الصفحة الرئيسية  »  الوجيز في أصول التشريع الإسلامي   »   الظاهر والمؤوَّل ، أقسام التأويل ، ما يرد عليه التأويل ،شروط التأويل الصحيح

الظاهر والمؤوَّل ، أقسام التأويل ، ما يرد عليه التأويل ،شروط التأويل الصحيح

الباب السابع

في الظاهر والمؤوَّل

وفيه فصلان :

الفصل الأول: في الظاهر.

الفصل الثاني: في المؤول.

الفصل الأول

في الظـــاهر

اللفظ بالنسبة لدلالته ت سواء أكان من القرآن، أم السنة، أم غيرهما ـ ينقسم الى ثلاثة أقسام .

القسم الأول: هو اللفظ الذي لا يتطرق إليه التأويل، أو الذي يفيد معنى لا يحتمل غيره، وهو النص.

وذلك كقوله تعالى: ) محمد رسول الله ( وقوله: ) قل هو الله أحد (

القسم الثاني: هو اللفظ الذي يفيد المعنى الذي وضع له مع احتمال غيره، وهو الظاهر، وهو ما سنتكلم عنه.

القسم الثالث: هو اللفظ الذي يحتمل معنيين متساويين على السواء.

وقد مر معنا في أثناء الكلام على كيفية الاستدلال بالألفاظ الكلام على النص، كما مرَّ معنا في الباب السابق الكلام، على المجمل.

وبقي عندنا الكلام على الظاهر، وهو ما سنتكلم عنه الآن.

فالظاهر لغة : هو الواضح، ولا يحتاج الى تفسير .

وأما اصطلاحاً: فهو ما دلَّ على المعنى الذي وضع له، دلالة ظنية، مع احتمال غيره(162).

سواء أكانت دلالته الظنية على المعنى بالوضع، كدلالة الأسد على الحيوان المفترس، دلالة ظنية راجحة، مع احتمال دلالته على الرجل الشجاع احتمالاً مرجوحا.

أم كانت دلالته الظنية على المعنى بالعرف، كدلالة الغائط على الخارج من الإنسان، دلالة ظنية راجحة عرفا، مع احتمال دلالته على المكان المنخفض من الأرض احتمالاً مرجوحا.

وجوب العمل بالظاهر:

والظاهر دليلٌ شرعيٌ يجب العمل به في الشرعيات، لوجوب العمل بالظن، بإجماع الأمة.

فقد عمل به أصحاب رسول الله، والتابعون، والائمة المجتهدون، دون منازع أو مدافع .

والعمل به صنو العمل بخبر الواحد الذي يفيد الظن أيضاً .

وأما في العقليات، فلا يعمل به، لأن المطلوب فيها القطع، وهذا لا قطع فيه، وإنما يعمل فيها بالنص.

الفصل الثاني

في المُـــؤَوّل

التأويل لغة : من آل يؤول، اذا رجع .

واصطلاحاُ: حمل اللفظ الظاهر على المعنى المحتمل المرجوح (163).

وبيان هذا الحد يعرف من الفصل السابق، إذ ذكرنا أن التأويل لا يرد على النص، وهذا اللفظ الذي يدل على معناه دلالة لا يحتمل غيرها، ولا يقبل التأويل.

ولا يرد على المجمل، لأنه ليس له معنى راجح ومعنى مرجوح، فلم يبق الا الظاهر، وهو ماله دلالتان، دلالة راجحة، وهي التي يدل عليها عند الإطلاق، وهي ظنية، ودلالة مرجوحة، وهي التي يحتملها مع دلالته الأولى الظنية، فإذا حمل اللفظ الظاهر عليها، لقرينة ما، صار مؤولاً.

أقسام التأويل(164):

ينقسم التأويل بحسب الصحة والفساد إلى ثلاثة أقسام :

الأول، التأويل الصحيح: وهو التأويل الذي يصار إليه بدليل، على معنى إنا إذا حملنا اللفظ الظاهر على معناه المرجوح، فأما أن نحمله عليه بدليل أولاً، فإن حملناه عليه بدليل، فهو التأويل الصحيح.

الثاني: التأويل الفاسد: وهو التأويل الذي يصار إليه بما يظنه المؤوِّل باعتقاده دليلاً، وهو ليس كذلك في الواقع ونفس الأمر، ولذلك نحكم بصحة صلاة المصلي إذا اعتقد استجماعها لشرائطها بناءً على اعتقاده، وإن كانت فاسدة في الواقع ونفس الأمر، لعدم استجماعها للشروط فيه.

الثالث: التأويل الباطل المردود: وهو التأويل الذي يصار إليه بلا دليل، بل هو لعب، وعبث، وتحكم.

وهو ما جنح إليه أصحاب الأهواء، من الملاحدة، والباطنية، والمجسمة، وغيرهم، ويحكم بكفر من صار إليه بعد بيان الحقيقة له.

لأنه حملٌ للكلام على غير مدلولاته، ولو فتح هذا الباب لأدى إلى ضياع الشريعة، واندثار المعارف، بل لأدى إلى السفسطة .

كما ينقسم التأويل بحسب قربه وبعده إلى قسمين(165):

1. تأويل قريب: وهو التأويل الذي يظهر معناه، وتتضح حقيقته بأدنى دليل أو بيان، على معنى أنه لا يتردد فيه عند سماعه، بل يقع له القبول والرضا، لوضوحه وظهوره.

2. تأويل بعيد : وهو التأويل الذي لا يظهر معناه بأدنى دليل، بل يحتاج لدليل أقوى من الظاهر حتى يؤول الظاهر عليه، على معنى أن السامع يتردد كثيراً فيه عند سماعه، بل ربما أنكره لبعده، ولا يستوعبه ويتفهمه الا بدليل أقوى من ظاهره.

ما يرد عليه التأويل:

يرد التأويل على أمرين

الأول: الفروع العملية، فإنه لا خلاف بين العلماء في أنها يرد عليها التأويل.

الثاني: الأصول من العقائد، وأصول الديانات، وصفات الله، وغير ذلك.

وهذه قد انقسم الناس فيها على مذاهب، فمنهم من يجريها على ظاهرها، دون تأويل أوتعطيل، ودون تشبيه أو تجسيم، وهم السلف .

ومنهم من أجاز تأويلها بما يتناسب مع أصول العقيدة، وكمال الله، وبضوابط التأويل التي ذكرناها.

والحق جواز التأويل، بالدليل الصحيح الصريح، لإجماع الأمة على تأويل كثير من آيات القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، بما يتناسب مع أصول العقيدة، وجلال الله وكماله، ولذلك طرد الخلف من أهل السنة والجماعة التأويل في كل ما يشبه ما أجمعت الأمة على تأويله من الكتاب والسنة .

وإن كان الأسلم والأقرب عدم الخوض في هذا، وإجراء الأمور على ما أجراها عليه السلف الصالح، دون تأويل ولا تعطيل، ولا تجسيم ولا تشبيه، وهو معتقدنا ومعتقد الاشاعرة جميعا، كما صرحوا به في كتبهم .

ونحن لا نريد الخوض في هذا الموضوع، لأن مكانه في كتب التوحيد والعقيدة، وإنما نريد الإشارة إليه، والتنبيه عليه، بما يتناسب مع الإيجاز في هذا الكتاب.

أمثلة للتأويلات البعيدة :

قد ذكرت في الفقرة السابقة أن ا لتأويل منه القريب، ومنه البعيد، وسأذكر هنا مجموعة من الأمثلة للتأويلات البعيدة التي ذهب إليها أهل التأويل، لبيان وجه البعد فيها، وسبب الإعراض عنها .

1. قال رسول الله ـ r ـ : ( أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل )(166).

أوَّله بعض الحنفية، وحمله على الصغيرة، وذلك لأن الكبيرة تزوِّج نفسها عندهم بنفسها، كسائر تصرفاتها، ورد هذا التأويل، بأن الصغرة ليست امرأة في حكم اللسان العربي، فأوَّله بعضٌ آخر، وحمله على الأمة .

ورد تأويله هذا بقوله عليه السلام : ( فإن وطئها فلها المهر ) والأمة لا تستحق المهر، لأن مهرها لسيدها .

فحمله بعضهم على المكاتبة، فإن المهر لها، لا لسيدها، وظن أن هذا التأويل صحيح، لأن المرأة اسم عام يتناول الإماء، والمكاتبات، والحرائر، ويندرجن تحته اندارجاً واحداً، ومثل هذا اللفظ يجوز تخصيصه بالحرائر، فكذا بالإماء .

وقد ردَّه أصحابنا ـ رحمهم الله ـ بوجوه منها:

الأول: أنه عليه الصلاة والسلام صدر الكلام ب( أي ) وهي من أدوات الشرط، وهي من أعم الصيغ.

ومن ثم أكده بكلمة ( ما ) وهي من المؤكدات المستقلة بنفسها.

ثم قال : ( فنكاحها باطل ) جوابا للشرط في الجملة الأولى ,

فهذه القرائن الثلاثة تدل على أن المراد من الكلام العموم قطعاً، وهو شامل لكل امرأة، ومن البعيد أن يأتي رسول الله بأعم الصيغ المؤكدة، ويعني بها أخص الصور .

الثاني: علمنا قطعاً أن الصحابة ما فهموا منه المكاتبة، كما فهمتموها، ولنا بهم أسوة.

الثالث: إن هذه القرائن التي ذكرناها تجعل العام نصاً يمتنع تخصيصه .

الرابع: إن العدول عن الظاهر قد يقرب وقد يبعد، وإذا بعد رد، فمن قال: التقيت اليوم أسداً، ثم فسر بالرجل الشجاع قبل هذا التأويل لقربه، وأما إذا حمل على الرجل الأبخر، لشبهه بالأسد المختص بالبخر، لم يقبل تأويله.

وكذلك حمل ( أيما امرأة ) على المكاتبة حمل الأسد على الرجل الأبخر .

2. قال رسول الله ـ r ـ لغيلان، حين أسلم على عشرة نسوة :

( أمسك أربعاً وفارق سائرهن )(167).

وقال لفيروز الديلمي حسن أسلم على أختين: ( أمسك إحداهما، وفارق الأخرى ) .

وقد ذهب الحنفية في تأويل هذا الحديث مذهباً بعيداً، فقالوا : إذا كان قد نكحهن معاً، فنكاحهن باطل، ولذلك أوَّلو ( أمسك ) بابتدئ نكاح أربع منهن واترك الباقيات .

وإذا كان قد نكحهن في الجاهلية مرتبة، فأنه يمسك أربعة الأوائل، ويترك الباقيات.

وقد رده أصحابنا بوجوه كثيرة، منها :

أولا: علمنا على القطع بأن الذين حضروا الواقعة من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ لم يفهموا من لفظ الإمساك ما فهموه هم.

ولذلك لم ينقل عنه أنه جدَّد عقد نكاحه، كما أنه لم ينقل عن غيرهم، مع كثرتهم، وكثرة الذين أسلموا على أكثر من امرأة، ولو كان معنى ( أمسك ) أعد نكاح، أو ابتدئ نكاح، لكان يجب على كل من تزوج أكثر من واحدة، ممن لا يجوز الجمع بينهن ـ أن يعيد نكاحه، إلا أنه لم يقع، ولو وقع لنقل، لتوفر الدواعي على نقله .

ثانيا : إن لفظ الإمساك صريح في الإمساك، وقد اقترنت به قرائن أورثت القطع به .

وذلك أنه قابل الإمساك بلفظ المفارقة، وفوَّض المفارقة إلى خيرته، وهذا لا يكون إلا إذا عيَّن ما يريد بلفظ الإمساك، فلفظ الإمساك مع مقابلته بلفظ المفارقة صريح.

وأيضا لو أراد ابتداء النكاح، لذكر لغيلان وغيره شروط النكاح وأركانه، لأنهم كانوا حديثي عهد بالإسلام، لا يعرفون ما يصحح النكاح مما يبطله، والحاجة إلى هذا البيان قائمة، قد اتفقنا نحن وأنتم على أنه يجب البيان عند الحاجة إليه، ولو بينه رسول الله لنقل، بل لكان أهم منقول في القصة، فلما لم ينقل، دل على أنه لم يقع، ودل على أن المراد بالإمساك الإبقاء على أربع يختارهن كما يشاء .

ثالثا : لو كان المراد بـ ( أمسك ) ابتداء نكاح، لترتب عليه محذور عظيم، وذلك أنه يحتمل أن يأبين جميعاً نكاحه، ويرفضن تجديد العقد، وأمرهن إليهن، لأنهن ثيبات، وربما أبى بعضهن ورفض بعضهن الآخر، وفي هذا من الضرر على من أسلم ما لا يخفي، لا يظن برسول الله إطلاق الأمر هكذا مع قيام هذه الاحتمالات، فدل على أن المراد بأمسك ما يدل عليه صراحة وهو أبق وداوم وغير ذلك .

3. قال رسول الله ـ r ـ : ( في أربعين شاة شاة )(168).

فأوجب الشافعي إخراج الشاة، ولم يجوز إخراج بدلها، أو ما يقوم مقامها.

وذلك لأن الزكاة عبادة، والعبادات يغلب فيها التعبد، لا القياس، وهي خالص حق الله تعالى، وقد تحكم فيه، وخص الشاة بالإخراج، فيجب أن يتبع أمره ويراعى نصه.

وقال الحنفية في تأويل الحديث، وتجويز إخراج القيمة، إنما خصص رسول الله ـ r ـ الشاة، لأنه كان يخاطب العرب، وأصحاب المواشي منهم كانوا يقطنون البوادي، ولا نقود عندهم، ولذلك ذكر الشاة تسهيلاً عليهم .

ولأن الزكاة تجب لمواساة الفقراء وسد خلتهم، والدراهم في معنى الشاة، في هذا، ولذلك أجازوا إخراج القيمة في الزكاة.

وقد رد أصحابنا هذا التأويل بوجوه منها :

أولا : إذا كان الأمر أمر حاجة وسدها، كما ظننتم، فلماذا لا تتخيلون معنى الغنى في جانب المالك، وتلحقون غير الشاة بالشاة في وجوب الزكاة، فإن الغنى كما يكون بالشاة يكون بغيرها، وسد الحاجة كما يكون بالشاة يكون بغيرها، وبذلك تجب الزكاة في جميع الأموال .. ؟

فكون الشارع قد تحكم في بعض الأصول فأوجب فيها الزكاة دون بعضها الآخر، دليل على أن الأمر ليس مجرد غنى وحاجة، وإنما هو شيء وراء ذلك، ولذلك يجب إجراء اللفظ على ظاهره، ويجب التزام الشاة في الإخراج.

ثانيا : لقد نص رسول الله ـ r ـ على الشاة في خمس من الإبل، وعلى الثنتين في العشر، إلى أن وصل إلى الجبران، فردد بين الشاة والدراهم، فلو كانت الشاة بمعنى الدراهم لسوينا بين ما أطلقه رسول الله وبين ما ردد فيه وهذا محال .

ثالثا : إننا نلاحظ فائدة عظيمة في وجوب إخراج الشاة بعينها دون قيمتها، وإن كانت القيمة محتملة، وذلك أن الشارع يريد أن يغني الفقراء بعين مال الأغنياء، أو بجنس مالهم، ليشركوهم فيه، ويستفيدوا من نسله ودره، ولو أعطوا بدله دراهم لما تحققت هذه المصلحة، ولذهب المال، ولعادوا كما كانوا .

ويشهد لهذا تخصيصه ـ r ـ الأنثى بالذكر، مع أن المالية فيها وفي الذكر على السواء، بل ربما كان ثمن الذكر أكبر من ثمن الأنثى.

ونحن في هذه الأمثلة لا نريد أن نبين قوة المذاهب أو ضعفها، وإنما أريد أن أمثل للتأويل البعيد والقريب، وإلا فمكان هذه المسائل في الفقه الخلافي وليس في أصول الفقه.

شروط التأويل الصحيح(169):

للتأويل الصحيح شروط يجب مراعاتها حتى يصح وهي:

أولاً: أن يكون التأويل موافقاً لوضع اللغة، أو عرف الاستعمال، وكل تأويل خرج عن هذا فليس بصحيح.

ثانياً: أن يكون هناك دليل يدل على أن المراد من اللفظ هو المعنى الذي حمل عليه، وأول الظاهر إليه، فإذا انعدم الدليل بطل التأويل .

ثالثا: يمكن أن يكون دليل التأويل قياساً، وفي هذه الحالة يشترط به أن يكون جلياً لا خفياً.

رابعا: أن لا يعود التأويل على ظاهر النص بالبطلان، كالمثال الثالث الذي ذكرناه.

لأن استنباط معنى الحاجة، وسد الخلة من النص، وهو وجوب الشاة، يؤدي إلى عدم وجوبها، لجواز الانتقال إلى القيمة .

(162) جمع الجوامع : 2/52 .

(163) جمع الجوامع : 2/53 .

(164) جمع الجوامع : 2/53 .

(165) رفع الحاجب : 2/ق 72 – ب .

(166) المنخول: 180، الأحكام: 3 /81، جمع الجوامع: 2/54.

(167) المنخول: 187، الأحكام: 3/76، جمع الجوامع: 2 /53.

(168) المنخول:198، الأحكام: 3 /78.

(169) الأحكام: 3/75.

استطلاع رأي زوار موقع المستنير