس معناه أنه إذا تركها في غير هاتين الحالتين لا قضاء عليه .

ولا ضرورة للتنصيص على كل حالة ، إذ الشارع يكتفي بالتنصيص على بعض الصور ، ويقاس عليها ما في معناها من الصور الأخرى التي لم ينص عليها، وإلا ، فما هو القياس الذي يعتبر أوسع مصادر التشريع على الإطلاق ؟

وثالثا : قد ورد هذا الحديث في واقعة معينة حدثت مع رسول الله وأصحابه ، إذ ناموا عن صلاة الصبح حتى ضربتهم الشمس ، وبعد أن استيقظوا، أمر رسول الله r بالخروج من الوادي الذي كانوا فيه ، وأمر بلالاً أن يؤذن ويقيم، وصلى بالناس قضاء ، ثم قال للناس وقد بدا عليهم التأثر لم بدر منهم وصاروا يتلاومون ، قال لهم : ” من نام عن صلاة أو نسيها ، فليصلها إذا ذكرها” ومراده بيان حكم الواقعة التي وقعت ، وليس مراده نفي الحكم عما سواها من الوقائع .

ورابعا : لقد علل رسول الله rوجوب قضاء الحج عن الميت بقوله r: ” أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه ؟ قال : نعم ، قال : فدينُ الله أحق بالقضاء ” .

وهذا عام فيما كان بعذر، أو بغير عذر، وعام في الحج وغيره، والعمل بمنطوق هذا الحديث ، أولى من العمل بمفهوم ذاك إذا تعارضنا .

فما بالنا إذا لم يتعارضا، إذ تعطل مفهوم ذاك، ووجب العمل بمفهوم هذا …؟!

يا هذا من أجل ما ذكرته لك هنا في تعطيل العمل بمفهوم هذا الحديث ، أعرض فقهاء المسلمين من الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، عن العمل بمفهومه ، لما ذكرت ، لا إعراضا عن قول رسول الله rوإلاَّ فهم أحرص على دين الله ، وحديث رسوله من كثير من المتفيهقين في عصرنا هذا ، إن جاز لنا أن نفاضل بينهم ، متجاهلين قول الشاعر :

ألم تر أن السيف ينقُصُ قدره إذا قيل : هذا السيفُ خيرٌ من العصا

ومرة ثانية : أنا لا أريد الاستدلال على هذه المسألة ، فقد فرغت منها أمتنا منذ أربعة عشر قرنا ، وإنما أريد أن أبين وجه خطأ من أخطأ بجهله وتفيهقه .

يا هذا نحن لا نريد أن نحجر على الناس الفتوى والاجتهاد ، فما كان لنا أن نغلق باباً فتحه الشرع .

ولكننا نريد أن نقول للناس : تَعَلَّموا قبل أن تفتوا وتجتهدوا .

يا هذا من تطبب بغير طب فقد برئت منه ذمة الإسلام ، ومن أفتى بغير علم فقد ضل وأضل .

وقد روي في الحديث : ” إن أبغضكم إليَّ الثرثارون المتفيهقون ” .

* * *

نقض الوضوء بلمس المرأة

لقد جرى علماء أمتنا على مدى تاريخنا العلمي الطويل ، الذي ملأ مكتبات العالم بفنون العلم ، وضروب المعرفة ، لقد جرى علماء أمتنا في منهجهم العلمي على مبدأ الاستقامة والأمانة العلمية ، في عَزْوِ الفائدة العلمية إلى قائلها ، وعدم سرقتها أو ادعائها، سواء في ذلك الكتب التي ترجموها ، أو دَوَّنوها .

وإذا كانت المسألة العلمية من المسائل الخلافية ، فإنهم كانوا يذكرون كل ما يؤثر فيها من قول أو معرفة ، ويعزونه إلى قائله ، فإن كان حقا رجحوه ، وإن كان باطلا ردوا عليه .

فما عرفوا العصبية في العلم ، بل ضربوا أروع الأمثلة الدالة على رحابة الصدر، وسعة الأفق ، والتسامح ، فكانوا يذكرون آراء مخالفيهم إلى جانب آرائهم ، وبكل أدب واحترام .

وربما كانت المسألة شرعية، لا عبرة فيها بخلاف غير المسلمين لهم فيها، إلاَّ أنهم رغم هذا كانوا يذكرون في بعض المواطن بعض الخلاف ، لمن خالفهم في المعتقد، ويبينوا بطلانه .

فقد ذكروا أثناء كلامهم على إفادة الخبر المتواتر للعلم – ذكروا السَُمَّنية والبراهمة فيه مع أنهم ليسوا من المسلمين .

وعند الكلام على النسخ في القرآن والسنة ذكروا خلاف اليهود ، بل ذكروا ما قالته بعض فرقهم فيه .

ولا داعي للاستطراد بذكر الأمثلة ، فالأمثلة كثيرة .

وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على ثقة الإنسان بعلمه ، وحكمه الذي توصل إليه، وقدرته على الدفاع عنه وتثبيته ، ولذلك فإنه لا يضيره أن يذكر رأي مخالفه إلى جانب رأيه .

وهو في نفس الوقت لا يخاف من تأثر القارئ أو السامع بالرأي المخالف ، فللسامع أو القارئ ، أن يختار من الآراء ما يترجح عنده صحته ، إن كان من أهل العلم ، وذا إمكانية على الترجيح ، وليست لأحد وصاية على عقول البشر ، كما أنه ليست لأحد وصاية على شرع الله ، بحيث يجب على الناس جميعا أن يفهموه كما فهمه ، وكذلك لا وصاية لأحد على علم من العلوم ، يأخذ بزمامها ، ويوجه دفتها ، دون أن يكون لأحد الحق في مشاركته فيها ، حسب الآداب التي أدبنا بها الإسلام في الخلاف والجدل ، والنقاش والنظر .

وعلى هذا المنهج سار أسلافنا رضوان الله عليهم ، يقولون ما يعتقدون ، ويدافعون عنه وينافحون ، وهمهم توصيل المعرفة إلى الناس ، لا إكراه الناس على اعتناق أقولهم ، والسير وراء معارفهم وعلى أقدامهم ، ولذلك كانوا يذكرون في المسألة أرائهم ، وعشرات الآراء المخالفة لهم .

بل ذهب أسلافنا إلى أبعد من هذا في التجرد العلمي ، فكان حرصهم على إظهار الحقيقة ولو على يد خصومهم أكثر من حرصهم على الشهرة بها ، إذ كانوا يبتغون فيما يعملون وجه الله وثناءه ، لا مديح البشر وإطراءه .

ولذلك قال الإمام الشافعي رحمه الله : (( ما جادلت أحدا إلا وأحببت أن يظهر الله الحق على لسانه ))

وهذه ذروة العفة والكمال في العلم، وأدب البحث والمناظرة، وهذا الإيثار، والسمو، هما اللذان جعلا علماء أمتنا في الماضي كالجسد الواحد، كل منهم يثني على صاحبه، ويجلُّه، ويحترمه، مع مخالفته له في الرأي، ومباعدته له في المنهج.

ودارت الأيام دورتها، وتلاشت آثار هذه العظمة العلمية، بذهاب العلماء الأثبات، وفُشُوِّ الجهل، وانتشار الأنانية، وحب الظهور والاستعلاء،وتكلُّمِ العامةِ والمتفيهقين، بِكلامِ العلماء .

وصار الواحد منهم إذا تكلم لا يتكلم لإظهار الحق، بقدر ما يتكلم ليقول للناس : أيها الناس إنني أتكلم، وعليكم السمع والطاعة .

لا يتكلم لتوصيل العلم ونشره، وإنما يتكلم لإرواء غريزته في الأنانية، ونشر جهله على البشر، وهو في غالب الأحيان لا يدري أنه جاهل، ورغم هذا لا يجوز لأحد أن يخالفه أو ينظر في كلامه.

وبهذا سادت الأنانية، وانتشرت الأحقاد، وظهر في صف الأمة التدابر، والتقاطع، والتحاسد، وصار العلم سبباً للقطيعة بدلاً من أن يكون سر التواصل والتراحم، على ما كان عليه سلفنا العظيم، إذ كانوا يقولون : العلم رحمٌ بين أهله .

لقد دخلت أحد المجالس، فوجدت شاباً حدثاً قد تصدر المجلس ، وحوله عدد من الشباب يصغون إليه في شغف وذهول، وكان يحدثهم في مسألة فرعية حسمت مادتها بين أصحاب رسول الله r، إذ أجمعوا على جواز الخلاف فيها، وهي مسألة نقض الوضوء بلمس الرجل امرأة من غير حائل .

وقال: إنه يرى أن اللمس ليس بناقض، وإلى هنا لا غبار على كلامه، على افتراض أنه من أهل العلم، فليس لنا أن نمنعه من اعتقاد هذا، وظننت أنه سيذكر بقية آراء العلماء الذين يقولون: إن اللمس ناقض على التفصيلات والضوابط المعروفة عندهم، كمالك والشافعي، وأحمد، والظاهرية وغيرهم، إلى جانب رأيه، إلا أنه ضرب صفحاً عن الجميع، وكأنهم لا وجود لهم.

وأضاف إلى هذا أنه قذف الجميع ـ لا بما يسوءهم، بل بما يظهر جهله وحمقه ـ قذف الجميع بالابتداع، وأنهم حينما قالوا بأن اللمس ناقض خالفوا رسول الله r، وأصحابه، فقال : لم يثبت عن رسول الله ولا عن أحد من الصحابة أنه قال: إن لمس الرجل للمرأة ناقض للوضوء .

وهنا رأيت أن التدخل واجب شرعاً، لبيان الحق، والدفاع عن سلف الأمة رضوان الله عليهم .

فقلت له : يا هذا، يقول علماء المنطق، إن القضية السالبة الكلية تنقض بموجبة جزئية .

على معنى أن من قال: لا يوجد في الدار أحد، يكفينا لنقض كلامه أن نثبت أن فيه ولو طفلاً صغيراً .

فقال : نعم

فقلت له: أن لا أريد أن أثبت رأي الجمهور في أن اللمس ناقض ـ على تفصيل لهم وضوابط فيه ـ وإنما أريد أن أبين بطلان كلامك الذي ذكرت، من أنه لم يثبت مثل هذا عن أحد من الصحابة.

وذلك أن روينا في الموطأ عن الإمام مالك بن أنس، عن ابن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر، عن أبيه عمر بن الخطاب أنه قال: ” قبلةُ الرجل امرأتَه وجَسُّها بيده من الملامسة، فمن قبَّلَ امرأتَه أو جَسَّها بيده فليتوضأ ” .

وهذا من أصح الأسانيد على وجه الأرض، فأين تعميمك الذي ادعيت…؟

أليس هذا من الكذب على أصحاب رسول الله r، والافتراء على علماء الأمة ….؟

إننا لا نريد أن نمنع الإنسان من الانتصار لرأيه، فكل امرئ يرغب في الانتصار لرأيه إن كان حقاً ـ على الأقل فيما يعتقد ـ، ولكننا نمنع الإنسان من الانتصار لرأيه بالكذب، والافتراء، والتدليس، كما أننا نمنعه في نفس الوقت من الإزراء بمناصب علماء الأمة وسلفها، لأنهم خالفوا رأيه، فكل من تكلم في دين الله منهم إنما تكلم ليبين الحق فيما يعتقد، ولكل مجتهد نصيب، وهذا على أحسن أحواله، وأسوأ أحوالهم .

وإلاَّ فمنطق العلم السليم يأبى أن يضع رأى جاهل، لم يتمكن بعد من تمييز الحق عن الباطل، مع رأي أحمد بن حنبل الذي كان يحفظ مليوناً من أحاديث رسول الله r

* * *

العقيدة وخبر الواحد

إن الذي أريد أن أتكلم عنه الآن هو خبر الواحد، وحُجيُّته في العمل والاعتقاد، على ما جرى عليه سلف الأمة وخلفها .

وإن الذي دفعني لهذا مع أنه من المسلمات، هو خوض الجهلة، وأنصاف المتعلمين فيه، بما يؤدي تشويه الحقيقة العلمية الناصعة التي قالها العلماء فيه، ومن ثم يؤدي إلى الطعن في أئمة المسلمين وهذه هي النتيجة الحتمية للفهم الخاطئ، الناتج عن الجهل بمرامي الكلام ومدلولاته واصطلاحات أهل العلم .

فالواجب على كل من أراد الخوض في أي علم من العلوم أن يعرف قبل الخوض فيه اصطلاحاته، وإلاَّ بأن فهم الإصلاح حسب مدلوله اللغوي، لا على المعنى الاصطلاحي الذي وضعه له صاحبه، فإنه سيأتي بالعجائب .

لقد صنف الإمام النووي كتابه: ” المنهاج ” في الفقه الشافعي، وجعل له في مقدمته اصطلاحات ميزت بين أقوال الإمام الشافعي في المسألة وأقوال أصحابه المجتهدين في مذهبه، فرمز لأقوال الإمام الشافعي بـ ” الأظهر ” فإن كان للشافعي قولان في مسألة، وكان أحد القولين راجحاً على الآخر، فإنه يعبِّر عنه بالأظهر، وهذا يشير إلى ظهور مقابله على الجملة.

وقد وقع من قبيل المصادفة أن جاء أحد الطلاب المجتهدين فيما يزعم، ونحن نتناقش في بعض المسائل الفقهية، فقال فيها قولاً عجباً، يتناقض مع أبسط مبادئ العلم، علاوة عن تناقضه مع مرتبة الاجتهاد التي يزعمها، وأراد الله أن يظهر حقيقة دعواه، فمر معنا اصطلاح النووي في أقوال الشافعي، فقلت له: ما المراد بالأظهر والظاهر في هذه المسألة…؟

فقال: الأظهر والظاهر متقابلان، وهما المسجدان المعروفان، فالظاهر هو الذي بناه الظاهر بيبرس، والأزهر هو المسجد المعمور المعروف الذي يقع في مقابله، ولكن المصريين يفخمون الزاي فيقولون : الأظهر . . . ؟ قال : ومعنى الكلام : إن هذه المسألة هكذا تدرس في الأزهر . . . ؟ الذي يلفظه المصريون بـ ” الأظهر ” .

وأنا لم أعلق على هذه المسألة حينها بغير الصمت . . . لأن كل من سمع هذا الكلام من الطلاب أدرك أن هذا المتكلم لا يدعي الاجتهاد فقط . . ، بل يدعي العقل . . . إذ يبعد على العقلاء أن يأتوا بمثل ما أتى . . .

وهذا هو حال كل من يخوض في فن غير فنه، أو في فن دون أن يدرك مصطلحا ته.

إن مما لا مراء فيه ولا جدال أن خبر الواحد حجة يجب العمل به في كل ما ورد فيه ن في كل جانب من جوانب الشرع ، وهذا أصل من أصول عقيدتنا وشريعتنا .

ولقد بذل إمامنا الشافعي – رضي الله عنه وأرضاه – كما بذل غيره من الأئمة – أكبر الجهد في نصرة خبر الواحد ، والاحتجاج به ، حتى لقب في بغداد بـ ” “ناصر الحديث ” فصنف فيه بحوثا طويلة مستجادة ، تتناقلها من بعده الأجيال .

وعلى هذا سار كل من ألف من أئمة المسلمين، من المفسرين، والمحدثين، والفقهاء، والأصوليين ، والمتكلمين ، سلفا وخلفا ، قديما وحديثا ، وكثرت فيه المصنفات، وهذا من البديهيات التي لا تحتاج اليوم إلى إعادة نظر، أو تصنيف جديد .

ولكن العجب كل العجب أن نجد بعض المتفيهقين من أهل العصر ينقلون هذا الكلام عن الأئمة ، ومن مصنفاتهم ، ثم بعد ذلك يصولون ويجولون ويتشدقون أمام العامة بأنهم نصروا خبرا الواحد ، وكأن الأمة كانت ضده على عادتهم في كل ما يأتون به من علوم الأقدمين . . .

وليت الأمر وقف عند هذا الحد، إذاً لهان، ولقلنا، إنهم في مثل هذا كالأطفال عندما يتعلمون مسألة من العلم يرددونها أمام العامة والخاصة، ظناً منهم بأنه لا يعرفها أحد سواهم لضيق أفقهم، وسذاجة تفكيرهم .

لكن الأمر تجاوز هذا عندما وجدناهم قد فهموا كلام أولئك الأئمة العظماء على غير مرادهم، وعلى غير مراد القواعد العلمية، والاصطلاحات الفنية، ومن ثم خرجوا على العامة بالعجائب، فاتهموا سلف هذه الأمة، وعلمائها، بأنهم يردون خبر الواحد في العقيدة، وهذا يتنافى مع وجوب العمل بخبر الواحد، في كل ما ورد به من شرائع الإسلام وعقائده .

وتلقف العامة كلامهم بالتسليم، لما فيه من التمويه والتدليس ، والإيهام، وقد يُلْبَسُ الحقُ ثوب الباطل، فيظهر للناس على أنه باطل، ويلبس الباطل ثوب الحق، فيظهر للناس،على أنه حق، كما قال الشاعر:

في زُخْرُفِ القولِ تَزْيينٌ لباطِله والحَقُّ قد يَعْتَرِيهِ بعضُ تزوير

تقول هذا مُجاج النَّحلِ تمدحُهُ وإنْ ذَمَمْتَ تقلْ قَيءُ الزنابير

وهذا ما سيكون قرب قيام الساعة، من تصديق الكاذب، وتكذيب الصادق، وائتمان الخائن وتخوين الأمين . . .

وليس الأمر في الحقيقة إلا الجهل بمراد العلماء ومصطلحا تهم ، نعم ، لقد قال جمهور علماء الأمة من السلف والخلف : إن خبر الواحد لا تثبت به العقيدة . . .

ولكن ما مراد أولئك الأئمة من هذا القول الذي زلت به أقدام أولئك المتفيهقين من جهلة العصر ؟

وللجواب على هذا أقول :

لقد انقسم الناس في تحديد معنى العقيدة إلى قسمين :

الأول:

ذهب إلى أن المراد بالعقيدة ما يجب اعتقاده، مما يميز الكفر عن الإيمان، فمعتقده يكون مؤمناً، وجاحده يكون كافراً، وما كان كذلك لا يمكن أن يكون إلا عن علم ، وهو الإدراك، الجازم، المطابق للواقع ، عن دليل .

وهذا لا يتوفر إلا في الخبر المقطوع به ، كالقرآن، والخبر المتواتر، فإذا ما جاء الخبر المقطوع به، ثبوتاً ودلالةً، أثبتنا به العقيدة، وكفرنا منكره، ومنكر ما ثبت به، لأنه منكر لمعلوم، ثبت بالدليل القطعي .

وأما أخبار الآحاد فلا تفيد إلا الظن عند الجماهير، وبناءً على ذلك لا يمكننا أن نثبت بها العقيدة على الاصطلاح المتقدم، لأنها لا تفيد العلم والقطع، ولا يكفر جاحدها باتفاق، ونحن خصصنا العقيدة بما يكفر جاحده من القطعيات لا الظنيات .

ولكن هل معنى هذا أن من جرى على هذا الاصطلاح والمعنى للعقيدة يرد أخبار الآحاد، ولا يعتقد مضمونها، كما يتبادر إلى الأذهان من ظاهر هذا الكلام.. ؟

الجواب : لا .

إن ما ورد من أخبار الآحاد في شأن العقيدة، كعذاب القبر، ونعيمه، وسؤال الملكين، والقيامة الصغرى، وأشراط الساعة، وخروج المهدي، والحوض، والصراط، وأوصاف جهنم، والشفاعة ودخول الموحدين الجنة، وما أعد لهم فيها من أفراد النعيم، مما لم يذكر في القرآن، وغير ذلك من الأمور الكثيرة التي شحنت بها كتب العقيدة عند الأشاعرة وغيرهم من أهل السنة، إن ما ورد من هذه الأخبار، يجب الإيمان به، ويفسق جاحده، لأنه خبر واحد يجب العمل بمقتضاه، والإيمان بمضمونه، إلا أننا لا نسميه عقيدة، ولا نحكم بكفر جاحده أو مؤوله، لأنه لم ينكر شيئاً من العقيدة الثابتة بالقواطع بل نحكم عليه بالإثم والفسوق والعصيان .

وبناءً على ذلك لم يُكَفَّر المعتزلة في إنكارهم لكثير من المغيبات وتأويلها، مما ثبت بدليل ظني، وإنما حُكَِم عليهم بالفسق والعصيان.

ومن هذا يظهر لنا أنهم عندما يقولون : هذا خبر واحد لا يعمل به في العقيدة، ليس مرادهم إبطال العمل به، ونفي الإيمان بمضمونه، وإنما مرادهم أنه لا تثبت به العقيدة التي يكفر جاحدها، والتي تتطلب القواطع، لا الظنون .

ولا أظن أن أحداً يخالف في هذا، حتى الذين ذهبوا إلى أن خبر الواحد يفيد العلم، وإلاِّ لحكموا على مخالفيهم بالكفر، فيما ثبت بأخبار الآحاد، وهذا شيء لم يقل به أحد .

وهذا نظير لما ذهب إليه الأصوليون من الحنفية، إذ فرَّقوا بين الفرض والواجب، فقالوا: الفرض ما ثبت بدليل قطعي، ويكفر جاحده، والواجب ما ثبت بدليل ظني، ولا يكفر جاحده، بل يأثم ويفسق، مع وجوب العمل بمقتضى الفرض الواجب، والمعصية بترك العمل بمقتضاهما .

وكأنهم قالوا: الفرض لا يثبت بخبر الواحد المفيد للظن، أو أن هذا الخبر خبر واحد لا يثبت به الفرض، لأن الفرض يكفر جاحده، وما كان هذا شأنه، لا يثبت بخبر الواحد .

إلَّا أنهم يوجبون العمل بمقتضاه، ويثبتون به الواجب، ويفسقون جاحده .

فما الفرق بين قول علماء الأصول هذا، وبين قول علماء التوحيد ذاك . . . ؟

لا فرق بينهما البتة، وهذه اصطلاحات جرت عليها أمتنا سلفاً وخلفاً دون تشنيع أو نكير.

وهذا هو المذهب الأول، وهو مذهب الأكثرين في تحديد المراد بالعقيدة وضبطه .

وأما الفريق الثاني من العلماء فقد جعلوا العقيدة هي كل ما يجب اعتقاده، سواء أكان يكفر جاحده أم لا، وسواءً أكان ثابتاً بدليل قطعي يفيد العلم، أم دليل ظني يفيد الظن .

وبناءً على ذلك فهم لا يميزون بين خبر الواحد، وغيره من الأخبار المفيدة للقطع، كالقرآن والحديث المتواتر، ويقبلون الجميع في العقيدة، لهذا الاصطلاح الخاص بهم أيضاً.

إلا أنهم يميزون ما يجب اعتقاده، فبعض ما يجب اعتقاده يكفر جاحده، وهو ما ثبت بدليل قطعي في ثبوته ودلالته، وبعض ما يجب اعتقاده لا يكفر جاحده، وإنما يأثم ويعصي ويفسق، وهو ما ثبت بدليل ظني في ثبوته أو دلالته .

وهذا نظير لما ذهب إليه جمهور علماء الأصول، من عدم التمييز بين الفرض والواجب، إذ قالوا: هما سواء، وهما ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه عمداً، سواء أثبتا بدليل قطعي أو ظني.

إلا أنهم ميزوا بين الواجب الذي ثبت بدليل قطعي، فحكموا بكفر جاحده، والواجب الذي ثبت بدليل ظني فحكموا بفسق جاحده وعصيانه، دون كفره .

فالخلاف خلاف لفظي، وليس خلافاً حقيقياً، ولا مشاحة في الاصطلاحات، فالنتيجة واحدة يقيناً .

وخلاصة الكلام أن الأمة قد اتفقت سلفاً وخلفاً، على أن خبر الواحد يجب العمل به، كما يجب اعتقاد مضمونه .

إلاَّ أن الخلاف فيما يسمى عقيدة، فمن ذهب إلى أن العقيدة هي ما يكفر جاحده، قال: هذا لا يثبت إلاَّ بما يفيد القطع، وأما ما ثبت بما يفيد الظن، فلا يسمى عقيدة، ولكن يجب الإيمان بمضمونه، على أنه من قبيل العمل، ويعصي جاحده، ويستحق العقاب، ويحكم عليه بالفسق إلاّ أنه لا يكفر .

ومن ذهب إلى أن العقيدة هي ما يجب اعتقاده، سواءً أثبت بخبر الواحد المظنون، أم بالخبر المتواتر المفيد للعلم، قال:

إن خبر الواحد تثبت به العقيدة كالمتواتر، إلاّ أن بعض هذه المعتقدات يكفر جاحدها، وهي ما ثبت بدليل قطعي ، وبعضها يعصي جاحده ، ولكن لا يكفر ، وهي التي ثبتت بدليل ظني .

وبناءً على هذا فجميع علماء التوحيد يتفقون على أن ما ثبت بدليل قطعي يكفر جاحده، وأنه يسمى عقيدة ، وأن ما ثبت بدليل ظني ، لا يكفر جاحده ، ولكنه يعصي ويفسق ، إذ يجب العمل بمضمون خبر الواحد ، ولكن هل يسمى عقيدة أم لا ؟

فالخلاف في التسمية وليس في الحقيقة والجوهر ، والنتيجة واحدة .

وعلى هذا جرت أمتنا الإسلامية على مر العصور، وكر الدهور، إذ كان الجميع يعرفون أن الخلاف لفظي لا حقيقي .

أَوَ بعد هذا يقال : إن بعض أهل العلم يردون خبر الواحد في العقيدة . . . ؟

إني لا أظن أن قائل مثل هذا إلا رجلا قرأ عبارة العلماء ، فلم يفهمها على مرادهم ومراد القواعد العلمية ، وإنما فهمها على مراد عقله القاصر ، ثم راح يذم العلماء، لا لأنهم أخطئوا ، وإنما لأنه لم يفهم كلامهم .

وما مثل من يفعل هذا إلا كمثل الأعمش ، ينظر وجهه في المرآة ، فلا يراه وسيماً مضيئاً ،وإنما يراه مشوهاً قبيحاً ، فيرجع بالشتم واللعن على المرآة ، ولو عقل وأنصف لأصلح عينيه، فهو بعمشه يظن أن العيب في المرآة وكل من حوله ممن ينظر إليه وإليها يرى أن العيب فيه .

إن من أعجب العجب أن يكتب أحدهم في هذا الموضوع بخصوصه ، على النحو الذي ذكرت من الفهم الخاطئ لمراد العلماء ، ثم يرجع عليهم بالإزراء واللوم ، وكل من عرف مراد العلماء واصطلاحهم يرى أن اللوم عائد عليه ، وراجع إليه ، وفوق ذلك يمثل في خاتمة مقاله بمثال يبين فيه كيف يرد بعض الفقهاء حديث الآحاد في العقيدة، فيزعم أن الحنفية قد ردوا خبر الواحد في الأمر بقراءة الفاتحة في الصلاة .

وليته عقل أولا وعلم انه لا علاقة لهذا الموضوع بموضوع العقيدة وخبر الواحد، لأن القراءة وعدمها من العمل، لا من العقيدة .

وثانيا : ليته رحم نفسه ونظر في أي كتاب من كتب أصول الفقه، عند الحنفية والجمهور قبل أن يتكلم إذا لوجد نفسه مفتريا على الحنفية ، بجهله وسوء فهمه .

وذلك أن الحنفية ذهبوا إلى التمييز بين الفرض والواجب، على ما بيناه قبل قليل ، فمثلوا للفرض الذي يكفر جاحده بمطلق القراءة في الصلاة ، ومثلوا للواجب الذي يعصي تاركه ولا يكفر بقراءة الفاتحة بخصوصها في الصلاة .

فالفاتحة عند الحنفية واجبة في الصلاة ، يثاب فاعلها ، ويعاقب تاركها ، لما ورد فيها من الأحاديث الصحيحة ، ولكنه لا يحكم بكفر تاركها ، لأنه لم تثبت بدليل قاطع ، على ما بيناه في الإصلاح .

فأين إنكار الحنفية لخبر الواحد في قراءة الفاتحة في الصلاة ؟

أليس هذا تجنيا على الحنفية وافتراءً وكذباً . . . ؟

بلى . . . ولكنه الجهل . . .و فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ {الحج/46}

إن آفة العلم اليوم هي أنصاف المتعلمين الذين يقرئون الكلام فيفهمونه معكوسا كعقولهم المعكوسة ، ومن ثم يذهبون للطعن في العلماء والعظماء .

ولقد قال كليلة لدمنة وهو يعظه :

وأعلم يا دمنةُ أن العقلاء ما زالوا قديماً وحديثاً يكلون الأمور لأربابها ، فلكل مقام مقال ، ولكل فن رجال ، وأن من خاض في فن غير فنه أتى بالعجائب، وذلك أن العقل إذا فرغ من قاعدة الاستنتاج والاستنباط ، وقصر عن رتبة الفهم والإدراك ، ثم أقحم نفسه فيما لا يحسن ،خرج بجهل مركب من جهلين، وما مثل هذا إلا كمثل الأرنب الخرقاء مع العلماء .

قال دمنة : وكيف كان ذلك ؟

قال : زعموا أن الأرنب الخرقاء دَبَّتْ إلى مجالس الكون والفلك ، فسمعتهم يتحدثون عن السُدُم والمذنبات في السماء ، وأنهم يقولون : لو أن واحدا من هذه المذنبات ضرب الأرض بذنبه لجعلها هباءً منثوراً بين السماء والأرض .

ففهمت من كلامهم أنهم يتهكمون بذوات الأذناب ، وأنهم جهلة ، لا دراية لهم بحقيقتها ، فتظاهرت بزي العلماء ، وتجملت بمنطقهم ، ثم قالت لهم : ما أجهلكم أيها العلماء ، إنكم تزعمون أن ذوات الأذناب في عداء مع الأرض ، وأنها تريد دمارها ، والحقيقة على خلاف ما توهمتم ، وذلك أن الأرض ما زالت تعيش مع ذوات الأذناب بخير منذ ملايين السنين .

ولتدلل على صدق كلامهم ، وخطأ كلامهم ، أخرجت لهم ذنبها . . ؟ !

لقد سمعت السيدة عائشة أبا سلمة بن عبد الرحمن يتكلم في مسألة من مسائل العلم.

فقالت له : إنك كالفروج يسمع الديكة تصرخ فيصرخ معها . تريد أنه لم يبلغ مبلغ الكلام في العلم .

وقال الإمام الشافعي : وقد تكلم في العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه منه ، لكان الإمساك أولى به ، وأقرب من السلامة إن شاء الله .

فلو أن أولئك المتفيهقين اقتصر على النظر في فهارس الحديث، دون الاستنباط منها ، والكلام عليها ، لا ستفاد وأفاد ، وكان خيراً له من الخوض فيما دونه خرط القتاد .

* * *

عمر بن عبد العزيز فيلسوف روماني . ؟!

إن كلمة دعوى توحي بظاهرها أن صاحبها ليس على الحق ، وأنه ليس إلاّ مدعيًا فيما يقول ، ينقص قوله الحجةُ والبرهان .

وذلك ككلمة ” زعم ” إذ قالوا فيها : “زعموا ، مطية الكذب ” .

فمجرد كلمة ” دعوى ” أو ” مدع ” يلفت النظر إلى وجود أمر غير مسلم ، لم يستطع صاحبه أن يبرهن عليه ، وتزداد هذه الكلمة قوة في معناها ، كلما ازداد الأمر المدعى غرابة وبعداً .

وما تزال تنتقل في أطوار الغرابة إلى أن تصيْر في نهاية الأمر أضحوكة ، ويصير صاحبها هزءاً .

يتكلم، فيضحك الناس، ولكن ليس إعجاباً بحقه ، ولكن سخرية من باطله .

وإن منطق العلم – قديماً وحديثاً – يقول : إن من العسير أن يقول المرء إنه أحاط بعلم واحد من جميع جوانبه ، بحيث لا يمكن أن يستدرك عليه فيه علاوة عن أن يقول أنه أحاط بكل علم، وإن من يزعم أنه أحاط بكل علم في الكون، يكون قد أعطى نفسه من الوصف، ما لم يعطه الله لأنبيائه ورسله ومن زعم مثل هذا من الناس لا يُصيِّره زعمه عالماً بكل شيء ، بل يجعله أضحوكة لكل أحد،إلاَّ أنه رغم هذه الحقيقة ، نجد بعض المتفيهقين الجهلة من يدعي مثل هذا.

وهكذا يفعل الجهل بصاحبه ، ما يزال ينحط به في مهاوي الضياع إلى أن يصيره عبرة تضرب به الأمثال .

وفي بعض الحالات نجد بعض المتفيهقين أوتي شيئا من المنطق ، وبراعة في التمويه والتعبير ، فيخيل للسامع أن ما يقوله الحق . . على الأقل إلى أن تكشف حقيقته ، ويظهر للناس عواره .

وذلك كالرجل الذي جلس في مجلس الإمام الأعظم أبي حنيفة ، وكان ذا هيئة حسنة في مظهره ، يظن من رآه أنه من أهل العلم، وأهل ذلك المجلس، وأبو حنيفة ماد رجله ليستريح، فلما رآه قبض رجله حياء من وقار ذلك الرجل وهيئته.

ثم شرع يتكلم على حكم صلاة الفجر بعد أن تطلع الشمس ، وأنها تصير قضاء، وهنا ثار جهل الرجل ونفث على لسانه ما يزعم أنه سيفحم به أبا حنيفة فيما توهم أن أبا حنيفة قد أخطأ فيه .

فقال له مناظراً لا مستفهما : هب أن الشمس طلعت قبل الفجر ، فما العمل . . . ؟

وأجابه أبو حنيفة بما يلائم حاله ، فبسط رجليه ، وقال : آن لأبي حنفية أن يبسط رجله .

لقد حدث هذا يوماً ما ، فخلده التاريخ الأدبي للعلم أسطورة من أساطير الجهل والحمق ، إلا أنه لم يكن فيه كذب .

وإني محدثكم الآن عن بعض متفيهقي العصر سوف تنكر عقولكم منه وتقبل ، جمع فيه بطلُه إلى جانب الجهل والحمق كذباً، وإني سوف لا أتزيد فيه أو أنقص منه إلاَّ مما يكون مما تفرضه الصياغة الأدبية .

لقد دعيت يوماً ما لمقابلة الطلاب الذين رشحوا للدراسة في معهد المعلمين ، والطلاب في كل زمان ومكان فيهم الغث والسمين ، ولكن لا يوجد فيهم من سأذكره لكم .

لقد جاءنا أحد الطلاب ، وكان متخرجا من معهد ديني ، أي يحمل ثانوية شرعية ، ومن خلال كلامنا معه زعم أنه يحيط معرفة بكثير من العلوم ، وأما في علوم الشرع فقد وصل فيها لدرجة الإجتهاد ، فهو لا يقلد أحدا، فأثار الطالب دهشتنا ، ولفت نظرنا ، لجرأته وغرابة دعواه .

إلاَّ أننا لم نجد معالم هذه الدعوى ، لا في مظهره ، ولا في مخبره ، إذ كان يلحن بلحن العامة ، لا بلحن العلماء ، ولا بلحن طلاب العلم .

ومن خلال نقاشنا معه تبين أنه دون مستوى من يوصف بالجهل ، علاوة عن أنه يوصف بالعلم .

إذ بعض من يوصف بالجهل يكون على جانب من العلم ، وإنما يوصف بالجهل إذا ما قورن بغيره من عباقرة العلماء ، ويكون جهله في هذه الحالة نسبيا .

فلما رأيت الطالب على هذه الحالة التي وصفت ، بدأت معه بالمغالطات العلمية ، أريد أن أختبر مدى ما هو فيه من الجهل ، فوجدته يقبل عليها إقبال النهم ، ويجيب عليها على أنها من بديهيات الحقائق العلمية فيما يوحيه إليه جهله .

فلما رأيته هكذا ، وأنه لا يفرق بين حق وباطل ، قلت في نفسي : أسأله سؤالا أهز به كيانه ، فإن كان فيه شيء من الإحساس العلمي ، أو الكرامة العلمية ، انفجر .

فقلت له : هل تعرف رجلا يسمى عمر بن عبد العزيز . . ؟

فقال : نعم أعرفه .

فقلت له : هل هو فقيه أو فيلسوف . . ؟

فقال : إنه فيلسوف .

فقلت له : هل هو من فلاسفة اليونان ، أم من فلاسفة الرومان ؟

فقال : إنه من فلاسفة الرومان . . ؟ ؟ !

فقلت له : هل تحفظ شيئا من فلسفته . . ؟!

فقال : نعم . . إنني كنت أحفظ بعضها ، إلا أنني نسيته . . ؟

وهنا فهمت لماذا يقول الناس ” سبحان الله ” في حالتي الإعجاب والتعجب !!

إذ لم يكتف الرجل بما كنا ننكره على من يدعى الدعوى الباطلة ، وبما أتى به من المضحكات . . . بل أضاف إليها كذبا، وتبين لي فعلا أن الرجل مجتهد، وأنه يستحق أن يكون في مصاف مجتهدي الأمة ، من أمثال أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد ليكون عبرة من عبر الحياة يخلدها التاريخ الأدبي للجهل ، فهو كما يزعم رجل وهم رجال .

* * *