الصفحة الرئيسية  »  الوجيز في أصول التشريع الإسلامي   »   المطلق والمقيد،الفرق بين المطلق والعام والنكرة والعدد،حمل المطلق على المقيد،المجمل والمبين،مسألة فيما لا إجمال فيه،

المطلق والمقيد،الفرق بين المطلق والعام والنكرة والعدد،حمل المطلق على المقيد،المجمل والمبين،مسألة فيما لا إجمال فيه،

الباب الخامس
في المطلق والمقيد

وفيه فصلان :

الفصل الأول: في تعريفه، والفرق بينه وبين العام والنكرة.

الفصل الثاني: في حمل المطلق على المقيد.

الفصل الأول

في تعريفه

المطلق في اللغة : هو ما عرى عن القيد والشرط .

وفي الاصطلاح: ما دل على الماهية بلا قيد، من وحدة أو كثرة(142) .

وهذا التعريف إنما هو لبيان حقيقة المطلق الذهنية، ولا شك أنها في هذه الحالة تنفك عن القيد.

وأما المطلق الذي يراد إيجاده في الخارج، فإنه لا بد من مقارنته للقيد، إذ يمتنع وجوده في الخارج بدونه.

وخلاصة هذا أن الأمر المتعلق بالفعل كاضرب، أمرٌ بمطلق الماهية، ومطلق الماهية أمر كلي، يستحيل وجوده في الخارج، فلا يكون مأموراً به، إذ من شرط المأمور به إمكان وجوده وحصوله، فينصرف الأمر عن مطلق الماهية المأمور بها ظاهراً، إلى جزئي من جزئياته، ولا يزاد عليه، لأن الأصل براءة الذمة، والمهم حصول ما أمر به .

الفرق بين المطلق والعام والنكرة والعدد(143) :

الصحيح أنه يوجد فرق بين المطلق والنكرة، وقبل الكلام عليه لا بد من تقديم المقدمة التالية، وهي أن لكل شيء من الأشياء حقيقة يكون ذلك الشيء بها، فالجسم الإنساني له حقيقة، وهي الحيوان الناطق، وذلك الجسم بتلك الحقيقة إنسان، وتلك الحقيقة مغايرة لما عداها، سواء كان ما عداها ملازماً لها، كالوحدة والكثرة ، لأنه يستحيل وجود الحقيقة بدونها كما قدمنا، أو مفارقاً لها، كالحصول في الحيز المعين .

فمفهوم الإنسان هو الإنسان بغض النظر عن الوحدة والكثرة، وبلا اعتبار قيد إيجابي أو سلبي.

وبعد هذه المقدمة يسهل علينا تصور الفرق بين المطلق والنكرة، فاللفظ الدال على الماهية ( الحقيقة ) فقط، بلا اعتبار قيد من القيود الايجابية أو السلبية، هو المطلق ،وذلك كقولنا : ( الرجل خير من المرأة ) وهذا معنى قولهم : هو التعرض للذات، دون الصفات .

واللفظ الدال عليها مع الدلالة على كونه واحداً معيناً إما بالشخص، أو بالنوع، أو الجنس، فهو المعرفة، كزيد.

والدال عليها مع الدلالة على كونه واحدا غير معين فهو النكرة، وذلك نحو: مررت برجل، فإنه يدل على فرد من ذكور بني آدم البالغين، بلا تعيين.

والدال عليها مع كثرة محصورة، لا تتناول ما عداها، فهو العدد، كخمسة وعشرة.

والدال عليها مع كثرة غير محصورة، بل مستوعبة لكل جزء من جزئيات تلك الحقيقة، ولكل فرد من أفرادها، فهو العام، كالمسلمين، والمجاهدين، وغيرهما من ألفاظ العموم .

المطلق والمقيد كالعام والخاص(144) :

فالمطلق كالعام، والمقيد كالخاص، فكل ما جاز تخصيص العام به، جاز به تقييد المطلق، وكل ما امتنع تخصيص العام به، امتنع تقييد المطلق به.

فيجوز تقييد الكتاب بالكتاب، وتقييد الكتاب السنة، وتقييد السنة بالسنة، وتقييد السنة بالكتاب، وتقييد الكتاب والسنة بالقياس، وتقييدهما بمفهوم الموافقة والمخالفة، وبفعل النبي ـ r ـ، وبتقريره.

ولا يجوز تقييد المطلق بمذهب الراوي ولو كان صحابياً.

وذكرُ بعض جزئيات المطلق عقيبه، بحكمه، لا يقيده أيضا، وذلك كقولنا : ( اعتق رقبة، اعتق زيدا ) كما مرَّ معنا في إفراد فرد من أفراد العام بحكمه .

الفصل الثاني

في حمل المطلق على المقيد

إذا جاءنا لفظان أحدهما مطلق، والآخر مقيد، ففي حمل المطلق على المقيد وعدمه حالات وصور، يحمل في بعضها،ولا يحمل في بعضها الآخر،وسنتكلم على كل حالة من هذه الحالات بالتفصيل(145) .

الحالة الأولى: أن يتحد حكمهما وسببهما:

ولهما في هذه الحالة صور .

1. أن يكونا مثبتين : كأن يقال في كفارة الظهار : اعتق رقبة، ويقال فيه أيضا : أعتق رقبة مؤمنة .

فإن تأخر ورود المقيد عن وقت العمل بالمطلق، اعتبر المقيد ناسخا للمطلق، ففي مثالنا المذكور ينسخ التقييد بالإيمان الإطلاق، وذلك لأن ما كان يصدق عليه أنه كفارة، وأنه يجزئ، لم يعد يصدق عليه هذا، كما أنه لم يعد مجزئاً .

وإن لم يتأخر عن وقت العمل بالمطلق، بأن تقارنا، أو تأخر عن وقت الخطاب المطلق، دون العمل به، أو جهل تاريخهما، فإنه في هذه الحالة يجب حمل المطلق على المقيد، ويجب تقييد الرقبة بالمؤمنة في مثالنا السابق، ولا يجزئ فيه إعتاق الكافرة .

وإنما حملنا المطلق على المقيد جمعاً بين الدليلين، لأن المطلق جزء من المقيد، إذ المقيد مطلق أضيف إليه قيد، فإذا عملنا بالقيد، فقد عملنا يهما، وإذا لم نعمل به، بل عملنا بالمطلق فقد ألغينا أحدهما.

2. أن يكونا منفيين:

والمراد به أنهما غير مثبتين، سواء أكانا بلفظ النهي، أو بلفظ النفي.

وذلك كأن يقال : لا يجزئ عتق مكاتب، لا يجزئ عتق مكاتب كافر، لا تعتق مكاتبا، لا تعتق مكاتباً كافراً، وفي هذه الحالة أيضا يحمل المطلق على المقيد، وحاصله : أنه لا يعتق مكاتباً كافراً .

إلا أن الآمدي ذكر أنه لا خلاف في العمل بمدلولهما، والجمع بينهما في النفي، إذ لا تعذر فيه .

وحاصله : أنه يلزم من نفي المطلق نفي المقيد، فيمكن العمل بهما، وبناء عليه، فلا يعتق في مثالنا مكاتباً مؤمناً أيضا، إذ لو أعتقه، لم يعمل بهما، وفي المسألة كلام لا يحتمله هذا المختصر .

3. أن يكون أحدهما أمرا والآخر نهياً:

وذلك نحو: أعتق رقبة، لا تعتق رقبة كافرة، أعتق رقبة مؤمنة، لا تعتق رقبة.

وفي هذه الصورة يقيد المطلق بضد الصفة التي قيد بها المقيد، ليعمل بهما، ففي المثال الأول يؤمر بإعتاق رقبة مؤمنة، وفي المثال الثاني ينهي عن إعتاق رقبة كافرة .

الحالة الثانية: أن يختلف حكمهما وسببهما:

وذلك كما لو قيل بسببين مختلفين : أكسُ فقيراً ثوباً دمشقياً وأطعم فقيراً طعاماً .

فإنه لا يقيد الطعام بالدمشقي في هذه الحالة، لعدم المنافاة بين الصورتين، بل يعمل بكل منهما على ما ورد عليه، المطلق على إطلاقه، والمقيد على تقييده.

الحالة الثالثة: أن يختلف السبب ويتحد الحكم:

وذلك كما في قوله تعالى في كفارة الظهار: ) فتحرير رقبة ( بالإطلاق، دون التقييد بالإيمان، وقوله تعالى في كفارة القتل : ) فتحرير رقبة مؤمنة ( إذ قيد الرقبة بالإيمان .

فالسببان مختلفان، الأول الظهار، والثاني القتل، والحكمان متحدان، وهما الإعتاق، إلا أن أحدهما قيد بالإيمان والثاني أطلق .

والصحيح في هذه الحالة أنه يحمل المطلق على المقيد ، فتقييد الرقبة في الظهار به ، فلا تجزئ فيه الرقبة الكافرة.

والحمل في هذه الحالة لا يكون بمجرد ورود اللفظ المقيد من غير علة جامعة بينه وبين المطلق، وإنما بالقياس بعلة مشتركة بينهما وهي في هذين المثالين حرمة سببهما ، وهما الظهار والقتل.

الحالة الرابعة: أن يتحد السبب ويختلف الحكم.

وذلك كما في قوله تعالى في آية التيمم : ) فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ( فإنه أطلق الأيدي ولم يقيدها بالمرافق، وقال في آية الوضوء : ) فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ( فقيد الأيدي بالمرافق.

فالسبب في هذين المثالين متحد، وهو الحدث الموجب للوضوء والتيمم ، والحكمان مختلفان، الأول وجوب المسح، وهو المطلق، والثاني وجوب الغسل ، وهو مقيد.

والصحيح في هذه الحالة أيضاً أنه يحمل المطلق على المقيد قياساً، بعلة جامعة بينهما، وهي هنا الحدث الموجب للحكمين، فتقيد الأيدي في التيمم بالمرافق، حملاً لها على الأيدي في الوضوء، المقيدة بالمرافق.

الحالة الخامسة: أن يطلق في موضع ويقيد في آخر بقيدين مختلفين:

وذلك كما في قوله ـ r ـ في ولوغ الكلب: ( إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات إحداهن بالتراب ).

فإنه ذكرها هنا مطلقة، دون التقييد بالأولى أو الأخيرة، وذكرها في رواية أخرى مقيدة بالأولى، وفي رواية ثالثة مقيدة بالأخيرة، فقال : ( أولاهن ) وقال : ( أخراهن ) .

وفي هذه الحالة يبقى المطلق على إطلاقه إذا لم يكن هناك علة تجمع بينه وبين أحد القيدين قياساً.

وذلك لأنه لم يمكن الجمع بينهما، ولا أمكن ترجيح إحدى الروايتين على الأخرى، ولم تظهر علة تلحق المطلق بأحد القيدين، ولذلك تساقط القيدان، وبقى المطلق على إطلاقه.

فائدة مهمة

المراد بحمل المطلق على المقيد فيما ذكرناه من الحالات السابقة، إنما هو في المطلق بالنسبة إلى الصفة، كما في وصف الرقبة بالإيمان، وكوصف اليد في الوضوء وبكونها إلى المرفق مع إطلاقها في التيمم.

فأما المطلق بالنسبة إلى الأصل المحذوف بالكلية، كالرأس والرجلين، فإنهما مذكوران في الوضوء، دون التيمم، وكالإطعام، مذكور في كفارة الظهار، دون كفارة القتل، فإنا لا نحمله على المقيد، لأن فيه إثبات أصل بغير ـ أصل.

ومن ثم لم يجيزوا الإطعام في كفارة القتل عند العجز عن الصوم، كما هو الحال في الظهار، اقتصاراً على الوارد فيها، ولأن حمل المطلق على المقيد والحاقة به إنما هو في وصف، لا في أصل.

الباب السادس

في المجمل والمبين

وفيه فصلان :

الفصل الأول: في المجمل.

الفصل الثاني: في البيان.

الفصل الأول

في المجــمل

المجمل لغة: مأخوذ من الجمل، بفتح الجيم وإسكان الميم، وهو الاختلاط، وسمى بذلك لاختلاط المراد بغيره.

وأما في الاصطلاح: فهو: ما لم تتضح دلالته من قول أو فعل(146) .

وذلك بأن تكون دلالته على جميع معانيه التي يحتملها بالسوية، دون ترجيح لأحدهما على الآخر، كالقرء المستعمل في الحيض والطهر على السواء، والعين المستعلمة في الباصرة والجارية وغيرها على السواء .

والإجمال كما يكون في القول، يكون بالفعل، بأن لا تتضح دلالته، كأن يحتمل الإباحة، والندب، على السواء، وكأن يترك ـ r ـ التشهد ويقوم للركعة الثالثة، فيحتمل أنه تركه متعمداً فيدل على جواز الترك ويحتمل أنه تركه ناسياً.

أقسام المجمل (147):

ينقسم المجمل بسبب المعاني التي يتردد بينهما إلى أقسام نذكر منها:

1. مجمل بين حقائقه:

وهو المجمل بين معانيه الحقيقية المختلفة التي وضع لكل منها على السواء، كالقرء الموضوع إزاء حقيقتين، وهما الحيض والطهر، وذلك في قوله تعالى : ) والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ( .

2. مجمل بين أفراد حقيقة واحدة :

وذلك كقوله تعالى : ) إن الله يأمركم أن تذبحو بقرة ( فإن لفظ البقرة موضوع لحقيقة واحدة معلومة، وهذه الحقيقة لها أفراد كثيرة منها الصفراء، ومنها الحمراء، ومنها السوداء، ومنها الفارض، ومنها البكر، ومنها الوسط بينهما، ومنها الذلول، ومنها العاطلة عن العمل، ومنها .. ومنها .. ، والمراد بأمرهم بذبح بقرة، بقرة معينة من هذه الأفراد التي ذكرناها، والكلمة تحتمل الجميع .

3. مجمل بين مجازاته:

وذلك بأن يكون للفظ مجازات متعددة، يحتمل كلا منها، وقامت القرينة على عدم إرادة الحقيقة، إذ لو لم تقم قرينة عدم إرادتها لوجب حمل اللفظ عليها، لأنها الأصل في الإطلاق.

فإذا كان للفظ مجازات متعددة، وتكافأت، بأن تعذر ترجيح بعضها على بعض، كان هذا اللفظ مجملاً بينها .

وذلك كمن قال : رأيت أسدا، وقامت القرينة على أنه لم يرد به الحيوان المفترس، وكان يوجد في طريقه مجاهد في سبيل الله، وقاض جريء، وكل منهما يطلق عليه الأسد مجازاً، وكلامه يحتملهما على السواء، ولم يمكن ترجيح أحدهما على الآخر ولذلك كان مجملاً بين مجازاته .

4. مجمل بين حقيقة ومجاز راجح :

والمراد بالحقيقة هنا حقيقة لا يكثر استعمالها، بأن غلب عليها المجاز، إلا أنها لا زالت تتعاهد في بعض الأوقات.

وذلك كمن حلف فقال : ( والله لأشربن من هذا النهر ) فالشرب حقيقة في الكرع من النهر بفيه، وإذا اغترف بالكوز أو الكأس وشرب فهو مجاز، لأنه شرب من الكأس، لا من النهر، لكنَّ هذا المجاز راجح متبادر، غلب على الحقيقة، إلا أن الحقيقة قد تراد في بعض الأحيان، لأن كثيراً من الرعاء وغيرهم يكرع من النهر بفيه .

فهنا تردد اللفظ بين حقيقة تتعاهد في بعض الأوقات، ومجاز راجح متبادر، فكان مجملاً.

وقيل فيه غير ذلك .

5. مجمل بسبب الإعلال:

وذلك كلفظة ( المختار ) فإنه صالح لأن يكون اسم فاعل، وصالح لأن يكون اسم مفعول، إذ أصله ( مختيِر ) بكسر الياء، أو ( مختيَر ) بفتحها، وفي كلا الحالين تنقلب إلى ألف، لانفتاح ما قبلها، ولذلك كان المختار مجملاً بين اسم الفاعل والمفعول .

6. مجمل بسبب التركيب :

وذلك كقوله تعالى: ) إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح ( فإن الذي بيده عقدة النكاح يحتمل أن يكون الزوج، ويحتمل أن يكون الولي، فهو مجمل بينهما .

7. مجمل بسبب مرجع الصفة:

وذلك كقولنا: زيد طبيب ماهر، فإن الصفة وهي ( ماهر ) يحتمل أن ترجع إلى زيد، فيكون هو الماهر، ويحتمل أن ترجع إلى طبيب، فيكون هو الماهر، أي طبه.

8. مجمل بسبب مرجع الضمير:

وذلك كقوله ـ r ـ : ( لا يمنع أحدكم جاره أن يضع خشبة في جداره ) فإن الضمير متردد بين الجار والأحد، فيحتمل أن يكون المعنى : لا يمنع أحدكم جاره أن يستخدم جدار جاره، فيضع عليه خشبته، ويحتمل أن يكون المعنى : لا يمنع أحدكم جاره من استخدام جداره هو ووضع خشبة عليه، لأنه ماله، وله أن يستعمله كما شاء .

9- مجمل بسبب احتمال الحرف لمعان:

وذلك كقوله تعالى: ) وما يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يقولون آمنا به، كل من عند ربنا ( .

فالواو في قوله: ) والراسخون ( متردد بين العطف والابتداء فإن حملناه على العطف، كان المعنى : والراسخون في العلم يعلمون تأويله .

وان حملناه على الابتداء كان المعنى: لا يعلم تأويله إلا الله فقط، وأما الراسخون في العلم فيقولون: آمنا به.

10 – مجمل بسبب استثناء المجهول:

وذلك كما في قوله تعالى : ) أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم ( فهذا المستثنى الذي لم يحله الله تعالى، مجهول، غير معلوم، وبناء على ذلك يصير المستثنى منه أيضاً مجهولا، لأنا لا نعلم ما هو الذي أحل لنا من بهيمة الأنعام بعد هذا الاستثناء المجهول، إذ يحتمل أن يرجع هذا الاستثناء لكل فرد من أفراد بهيمة الأنعام .

وهذا إنما هو قبل بيانه في قوله تعالى: ) حرمت عليكم الميتة والدم … ( .

وقوع المجمل:

مما ذكرناه من الأمثلة، من كتاب الله وسنة رسول الله يدلنا على وقوع الإجمال في الكتاب والسنة.

إلا أنه ما من مجمل إلا وبين، كما سيأتي إن شاء الله .

وإنما يحكم على الكلام بأنه مجمل إذا لم يمكن ترجيح أحد معانيه على الأخرى، وإلا، بأن أمكن الترجيح، فلا إجمال.

وسنستذكر في المسألة القادمة أمثلة لما زال عنه الإجمال بترجيح أحد معانيه على الأخرى .

مسألة

فيما لا إجمال فيه

قد ذكرنا في الفقرات السابقة أمثلة للمجمل من الكتاب والسنة وغيرهما، وهناك أمثلة أخرى يمثل بها للمجمل لما ذهب إليه بعض العلماء من إجمالها، والأصح أنها غير مجملة لا مكان الترجيح بين معانيها المحتملة.

ولذلك سنذكر هذه الأمثلة حتى لا يقع اللبس بقراءتها، وقراءة ما قاله بعضهم من إجمالها، فيلحقها القارئ بالمجمل، وهي ليست منه، لعدم تحقق شرط الإجمال، وهو عدم إمكانية الترجيح بين معانيه.

1. آية السرقة(148):

وهي قوله تعالى: ) والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ( ، ذهب بعضهم إلى أن هذه الآية مجملة وذلك لما يأتي:

أ- لأن القطع يطلق في اللغة على الفصل والإبانة، تقول: قطعت الشيء إذ فصلت بعضه عن بعض وأبنته.

ويطلق على الجرح والشق، إذ يقال لمن جرح يده بجارحة: قطعها. ولا ندري ما المراد بالآية هنا، هل هو الفصل والإبانة أم الشق والجرح ؟

ب- ولأن اليد تطلق على العضو، من رؤوس الأصابع إلى الكوع، ومن رؤوس الأصابع إلى المرفق، ومن رؤوس الأصابع إلى المنكب ولا ظهور لأحد المعاني على الآخر، ولذلك فهي مجملة .

إلا أن الجمهور على أنها غير مجملة، وأجابوا عن الأول بأن القطع حقيقة في الإبانة، والشق والجرح، ليس إبانة.

وعن الثاني بأن اليد تطلق حقيقة على العضو إلى المنكب، ومجازاً عليه إلى الكوع، وهنا استعملت استعمالاً مجازياً وذلك بإطلاق الكل وإرادة البعَض، وقامت القرينة على أن المراد هنا المجاز دون الحقيقة.

2.مسح الرأس(149) :

قال الله تعالى في آية الوضوء : ) وامسحوا برؤوسكم ( فذهب بعضهم إلى أن المسح مجمل، وذلك لتردده بين مسح جميع الرأس، ومسح بعضه، على السواء .

إلا أن الجمهور على أنه غير مجمل، وأن المسح في الآية إنما هو لمطلق المسح الصادق بأقل ما يطلق عليه الاسم، وبغيره، فهو حقيقة في القدر المشترك بين الكل والبعض، وفقاً للاشتراك والمجاز.

3.الألفاظ التي علق التحريم فيها على الأعيان(150) :

وذلك كقوله تعالى : ) حرمت عليكم أمهاتكم ( وقوله تعالى:) حرمت عليكم الميتة ( وغير ذلك .

فقد علق التحريم في هذه الآيات على الأعيان، وهي الأمهات والميتة، وغيرهما مما ورد الحكم فيه مسنداً إلى العين.

وإسناد التحريم إلى العين لا يصح، لأن الحكم لا يتعلق بها، وإنما بأفعال المكلفين، كما هو معروف في الأحكام.

ولذلك كان لا بد من تقدير محذوف مضاف يصح به الكلام، وهذا المحذوف يحتمل عدة أمور، فيحتمل أكل الميتة، ويحتمل بيعها وشراءها، ويحتمل غير ذلك، كما أنه في الأم يحتمل نكاحها، ويحتمل تملكها، ويحتمل غير ذلك، ولذلك كان مجملا.

إلا أن الجمهور على أنه لا إجمال فيها وذلك لأن العرف قاضٍ بأن المراد في الآية الأولى حرمة النكاح، وفي الآية الثانية حرمة الأكل : كما أنه مفهوم من السياق، وهذا مرجِّحٌ لأحد الأمور التي جوز تقديرها، وإذا وجد المرجح، فلا إجمال .

4- الألفاظ التي نفيت فيها الذات مع وجودها(151) :

وذلك كقوله ـ r ـ : ( لا نكاح إلا بولي ) وقوله ( لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ) وقوله : ( لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ) وقوله : ( لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل ) وغير ذلك مما انصبَّ النفي فيه على الذات، مع أنها موجودة مشاهدة حساً .

ولذلك كان لا بد من تقدير شيء محذوف، به يصح الكلام، وهذا المقدَّر إما أن يكون الصحة، فلا صلاة صحيحة، وأما أن يكون الكمال، فلا صلاة كاملة، ولا مرجح لأحد الاحتمالين على الآخر…

من أجل هذا ذهب بعضهم إلى أن هذا التركيب مجمل، يحتاج لبيان، إلا أن الجمهور على أنه لا إجمال فيه، لوجود المرجح لبعض الاحتمالات على بعض.

وذلك أن المنفى هو الذات، إلا أنها واقعة ومشاهدة حساً، ولذلك كان لا بد من تقدير الصحة أو الكمال، وتقدير نفي الصحة أقرب إلى نفي الذات من نفي الكمال .

ولذلك فلا إجمال فيما ذكرنا من التراكيب.

5- ومن هذا القبيل قوله ـ r ـ(152):

( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) ، فالنفي منصب هنا على الخطأ والنسيان والإكراه مع أنها أمور قد وقعت، ولذلك كان لا بد من التقدير ليصح الكلام، وهذا المقدر إما أن يكون الحكم، أو الإثم والحرج، أي وقع عنهم حكم الخطأ، أو رفع إثم الخطأ، ولذلك ذهب بعضهم إلى إجماله .

إلا أن الصحيح أنها غير مجملة، وأن المراد رفع الإثم، لأنه أظهر في العرف، من رفع الحكم، وهذا مرجِّح يزيل الإجمال ويوضِّح المراد.

6 -اللفظ الذي له مسمى شرعي ومسمى لغوي(153) :

وذلك كالصوم، والصلاة، وغيرهما من الألفاظ.

فالجمهور على أنه لا إجمال فيها، بل يجب حملها على المعنى الشرعي، لأن الرسول ـ r ـ إنما بعث لبيان الشرعيات، فإن تعذر الحمل على المعنى الشرعي حمل على الحقيقة العرفية الموجودة في زمنه عليه الصلاة والسلام، لأن التكلم بالمعتاد عرفاً أغلب من المراد عند أهل اللغة .

فإن تعذر الحمل على الحقيقة العرفية حمل على الحقيقة اللغوية، لتعينها بحسب الواقع . والله أعلم .

(142) جمع الجوامع : 2/44 .

(143) المحصول : 2/520 ، نهاية السول : 2/59 ،مناهج العقول : 2/59 .

(144) جمع الجوامع : 2/48 .

(145) المحصول : 3 / 213 ، الإبهاج ونهاية السول : 2 / 127 – 130 ، الأحكام :

3/2 ، منتهى السول : 2 / 55 ، المنتهى : 99 ، التبصرة : 210 – 215 ، اللمع :

24 ، البرهان : 1 / 431 ، المستصفى : 2 / 185 ، المنخول : 176 ، المعتمد :

1 / 312 ، جمع الجوامع : 2 / 50 .

(146) جمع الجوامع : 2 / 58 .

(147) جمع الجوامع : 2/60 ، نهاية السول : 2 / 143 .

(148) الأحكام : 3 / 23 ، المحصول : 3 / 256 ، نهاية السول : 2 / 146 ، جمع الجوامع :

2 / 59، المعتمد: 1/ 336.

(149)الأحكام : 3 / 17 ، المحصول : 2 / 245 ، نهاية السول : 2 / 146 ، جمع الجوامع :

2 / 59، المعتمد: 1 / 334.

(150) التبصرة : 201 ، الأحكام : 3 / 14 ، منتهى السول : 2 / 56 ، المنتهى : 100 ،

المحصول ، 3 / 241 ، نهاية السول : 2 / 146 ، المعتمد : 1 / 333 ، جمع

الجوامع: 2 / 59.

(151) التبصرة : 203 ، الأحكام : 3 / 20 ، المنتهى : 100 ، المحصول : 3 / 248 ، نهاية

السول : 2 / 143 ، جمع الجوامع : 2 / 59 ، المعتمد : 1 / 335 .

(152) الأحكام : 3 / 18 ، المحصول : 3/ 257 ، نهاية السول : 2 / 143 ، جمع الجوامع : 2/ 60 .

(153) الأحكام : 3 / 29 ، نهاية السول : 2 / 145 .