الإجماع ، تعريفه وحجيته ، إمكانيته وشروطه

الكتاب الثالث
في الإجماع

الإجــماع

هو المصدر الثالث من مصادر التشريع المتفق عليها ، وهذا الترتيب إنما هو من حيث الحجية، وأما ترتيبه الزمني فهو الرابع، وذلك لأن الإجماع لا ينعقد في زمن الرسول – r – ، كما سنرى ذلك أثناء الكلام على تعريفه، فمن شروطه أن يكون بعد عصره عليه الصلاة والسلام ، بخلاف القياس الذي ينعقد في عصره ، فمن حيث الترتيب الزمني يقدم القياس على الإجماع فيكون هو المصدر الثالث والإجماع المصدر الرابع

وسيكون بحثنا فيه على ثلاثة أبواب.

الباب الأول في تعريفه وإمكانه وحجيته .

الباب الثاني في شروطه .

الباب الثالث في أنواعه .

الباب الأول

في تعريف الإجمـاع وحجيته

ويشتمل على فصلين

الفصل الأول: في تعريفه.

الفصل الثاني : في إمكانه وحجيته .

الفصل الأول

في تعريف الإجـماع

الإجماع لغة: هو العزم، يقال: أجمع فلان على كذا، إذا عزم عليه، وقد يتعدى بدون حرف الجر،فيقال: أجمع فلان كذا، بمعنى عزم، ومنه قوله تعالى: ﴿ فاجمعوا أمركم ﴾ أي: أعزموا،

وقوله – r -: (( لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل )).

ويأتي بمعنى الاتفاق، يقال: أجمع القوم على كذا، أي: اتفقوا عليه.

وأما اصطلاحاً: فهو اتفاق المجتهدين، من أمة محمد – r – على أمرٍ من الأمور في عصر غير عصر الرسول.(218)

شرح التعريف :

1 – الإتفاق: هو الاشتراك في الاعتقاد، أو القول، أو الفعل.

2 – المجتهدون: قيد يخرج به اتفاق غيرهم من العوام، فلا عبرة به، ولا بوفاقهم ولا بخلافهم.

والمجتهد من بلغ رتبة الاجتهاد، على ما سيأتي في مباحث الاجتهاد والتقليد، ومن اعتبر اتفاق الأمة، ولم يقيد الاتفاق بالمجتهدين ، فإنما مراده ما ذكرناه، لأن غير المجتهد لا يسند إليه أمر التشريع في حال من الأحوال ، فلابد من اعتبار الاجتهاد ، ذكر في التعريف أم لم يذكر .

والألف واللام في المجتهدين للاستغراق، فيجب اتفاق جميع المجتهدين، ولا ينعقد الإجماع مع خلاف بعضهم، ولو كان المخالف واحداً.

3 – من أمة محمد – r -: هذا قيد يخرج من كفرناه ببدعته فإنا نلحقه بالمجتهدين من غير المسلمين، ولا عبرة بوفاقه ولا بخلافه.

4 – على أمر من الأمور: سواء أكان هذا الأمر شرعياً، كحل البيع، وحرمة الربا، أم لغوياً ككون الفاء للتعقيب، أم عقلياً، كحدوث العالم، أم دنيوياً، كآراء المجتهدين في تدبير أمور الحرب .

وقيل: يختص الإجماع بالأمور الشرعية، واللغوية، دون العقلية والدنيوية.

5 – في عصر غير عصر رسول الله – r -: وهذا القيد لإخراج الإجماع في عصره ، فإنه لا ينعقد ، لأن المجتهدين لو فرض أنهم اجتمعوا إليه ، فلابد أن يكون فيهم رسول الله – r – ، فإن وافقهم على ما ذهبوا إليه ، فالقول قوله ، ويكون هو الحجة ، لا إجماعهم ، وإن خالفهم فالعبرة بقوله : ولا عبرة بخلافهم ولذلك لا يتصور الإجماع في عصره – r – .

وأما بعد عصره، فالعصور جميعاً سواء في إمكانية الإجماع وحجيته، لا فرق بين عصر الصحابة وعصر غيرهم من الناس.

الفصل الثاني

في إمكـانيـتهِ وَحجيتـهِ

1 – إمكانية الإجماع: (219)

الإجماع ممكن في نفسه، وليس في العقل ما يمنع من وقوعه أو يحيله، ولا عبرة بمخالفة النظَّام في إمكان انعقاده عادة .

وما قاله من أن إطباق الأمة – على كثرة عددها- على حكم واحد ، مع اختلاف القرائح ، وتباين الفطن ، مستحيل ، كاستحالة إطباق أهلِ مصرٍ عظيمٍ كبغداد مثلا ، على طعام واحد ، مردود بأنه لا جامع يجمع الناس مع اختلاف شهواتهم على طعام واحد ، بخلاف الإجماع على الحكم الشرعي إذ يجمعهم عليه النص والدليل .

ويمكن أن يتصور ذلك في كل عصر ، بأن يرسل الخليفة إلى المجتهدين في عصره ، ويجمعهم في مكان واحد ، ويعرض عليهم الوقائع والحوادث ، ليدلوا فيها باجتهاداتهم ،وقد تتفق كلمتهم على الحكم ، فيكون الإجماع .

وإذا تصور على هذه الحالة سهل طريق العلم به ، وإلا فيعرف عن طريق النقل عن جملة المجتهدين ، بأن ينقل عن كل واحدٍ منهم بأنه أفتى في المسألة الفلانية بكذا ، وهم في عصر واحد ، وهذا هو غالب المسائل التي ينقل فيها الإجماع ، والتي صنفت فيها الكتب المستقلة .

2 – حجية الإجماع:

الإجماع هو المصدر الرئيسي الثالث من مصادر التشريع المتفق عليها عند المسلمين، بعد كتاب الله وسنة رسول الله – r -.

وهو حصن هذا الدين الحصين ، وسوره المنيع ، وهو الذي وقف في وجه أصحاب الشهوات والأهواء ، وردهم على أدبارهم ، فلم يستطيعوا لهذا الدين كيدا، ولم يجدوا لمآربهم وشهواتهم سبيلا.

ولولا الإجماع ، لكثرت الأطماع ، وتشعبت السبل ، وخاض الناس في متاهات لا تلوح من خلالها للهداية بارقة ، ولوصلوا لدرجة العبث بأركان هذا الدين وأسسه وقواعده .

إن كثيراً من الفرائض المتفق على فرضيتها قد ثبت بأخبار الآحاد، التي تقبل التأويل، ولا تفيد إلا الظن، ومع ذلك نرى الأمة متفقة على تكفير جاحدها أو مؤولها، وما ذلك إلا للإجماع.

ونرى كثيرا من الأحاديث والآيات ، تحتمل التأويلات البعيدة ، لدلالتها الظنية ، إلا أننا نمنع هذه التأويلات ونحكم على مرتكبها بالفسق والزندقة والضلال ، وما ذلك إلا للإجماع .

وعندما عجز أعداء الأمة عن الوصول إلى أهدافهم بسبب هذا المانع القوي ، عمدوا إلى إثارة الشبهات في وجه الإجماع، وأخذوا يشيرون في كل مناسبة إلى التشكيك فيه، وإضعاف هيبته في قلوب المسلمين.

فإذا ما وصلوا إلى هدفهم من تصديع هذه الصخرة الصلبة المنيعة ، هان عليهم عند ذلك الانحراف بالمسلمين إلى حيث الهاوية .

فإن دلالات الأدلة في غالبيتها ظنية ، والإجماع الذي كان مانعاً من تأويلها حسب شهواتهم قد تصدع وانهدم ، ولذلك لم يعد هناك ما يقف في وجههم ، فيخلوا لهم الجو ، ويسهل أمامهم طريق التضليل والتشكيك .

وقد اتخذوا لأنفسهم في بلاد المسلمين قواعد من المسلمين أنفسهم لقنوهم مثل هذه المبادئ، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى أن صاروا يلهجون بها بالنيابة عنهم، وتلقاها عنهم بعض العامة لحسن الظن بهم.

وبعد ذلك أتوا بعظائم ما كان لهم أن يأتوا بمثلها وحجية الإجماع قائمة ، فذهب بعضهم إلى تأويل معجزات الأنبياء جميعاً بما يتفق مع العقل المادي المعاصر مما يأباه منطق الدين وترفضه بديهياته، بل أوَّل كل أمرٍ لا يمكن للعقل فهمه واستيعابه من أمور الغيب.

وأنكر آخر نزول عيسى بن مريم في آخر الزمان، وأوَّل ما في القرآن والحديث المتواتر من التصريح بنزوله، بعد أن مهَّد لذلك بتوهين حجية الإجماع .

ووصل الأمر يبعضهم إلى قصره صلاة المغرب في السفر، وصلاها ركعتين ….؟

وليس بعد هذا الضلال من ضلال، إلا أن الإجماع لهم بالمرصاد…

ولولا ما رسمته في هذا الكتاب من منهج الاختصار لأطنبت في سرد ما تشيب له الرؤوس من تخرصات أولئك المنحرفين المارقين التي حرَّفوا بها إجماع الأمة ، بل ربما خرجوا بها من الملة والله المستعان.

3 – دليل حجية الإجماع :

لقد استدل الأصوليين على حجية الإجماع بأدلة كثيرة من كتاب الله، وسنة رسول الله – r – وسأكتفي بذكر أهمها.

فمن الكتاب قوله تعالى : ﴿ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا﴾.

فتواعد الله تعالى على مخالفة سبيل المؤمنين، فدلَّ على وجوب إتباع سبيلهم، وحرمة مخالفته ، وسبيل المؤمنين هو ما أجمعوا عليه والتزموه .

وأما من السنة فما تظاهر من الأحاديث عن رسول الله – r – أن هذه الأمة لا تجتمع على الضلالة والخطأ، فمن ذلك:

ما رواه الترمذي ، وابن ماجه ، وأبو داود ، والدار قطني ، والحاكم ، والحافظ الضياء في المختار ، من قوله – r – : (( لا تجتمع أمتي على ضلالة )) وفي رواية (( على خطأ )) .

وما رواه احمد ، والبزار ، الطيالسي ، والطبراني ، وأبو نعيم ، والبيهقي ، من قوله – r – :

(( من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية )).

وما رواه الترمذي في النهي عن الشذوذ من قوله – r – :(( من شذَّ ، شذَّ في النار)).

وما رواه ابن ماجه وأحمد من قوله – r – : (( عليكم بالسواد الأعظم )) .

وغير ذلك من الأحاديث الصريحة الصحيحة التي لا داعي للإطالة بذكرها، والدالة على صحة الإجماع، ووجوب إتباع ما اتفقت عليه الأمة، والتحذير من الشذوذ عنها، والفرار منها.

4 – القطعية والظنية في حجية الإجماع :

ذكرنا في الفقرة السابقة أن الإجماع حجة شرعية يجب العمل بها، ثم عرفنا دليل الحجية، وبقي أن نعرف هل حجية الإجماع قطعية أم ظنية ؟

الصحيح الذي عليه الجمهور أن حجية الإجماع قطعية، كحجية الكتاب والسنة، تثبت به الأحكام شرعاً على سبيل اليقين، ويقدم على غيره من الأدلة الظنية إن عارضته.

وسواء في ذلك الإجماع الذي بلغ عدد المجمعين فيه عدد التواتر، والإجماع الذي لم يبلغ عدد المجمعين فيه هذا المبلغ ، لأن الدليل الدال على حجية الإجماع لم يقيده بعدد التواتر .

والدليل على القطعية في حجيته أن العلماء المعتبرين، والأئمة المجتهدين قد اتفقوا على القطع بتخطئة مخالف الإجماع، ويستحيل في العادة أن يجتمع مثل هذا العدد من الأئمة المجتهدين والمعتبرين على أمر شرعي من غير دليل قاطع فيه، ولذلك وجب بحكم العادة وجود نص قاطع يدل على القطع بتخطئة المخالف للإجماع.

ولا يقال : كيف تستفاد حجة قطعية من دليل ظني ، وذلك لأن ما ذكرناه من الدليل لم يفد غير الظن ، إما في الدلالة ، وإما في الثبوت، لأن وقوع الظن مقطوع به، ووجوب العمل عنده مقطوع به، تلقيا من إجماع قاطع.

وهذا كوجوب الإتمام في الصلاة على المقيم، إذا تحققت إقامته بخبر الواحد العدل، فهذا الخبر وإن كان لا يفيد إلا الظن، إلا أن وجوب إتمام الصلاة بسببه قطعي.

وكذلك العمل بأخبار الآحاد في السنن، فإنها لا تفيد إلا الظن، ومع ذلك فالعمل بهذا الظن قطعي عند وقوعه.

وهذا القطع إنما هو في الإجماع القولي ، وأما الإجماع السكوتي ، والإجماع الذي ندر به المخالف – على القول بحجيتهما – فإنما هي حجة ظنية ، لوقوع الخلاف فيها .

5 – طرق ثبوت الإجماع :

إن الطريق إلى إثبات الإجماع، كالطريق إلى إثبات السنة، فكما أن السنة تثبت بالتواتر والآحاد، كذلك الإجماع يثبت بالنقل المتواتر والآحاد.

أما الإجماع الذي نقل إلينا نقلاً متواترا، فلا خلاف في حجيته وثبوته، والخلاف فيما نقل آحادا والصحيح المعول عليه أن الإجماع يثبت بنقل الواحد العدل ، لأنه من المسائل الشرعية ، وطريق ثبوته طريق ثبوتها ، فكما أن الأخبار والفروع تثبت بنقل الواحد المفيد لغلبة الظن كذلك الإجماع يثبت به .

6 – الأحكام التي تثبت بالإجماع :

إن جميع الأحكام قابلة للثبوت بالإجماع ، سواء أكانت شرعية ، كحل البيع ، أم لغوية ككون الفاء للتعقيب ، أم عقلية كافتقار الأعراض لجسم تقوم فيه ، أم دنيوية كتدبير أمر الحروب وغير ذلك .

والشرط في ذلك أن لا يتوقف العلم بكون الإجماع حجة على العلم بذلك الحكم الذي أثبتناه بالإجماع، وإلا لزم الدور.

فلا يجوز إثبات وجود الله بالإجماع ، لأن حجية الإجماع متوقفة على الإيمان بالله ، ورسله ، وكتبه ، وعن طريق هذا الإيمان عرفنا أن الإجماع حجة بما ثبت في الكتاب ، وعلى لسان الرسول – r – ، فلا يمكن أن نثبت وجود الله بالإجماع ، وإلا لزم الدور الباطل .

ويجوز أن نثبت به حدوث العالم، ووحدانية المحدِث وهو الله تعالى، لأن العلم بكون الإجماع حجة لا يتوقف على العلم بهما.

البــاب الثــاني

في شــروط الإجماع

ما يعتبر من الشروط في صحة الإجماع وما لا يعتبر

لقد مر معنا أثناء الكلام على تعريف الإجماع بعض الشروط المعتبرة في صحته، كقيود وضوابط لتصوره، ولذلك سوف أشير إليها هنا على سبيل الإجمال، وأعقبها بذكر بقية الشروط التي لم نتطرق لذكرها، أو ذكرناها على سبيل الإجمال.

1 – أن يكون المجمعون من المجتهدين، فلا عبرة بوفاق العوام ولا بخلافهم.

2 – أن يكون المجمعون من المسلمين .

3 – أن يكون الإجماع بعد عصر رسول الله – r -.

4 – اتفاق جميع المجتهدين:(220)

وهذا شرط معتبر في صحة الإجماع فلو لم يتفق جميع المجتهدين بأن خالف بعضهم في الحكم الذي يراد الإجماع عليه، لم ينعقد الإجماع على الصحيح عند الجمهور، وسواء في ذلك أندر المخالف كالواحد أو كثر، وسواء في ذلك ما كان في أصول الدين أو فروعه .

فإذا انخرم الإجماع ولم ينعقد للمخالفة المذكورة ، لا يكون حجة ، ولو كان الأكثرون على القول به .

5 – إجماع الواحد:(221)

وبناء على ما ذكرناه من ضرورة اتفاق جميع المجتهدين نعلم أنه لو لم يكن في العصر إلا مجتهد واحد، لم ينعقد الإجماع بقوله، وأقل ما يقع به الاتفاق من مجتهد الأمة اثنان فما فوق، وذلك لأن النصوص الواردة في حجية الإجماع إنما هي في الأمة وليست في الواحد، أما الواحد فلا يعصم عن الخطأ.

6 – عدد التواتر في المجمعين:(222)

وهل يشترط في المجمعين حتى يحتج بإجماعهم أن يبلغوا عدد التواتر ؟

الصحيح الذي عليه الجمهور أنه لا يشترط ذلك حيث لم تتعرض له النصوص، ونحن إنما نحتاج إلى التواتر للقطع بصحة الخبر، وما هنا ليس كذلك ، إذ ليس فيه إخبار عن أمر، وإنما هو اتفاق على حكم شرعي لا يحتاج في صحته إلى عدد التواتر .

7 – اعتبار من سيوجد من المجتهدين :(223)

والمراد بالمجتهدين الذين يجب اتفاقهم، من كان موجوداً وقت وقوع الحادثة، أو طرح المسألة، ولا عبرة بمن سيوجد في المستقبل من المجتهدين، بل عليهم إن وجدوا الإتباع، ولو شرطنا اعتبار من سيوجد من المجتهدين في الأمة لما انعقد إجماع قط.

8 – المعتبر من المجتهدين أهل الفن:(224)

بناء على ما ذكرناه من اشتراط اتفاق جميع المجتهدين على الحكم، يجب أن يكون الجميع من أهل الفن الذي يطلب الإجماع فيه، ففي الفقه يجب أن يكونوا جميعاً من الفقهاء، وفي الأصول يجب أن يكون الجميع من الأصوليين، وفي النحو يجب أن يكون الجميع من النحويين وهكذا.

ولا نعني باتفاق جميع المجتهدين، اتفاق كل المجتهدين في جميع الفنون على حكم الواقعة الواحدة، ولو كانت مخالفة لفنهم، فالمعتبر في كل فن أهله، ومن لم يكن من أهل الفن فهو كالعامي بالنسبة لأهله، ولو كان مجتهداً في فنه.

وقيل: يعتبر في الفقه الأصولي، وقيل: العكس.

9 – العدالة:(225)

قد ذكرنا أثناء الكلام على التعريف أن الإسلام شرط في المجمعين لينعقد الإجماع، فخرج بذلك الكفرة، ومن كفرناه ببدعته وإن كان من أهل القبلة.

وأما إن لم نكفره ببدعته، فمن اعتبر العدالة شرطاً في صحة الإجماع، لم يعتبر خلافه ولا وفاقه، ومن لم يعتبرها – وهو الأصح عند الجمهور – اعتبر رأيه في الإجماع، لأنه من المؤمنين، ولم يخرج ببدعته من الملة، فإن خالف المجتهدين في عصره لم ينعقد الإجماع بخلافه.

10 – مستند الإجماع:(226)

لابد لكل إجماع من مستند شرعي يستند إليه، وذلك لأن الفتوى بدون مستند شرعي خطأ، والأمة معصومة عنه.

وما قيل من أن الله قد يلهم الأمة الاتفاق على الصواب، ولا حاجة إلى مستند، إنما هو كلام ساقط، لا يعول عليه، ولا يلتفت إليه.

وهذا المستند قد يكون نصاً صحيحاً صريحاً من الكتاب أو السنة، وقد يكون ظاهرا.

وقد ينقل مع الإجماع ، فنطلع عليه ، وقد لا ينقل ، ويكتفي عنه بالإجماع .

وهل يجوز أن ينعقد الإجماع عن قياس؟(227)

الصحيح عند الجمهور أنه يصح أن يكون عن قياس، وأنه واقع فعلا، وذلك كالإجماع على تحريم شحم الخنزير قياساً على لحمه، والإجماع على إراقة الزيت ونحوه، ذا ماتت فيه الفأرة قياسا على السمن.

والإجماع على إمامة أبي بكر الصديق قياساً على تقديمه في الصلاة .

والإجماع على قتال مانعي الزكاة قياسا على الصلاة .

والإجماع على تقويم الأَمة في العتق قياساً على العبد ..

وغير ذلك من المسائل التي أجمعت عليها الأمة ، وكان مستند إجماعها القياس .

11 – انقراض العصر:(228)

بناء على ما ذكرناه من اشتراط اتفاق جميع المجتهدين حتى يصح الإجماع، هل يشترط أن يموتوا جميعا ليستقر الإجماع الذي انعقد بوفاقهم ؟

الصحيح أنه لا يشترط موتهم جميعا لانعقاده واستقراره، كمالا يشترط موت غالبهم، وذلك لأن الدليل الدال على حجية الإجماع لم يشترط أكثر من اتفاقهم على الحكم، والقول باشتراط موتهم لا دليل عليه، إلا أنه إذا كان الإجماع ظنياً كالإجماع السكوتي لا بد من استمرار مدة من الزمان – يرجع في مقدارها إلى العرف – يعرف من خلالها استقرار الإجماع وثباته، لاحتمال أن يبوح أحد المجتهدين بما يخالف ما فهم من الإجماع في حالة سكوتهم

ولا يشترط فيه موتهم، أو موت أغلبهم، على الصحيح، كما لا يشترط هذا التمادي من الزمان في صحة الإجماع والله أعلم.

(218) المحصول : 4 / 20 ، نهاية السول : 2 /273

(219) التبصرة : 349 ، اللمع : 49 ، البرهان : 1 /675 ، المستصفى : 1 / 173 ،

المنخول: 303، المعتمد: 2 / 458، المسودة: 315، التمهيد: 451،

الأحكام :1/ 282 و286– 321، منتهى السول : 1/50، المنتهى :37، رفع

الحاجب : 1/ق 163– ب ، المحصول: 4/46، الإبهاج ونهاية السول:2/233 ،

جمع الجوامع : 2 /195 ، السر خسي : 1 /295 ، فواتح الرحموت : 2 / 211 .

(220) المستصفى : 1 / 202 ، المنخول : 310 ، الأحكام : 1 /336 ، المحصول :

4 / 357 ، الإبهاج ونهاية السول : 2 / 256 ، المعتمد : 2 / 486 ، التبصرة :

361 ، جمع الجوامع : 2 /178 .

(221) جمع الجوامع: 2 /181، الأحكام: 1 / 361.

(222) المحصول : 4 / 283 ، الأحكام : 1 /358 ، المستصفى : 1 /188 .

(223) البرهان: 1 /722.

(224) المحصول: 4 / 281.

(225) : جمع الجوامع : 2 /177 ، الأحكام : 1 / 326 ، المستصفى : 1 /183 .

(226): جمع الجوامع: 2 / 195، الأحكام: 1 / 374، المحصول: 4 / 365، المعتمد:

2 / 520 .

(227) انظر شرحنا على التبصرة : 372 .

(228) البرهان : 1 / 692 ، التبصرة : 375 ، المستصفى : 1 / 192 ، المنخول : 317 ،

المعتمد : 2 / 502 ، ألأحكام : 1 / 366 ، المنتهي : 63 ، اللمع 50 ، المحصول :

4 / 206 ، جمع الجوامع : 2 / 181 .