المقدمة

الحمد لك يارب على ما ألهمتنيه من حمدك للتفقه في دينك ، وإني لأسألك المزيد ، كما وعدت وأنجزت وهو المعهود من عظيم كرمك فأنت الموفق للعلم ، وأنت الملهم للحمد ، وأنت القائل :

” لئن شكرتم لأزيدنكم ” .

فمهما حمدناك – ربنا – كان حمدُنا بحاجة لحمدك، ومهما زودتنا فإننا الفقراء لكرمك، فأنت الرب الغني عنا، ونحن العبيد الفقراء إليك.

ومن إكرامك لنا أن رضيتنا لك عبيدا.

ومن رحمتك بنا أن سمعت منا الحمد وأعطيتنا عليه مزيدا.

فمهما سعينا كان سعينا في قصور، ولولا الأمل برحمتك، لكان قصورنا عن بلوغ حمدك موجبا لنا الخوف من عدلك.

ولكن رحمتك التي وسعت كل شيء أوسع لنا ربنا.

تغَمَّدنا اللهم برحمتك، وأعِنَّا على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك.

والصلاة والسلام على رسولك ومجتباك ، وحبيبك ومصطفاك ، الذي أنقذتنا به من الغواية إلى الرشاد ، ومن الضياع إلى السداد .

إذ بلغنا عنك الرسالة، وأدى إلينا الأمانة ، وتركنا على بيضاء ناصعة، لا يزيغ عنها إلا هالك، وأرشدنا إلى الحفاظ عليها بالعلم، وحذرنا من الإفتيات عليها بالجهل، وأمر من قصَّر به جُهُده عن إدراك غايتها، أن يسأل من أكرمه الله بمعرفتها ، ليسلم من الابتداع بالإتباع .

وبعد : –

فقد سمعتُ لفظا من بعض مَنْ بَعُدَ عن مرابع العلم، فانتكس خَلْقُه بالجهل، وساء خُلُقُه بالبذاءةِ، يزعم فيه أن القنوت في صلاة الفجر بدعة، وقد زيَّنَ له جهله أنه يلحَنُ بلحن العلماء، فكان كمن قاء ليبرهن أنه تضمخ بعطر عروس.

ولا عجب، فقد تحقق بهذا معجزة من معجزاته صلى الله عليه وسلم، التي أخبر بها عن غيب آتٍ، ما كان الناس يعرفون عنه شيئا، وهو أنه ستصير السُّنة آخر الزمان بدعة، وقد كثر في مجتمعنا اليوم بسبب الجهل من يلهج بالبدعة والشر ، حتى كأنه لا يعرف سواهما ، فيظهر بهما ما أسر، كما في قوله تعالى: ” فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ ”

فمن أحب شيئا أكثر من ذكره، ومن كان في قوم حلب في إنائهم، وكل إناء بما فيه ينضح.

وولوج الجمل في سم الخياط أقرب لمحالات العقول من صيرورة من لا يعرف إلا البدعة والشرك داعية إلى الإتباع والتوحيد.

وتأبى الطباع التي خلق الله الكون قوانينها إلا أن تفوح رائحة بائع المسك، ويحرق شرر نافخ الكير ، وهو ما مثل به رسول الله صلى الله عليه وسلم للعالم والجاهل .

وهو أيضا ما قاله المتنبي :

يراد من القلب نسيـانكُم***وتأبى الطباع على الناقِلِ

ولقد أجمعت الأمة على أن مسألة القنوت خلافية، فمن أئمتنا من قنت في الفجر، ومنهم من ترك، ومنهم من قنت في العشاء، ومنهم من ترك.

فأنَّى يُبدِّعُ الصَّلَفُ السلف .. ؟!

ولقد ذكرت في كتيِّبِ ” فقه الصيام ” و ” الإمتاع في أحكام الرضاع ” أننا حينما ندون ما ترجح عندنا من مذهب إمامنا الشافعي في مسائل الخلاف ؛ لا نعني بذلك أنه الحق المقطوع به ، الذي لا تجوز مخالفته أو الإعراض عنه ، ولكنه ما ظهر لنا ، وقد يظهر لغيرنا من أهل العلم غيرُهُ ، ولا نعيب ذلك عليه ، إذا كان من أهل العلم .

وإنما نعيب كل العيب من هجم على النظر والاجتهاد دون معرفة بقواعده ، أو إلمام بأبسط مبادئه ومقاصده ، بل ربما كان ممن لم يُجِد القراءة بعد .. ؟

وما أكثرهم في هذا الزمان !!

وهذه الرسالة لم أنشئها للرد على من ذكرت ممن نبغ من المُجَّانِ الذين يبدعون سلف الأمة ، وإنما هي بحث في موسوعتي الفقهية – في الفقه الشافعي والخلافي – التي أكببت عليها منذ سنوات وجعلتها مشروع الحياة ، استللتها منها لما سمعت ذكرت ، وزدت عليها كلام البيهقي كاملا في ” المعرفة “والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل .

22 رجب 1416 أبو عبد الله

ألمانيا – أوجبورع 15 /12 /95 محمد حسن بن محمود هيتو