الصفحة الرئيسية  »  كتب للقراءة والتحميل » مفاهيم يجب أن تصحح » الباب الثانى/مباحث نبوية، وفيها بيان خصائص النبى صلّى الله عليه وسلم ….

الباب الثانى/مباحث نبوية، وفيها بيان خصائص النبى صلّى الله عليه وسلم ….

مفاهيم يجب أن تصحح

السيد محمد بن علوى المالكى رحمه الله

الباب الثاني

مبَاحث نبويـّة

وفيها بيان خصائص النبيّ صلى الله عليه وسَلم

وحقيقة النبوّة وحقيقة البشرية وحقيقة الحياة البرزخية

الخصائص المحمدية وموقف العلماء منها

اعتنى العلماء بالخصائص النبوية اعتناء عظيماً بالتأليف والشرح والجمع والإفراد بالبحث وأشهرها وأجمعها ((الخصائص الكبرى)) للإمام الحافظ جلال الدين السيوطي .

وهذه الخصائص كثيرة جداً منها ما صح سنده ومنها ما لم يصح ومنها ما هو مختلف فيه بين العلماء إذ يرى بعضهم أنه صحيح ويرى الآخرون خلاف ذلك فهي مسائل خلافية .

والكلام فيها دائر بين العلماء من قديم بين الصواب والخطأ والصحة والبطلان ، لا بين الكفر والإيمان ، والعلماء يختلفون في كثير من الأحاديث ويرد بعضهم على بعض في تصحيحها وتضعيفها أو ردها لاختلاف أنظارهم في تقييم أسانيدها ونقد رجالها ، فمن صحح منها الضعيف أو ضعف الصحيح أو أثبت المردود أو رد الثابت بحجة أو تأويل أو شبهة دليل فقد سلك مسلك العلماء في البحث والنظر ، وذلك من حقه كإنسان له عقله وفهمه والمجال مفتوح والميدان فسيح والعلم مشاع بين الجميع .

وقد شجع عليه إمام العقلاء وسيد العلماء النبي الأعظم والرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم إذ جعل للمجتهد المصيب أجرين وللمجتهد المخطئ أجراً .

ولم يزل العلماء يتسامحون في نقل الخصائص النبوية وينظرون إليها على أنها داخلة في فضائل الأعمال ولا تتعلق بالحلال والحرام وعلى هذا بنى العلماء قاعدتهم في العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال ما دام أنه ليس موضوعاً ولا باطلاً بشروطهم المعتبرة في هذا الباب ولا يشترطون فيها الصحيح بالمعنى المصطلح عليه ، ولو ذهبنا إلى اشتراط هذا الشرط الشاذ لما أمكن لنا ذكر شيء من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وبعد البعثة مع أنك تجد كتب الحفاظ الذين عليهم العمدة وعلى صنيعهم المعول ، والذين منهم عرفنا ما يجوز وما لا يجوز ذكره من الحديث الضعيف نجد كتبهم مملوءة بالمقطوعات والمراسيل وما أخذ عن الكهان وأشباههم في خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن ذلك مما يجوز ذكره في هذا المقام .

كتب السلف والخصائص :

ولو رجعنا إلى كتب السلف لوجدنا كثيراً من علماء الأمة وأئمة الفقه يذكرون في كتبهم جملة من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم وينقلون من هذه الخصائص عجائب وغرائب ولو توقف الباحث في قبولها على صحة سندها لما صفا له من ذلك إلا نزر يسير بالنسبة لمقدار ما نقوله منها ، وهذا كله اعتماداً على ما هو معروف من قواعد العلماء وأصولهم المقررة في هذا الباب .

] ] ]

ابن تيمية والخصائص النبوية

أما الشيخ ابن تيمية وهو معروف بتشدده فقد نقل في كتبه بعض الأقوال في هذا الموضوع التي لم يصح سندها واستشهد بها في كثير من المسائل واعتبرها معتمدة في بيان أو تأييد ما يفسره من الحديث ، ومن ذلك على سبيل المثال قوله في الفتاوى الكبرى : قد روي أن الله كتب اسمه أي النبي r على العرش وعلى ما في الجنة من الأبواب والقباب والأوراق ، وروى في ذلك عدة آثار توافق هذه الأحاديث الثابتة التي تبين التنويه باسمه وإعلاء ذكره حين قال : وقد تقدم لفظ الحديث الذي في المسند عن ميسرة الفجر لما قيل له : متى كنت نبياً ؟ قال : وآدم بين الروح والجسد ، وقد رواه أبو الحسين بن بشران من طريق الشيخ أبي الفرج ابن الجوزي في الوفا بفضل المصطفى r : حدثنا أبو جعفر محمد بن عمرو وحدثنا أحمد بن إسحاق ابن صالح حدثنا محمد بن صالح حدثنا محمد بن سنان العوفى حدثنا إبراهيم بن طهمان عن يزيد بن ميسرة عن عبد الله بن سفيان عن ميسرة قال : قلت : يا رسول الله متى كنت نبياً ؟ قال : ((لما خلق الله الأرض واستوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وخلق العرش كتب على ساق العرش محمد رسول الله خاتم الأنبياء ، وخلق الجنة التي أسكنها آدم وحواء فكتب اسمي على الأبواب والأوراق والقباب والخيام وآدم بين الروح والجسد ، فلما أحياه الله تعالى نظر إلى العرش فرأى اسمي فأخبره الله أنه سيد ولدك ، فلما غرهما الشيطان تابا واستشفعا باسمي إليه)) .. اهـ . (الفتاوى ج2 ص151)

ابن تيمية والكرامات :

والخصائص والكرامات من جنس واحد من ناحية الحكم عليها ونقلها وعدم التشدد فيها مكا نتشدد في نقل الأحكام من الحلال والحرام فهي كلها تدور في فلك المناقب والفضائل .

ومن هنا كان موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من كرامات الأولياء نفس موقفه من خصائص الأنبياء .

وقد نقل في كتبه جملة صالحة من الكرامات وخوارق العادات التي وقعت في الصدر الأول .

ولو بحثنا عن درجاتها وأسانيدها وطريق ثبوتها لوجدنا أن منها الصحيح ومنها الحسن ومنها الضعيف ومنها المقبول ومنها المردود ومنها المنكر ومنها الشاذ .

وكل ذلك في هذا الباب مقبول وعن العلماء محمول ومنقول فمن ذلك قوله في كرامات لبعض الصحابة – رضي الله عنهم :

1- خرجت أم أيمن مهاجرة وليس معها زاد ولا ماء فكادت تموت من العطش فلما كان وقت الفطر وكانت صائمة سمعت حساً على رأسها فرفعته فإذا دلو معلق فشربت منه حتى رويت وما عطشت بقية عمرها .

2- وهذا سفينة مولى رسول الله r أخبر الأسد بأنه رسول رسول الله r فمشى معه الأسد حتى أوصله مقصده .

3- وهذا البراء بن مالك كان إذا أقسم على الله تعالى أبر قسمه وكانت الحرب إذا اشتدت على المسلمين في الجهاد يقولون : يا براء ! اقسم على ربك ، فيقول : يا رب ! أقسمت عليك لما منحتنا أكتافهم فهزم العدو ، فلما كان يوم القادسية قال : أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم وجعلتني أول شهيد ، فمنحوا أكتافهم ، وقتل البراء شهيداً.

4- وهذا خالد بن الوليد حاصر حصناً منيعاً فقالوا : لا نسلم حتى تشرب السم فشربه فلم يضره .

5- وهذا عمر بن الخطاب لما أرسل جيشاً أمر عليهم رجلاً يسمى سارية فبينما عمر يخطب فجعل يصيح على المنبر يا سارية الجبل يا سارية الجبل ، فقدم رسول الجيش فسأل فقال : يا أمير المؤمنين لقينا عدو فهزمونا فإذا بصائح : يا سارية الجبل ، فأسندنا ظهورنا بالجبل فهزمهم الله .

6- وهذا العلاء بن الحضرمي كان عامل رسول الله r على البحرين وكان يقول في دعائه : يا عليم ، يا حليم ، يا علي ، يا عظيم فيستجاب له ، ودعا الله بأن يسقوا ويتوضوا لما عدموا الماء والاسقاء لما بعدهم فأجيب ، ودعا الله لما اعترضهم البحر ولم يقدروا على المرور بخيولهم فمروا على الماء ما ابتلت سروج خيولهم ودعا الله أن لا يروا جسده إذا مات ، فلم يجدوه في اللحد .

7- وجرى مثل ذلك لأبي مسلم الخولاني الذي ألقي في النار ، فإنه مشى هو ومن معه من العسكر على دجلة وهي ترمى بالخشب من مدها ثم التفت إلى أصحابه فقال : هل تفقدون من متاعكم شيئاً حتى أدعو الله عز وجل فيه ؟ فقال بعضهم : فقدت مخلاة ، فقال : اتبعني فتبعه فوجدها قد تعلقت بشيء فأخذها وطلبه الأسود العنسي لما ادعى النبوة فقال له : أتشهد أني رسول الله ؟ قال : ما أسمع ، قال : أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ قال : نعم ، فأمر بنار فألقي فيها فوجدوه قائماً يصلي فيها وقد صارت عليه برداً وسلاماً ، وقدم المدينة بعد موت النبي r فأجلسه عمر بينه وبين أبي بكر الصديق – رضي الله عنهما ، وقال : الحمد لله الذي لم يمتني حتى أرى من أمة محمد r من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الله ، ووضعت له جارية السم في طعامه فلم يضره وخببت([1]) امرأة عليه زوجته فدعا عليها فعميت ، وجاءت وتابت فدعا لها الله فرد عليها بصرها .

8- وكان سعيد بن المسيب في أيام الحرة يسمع الأذان من قبر رسول الله r أوقات الصلوات ، وكان المسجد قد خلا فلم يبق غيره .

9- وكان عمرو بن عقبة بن فرقد يصلي يوماً في شدة الحر فأظلته غمامة وكان السبع يحميه وهو يرعى ركاب أصحابه لأنه كان يشترط على أصحابه في الغزو أنه يخدمهم.

10- وكان مطرف بن عبد الله بن الشخير إذا دخل بيته سبحت معه آنيته ، وكان هو وصاحب له يسيران في ظلمة فأضاء لهما طرف السوط . اهـ . (من الفتاوى الكبرى للشيخ ابن تيمية ج11 ص281)

الشيخ ابن القيم وجلوس النبي r على العرش(8[2])

وقد نقل الإمام العلامة شيخ الإسلام ابن القيم خصوصية عجيبة غريبة وعزاها إلى كثير من أئمة السلف رضي الله عنهم – وهي قوله :

[ فائدة ] قال القاضي صنف المروزي كتاباً في فضيلة النبي r وذكر فيه إقعاده على العرش قال القاضي : وهو قول أبي داود وأحمد بن أصرم ويحيى ابن أبي طالب وابي بكر بن حماد وأبي جعفر الدمشقي وعياش الدوري وأسحاق ابن راهويه وعبد الوهاب الوراق وإبراهيم الأصبهاني وإبراهيم الحربي وهارون ابن معروف ومحمد بن إسماعيل السلمي ومحمد بن مصعب العابد وأبي بكر بن صدقة ومحمد بن بشر ابن شريك وأبي قلابة وعلي ابن سهل وأبي عبد الله بن عبد النور وأبي عبيد والحسن ابن فضل وهارون بن العباس الهاشمي وإسماعيل بن إبراهيم الهاشمي ومحمد بن عمران الفارسي الزاهد ومحمد بن يونس البصري وعبد الله بن الإمام أحمد المروزي وبشر الحافي ، انتهى ، قال الشيخ ابن القيم : [ قلت ] : وهو قول ابن جرير الطبري وإمام هؤلاء كلهم مجاهد إمام التفسير وهو قول أبي الحسن الدارقطني ومن شعره فيه :

حديث الشفاعـة عن أحمد إلى أحمد المصطفـى مسنـده

وجـاء حديث بإقعــاده على العرش أيضاً فلا نجحـده

أمرّوا الحديث على وجهـه ولا تدخلـوا فيـه ما يفسده

ولا تنكـروا أنـه قاعـد ولا تنكـروا أنـه يُقعــده

اهـ (بدائع الفوائد للشيخ ابن القيم ج4 ص40).

كشاف القناع وخصائص عجيبة

ذكر الفقيه العلامة الشيخ منصور بن يونس البهوتي في كتابه ((كشاف القناع)) جملة من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم قد يستغربها كثير ممن يقصر عقله عن فهم هذه الأصول واستيعاب تلك القواعد .

فمنها قوله : والنجس منا طاهر منه r ومن سائر الأنبياء صلى الله عليهم وسلم ، ويجوز أن يستشفى ببوله ودمه لما رواه الدارقطني أن أم أيمن شربت بوله ، فقال : [إذن لا تلج النار بطنك] ، لكنه ضعيف ، ولما رواه ابن حبان في الضعفاء [إن غلاماً حجم النبي r فلما فرغ من حجامته شرب دمه ، فقال : ويحك ما صنعت بالدم ؟ قال : غيبته في بطني ، قال : [اذهب فقد أحرزت نفسك من النار] . قال الحافظ ابن حجر :وكان السر في ذلك ما صنعه الملكان من غسلهما جوفه .

ومنها قوله : ولم يكن له r [فيء] أي ظل [في الشمس والقمر لأنه نوراني والظل نوع ظلمة] . ذكره ابن عقيل وغيره ، ويشهد له أنه سأل الله أن يجعل في جميع أعضائه وجهاته نوراً وختم بقوله واجعلني نوراً ، [وكانت الأرض تجتذب أثقاله] للأخبار.

ومنها قوله : المقام المحمود جلوسه r على العرش ، وعن عبد الله بن سلام على الكرسي ذكرهما البغوي .

وقوله : إنه كان لا يتثاءب .

وأنه عرض عليه الخلق من آدم إلى من بعده كما علم آدم أسماء كل شيء لحديث الديلمي : [مثلت لي الدنيا بالماء والطين فعلمت الأشياء كلها] ، وعرض عليه أمته بأسرهم حتى رآهم لحديث الطبراني : [عرضت عليَّ أمتي البارحة لدى هذه الحجرة أولها وآخرها صُوِّروا لي بالماء والطين حتى إني لأعرف بالإنسان منهم من أحدكم بصاحبه] ، وعرض عليه أيضاً ما هو كائن في أمته حتى تقوم الساعة لحديث أحمد وغيره [أدريت ما تلقى أمتي بعدي وسفك بعضهم دماء بعض] .

ومنها قوله : [وزيارة قبره مستحبة للرجال والنساء] لعموم ما روى الدارقطني عن ابن عمر قال : قال رسول الله r : [من حج وزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي] اهـ (كشاف القناع ج5 ص30) طبع بأمر الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود – رحمه الله .

فهذه الخصائص التي ذكروها ونقلوها منها ما هو صحيح ومنها ما هو ضعيف ومنها ما لادليل له أصلاً .

فلا أدري ماذا يقول المعترض في هذه الخصائص التي نقلها كبار الأئمة من أهل السنة ولم يعترضوا عليها بشيء وسلموها وتسامحوا في نقلها اعتماداً على قاعدة التسامح في نقل الفضائل مع أن في هذه الخصائص من الأقوال ما لو سمعه المعترض أو المنكر لحكم على قائله بما هو أعظم من الكفر وأين ما نقلناه بجانب من قال : إن سيدنا محمداً r يجلسه الله يوم القيامة على عرشه كما نقله الإمام الشيخ ابن القيم عن كبار أئمة السلف في كتابه المعروف [ بدائع الفوائد ] بلا برهان ولا دليل صحيح من كتاب ولا سنة ، وأين ما نقلناه من الخصائص بجانب ما جاء في كشاف القناع من أن النبي نور وأنه لا ظل له وأن ما يخرج منه من الغائط تبتلعه الأرض فلا يبقى شيء منه على وجه الأرض ، وأين ما نقلناه من الخصائص بجانب ما نقله الشيخ ابن تيمية من الخصائص كقوله : إن اسمه r مكتوب على ساق العرش وعلى أوراق الجنة وأشجارها وأبوابها وثمارها وقبابها ، فأين المعلقون والمحققون كيف فاتت عليهم هذه المسائل دون نقد وتمحيص .

] ] ]

الجنة تحت أقدام الأمهات فكيف لا تكون تحت

أمر النبي r

ومن الخصائص النبوية التي جرى فيها البحث بين أهل العلم ما جاء من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقطع أرض الجنة ، وقد ذكر هذه الخصوصية الحافظ السيوطي والقسطلاني والزرقاني في شرحه على المواهب اللدنيّة ، ومعلوم أن هذا الإقطاع لا يكون إلا لمن يستحقه من أهل التوحيد وبإذن من الله سبحانه وتعالى إما من طريق الوحي أو الإلهام أو التفويض من الله سبحانه وتعالى ، وقد أشار إلى ذلك r بقوله : إنما أنا قاسم والله معطي . وإذا صح التعبير بأن الجنة تحت أقدام الأمهات ، فكيف لا يصح التعبير أن الجنة تحت أمره r بل تحت قدمه ، والمعنى واحد ومعروف عند أدنى طلاب العلم معرفة فهو تعبير مجازي المقصود منه أن الوصول إلى الجنة هو من طريق بر الوالدين وخدمتهما وخصوصاً الأم ، وهو بالنسبة للنبي r من حيث طاعته ومحبته وموالاته .

ولهذه الخصوصية أمثال كثيرة تشهد لصحتها سنذكر أهمها .

النبي r يضمن الجنة :

ويأتي في معنى إقطاع أرض الجنة ضمانة النبي r الجنة لبعضهم ، وهذا ما حصل لأهل بيعة العقبة ، فعن عبادة بن الصامت قال : كنت ممن حضر العقبة الأولى وفيه فبايعنا رسول الله r على أن لا نشرك بالله شيئاً ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان عظيم نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف ، قال : فإن وفيتم فلكم الجنة وإن غشيتم من ذلك شيئاً فأمركم إلى الله إن شاء عذب وإن شاء غفر. ذكره ابن كثير في باب بدء إسلام الأنصار (السيرة ج2 ص176).

وجاء في الصحيـح التصريح بأن تلك البيعـة مشروطـة بالجنـة ، قال عبـادة ابن الصامت : إني من النقبـاء الذين بايعـوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : بايعنـاه على أن لا نشرك بالله شيئاً ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل النفس التي حرم اللـه إلا بالحق ولا ننهب بالجنة إن فعلنا ذلك([3]). رواه البخاري في كتاب ( مناقب الأنصار باب بيعة العقبة ) . وفي رواية : إنه r قال : فمن وفى فله الجنة . كذا في البداية (ج3 ص150) .

وعن قتادة أنهم قالوا : يا رسول الله ! فما لنا بذلك إن وفينا ؟ قال : الجنة اهـ

(البداية ج3 ص162)

وعن ابن مسعود أن النبي r قال : ((فإذا فعلتم ذلك فلكم على الله الجنة وعليّ)) .. رواه الطبراني أنظر (كنز العمال ج1 ص63) ومجمع الزوائد (ج6 ص47).

وعن عتبة بن عمرو الأنصاري أنه r قال : ((فإذا فعلتم ذلك فلكم على الله الجنة وعليّ)) .. رواه ابن أبي شيبة وابن عساكر – أنظر كنز العمال (ج1 ص67) .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ((إن رسول الله r أعطاه نعليه ، فقال له : اذهب فمن لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله فبشره بالجنة)) .. رواه مسلم في كتاب الإيمان .

صكوك لدخول الجنة بيده r

وروي عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال : ((قـال رسول اللـه r : يوضع للأنبيـاء منابـر من نور يجلسون عليها ويبقى منبري لا أجلس عليـه ، أو قال : لا أقعد عليـه ، قائمـاً بين يدي ربي مخافة أن يبعث بي إلى الجنة وتبقى أمتي بعد ، فأقـول : يا رب ! أمتي أمتي ، فيقول الله عز وجل : يا محمد ! ما تريد أن أصنـع بأمـتك ؟ فأقـول : يا رب عجل حسابهم ، فيدعى بهم فيحاسبون ، فمنهم من يدخل الجنة برحمته ، ومنهم من يدخل الجنة بشفاعتي ، فما أزال أشفع حتى أعطى صكاكاً برجال قد بعث بهم إلى النار حتى إن مالكاً خازن النار ليقول : يا محمد ! ما تركت لغضب ربك في أمتك من نقمة)) .. رواه الطبراني في الكبير والأوسط والبيهقي في البعث . قال المنذري : وليس في رواته متروك .

النبي صلى الله عليه وسلم يعطي الجنة :

جاء في رواية عن جابر رضي الله عنه إنه قال : فقلنا فعلام نبايعك ، فقال : ((على السمع والطاعة في النشاط والكسل وعلى النفقة في العسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولكم الجنة)) .. الحديث .

قال الحافظ ابن حجر : ولأحمد من وجه آخر عن جابر قال : كان العباس آخذاً بيد رسول الله r فلما فرغنا قال رسول الله r : ((أخذت وأعطيت)) .. اهـ (فتح الباري ج7 ص223) ، رواه أحمد [مجمع الزوائد ج6 ص48] أي أخذت البيعة وأعطيت الجنة .

قلت : وقد جاء في رواية أخرى التصريح بما هو أبلغ من ذلك قال جابر : إن النبي r قال لهم : تبايعوني على السمع والطاعة إلى أن قال : ولكم الجنة ، قال : فقالوا : والله لا ندع هذه البيعة أبداً ولا نسلبها أبداً فبايعناه فأخذ علينا وشرط ويعطينا على ذلك الجنة . قال الهيثمي روى أصحاب السنن طرفاً منه ، رواه أحمد والبزار ، ورجال أحمد رجال الصحيح اهـ . (مجمع الزوائد ج6 ص46) .

النبي r يبيع الجنة وعثمان يشتريها :

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:اشترى عثمان الجنة من النبي صلى الله عليه وسلم مرتين بيع الحق حيث حفر بئر معونة وحيث جهز جيش العسرة . رواه الحاكم في مستدركه (ج3 ص107) وصححه .

وكل عاقل يدري أن الجنة لله سبحانه وتعالى لا يملكها أحد ولا يتصرف فيها أحد مهما كانت قيمته ودرجته لا ملك ولا نبي ولا رسول ولكن الله يمن على رسله ويعطيهم من المنح التي تميزهم عن غيرهم وذلك لكرامتهم عنده وعلو مقامهم لديه ، فتنسب إليهم تلك العطايا وتضاف إليهم تلك التصرفات على جهة التكريم والتعظيم والاحترام والتقديم ، ومن هذا المنطلق جاء التعبير في خصائص النبي r من أنه يقطع أرض الجنة أو يضمن الجنة أو يبيع الجنة أو يبشر بالجنة مع أن الجنة لله سبحانه وتعالى لا يشك في ذلك ولا يرتاب إلا جاهل ليس عنده أدنى معرفة بأبسط مسائل العلم .

اللهم نور بصائرنا وافتح مسامع قلوبنا وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه .

ما هو المقصود بليلة المولد المفضلة :

ذكر بعض العلماء في الخصائص النبوية أن ليلة المولد النبوي أفضل من ليلة القدر وعقد مقارنة في هذا الموضوع بين الليلتين ، والذي نحب أن نذكره هنا هو أن المقصود بهذه الليلة هي الليلة التي وقع فيها الميلاد النبوي حقيقة وهي قد مضت منذ مئات السنين وهي كانت قبل أن تعرف أو تظهر ليلة القدر بلا شك وليس المقصود بذلك ليلة المولد المتكررة كل عام ، والتي هي نظائر ليلة الميلاد الحقيقي ، والحق أن البحث في هذه المسألة ليس بكبير فائدة ولا يترتب على إنكاره أو الإقرار به ضرر أو خطر ولا يعارض ذلك شيئاً من أصول العقيدة ، وقد بحث العلماء في مسائل حقيرة وألفوا فيها رسائل خاصة وهي لا تساوي شيئاً أمام هذه المسألة ، والحاصل أننا نعتقد أن هذه المفاضلة هي بين ليلة المولد الحقيقي ، وبين ليلة القدر ، وأن الليلة التي وقع فيها المولد النبوي والتي جرى فيها بحث المفاضلة والمقارنة قد مضت وانتهت ولا وجود لها اليوم ، أما ليلة القدر فهي موجودة ومتكررة في كل عام ولذلك فهي أفضل الليالي لقوله تعالى : } إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ {1} وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ {2} لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ{ .

والبحث في هذه المسألة وأمثالها جرى بين أئمة العلم وتكلم فيه كبار السلف ، فهذا الشيخ الإمام ابن تيمية يتكلم عن مسألة المقارنة بين ليلة القدر وليلة الإسراء ويبحث فيها بدقة وإتقان مع أنه لم يثبت أنه بحث فيها أو تكلم عنها أحد قبله من أئمة السلف وأهل القرون الأولى فضلاً عن الصحابة فضلاً عن الرسول صلى الله عليه وسلم .

فتوى ابن تيمية في الموضوع :

قال الإمام الشيخ ابن القيم : سئل شيخ الإسلام رحمه الله عن رجل قال : ليلة الإسراء أفضل من ليلة القدر ،وقال آخر : بل ليلة القدر أفضل ، فأيهما مصيب ؟ فأجاب الحمد لله ، أما القائل بأن ليلة الإسراء أفضل من ليلة القدر فإن أراد به أن تكون الليلة التي أسري فيها بالنبي r ونظائرها من كل عام أفضل لأمة محمد r من ليلة القدر بحيث يكون قيامها والدعاء فيها أفضل منه في ليلة القدر فهذا باطل لم يقله أحد من المسلمين وهو معلوم الفساد بالإطراد من دين الإسلام ، وإن أراد الليلة المعينة التي أسري فيها النبي r وحصل له فيها ما لم يحصل له في غيرها من غير أن يشرع تخصيصها بقيام ولا عبادة فهذا صحيح . (انظر مقدمة زاد المعاد لابن القيم) .

] ] ]

لا تطـروني

فهم بعض الناس من قوله r : لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم . النهي عن مدحه r واعتبار ذلك من الإطراء والغلو المذموم المؤدي إلى الشرك وأن كل من مدحه r ورفعه عن غيره من عامة البشر وأثنى عليه ووصفه بما يميزه عن غيره فقد ابتدع في الدين وخالف سنة سيد المرسلين .

وهذا فهم سيء ويدل على قصر نظر صاحبه وذلك أن النبي r نهى أن يطرى كما أطرت النصارى ابن مريم إذ قالوا : ابن الله .

ومعنى ذلك أن من أطراه r ووصفه بما وصف به النصارى نبيهم فقد صار مثلهم .

أما من مدحه ووصفه بما لا يخرجه عن حقيقة البشرية معتقداً أنه عبد الله ورسوله مبتعداً عن معتقد النصارى فإنه ولا شك من أكمل الناس توحيداً .

دع ما ادعته النصارى في نبيهم واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم

فإن فضـل رسول الله ليس له حد فيعـرب عنـه ناطـق بفـم

فمبلـغ العلـم فيـه أنه بشر وأنـه خير خلـق اللـه كلهـم

لقد تولى الله سبحانه وتعالى بنفسه مدح نبيه المصطفى r فقال : } وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ { وأمر بالأدب معه في الخطاب والجواب ، فقال : } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ { ، ونهانا أن نعامله كما يعامل بعضنا بعضاً ، أو أن نناديه كما ينادي بعضنا بعضاً ، فقال : } لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضاً {

وذم الذين يسوّون بينه وبين غيره في المعاملة والأسلوب فقال : } إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ { .

وقد كان الصحابة الكرام يمتدحون النبي r ، فهذا حسان بن ثابت يقول :

أغـرّ عليـه للنبــوة خاتم من الله مشهـود يلـوح ويشهـد

وضم الإله اسم النبي إلى اسمه إذا قـال في الخمس المؤذن أشهـد

وشـق لـه من اسمه ليجلـه فذو العرش محمـود وهذا محمـد

نبـي أتانـا بعـد يأس وفترة من الرسل والأوثان في الأرض تعبد

فأمسى سراجاً مستنيراً وهادياً يلـوح كمـا لاح الصقيـل المهند

فأنذرنــا ناراً وبشر جنـة وعلمنـا الإسـلام فللـه نحمــد

ويقول أيضاً :

يا ركن معتمد وعصمة لائـذ ومـلاذ منتـجـع وجـار مجـاور

يا من تخـيّـره الإلـه لخلقه فحبـاه بالخلـق الزكـي الطاهـر

أنت النبي وخير عصبـة آدم يـا مـن يجود كفيـض بـحر زاخر

ميكال معك وجبرئيل كلاهما مــدد لنصـرك مـن عزيـز قادر

وهذه صفية بنت عبد المطلب ترثي رسول الله r :

ألا يا رسـول الله كنت رجاءنا وكنـت بنـا براً ولم تك جافيـا

وكنـت رحيماً هاديـاً ومعلماً ليبك عليك اليوم من كان باكيـا

صدقت وبلغت الرسالة صادقاً رمـت صليب العود أبلج صافيـا

فدىً لرسـول الله أمي وخالتي وعمـي وآبائي ونفسـي وماليـا

لعمـرك ما أبكـي النبي لفقده ولكن لما أخشـى من الهـرج آتيا

كأن على قلبي لذكـر محمـد وما خفـت بعـد النبـي مطاوياً

فلـو أن رب الناس أبقى نبينا سعدنـا ولكـن أمره كان ماضياً

عليك من الله السـلام تحيـة وادخلت جنـات من العدن راضيا

أفاطـم صلى الله رب محمد على جـدث أمسى بطيبـة ثاوياً

وهذا كعب بن زهير يمدح النبي r بقصيدته المعروفة التي مطلعها :

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيم إثرها لم يفد مكبول

قال :

أنبئـت أن رسـول اللـه أوعــدني والعفـو عند رسول الله مأمول

إن الرسـول لنـور يسـتضـاء بـه مهنـد مـن سيوف الله مسلول

في عصبـة من قريـش قال قائلهــم ببطـن مكـة لما أسلمـوا زولوا

يمشون مشي الجمـال الزهر يعصمهم ضرب إذا عـود السـود التنابيل

وفي رواية أبي بكر ابن الأنباري أنه لما وصل إلى قوله :

إن الرسول لنور يستضاء به :: مهند من سيوف الله مسلول

رمى – عليه الصلاة والسلام – إليه بردة كانت عليه ، وأن معاوية بذل له فيها عشرة آلاف ، فقال : ما كنت لأوثر برسول الله r أحداً ، فلما مات كعب بعث معاوية إلى ورثته بعشرين ألفاً فأخذها منهم .

وها هو r يمدح نفسه بنفسه قال : أنا خير أصحاب اليمين . أنا خير السابقين . أنا أتقى ولد آدم وأكرمهم على الله ولا فخر . (رواها الطبراني والبيهقي في الدلائل)

وقال : أنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر. (رواه الترمذي والدارمي)

وقال : ((لم يلتق أبواي على سفاح قط)) . (رواه ابن عمر العدني في مسنده)

ويقول جبريل عليه السلام: ((قلبت مشارق الأرض ومغاربها فلم أر رجلاً أفضل من محمد ولم أر بني أب أفضل من بني هاشم)) . (رواه البيهقي وأبو نعيم والطبراني عن عائشة رضي الله عنها)

وعن أنس رضي الله عنه : ((أن النبي r أتى بالبراق ليلة أسري به فاستصعب عليه ، فقال له جبريل: بمحمد تفعل هذا ؟ فما ركبك أحد أكرم على الله منه فارفضّ عرقاً)) .. (رواه الشيخان)

وفي حديث أبي سعيد قال : ((قال رسول الله r : أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر ، وبيدي لواء الحمد ولا فخر ، وما من نبي يومئذ – آدم فمن سواه – إلا تحت لوائي ، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر)) ..

(رواه الترمذي وقال : حسن صحيح)

وعن أنس قال : قال رسول الله r : ((أنا أول الناس خروجاً إذا بعثوا ، وأنا قائدهم إذا وفدوا ، وأنا خطيبهم إذا أنصتوا ، وأنا شفيعهم إذا حبسوا ، وأنا مبشرهم إذا يئسوا ، الكرامة والمفاتيح يومئذ بيدي ولواء الحمد يومئذ)) ..

((وأنا أكرم ولد آدم على ربي يطوف على ألف خادم كأنهم بيض مكنون أو لؤلؤ منثور)) .. (رواه الترمذي والدارمي)

وعن أبي هريرة عن النبي r قال : أنا أول من تنشق عنه الأرض فأكسى حلة من حلل الجنة ثم أقوم على يمين العرش ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري)) ..(رواه الترمذي وقال : حسن صحيح)

] ] ]

الأنبياء بشر ولكن ..

يظن بعض الناس أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يساوون غيرهم من البشر في كل أحوالهم وأعراضهم ، وهذا خطأ واضح وجهل فاضح ترده الأدلة الصحيحة من الكتاب والسنة ، وهم وإن كانوا يشتركون مع جميع بني آدم في حقيقة الأصل التي هي البشرية من قوله جل ذكره : } قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ { إلا أنهم يختلفون عنهم في كثير من الصفات والعوارض وإلا فما هي مزيتهم ؟ وكيف تظهر ثمرة اصطفائهم على غيرهم واجتبائهم على من سواهم .

وسنذكر في هذا المبحث شيئاً من صفاتهم في الدنيا وخصائصهم في البرزخ التي ثبتت لهم بنص الكتاب والسنة .

الأنبياء سادة البشر :

الأنبياء هم الصفوة المختارة من عباد الله شرّفهم الله بالنبوة وأعطاهم الحكمة ورزقهم قوة العقل وسداد الرأي واصطفاهم ليكونوا وسطاء بينه وبين خلقه يبلغونهم أوامر الله عز وجل ويحذرونهم غضبه وعقابه ويرشدونهم إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة ، وقد اقتضت حكمة الله أن يكونوا من البشر ليتمكن الناس من الاجتماع بهم والأخذ عنهم والاتباع لهم في سلوكهم وأخلاقهم ، والبشرية هي عين إعجازهم فهم بشر من جنس البشر لكنهم متميزون عنهم بما لا يلحقهم به أحد ، ومن هنا كانت ملاحظة البشرية العادية المجردة فيهم دون غيرها هي نظرة جاهلية شركية .

فمن ذلك قول قوم نوح في حقه فيما حكاه الله عنهم إذ قال : } فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا { سورة هود : 27 ، ومن ذلك قول قوم موسى وعيسى في حقهما فيما حكاه الله عنهم إذ قال : } فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ { المؤمنون : 47 .

ومن ذلك قول أصحاب ثمود له فيما حكاه الله عنه بقووله : } مَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ { الشعراء : 154 .

ومن ذلك قول أصحاب الأيكة لنبيهم شعيب فيما حكاه الله عنهم بقوله : }قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ{185}وَمَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ{ الشعراء : 185،186.

ومن ذلك قول المشركين في حق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وقد رأوه بعين البشرية المجردة فيما حكاه الله عنهم بقوله : } وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ { .

صفات الأنبياء :

والأنبياء صلوات الله عليهم وإن كانوا من البشر يأكلون ويشربون ويصحون ويمرضون وينكحون النساء ويمشون في الأسواق وتعتريهم العوارض التي تمر على البشر من ضعف وشيخوخة وموت إلا أنهم يمتازون بخصائص ويتصفون بأوصاف عظيمة جليلة هي بالنسبة لهم من ألزم اللوازم ومن أهم الضروريات وهذه الصفات نلخصها فيما يلي :

1-الصدق .

2-التبليغ .

3-الأمانة .

4-الفطانة .

5-السلامة من العيوب المنفرة .

6-العصمة .

وليس هذا محل تفصيـل هذه الصفـات فقد تكفلت بها كتب التوحيد وسنذكر هنا بعض الصفات التي يتميز بها سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم عن عامة البشر .

يرى من خلفه كما يرى من أمامه :

أخرج الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((هل ترون قبلتي هاهنا ؟ فوالله ما يخفى عليَّ ركوعكم ولا سجودكم إني لأراكم من وراء ظهري)) ..

وأخرج مسلم عن أنس أن رسول الله r قال : ((أيها الناس إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود فإني أراكم من أمامي ومن خلفي)) ..

وأخرج عبد الرزاق في جامعه والحاكم وأبو نعيم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((إني لأنظر إلى ما ورائي كما أنظر إلى ما بين يدي)) ..

وأخرج أبو نعيم عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله r : ((إني أراكم من وراء ظهري)) ..

يرى ما لا نرى ويسمع ما لا نسمع :

عن أبي ذر قال : قال رسول الله r : ((إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون ، أطت السماء وحق لها أن تئط ، والذي نفسي بيده ما فيها موضع أربعة أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجد لله ، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ، وما تلذذتم بالنساء على الفرشات ، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله)) .

قال أبو ذر : يا ليتني كنت شجرة تعضد . رواه أحمد والترمذي وابن ماجه .

إبطه الشريف صلى الله عليه وسلم : أخرج الشيخان عن أنس قال : ((رأيت رسول الله r يرفع يديه في الدعاء حتى يرى بياض إبطيه)) .

وأخرج ابن سعد عن جابر قال : ((كان النبي r إذا سجد يرى بياض إبطيه)). وقد ورد ذكر بياض إبطيه r في عدة أحاديث عن جماعة من الصحابـة.

قال المحب الطبري : من خصائصه r أن الإبط من جميع الناس متغير اللون غيره . وذكر القرطبي مثل ذلك وزاد وأنه لا شعر فيه .

حفظه صلى الله عليه وسلم من التثاؤب :

أخرج البخاري في التاريخ وابن أبي شيبة في المصنف وابن سعد عن يزيد ابن الأصم قال : ما تثاءب النبي r قط . وأخرج ابن أبي شيبة عن مسلمة بن عبد الملك بن مروان قال : [ما تثاءب نبي قط] .

عرقه الشريف صلى الله عليه وسلم : أخرج مسلم عن أنس قال : [دخل علينا رسول الله r فقال([4]) عندنا فعرق وجاءت أمي بقارورة فجعلت تسلت العرق فاستيقظ النبي r فقال : يا أم سليم ! ما هذا الذي تصنعين ؟ قالت : عرق نجعله لطيبنا وهو أطيب الطيب].

وأخرج من وجه آخر عن أنس [أن النبي r كان يأتي أم سليم فيقيل(1) عندها فتبسط له نطعاً فيقيل عليه وكان كثير العرق فكانت تجمع عرقه فتجعله في الطيب والقوارير ، فقال : [يا أم سليم ! ما هذا] ؟ قالت : عرقك أدوف به طيبي].

طوله صلى الله عليه وسلم :

أخرج ابن خثيمة في تاريخه والبيهقي وابن عساكر عن عائشة قالت : [لم يكن رسول الله r بالطويل البائن ولا بالقصير المتردد ، وكان ينسب إلى الربعة إذا مشى وحده ، ولم يكن على حال يماشيه أحد من الناس ينسب إلى الطول إلا طاله رسول الله r ولربما اكتنفه الرجلان الطويلان فيطولهما ، فإذا فارقاه نسب رسول الله r إلى الربعة – وذكر ابن سبع في الخصائص ذلك وزاد – أنه كان إذا جلس يكون كتفه أعلى من جميع الجالسين] .

ظله صلى الله عليه وسلم :

أخرج الحكيم الترمذي عن ذكوان أن رسول الله r لم يكن له ظل في شمس ولا قمر ، قال ابن سبع : من خصائصه أن الظل كان لا يقع على الأرض ، وأنه كان نوراً إذا مشى في الشمس أو القمر لا ينظر له ظل ، قال بعضهم : ويشهد له حديث قوله r في دعائه : ((واجعلني نورا)) ..

وذكر القاضي عياض في الشفاء والعزفيُّ في مولده : أن من خصائصه r أنه كان لا ينزل عليه الذباب ، وذكره ابن سبع في الخصائص بلفظ : أنه لم يقع على ثيابه ذباب قط ، وزاد أن من خصائصه أن القمل لم يكن يؤذيه .

دمه صلى الله عليه وسلم :

أخرج البزار وأبو يعلى والطبراني والحاكم والبيهقي عن عبد الله بن الزبير أنه أتى النبي r وهو يحتجم فلما فرغ ، قال : [يا عبد الله ! إذهب بهذا الدم فأهرقه حيث لا يراك أحد فشربه ، فلما رجع قال : يا عبد الله ! ما صنعت ؟ قال : جعلته في أخفى مكان علمت أنه مخفي عن الناس ، قال : لعلك شربته ؟ قلت : نعم ، قال : [ويل للناس منك وويل لك من الناس ، فكانوا يرون أن القوة التي به من ذلك الدم] .

نومه صلى الله عليه وسلم :

أخرج الشيخان عن عائشة قالت : يا رسول الله ! أتنام قبل أن توتر ، قال : ((يا عائشة ! إن عينيّ تنامان ولا ينام قلبي))

وأخرج الشيخان عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله r : ((تنام عيني ولا ينام قلبي)) ..

وقال r : ((الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم)) ..

جماعه صلى الله عليه وسلم :

أخرج البخاري من طريق قتادة عن أنس قال : [كان النبي r يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة ، قلت لأنس : أو كان يطيقه ؟ قال : كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين] .

حفظه r من الاحتلام :

أخرج الطبراني من طريق عكرمة عن أنس وابن عباس والدينوري في [المجالسة] من طريق مجاهد عن ابن عباس قال :

((ما احتلم نبي قط وإنما الاحتلام من الشيطان)) ..

بوله صلى الله عليه وسلم :

أخرج الحسن بن سفيان في مسنده وأبو يعلى والحاكم والدارقطني وأبو نعيم عن أم أيمن قالت : قام النبي r من الليل إلى فخارة في جانب البيت ، فبال فيها ، فقمت من الليل وأنا عطشانة فشربت ما فيها فلما أصبح أخبرته فضحك وقال : ((إنك لن تشتكي بطنك بعد يومك هذا أبداً)) ..

وأخرج عبد الرزاق عن ابن جريج قال : أخبرت أن النبي r كان يبول في قدح من عيدان ثم يوضع تحت سريره ، فجاء فإذا القدح ليس فيه شيء ، فقال لامرأة يقال لها : بركة كانت تخدم أم حبيبة جاءت معها من أرض الحبشة: أين البول الذي كان في القدح ؟ قالت : شربته ، قال : صحة يا أم يوسف ، وكانت تكنى أم يوسف ، فما مرضت قط حتى كان مرضها الذي ماتت فيه قال ابن دحية : هذه قضية أخرى غير قضية أم أيمن ، وبركة أم يوسف غير بركة أم أيمن([5]).

خـلاصـة مفـيدة :

وقد نظم بعضهم جملة من الخصائص التي تميز بها صلى الله عليه وسلم عن غيره من جهة الصفات البشرية العادية فقال :

خص نبينا بعشرة خصــال لم يحتلم قط وما لـه ظـلال

والأرض ما يـخرج منه تبتلع كذلك الذبـاب عنـه ممتنع

تنام عينـاه وقلـب لا ينـام من خلفه يرى كما يرى أمام

لم يتثاءب قط وهـي السابعة ولـد مختونـاً إليهـا تابعة

تعرفـه الدواب حين يركب تأتي إليـه سرعـة لا تهرب

يعلو جلوسه جلوس الجلسـا صلى عليه الله صبحا ومسا

وقد ذكرنا في (مباحث نبوية) من الباب الثاني بعض الخصائص النبوية وخلاصة ما نراه في ذلك ،وهو أن هذه الخصائص كثيرة جداً ، منها ما صح سنده ، ومنها ما لم يصح ، ومنها ما هو مختلف فيه بين العلماء إذ يرى بعضهم أنه صحيح ، ويرى الآخرون خلاف ذلك ، فهي مسائل خلافية .

والكلام فيها دائر بين العلماء من قديم بين الصواب والخطأ ، والصحة والبطلان ، لا بين الكفر والإيمان ، وقد نقلنا جملة نم هذه الخصائص التي منها ما هو صحيح ، ومنها ما هو ليس بصحيح ، ومنها المقبول ، ومنها غير ذلك .

نقلناها لتكون شواهد على ما ذكرناه من تسامح بعض أئمة الحديث في نقل ذلك دون تحقيق أو نقد ، وليس المقصود من ذلك الكلام حول صحتها وعدم صحتها ، أو ثبوتها وعدم ثبوتها . فتدبّر .

([1]) الخب : الخداع .

(8[2]) أنظر الملحق آخر الكتاب رقم 18 .

([3]) أي بايعناه بالجنة على فعل ذلك ، يعني اشترطوا عليه ضمانة الجنة لهم ، فأعطاهم .

([4]) من القيلولة

([5]) سيأتي مزيد تفصيل لهذه الوقائع في مفهوم التبرك .

استطلاع رأي زوار موقع المستنير