الباب الثاني في أركان الحكم ، الحاكم ، المحكوم عليه ، المحكوم به ، وفي كل فصل مسائل

الباب الثاني

في

أركان الحــكم

ويشتمل على ثلاثة فصول

الفصل الأول في: الحاكم.

والفصل الثاني في : المحكوم عليه .

والفصل الثالث في : المحكوم به

الفصل الأول في الحـــاكــم

قد ذكرنا في تعريف الحكم أنه خطاب الله تعالى، وبناء على ذلك فالحاكم هو الله، ولا حكم لغيره.

ومصدر التحسين والتقبيح هو الشرع عند الأشاعرة ـ أهل السنة ـ خلافاً للمعتزلة الذين حكموا العقل ، فالحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع .

وخلاصة القول في هذه المسألة .

أن الحسن والقبح إذا كانا بمعنى ملائمة الطبع ومنافرته، كحسن العدل، والإحسان، وإنقاذ الغرقى، وقبح الظلم، والشح، والغضب .

أو بمعنى صفة الكمال والنقص، كحسن العلم، وقبح الجهل ـ فلا نزاع في أنهما عقليان، وهذا لا خلاف فيه.

وأما إذا كان بمعنى ترتب المدح والذم عاجلاً في الدنيا، وبمعنى ترتب الثواب والعقاب آجلاً في الآخرة، كحسن الطاعة، وقبح المعصية، فهما شرعيان عندنا، أي لا يحكم بذلك إلا الشرع الذي جاءت به الرسل.

وذهب المعتزلة إلى أنهما عقليان، بمعنى أن العقل له صلاحية الكشف عنهما، وانه لا يفتقر الوقوف على حكم الله إلى ورود الشرائع، لاعتقادهم وجوب مراعاة المصالح والمفاسد.

وإنما الشرائع مؤكدة لحكم العقل، فيما يعلمه العقل بالضرورة، كالعلم بحسن الصدق النافع، وقبح الكذب الضار، أو بالنظر، كحسن الكذب النافع، وقبح الصدق الضار.

وأما ما لا يدركه العقل لا بالضرورة ولا بالنظر، كحسن صوم آخر يوم من رمضان، وقبح صوم أول يوم من شوال، فإن الشرع يكون مظهراً لحكمه، لمعنى خفي علينا.

والخلاصة: أن الحاكم حقيقة هو الشرع بالإجماع، وإنما الخلاف في أن العقل هل هو كاف في معرفة الحكم أم لا.

فعندنا العقل لا يكفي، ولا يدرك، ولا حكم إلا للشرع، وعندهم العقل يدرك الحكم من خلال المصالح والمفاسد(25).

شكر المنعم

وبناء على قاعدتنا في أنه لا حكم قبل الشرع، فإنه لا يجب عندنا شكر المنعم عقلاً، ولا عقاب على الجحود، لقوله تعالى: } ومَنا كُنا مُعَذبين حتى نَبْعَثَ رَسوُلا { .

والمنعم هو الله تعالى.

والمراد بشكر المنعم، الثناء على الله تعالى، لإنعامه بالخلق والرزق، والصحة، وغير ذلك، سواء أكان ذلك بالقلب، بأن يعتقد ذلك، أم باللسان، بأن يتحدث به، أم بغير ذلك، كأن نخضع له تعالى باجتناب المستخبثات العقلية، والإتيان المستحسنات.

والخلاصة: أن شكر المنعم عندنا واجب بالشرع لا بالعقل، وأنه لا تكليف قبل البعثة.

فمن لم تبلغه دعوة نبي، لا يأثم بترك الشكر، ولا يعاقب، لنفي التعذيب قبل البعثة، الذي يلزم منه عدم الأحكام (26).

الأفعال قبل البعثة

بناء على ما ذكرناه من القاعدة السابقة، من انه لا حكم إلا للشرع وأن العقل لا حم له، وان شكر المنعم ليس بواجب ـ فما هو حكم الأفعال قبل البعثة ؟

والخلاصة: فيها أن الفعل إما أن يكون اضطرارياً، تدعو الحاج إليه بسبب الجبلة والطبيعة، كالتنفس في الهواء وغيره، وهذا غير ممنوع منه قطعاً.

وإما أن يكون اختيارياً كأكل الفاكهة وغير ذلك من الأمور، والحكم في هذا موقوف إلى ورود الشرع، على معنى أنا لا نعلم حكم الأفعال قبل ورود الشرع، إذا لا مدخل للعقل فيه.

وهذا لا يتعارض مع ما سيأتي من أن أصل في المنافع الإباحة وفي المضار التحريم، لأن الكلام هنا على ما قبل البعثة، وما سيأتي فيما بعد الشرع. والله أعلم(27)

الفصل الثاني

في المحكوم عليه

وفيه مسائل :

المسألة الأولى

في تكليف المعدوم

قد مر معنا في تعريف الحكم أنه خطاب الله تعالى، وخطابه : كلامه الأزلي، القائم بذاته .

فالأمر، والنهي، وهما من أقسام الحكم الشرعي التكليفي، ثابتان في الأزل، علماً بأنه لم يكن هناك مأمور ولا منهي .

وبناء على هذا ذهب الاشاعرة إلى أنه يجوز تكليف المعدوم، ويتعلق به الأمر والنهي تعلقاً معنوياً .

وليس معنى تعلق الأمر به أن يكون مأموراً حال عدمه، فإن الصبيان والمجانين غير مأمورين ولا مكلفين، لفقدان شرط التكليف، من البلوغ والعقل، فكيف يجوز تكليف المعدوم وهو أسوأ حالاً منهما، وهو غير موجود.

وإنما معناه أنه إذا وجد، مستكملاً لشروط التكليف، تعلق به الأمر القديم، وصار مأموراً به.

وأمر المعدوم وتكليفه، كأمرنا بحكم الرسول ـ r ـ قبل وجودنا، فلو لم يجز الحكم المعدوم، لما أمرنا بحكم الرسول ـ r ـ، إلا أن الإجماع قائم على أنا مأمورون بحكم الرسول عليه السلام، رغم أنا ما كنا موجودين وقت الأمر.

فدل هذا على جواز أمر المعدوم وتكليفه، على المعنى الذي ذكرناه، وهو أنه إذا وجد مستكملاً للشرائط توجه التكليف إليه، وتعلق به(28) .

المسألة الثانية

في تكليف الغافل

الغافل: هو الذي لا يدري ما يقال له، ولا يفهم الخطاب، كالساهي، والنائم، والمجنون، والسكران(29).

وهو في هذه الحالة لا يفهم الخطاب، ولذلك لا يجوز تكليفه، لأن مقتضى التكليف بالشئ، الإتيان به امتثالاً لأمر الله تعالى وطاعته .

ولا يكفي مجرد الفعل، بدون القصد والنية، لقوله عليه السلام : ( إنما الأعمال بالنيات ) .

والامتثال المطلوب يتوقف على العمل بالتكليف به، والغافل لا يعلم ذلك، فيمتنع تكليفه.

إلا أنه إذا أتلف شيئا حال غفلته، وجب عليه ضمانه بعد يقظته، وهذا ليس من قبيل الحكم التكليفي، وإنما هو من قبيل ربط الأسباب بمسبباتها .

فقد جعل الله تعالى الإتلاف سبباً لوجوب الضمان، فإذا وجد الإتلاف وجب الضمان، ولا يشترط فيه التكليف، كما مر معنا في الحكم الوضعي.

المسألة الثالثة

في تكليف الملجأ والمكره

هذه المسألة كالتي قبلها، إلا أن مرتبة الإلجاء دون مرتبة الغافل، ومرتبة المكره دون مرتبة الملجأ(30).

فالمراتب ثلاثة:

المرتبة الأولى:

وهي أبعدها، مرتبة تكليف الغافل، لأنه لا يدري، ما يقال له أو يكلف به أصلا.

والمرتبة الثانية:

هي مرتبة تكليف الملجأ، وهو يدري، ولكن لا مندوحة له عن الفعل أصلا، لأن الإلجاء يسقط الرضا والاختيار معاً.

والمرتبة الثالثة:

هي مرتبة تكليف المكره، وهو يدري، وله مندوحة عن الفعل بالصبر على ما أكره به، لأن الإكراه يسقط الرضا فقط، دون الاختيار.

فكل مرتبة من هذه المراتب أبعد مما تليها، أما الغافل فقد مر معنا في المسألة السابقة عدم جواز تكليفه.

وأما الملجأ، وهو الذي يدري الخطاب، ويفهمه، إلا أنه لا تبقى له قدرة ولا اختيار، لا على الفعل، ولا على عدمه، كمن ألقى من شاهق على شخص، يقتله بسقوط عليه، فإنه لا بد له من السقوط عليه، القاتل له.

وهذا يمنع تكليفه بالملجأ إليه، أو بنقيضه، لعدم قدرته على ذلك، لأن الملجأ إليه واجب الوقوع، وهو السقوط على الشخص القاتل له، ونقيضه ممتنع الوقوع، وهو عدم السقوط على الشخص، ولا قدرة للملجأ على واحد منهما لا الواجب، ولا الممتنع، ولذلك استحال تكليفه .

وأما المكره، وهو الذي يدري الخطاب ويفهمه، ويستطيع عدم الفعل ما أكره عليه، بالصبر على ما أكره به، إلا أنه لا رضا له، فالإكراه يسقط الرضا، ولكنه لا يسقط الاختيار.

وهذا أيضا يمتنع تكليفه بالمكره عليه أو بنقيضه، لعدم قدرته على امتثال ذلك.

ووجه عدم قدرته عليه أن امتثال التكليف بالمكره عليه هو أن يتأتي بالفعل الواقع للإكراه اختياراً، وطاعة للأمر، وهو محال، لأنه مكره غير راض، فالفعل للإكراه لا يحصل به الامتثال. فتكليفه حينئذ معناه أن يطلب منه أن يحصل الفعل الذي هو واقع للإكراه على وجه الامتثال وهو ممتنع عقلاً، لأنه تكليف بجمع النقيضين.

ولا يمكنه في نقس الوقت الإتيان مع الإكراه بنقيض ما أكره عليه، وهو تركه، لأن الإكراه على الفعل إكراه على ترك الترك للفعل.

إلا أن المكره لو أكره على القتل فقتل، يأثم بالإجماع، وإثمه هذا، ليس لأنه مكلف عدم الفعل الذي أكره عليه، فقد رأينا أنه يمتنع تكليفه به .

وإنما إثمه هنا لأنه آثر نفسه بالبقاء، على الشخص الذي أكره على قتله، وهو كفء له .

فهو عندما خير بين أن يقتل الشخص المكافئ له وبين أن يقتل هو، بقول المكره : أقتل هذا وإلا قتلتك، كان بإمكانه أن يصبر، وأن يقتل، ولا يقتل أحداً، إلا أنه آثر نفسه بالبقاء على مكافئه، فقتله ليبقى هو، وينجو من القتل، ولذلك أثم بالقتل، لا من جهة التكليف، وإنما من جهة إيثاره نفسه بالبقاء .

الفصل الثالث

في المحكــــوم به

وفيه مسألتان :

المسألة الأولى

في تكليف الكـــافر بالفـروع

قبل الكلام على هذه المسألة لا بد من بيان الأمور الآتية :

1. لا خلاف بين العلماء أن الكفار مخاطبون بالإيمان، لأن النبي ـ r ـ بعث إلى الناس كافة ليدعوهم إلى الإيمان، بل هم الذين أرسل إليهم الأنبياء أصلا.

2. ولا خلاف بين العلماء في أنهم مخاطبون بالمشروع من العقوبات، ولهذا تقام على أهل الذمة الحدود عند قيام أسبابها، بالشرائط المعروفة عند الفقهاء.

3. ولا خلاف أن الخطاب بالمعاملات يتناولهم أيضا، لأن المطلوب بها معنى دنيوي، وذلك أليق بهم، لأنهم آثروا الدنيا على الآخرة .

4. ولا خلاف أن الخطاب بالشرائع يتناولهم في حكم المؤاخذة في الآخرة، لأن موجب الأمر اعتقاد اللزوم والأداء، وهم ينكرون اللزوم اعتقاداً، وذلك كفر منهم، بمنزلة إنكار التوحيد .

إذا علمت هذا فالخلاف في هذه المسألة إنما هو في التكليف بالفروع الشرعية، على معنى أنهم يضاعف لهم العذاب بها يوم القيامة، وهذا معنى قولنا أنهم مأمورون بها، وليس معناه أنهم مأمورون بأدائها في الدنيا، حال كفرهم، لأنها لا تصح منهم، إذ شرطها الإيمان، وهو منفى عنهم بكفرهم .

والصحيح أنهم مكلفون بفروع الشريعة على ما ذهب إليه جمهور الأصوليين.

والدليل على تكليفهم بالفروع قول الله تعالى : } ما سَلَكَكُم في سقر قالوا : لم نكُ من المصلينَ، ولم نكُ نطعمُ المسكينَ، وكنا نخوضُ معَ الخائضين { وهذا يدل على أنهم مخاطبون بالصلاة، والزكاة، إذ لو لم يكونوا مخاطبين بها، لما استحقوا العقاب عليها، وهذا زيادة على عقابهم بالكفر الثابت في قوله تعالى : } وكنا نكذب بيوم الدين { .

وقوله تعالى: } والذين لا يدعون مع الله إلها آخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلق آثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة { .

ولهذه المسألة فروع كثيرة في الفقه، نذكر منها :

1. ما لو تعاطى الكافر شيئاً يوجب الكفارة على المسلم، وجبت عليه، كما إذا حلف بن يدي القاضي مثلاً على حق، ثم قامت فيه عليه البينة، فإنه يلزمه الكفارة.

2. إذا قتل الكافر صيداً في الحرم، فالمعروف وجوب الكفارة عليه(31).

المسألة الثانية

امتثال الأمر يوجب الإجزاء

والمراد بهذه المسألة أن المأمور إذا أتى بالمأمور به على وجهه المطلوب شرعاً، هل يوجب الإجزاء، أم لا ؟ .

والمراد بالإجزاء هنا إسقاط القضاء، على معنى أن ذمة المأمور قد برأت بمجرد الإتيان بالمأمور به وامتثاله .

فالجمهور يقولون أن الإتيان بالفعل على وجهه المطلوب شرعاً يوجب الإجزاء، ويسقط القضاء .

والأمر كما دل على شغل الذمة، دل أيضا على البراءة بتقدير الإتيان بالفعل على وجهه، والله اعلم(32)

(25) جمع الجوامع : 1/ 57 ، البرهان : 1 / 87 ، المنخول : 18 ، المستصفى : 1 / 55 ،

الاحكام : 1/ 113 ، المحصول : 1/ 159 ، رفع الحاجب : 1/ ق 72 – ب .

(26) جمع الجوامع : 1/87 ، البرهان : 1/94 ، المنخول : 14 ، المستصفى : 1/61 ،

الاحكام : 1/124 ، المحصول : 1/193 ، رفع الحاجب : 1/ ق – 82 – ب . سلم

الوصول لشرح نهاية السول للشيه بخيت : 1/ 263 ، وانظر التعليق القادم .

وهاتان المسألتان، مسألة شكر المنعم، والأفعال الاختيارية قبل البعثة، يذكرهما

الأصوليون كفرعين على التنزيل ، على معنى أننا لا نسلم الحسن والقبح العقليين ،

ومن ثم فلا يجب شكر المنعم عقلا، ولا أحكام للأفعال قبل البعثة، إلا أننا إن

سلمنا جدلا من الحسن والقبح العقليين يستلزمان الحكم من الله تعالى، لكن لا

نسلم أن العقل يدرك الحسن والقبح في هاتين المسألتين .

(27) جمع الجوامع : 1/62 ، البرهان 1/99 ، المنخول : 19 ، المستصفى : 1/63 ،

الأحكام:1/130، العضد على ابن الحاجب:1/118، رفع الحاجب:1/ق

84 – أ، المحصول: 1/ 209، سلم الوصول: 1/275.

(28) جمع الجوامع : 1/ 77 ، البرهان : 1/ 270 ، المنخول : 124 ، المستصفى :

1/270 ، الاحكام : 1/ 219 ، المحصول : 2/429 ، رفع الحاجب : 1/ ق

133 – أ ، فواتح الرحموت : 1 / 146 ، تيسير التحرير : 2/ 238 .

(29) جمع الجوامع : 1/68 ، الإبهاج ونهاية السول :1 /99 ، الأحكام : 1 / 215 ،

المحصول :2 /437 ، رفع الحاجب : 1 / ق 132- ب .

(30) انظر تكليف المكره في البرهان: 1/ 106، المنخول: 32، المحصول: 2/449،

الأحكام:1/ 220، وقد فصلوا فيه بين الإكراه الملجئ، فلم يجوزوا التكليف، وهو اتفاق،

والإكراه الذي لا إلجاء فيه ، فجوزوا تكليفه .

وما اخترته هنا هو اختيار ابن السبكي في جمع الجوامع : 1/ 72 ، وهو اختيار الحنفية كما في مسلم الثبوت : 1/ 166.

وقد فصل الغزالي في المستصفى بين ما إذا أتى بالمكره لداعي الشرع أو لداعي الإكراه ، وانظر المستصفى : 1/ 58ط. بالسعادة .

(31) البرهان : 1/107 ، المستصفى : 1 / 91 ، الأحكام : 1/ 206 ، المحصول :

2/ 399 ، المنخول : 31 ، التبصرة : 80 ، اللمع :12 ، المنتهى لابن الحاجب :

30، رفع الحاجب: 1 /ق 226 – أ، الإبهاج: 1/111، جمع الجوامع:1/ 233

عطار ، تيسير التحرير : 1 /114 ،مسلم الثبوت : 1/128 ، أصول السرخسي :

1/73.

(32) التبصرة : 85 ، الأحكام :2 /256، المنتهى : 71 ، رفع الحاجب : 1/ق

332 – أ ، الإبهاج ونهاية السول :1 /117 .