تفسير ابن تيمية لآيات الشفاعة ، ومعه عناوين أخرى

مفاهيم يجب أن تصحح

السيد محمد بن علوى المالكى رحمه الله

تفسير ابن تيمية لآيات الشفاعة

ويستفاد منه جواز طلب الشفاعة من النبي r في الدنيا

ذكر الشيخ ابن تيمية في الفتاوى تحليلاً نفيساً للآيات الواردة في منع الشفاعة وعدم الانتفاع بها والنهي عن طلبها مع أن هذه الآيات هي التي يستدل بها بعضهم على منع طلب الشفاعة من النبي r في الدنيا .

ويظهر من كلام الشيخ ابن تيمية في معنى تلك الآيات أن الاستدلال بها على ما يزعمون في غير محله وتحريف لها عن مواضعها ، قال الشيخ :

واحتج هؤلاء المنكرون للشفاعة بقوله تعالى : } وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ{ وبقوله : } وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ { ، وبقوله : } مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ { ، وبقوله : } فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ { .

وجواب أهل السنة أن هذا يراد به شيئان :

أحدهما : أنها لا تنفع المشركين ، كما قال تعالى في نعتهم : } مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ {42} قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ {43} وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ {44} وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ {45} وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ {46} حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ {47}‏ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ { فهؤلاء نفى عنهم نفع شفاعة الشافعين لأنهم كانوا كفارا .

والثاني : أنه يراد بذلك نفي الشفاعة التي يثبتها أهل الشرك ومن شابههم من أهل البدعة من أهل الكتاب والمسلمين الذين يظنون أن للخلق عند الله من القدر أن يشفعوا عنده بغير إذنه ، كما يشفع الناس بعضهم عند بعض ، فيقبل المشفوع إليه شفاعة شافع لحاجته إليه رغبة ورهبة ، وكما يعامل المخلوق المخلوق بالمعاوضة .

فالمشركون كانوا يتخذون من دون الله شفعاء من الملائكة والأنبياء والصالحين ، ويصورون تماثيلهم فيتشفعون بها ويقولون : هؤلاء خواص الله .

قلت :هذا كلام الشيـخ ابن تيميـة بلفظه ، ومنه يظهر جلياً حقيقة هذه الآيات التي يستدل بها المنكرون لطلب الشفاعـة من النبي r في الدنيا ، أو القائلـون بأنها شرك وضلال .

وخلاصـة كلامه هو أن المراد بذلك هو أن الشفاعة لا تنفع المشركين . فالآيات واردة في هذه القضيـة ، أو أن المراد بذلك هو نفي الشفاعـة التي يثبتها أهل الشرك وهي أن يعتقد أن الشافع يملك ذلك بغير إذن الله سبحانه وتعالى ، وهذا الذي ذكره الشيخ هو ما نعتقده بفضل الله ، ونقول : إن طالب الشفاعة منه r إن اعتقد أو ظن أنه r يشفع بغير إذن الله فهذا شرك أو ضلال لا نشك في ذلك ولا نرتاب ، ولكنه حاشا وكلا ثم حاشا وكلا ثم حاشا وكلا أن نعتقد ذلك أو نظنه ونبرأ إلى الله من ذلك .

وإننا حين نطلب الشفاعة فإننا نعتقد تمام الاعتقاد أنه لا يشفع أحد إلا بإذنه سبحانه وتعالى ، ولا يقع شيء إلا برضاه وتأييده .

وإنما هذا كطلب دخول الجنة وطلب الشرب من الحوض المورود وطلب النجاة على الصراط ، فكلها لا تحصل إلا بإذن الله وفي وقتها الذي قدره الله تعالى لها ، وهل يشك في ذلك عاقل أو يخفى على من له أدنى معرفة أو قراءة في كتب السلف من أصغر طلاب العلم الشريف .

اللهم افتح مسامع قلوبنا ونور أبصارنا .

] ] ]

إياك نعبد وإياك نستعين

إننا نعتقد اعتقاداً جازماً لازماً لا شك فيه ولا ريب أن الأصل في الاستعانة والاستغاثة والطلب والنداء ، والسؤال هو أن يكون لله سبحانه وتعالى فهو المعين والمغيث والمجيب .

قال الله تعالى : } وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ{106}‏وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ{ ، وقال : } فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ{ ، وقال : }وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ { الآيتين ، وقال : } أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ { فالعبادة بجميع أنواعها لابد أن تصرف لله وحده ولا يجوز صرف شيء منها لغير الله كائناً من كان } قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {162} لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ { .

فلا نذر إلا لله ولا دعاء إلا له ولا ذبح إلا له ولا استغاثة ولا استعاذة ولا استعانة ولا حلف إلا بالله ولا توكل إلا عليه سبحانه وتعالى عما يشرك به المشركون علواً كبيراً .

ونحن نعتقد أن الله هو الخالق للعباد وأفعالهم لا تأثير لأحد سواه لا لحي ولا ميت ، وليس لأحد مع الله فعل أو ترك أو رزق أو إحياء أو إماتة ، وليس أحد من الخلق قادراً على الفعل أو الترك بنفسه استقلالاً دون الله أو بالمشاركة مع الله أو أدنى من ذلك .

فالمتصرف في الكون هو الله سبحانه وتعالى ولا يملك أحد شيئاً إلا إذا ملكه الله ذلك وأذن له في التصرف فيه ، ولا يملك أحد لنفسه فضلاً عن غيره نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا نشوراً إلا ما شاء الله بإذن الله فالنفع والضر حينئذ محدود بهذا الحد ومقيد بهذا القيـد ونسبتـه إلى الخلق على سبيـل التسبب والتكسب لا على سبيل الخلق أو الإيجاد أو التأثير أو العلـة أو القوة والنسبـة في الحقيقـة مجازيـة ليست حقيقية ، ولكن الناس يختلفون في التعبير عن هذه الحقائق([1]) ، فمنهم من يسرف في استعمال المجاز إسرافاً شديداً حتى يقع في شبه لفظية هو منها برئ وقلبه سليم منعقد على كمال التوحيد والتنزيه لله سبحانه وتعالى ، ومنهم من يتمسك بالحقيقة تمسكاً زائداً عن حد الاعتدال فيصل به إلى التعنت والتشدد والإساءة إلى الناس بمعاملتهم على خلاف معتقدهم وحملهم على ما لا يقصدون وإلزامهم بما لا يريدون والحكم عليهم بما هم عنه بريئون والواجب الاعتدال والبعد عن كل ذلك فهو أسلم للدين وأحوط في حماية مقام التوحيد . والله أعلم .

وقد ذكر الشيخ ابن تيمية خلاصة موجزة مفيدة في بيان ما يختص بالحق سبحانه وتعالى وهو عين ما نعتقده وندين الله تعالى به .. لأن عقيدتنا سلفية بفضل الله وطريقتنا محمدية ونقول بهذا الذي يقول به ابن تيمية .

قال الشيخ ابن تيمية والله قد جعل له حقاً لا يشركه فيه مخلوق فلا تصلح العبادة إلا له ، ولا الدعاء إلا له ، ولا التوكل إلا عليه ، ولا الرغبة إلا إليه ، ولا الرهبة إلا منه ، ولا ملجأ ولا منجا منه إلا إليه ، ولا يأتي بالحسنات إلا هو ، ولا يذهب السيئات إلا هو ، ولا حول ولا قوة إلا به ، } وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ { ، } مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ { ، } إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً {93} لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً {94} وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً {،وقال تعالى: } وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ { فجعل الطاعة لله وللرسول، وجعل الخشية والتقوى لله وحده ، وكذلك في قوله تعالى : } وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ{،فالإيتاء لله والرسول، وأما التوكل فعلى الله وحده ، والرغبة إلى الله وحده. (كذا في الفتاوى ج11 ص98 )

] ] ]

الاستعانة والتوجه بالطلب للنبي r

ذكرنا فيما تقدم أننا نعتقد اعتقاداً جازماً لا شك فيه ولا ريب أن الأصل في الاستعانة والاستغاثة والطلب والنداء والسؤال هو أن يكون لله سبحانه وتعالى فهو المعين والمغيث والمجيب ، يقول الله عز وجل : } وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ { فمن استعان بمخلوق أو استغاث به أو ناداه أو سأله أو طلبه سواء كان حياً أو ميتاً معتقداً أنه ينفع أو يضر بنفسه استقلالاً دون الله فقد أشرك ، لكن الله أجاز للخلق أن يستعين بعضهم ببعض وأن يستغيث بعضهم ببعض ، وأمر من استعين أن يعين ، ومن استغيث أن يغيث ومن نودي أن يجيب ، والأحاديث على هذا كثيرة جداً كلها تدل على إغاثة الملهوف وإعانة المحتاج وتفريج الكربات والنبي r أعظم من يستغاث به إلى الله سبحانه وتعالى في كشف الكربات وقضاء الحاجات .

فأي شدة أكبر من شدة يوم القيامة حين تطول الوقفة وتشتد الزحمة ويتضاعف الحر ويلجم العرق من شاء الله ومع عظم هذه الشدة وبلوغها الغاية فإن الناس يستغيثون إلى الله بخيرة خلقه كما قال الرسول r : وبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ، الحديث ، وقد عبر فيه r بلفظ الاستغاثة ، وهو بهذا اللفظ في صحيح البخاري .

وقد كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يستعينون به r ويستغيثون ويطلبون منه الشفاعة ويشكون حالهم إليه من الفقر والمرض والبلاء والدين والعجز ويفزعون إليه عند الشدائد ويطلبون منه ويسألونه معتقدين أنه ليس إلا واسطة وسبباً في النفع والضر والفاعل حقيقة هو ( الله ) .

] ] ]

أبو هريرة يشكو النسيان

أخرج البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم النسيـان لما يسمعـه من حديثـه الشريـف وهـو يريـد أن يزول عنه ذلك، فقال رضي الله عنه : يا رسول الله ! [إني أسمع منك حديثاً كثيراً فأنساه فأحب أن لا أنسى فقال r : ((ابسط رداءك)) فبسطه فقذف بيده الشريفة من الهواء في الرداء ثم قال : ضمه فضمه ، قال أبو هريرة : فما نسيت شيئاً بعد .

رواه البخاري في كتاب العلم باب حفظ العلم [رقم الحديث 119] .

فها هو أبو هريرة يطلب منه عليه الصلاة والسلام عدم نسيان شيء وهو مما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل – فلم ينكره ولم يرمه بشرك ، لما يعلم كل أحد أن الموحد إذا طلب شيئاً من ذوي الجاه عند الله فلا يريد منهم أن يخلقوا شيئاً ولا هو معتقد فيهم شيئاً من ذلك وإنما يريد أن يتسببوا له بما أقدرهم الله عليه من دعاء وما شاء الله من تصرف، وها أنت ذا ترى أنه عليه الصلاة والسلام أجابه إلى مطلبه ، ولم يرد أنه دعا له في هذه القصة ، وإنما غرف له من الهواء ، وألقاه في الرداء وأمره فضمه إلى صدره فجعل الله ذلك تفضلاً سبباً لقضاء حاجته .

وكذلك لم يقل له عليه الصلاة والسلام : مالك تسألني والله أقرب إليك مني ؟ لما هو معلوم عند كل أحد أن المعول عليه في قضاء الحوائج من بيده مقاليد الأمور إنما هو أقربية الطالب منه عز وجل وكمال مكانته عنده .

قتادة يستغيث به لإصلاح عينه :

وقد ثبت أن قتادة بن النعمان أصيبت عينه فسالت حدقته على وجنته فأرادوا أن يقطعوها ، فقال : لا حتى أستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستأمره ، فقال : لا ، ثم وضع راحته على حدقته ثم غمزها فعادت كما كانت فكانت أصح عينيه .

رواه البغوي وأبو يعلى وأخرجه الدارقطني وابن شاهين والبيهقي في الدلائل ، ونقلها الحافظ ابن حجر في الإصابة (ج3 ص225) ، والحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (ج4 ص297) ، والحافظ السيوطي في الخصائص الكبرى .

وآخر يستعين به في زوال سلعته :

عن محمد بن عقبة بن شرحبيل عن جده عبد الرحمـن عن أبيه قال : أتيت رسـول الله r وبكفي سلعـة فقلـت : يا نبي الله هذه السلعة قد أورمتني لتحول بيني وبين قائم السيف أن أقبض عليه، وعن عنان الدابة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أدن مني)) .. قال : فدنوت ففتحها، فنفث في كفي ثم وضع يده على السلعة فما زال يطحنها بكفه حتى رفع عنها وما أرى أثرها . رواه الطبراني وذكره الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (ج8 ص298) .

والسلعة (دمل) تظهر تحت الجلد .

معاذ يطلب منه إصلاح يده :

وفي يوم بدر ضرب عكرمة بن أبي جهل معاذ بن عمرو بن الجموح على عاتقه أثناء القتال يقول معاذ : فضرب يدي فتعلقت بجلدة من جنبي وأجهضني القتال عنه فلقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي فلما آذتني وضعت عليها قدمي ثم تمطيت عليها حتى طرحتها .

قال في المواهب : وجاء معاذ بن عمرو يحمل يده ، وضربه عليها عكرمة ،إلى رسول الله r ، كما ذكر القاضي عياض عن ابن وهب ، فبصق عليه الصلاة والسلام عليها فلصقت .

ذكر هذه القصة الزرقاني وأسندها إلى ابن إسحاق ومن طريقه الحاكم .

الاستعانة والاستغاثة به إلى الله في البلاء :

وقد استفاضت النصوص الصحيحة التي تنطق بأنهم كانوا إذا أصابهم القحط وانقطع عنهم المطر فزعوا إليه مستشفعين متوسلين طالبين مستغيثين به إلى الله فيعرضون عليه حالهم ويشكون ما نزل بهم من البلاء والشر .

فهذا أعرابي يناديه وهو صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة ويقول :

(( يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله أن يغيثنا فدعا الله وجاء المطر إلى الجمعة الثانية ،فجاء وقال : يا رسول الله تهدمت البيوت وتقطعت السبل وهلكت المواشي .. يعني من كثرة المطر فدعا r فانجاب السحاب وصار المطر حول المدينة)) ..

(رواه البخاري في كتاب الاستسقاء باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا) .

وروى أبو داود بسند جيد عن عائشة رضي الله عنها قالت شكا الناس إلى رسول الله قحوط المطر .

رواه أبو داود في كتاب الصلاة أبواب الإستسقاء .

وأخرج البيهقي في دلائل النبوة عن أنس ، بسند ليس فيه متهم بالوضع وانظر فتح الباري (ج2 ص495) .

عن أنس بن مالك أن أعرابياً جاء إلى النبي r فقال : يا رسول الله ! أتيناك ومالنا بعير يئط ، ولا صبي يغط ، ثم أنشد :

أتينـاك والعذراء يدمى لبـانها

وقد شغـلت أم الصبي عن الطفـل

وألقـى بكفيه الفتى استكانـة

من الجوع ضعفــاً ما يمر ولا يحلى

ولا شيء مما يأكل الناس عندنا

سوى الحنظل العامي والعلهز الغسل

ولـيس لنـا إلا إليك فرارنا

وأيـن فرار النـاس إلا إلى الـرسل

فقام يجر رداءه حتى صعد المنبر فرفع يديه فقال : ((اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً مريئاً مريعاً غدقاً طبقاً نافعاً غير ضار عاجلاً غير رائث تملأ به الضرع ، وتنبت به الزرع ، وتحيي به الأرض بعد موتها ، قال فما رد رسول الله r يديه حتى ألقت السماء بأردافها ، وجاء الناس يضجون الغرق ، فقال r : حوالينا ولا علينا)) ..

فانجاب السحاب عن المدينة .

فانظر كيف أسند r الإغاثة والنفع ونحوهما – إلى الغيث على سبيل المجاز في الإسناد ، وكيف أقر الشاعر على قوله وليس لنا إلا إليك فرارنا – البيت ، ولم يعده مشركاً ، لأن القصر فيه إضافي ، وهل كان يخفى عليه r قوله تعالى : } فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ { ، وقد أنزلت عليه .

والمعنى أن الفرار المرجو نفعه المؤكد – إليك لا إلى من دونك ، وإلى الرسل لا إلى من دونهم – فإن المرسلين أعلى من بهم يتوسل إلى الله عز وجل ، وأعظم من يقضي الله الحوائج على أيديهم للملتجئين إليهم والمستغيثين وتأمل جيداً تأثره الشديد r بما أنشده هذا الشاعر ، وشدة سرعته إلى نجدتهم وإغاثتهم حيث قام إلى المنبر يجر رداءه ولم يتمهل حتى يصلحه استعجالاً لإجابة داعيه ، وإسراعاً إلى إغاثة مناديه ، عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام .

] ] ]

النبي r هو ركننا وعصمتنا وملاذنا

ولقد ناداه حسان بن ثابت ووصفه بأنه الركن الذي يعتمد عليه والعصمة الذي يلجأ إليه ، فقال :

يا ركـن معتمـد وعصمـة لائذ

ومـلاذ منتجـع وجــار مجاور

يا مــن تخيره الإلــه لخلقـه

فحـباه بالخلـق الزكـي الطاهر

أنت النبـي وخير عصبــة آدم

يا مـن يجود كفـيض بحر زاخـر

ميكـال معك وجبرئيـل كلاهما

مدد لنصرك من عزيـــز قادر

أنظر الإصابة : (1/264) والروض الأنف : (2/91) .

حمزة فاعل الخيرات وكاشف الكربات

عند ابن شاذان من حديث ابن مسعود : ما رأينا رسول الله r باكياً قط أشد من بكائه على حمزة بن عبد المطلب وضعه في القبلة، ثم وقف على جنازته وانتحب حتى نشغ من البكاء يقول : يا حمزة يا عم رسول الله r وأسد الله وأسد رسوله، يا حمزة يا فاعل الخيرات، يا حمزة يا كاشف الكربات يا ذاب عن وجه رسول الله .

من المواهب اللدنية (ج1 ص212) .

لا فرق بين الحياة والموت :

فإن قال قائل : إن الاستغاثة به r وشكوى الحال إليه وطلب الشفاعة والعون منه وكل ما يكون في هذا الباب إنما يصح في حياته ، أما بعد موته فهوكفر وربما تسامح فقال : (غير مشروع) أو قال : (لا يجوز) .

فنقول : إن الاستغاثة والتوسل إن كان المصحح لطلبها هو الحياة كما يقولون فالأنبياء أحياء في قبورهم وغيرهم من عباد الله المرضيين ،ولو لم يكن للفقيه من الدليل على صحة التوسل والاستغاثة به r بعد وفاته إلا قياسه على التوسل والاستغاثة به في حياته الدنيا لكفى فإنه حيي الدارين دائم العناية بأمته ، متصرف بإذن الله في شؤونها خبير بأحوالها تعرض عليه صلوات المصلين عليه من أمته ويبلغه سلامهم على كثرتهم ، ومن اتسع علمه بشئون الأرواح وما جعلها الله عليه من الخصائص لا سيما العالية منها اتسع قلبه للإيمان بذلك فكيف بروح الأرواح ونور الأنوار نبينا عليه الصلاة والسلام ، ولو كان طلب الشفاعة أو الاستغاثة أو التوسل به عليه الصلاة والسلام شركاً وكفراً – كما توهموه – لما جاز في حال من الأحوال لا في الحياة الدنيا ولا في الحياة الأخرى لا يوم القيامة ولا قبلها فإن الشرك ممقوت عند الله في كل حال .

] ] ]

دعوى باطلـة

أما دعوى أن الميت لا يقدر على شيء فهي باطلـة لأنـه إن كان ذلك لكونهم يعتقدون أن الميت صار ترابـاً فهذا عين الجهل بما ورد عن نبينـا r بل عن ربنا جل جلاله من ثبوت حياة الأرواح وبقائها بعد مفارقة الأجسام ومناداة النبي r – لها يوم بدر : ((يا عمرو بن هشام ويا عتبة بن ربيعة ويا فلان ابن فلان إنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً)) ..

فقيل له : ما ذلك ؟ فقال : ((ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)) ..

ومن ذلك تسليمه على أهل القبور ومناداته لهم بقوله : ((السلام عليكم يا أهل الديار)) ..

ومن ذلك عذاب القبر ونعيمه ، وإثبات المجئ والذهاب إلى الأرواح إلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة التي جاء بها الإسلام وأثبتتها الفلسفة قديماً وحديثاً .

ولنقتصر هنا على هذا السؤال : أيعتقدون أن الشهداء أحياء عند ربهم كما نطق القرآن بذلك أم لا ؟

فإن لم يعتقدوا فلا كلام لنا معهم لأنهم كذبوا القرآن حيث يقول : } وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ { .. } وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ { .

وإن اعتقـدوا ذلـك فنقـول لهـم : إن الأنبيـاء وكثيراً من صالحي المسلميـن الذيـن ليسـوا بشهـداء كأكابـر الصحابـة أفضـل من الشهداء بلا شـك ولا مريـة فإذا ثبتـت الحيـاة للشهـداء فثبوتها لمن هـو أفضـل منهم أولى على أن حياة الأنبياء مصرح بها في الأحاديث الصحيحة .

فإذن نقـول : حيـث ثبتـت حيـاة الأرواح بالأدلـة القطعية فلا يسعنا بعد

ثبوت الحياة إلا إثبات خصائصها فإن ثبوت الملزوم يوجب ثبوت اللازم كما إن نفي اللازم يوجب نفي الملزوم كما هو معروف ، وأي مانع عقلاً من الاستغاثة إلى الله بها والاستمداد منها كما يستعين الرجل بالملائكة في قضاء حوائجه أو كما يستعين الرجل بالرجل [وأنت بالروح لا بالجسم إنسان] .

وتصرفات الأرواح على نحو تصرفات الملائكة لا تحتاج إلى مماسة ولا آلة ، فليست على نحو ما تعرف من قوانين التصرفات عندنا فإنها من عالم آخر ، } وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي { ، وماذا يفهمون من تصرف الملائكة أو الجن في هذا العالم ؟

ولا شك أن الأرواح لها من الإطلاق والحرية ما يمكنها من أن تجيب من يناديها وتغيث من يستغيث بها كالأحياء سواء بسواء بل أشد وأعظم ،فإن كانوا لا يعرفون إلا المحسوسات ولا يعترفون إلا بالمشاهدات فهذا هو شأن الطبيعيين لا المؤمنين على أننا نتنزل معهم ونسلم لهم أن الأرواح بعد مفارقة الأجساد لا تستطيع أن تعمل شيئاً ولكن نقول لهم : إذا فرضنا ذلك وسلمنا جدلاً فلنا أن نقرر أنه ليست مساعدة الأنبياء والأولياء للمستغيثين بهم من باب تصرف الأرواح في هذا العالم ، بل مساعدتهم لمن يزورهم أو يستغيث بهم بالدعاء لهم كما يدعو الرجل الصالح لغيره ، فيكون من دعاء الفاضل للمفضول ، أو على الأقل من دعاء الأخ لأخيه ، وقد علمت أنهم أحياء يشعرون ويحسون ويعلمون ، بل الشعور أتم والعلم أعم بعد مفارقة الجسد لزوال الحجب الترابية وعدم منازعات الشهوات البشرية .

وقد جاء في الحديث ([2]) : أن أعمالنا تعرض عليه – r – فإن وجد خيراً حمد الله وإن وجد غير ذلك استغفر لنا ، ولنا أن نقول : إن المستغاث به والمطلوب منه الإغاثـة هو الله تعالى ، ولكـن السائـل يسـأل متوسـلاً إلى الله بالنبي r في أنـه يقضي حاجتـه ، فالفاعـل هـو الله ، ولكـن أراد السائـل أن يسأله تعالى، ببعض المقربين لديه الأكرمين عليه ، فكأنه يقول : أنا من محبيه [أو محسوبيه] فارحمني لأجله وسيرحم الله كثيراً من الناس لأجل النبي r وغيره من الأنبياء والأولياء والعلماء .

وبالجملة فإكرام الله لبعض أحباب النبي r لأجل نبيه بل بعض العباد لبعض ، أمر معروف غير مجهول ، ومن ذلك الذين يصلون على الميت ويطلبون من الله أن يكرمه ويعفو عنه لأجلهم بقولهم : وقد جئناك شفعاء فشفعنا .

] ] ]

هل طلب ما لا يقدر عليه إلا الله شرك ؟

ومن جملة الدعاوى الباطلة التي يستمسك بها هؤلاء المكفرون لمن يتوسل بالنبي r أو يطلب منه هو قولهم: إن الناس يطلبون من الأنبياء والصالحين الميتين ما لا يقدر عليه إلا الله وذلك الطلب شرك .

وجوابه: أن هذا سوء فهم لما عليه المسلمون في قديم الدهر وحديثه فإن الناس إنما يطلبون منهم أن يتسببوا عند ربهم في قضاء ما طلبوه من الله عز وجل بأن يخلقه سبحانه بسبب تشفعهم ودعائهم وتوجههم كما صح ذلك في الضرير وغيره ممن جاء طالباً مستغيثاً متوسلاً به إلى الله وقد أجابهم إلى طلبهم وجبر خواطرهم وحقق مرادهم بإذن الله ولم يقل r لواحد منهم : أشركت ، وهكذا كل ما طلب منه من خوارق العادات كشفاء الداء العضال بلا دواء وإنزال المطر من السماء حين الحاجة إليه ولا سحاب ، وقلب الأعيان ونبع الماء من الأصابع ، وتكثير الطعام وغير ذلك فهو مما لا يدخل تحت قدرة البشر عادة وكان يجيب إليه ولا يقول عليه الصلاة والسلام لهم : إنكم أشركتم فجددوا إسلامكم فإنكم طلبتم مني ما لا يقدر عليه إلا الله .

أفيكون هؤلاء أعلم بالتوحيد وبما يخرج عن التوحيد من رسول الله وأصحابه،هذا ما لا يتصوره جاهل فضلاً عن عالم.

وحكى القرآن المجيد قول نبي الله سليمان لأهل مجلسه من الجن والإنس : } يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ { .. فهو يطلب منهم الإتيان بالعرش العظيم من اليمن إلى موضعه بالشام على طريقة خارقة للعادة ليكون ذلك آية لصاحبته داعية إلى إيمانها .

ولما قال عفريت من الجن : } أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ { ، يعني في ساعات قليلة ، قال نبي الله عليه الصلاة والسلام : أريد أعجل من ذلك ، فقال الذي عنده علم من الكتاب وهو أحد الصديقين من أهل مجلسه من الإنس : } أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ { يعني قبل أن يرجع إليك طرفك إذا أرسلته ، فقال عليه الصلاة والسلام : ذلك أريد فدعا الرجل فإذا بالعرش بين يديه .

فالإتيان بالعرش على هذه الطريقة هو مما لا يقدر عليه إلا الله وليس داخلاً تحت مقدور الإنس ولا الجن عادة وقد طلبه سليمان من أهل مجلسه ، وقال ذلك الصديق له : أنا أفعل ذلك ، أفكفر نبي الله سليمان بذلك الطلب وأشرك وليّ الله بهذا الجواب حاشاهما من ذلك ، وإنما إسناد الفعل في الكلامين على طريقة المجاز العقلي ، وهو سائغ بل شائع .

وكشف الخفاء عن هذا اللبس إن كان ثم خفاء هو أن الناس إنما يطلبون منهم التشفع إلى الله في ذلك وهو مما أقدرهم الله عليه ، وملكهم إياهم ، فالقائل يا نبي الله إشفني أو اقض ديني ، فإنما يريد إشفع لي في الشفاء وادع لي بقضاء ديني وتوجه إلى الله في شأني فهم ما طلبوا منه إلا ما أقدرهم الله عليه وملكهم إياه من الدعاء والتشفع .

وهذا هو الذي نعتقده فيمن قال ذلك وندين الله على هذا فالإسناد في كلام الناس من المجاز العقلي الذي لا خطر فيه على من نطق به كقوله سبحانه وتعالى : } سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ { ، وقوله عليه الصلاة والسلام : ((إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم)) وهو في كلام الله ورسوله والخاصة والعامة كثير جداً وليس فيه محذور فإن صدوره من الموحدين قرينة على مرادهم وليس فيه شيء من سوء الأدب ، وقد فصلنا هذه الحقيقة في مبحث خاص بها من هذا الكتاب .

إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله

[هذا طرف من الحديث المشهور الذي رواه الترمذي وصححه عن ابن عباس مرفوعاً] .

وهذا الحديث يخطئ كثير من الناس في فهمه ، إذ يستدل به على أنه لا سؤال ولا استعانة مطلقاً من كل وجه وبأي طريق إلا بالله ويجعل السؤال والاستعانة بغير الله من الشرك المخرج من الملة ، وهو بهذا ينفي الأخذ بالأسباب والاستعانة بها ويهدم كثيراً من النصوص الواردة في هذا الباب .

والحق أن هذا الحديث الشريف ليس المقصود به النهي عن السؤال والاستعانة بما سوى الله كما يفيده ظاهر لفظه ، وإنما المقصود به النهي عن الغفلة عن أن ما كان من الخير على يد الأسباب فهو من الله ، والأمر بالانتباه إلى أن ما كان من نعمة على يد المخلوقات فهو من الله وبالله ، فالمعنى : وإذا أردت الاستعانة بأحد من المخلوقين ، ولابد لك منها فاجعل كل اعتمادك على الله وحده ولا تحجبنك الأسباب عن رؤية المسبب جل جلاله ، ولا تكن ممن يعلمون ظاهراً من هذه الارتباطات والعلاقات بين الأشياء المترتب بعضها على بعض ، وهم عن الذي ربط بينها غافلون .

وقد أومأ هذا الحديث نفسه إلى هذا المعنى ، وذلك في قوله عليه الصلاة والسلام عقب هذه الجملة الشريفة : ((واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك)) فأثبت لهم كما نرى نفعاً وضراً بما كتبه الله للعبد أو عليه .

فهذا منه r يوضح مراده .

وكيف ننكر الاستعانة بغيره ، وقد جاء الأمر بها في مواضع كثيرة من الكتاب والسنة ، قال تعالى : }وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ{ ، وقال : } وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ { .

وحكي عن العبد الصالح ذي القرنين قوله : } فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ { ، وفي مشروعية صلاة الخوف الثابتة بالكتاب والسنة مشروعية استعانة بعض الخلق ببعض ،وكذا في أمره تعالى المؤمنين بأن يأخذوا حذرهم من عدوهم وكذا، في ترغيبه عليه الصلاة والسلام للمؤمنين في قضاء حوائج بعضهم بعضاً ، والتيسير على المعسر والتفريج عن المكروب ، وفي ترهيبه من إهمال ذلك ، وهو في السنة كثير .

روى الشيخان : من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته .

وروى مسلم وأبو داود وغيرهما عنه عليه الصلاة والسلام : ((والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)) .

وقال r : ((إن لله خلقاً خلقهم لحوائج الناس يفزع الناس إليهم في حوائجهم ، أولئك الآمنون من عذاب الله)) .

فانظر إلى قوله r : ((يفزع إليهم في حوائجهم)) ولم يجعلهم مشركين بل ولا عاصين ..

وروي أيضاً مرفوعاً : ((إن لله عند أقوام نعما أقرها عندهم ما كانوا في حوائج المسلمين ما لم يملوهم ، فإذا ملوهم نقلها إلى غيرهم)) ..

وروى هو وابن أبي الدنيا عنه r : ((إن لله أقواماً اختصهم بالنعم لمنافع العباد ، يقرهم فيها ما بذلوها فإذا منعوها نزعها منهم فحولها إلى غيرهم)) .. قال الحافظ المنذري : ولو قيل بتحسين سنده لكان ممكناً .

وقال r : ((لأن يمشي أحدكم مع أخيه في قضاء حاجته – وأشار باصبعه – أفضل من أن يعتكف في مسجدي هذا شهرين)) .. رواه الحاكم وقال : صحيح الإسناد .

] ] ]

وإذا سألت فاسأل الله

أما قوله صلى الله عليه وسلم : ((وإذا سألت فاسأل الله)) .. فإنه لا مستمسك فيه ولا دليل لمنع السؤال أو التوسل ، ومن فهم من ظاهره منع السؤال من الغير مطلقاً أو منع التوسل بالغير على الإطلاق فقد أخطأ الطريق وغالط نفسه كل المغالطة وذلك لأن من اتخذ الأنبياء والصالحين وسيلة إلى الله ، لجلب خير منه عز وجل أو دفع خير كذلك ، فهو ليس إلا سائلاً الله وحده أن ييسر له ما طلب أو يصرف عنه ما شاء متوسلاً إليه بمن توسل به ، وهو في ذلك آخذ بالسبب الذي وضعه الله لينجح العبيد في قضاء حوائجهم منه عز وجل ، ومن أخذ بالسبب الذي أمر الله بسلوكه لنيل جوده فما سأل السبب بل سأل واضعه فقول القائل : يا رسول الله أريد أن ترد عيني أو يزول عنا البلاء أو أن يذهب مرضي ، فمعنى ذلك طلب هذه الأشياء من الله بواسطة شفاعة رسوله r وهو كقوله : ادع لي بكذا واشفع لي في كذا ، لا فرق بينهما إلا أن هذه أصرح في المراد من ذلك ، ومثلهما في ذلك أوضح قول المتوسل : اللهم إني أسألك بنبيك تيسير كذا مما ينفع أو دفع كذا من الشر ، فالمتوسل في ذلك كله ما سأل في حاجته إلا الله عز وجل .

وبهذا تعلم أن الاحتجاج على منع التوسل بقوله عليه الصلاة والسلام : ((إذا سألت فاسأل الله)) .. هو مغالطة في حمل الحديث على ما هو ظاهر الفساد ، من أنه لا يصح لأحد أن يسأل غير الله شيئاً ، فإن من فهم هذا من الحديث فقد أخطأ الخطأ كله ويكفي في بيان الخطأ ، أن الحديث نفسه ، إنما هو جواب منه عليه الصلاة والسلام لسؤال ابن عباس راوي الحديث بعد تشويق رسول الله r أن يسأله فإنه قال : يا غلام ! ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن ، فأي تحريض على السؤال أجمل من هذا ؟

قال ابن عباس : بلى ، فأجابه عليه الصلاة والسلام بهذا الحديث الذي منه هذه الجملة .

ولو جرينا على هذا الوهم ، ما صح على مقتضاه ، أن يسأل جاهل عالماً ، ولا واقع في مهلكة غوثاً ، ممن تتوقف نجاته على إغاثته ، ولا دائن مديناً قضاء ما عليه ، ولا مستقرض قرضاً ، ولما صح للناس يوم القيامة أن يسألوا النبيين الشفاعة ولا صح لنبي الله عيسى أن يأمرهم بسؤالها سيد المرسلين عليه وعليهم الصلاة والسلام ، فإن الدليل على هذا الوهم الذي توهموه عام ، يشمل عدم صحة ما ذكرناه وما لم نذكره .

فإن قالوا : إن الممنوع إنما هو سؤال الأنبياء والصالحين من أهل القبور في برازخهم لأنهم غير قادرين ، وقد سبق رد هذا الوهم مبسوطاً .

وإجماله : إنهم أحياء قادرون على الشفاعة والدعاء ، وحياتهم حياة برزخية لائقة بمقامهم يصح بها نفعهم بالدعاء والاستغفار ، والمنكر لذلك أخف أحواله أنه جاهل بما كاد يلحق بالتواتر من سنته عليه الصلاة والسلام ، الدال على أن موتى المؤمنين لهم في حياتهم البرزخية العلم والسماع والقدرة على الدعاء وما شاء الله من التصرفات فما الظن بأكابر أهل البرزخ من النبيين وسائر الصالحين .

وفي حديث الإسراء الصحيح بل المشهور ما فعل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع خيرهم محمد r من الصلاة خلفه والخطب بين يديه والدعاء له في السماوات حتى أن الأمة ما ظفرت بتخفيف خمسين صلاة إلى خمس في كل يوم وليلة بشفاعته r المتعددة إلا بعد إشارة كليم الله موسى بن عمران بها عليه ، صلى الله عليهما وسلم .

وبهذا يتبين أن المقصود من الحديث – ليس ما توهموه فإنه فاسد واضح الفساد كما تبين ، وإنما المقصود منه الترهيب من سؤال الناس أموالهم بلا حاجة طمعاً فيها ، والقناعة بما يسر الله ولو كان قليلاً ، والتعفف عما لا تدعو إليه الحاجة مما بأيدي الناس ، وأن يستغني بسؤال الله من فضله فإنه يحب الملحين في الدعاء – والناس على العكس .

الله يغضب إن تركت سؤاله :: وبني آدم حين يسأل يغضب

فالمعنى – إنك إذا رأيت في يد أحد من المال ما أعجبك وطمحت إليه نفسك فلا تسأله ما في يده واستعن بسؤال الله من فضله عن سؤال عبده فالحديث إرشاد إلى القناعة ، والتنزه عن الطمح ، وأين هذا من سؤال الله بأنبيائه وأوليائه أو سؤال أنبيائه الشفاعة للسائلين فيما جعل الله شفاعتهم فيه الذي هو من أقوى الأسباب في النجاح ، ولكن الإنسان إذا ركب الهوى شط به في مجال الأوهام ، وخرج به عن جادة الأفهام .

إنه لا يسـتـغاث بي

جاء في الحديث إنه كان في زمن النبي r منافق يؤذي المؤمنين ، فقال أبو بكر الصديق : قوموا بنا لنستغيث برسول الله r من هذا المنافق ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ((إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله))..

رواه الطبراني في معجمه الكبير .

وهذا الحديث قد يستدل به من يقول بمنع الاستغاثة به r ، وهذا استدلال باطل من أصله وذلك لأنه لو أجراه على ظاهره لكان المقصود به منع الاستغاثة به r مطلقاً ، كما هو ظاهر اللفظ ، وهذا منقوض بفعل الصحابة معه r إذ كانوا يستغيثون ويستسقون به ويطلبون منه الدعاء وهو يستجيب لذلك بفرح وسرور وحينئذ فلابد من تأويله بما يناسب عمومات الأحاديث لينتظم شمل النصوص .

فنقول : إن المراد بقوله ذلك هو إثبات حقيقة التوحيد في أصل الاعتقاد وهو أن المغيث حقيقة هو الله تعالى والعبد ما هو إلا واسطة في ذلك أو أنه أراد أن يعلمهم أنه لا يطلب من العبد ما لا يقدر عليه كالفوز بالجنة والنجاة من النار والهداية التي هي العصمة من الغواية وضمان الختم على السعادة ، والحديث لا يدل على تخصيص الاستعانة والإغاثة بالحي دون الميت ولا يمت بصلة إلى هذا التفريق بل إن ظاهره يمنع الاستغاثة أبداً بما سوى الله دون تفريق بين حي وميت وهذا غير مقصود لما قدمناه .

وقد أشار الشيخ ابن تيمية في الفتاوى إلى نحو هذا المعنى حيث قال : قد يكون في كلام الله ورسوله عبارة لها معنى صحيح لكن بعض الناس يفهم من تلك غير مراد الله ورسوله فهذا يرد عليه فهمه ، كما روى الطبراني في معجمه الكبير أنه كان في زمن النبي r منافق يؤذي المؤمنين ، فقال أبو بكر الصديق : قوموا بنا لنستغيث برسول الله r من هذا المنافق ، فقال النبي r : ((إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله)) ..

فهذا إنما أراد به النبي r المعنى الثاني وهو أن يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله ، وإلا فالصحابة كانوا يطلبون منه الدعاء ويستسقون به كما في صحيح البخاري عن ابن عمر قال : ربما تذكرت الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبي r يستسقى فما ينزل حتى يجيش له ميزاب :

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه :: ثمال اليتامى عصمة للأرامل

ألفاظ مستعملة وردت في هذا الباب

وقد وردت ألفاظ في مدح النبي r حصل بسببها اللبس عند بعضهم فحكم بالكفر على قائليها وذلك كقولهم : ليس لنا ملاذ سوى النبي r .

ولا جاء إلا هو .. وأنا مستجير به .. وإليه يفزع في المصائب وإن توقفت فمن أسأل

ومقصودهم ليس لنا ملاذ أي من الخلق ، ولا رجاء أي من البشر ، وإليه يفزع في المصائب أي من سائر الخلق لكرامته عند مولاه وليقوم هو بالتوجه إلى الله والطلب منه وإن توقفت فمن أسال أي من عباد الله ، ومع أننا في دعائنا وتوسلنا لا نستعمل مثل هذه الألفاظ ولا ندعو إليها ولا نحث عليها دفعاً للإيهام وابتعاداً عن الألفاظ المختلف فيها وتمسكاً بالظاهر الذي لا خلاف فيه إلا أننا نرى أن الحكم على قائليها بالكفر تسرع ليس بمحمود وتصرف لا حكمة فيه وذلك لأنه لابد من أن نأخذ في الاعتبار أن قائليها هم من الموحدين يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيمون الصلاة ويصدقون بجميع أركان الدين ويؤمنون بالله رباً وبمحمد نبياً وبالإسلام ديناً وبذلك صارت لهم ذمة أهل الدين وحرمة الإسلام ،فعن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((من صلى صلاتنا وأسلم واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته))

رواه البخاري .

ومن هنا فإن الواجب علينا أننا إذا وجدنا في كلام المؤمنين إسناد شيء لغير الله سبحانه وتعالى فإنه يجب حمله على المجاز العقلي ولا سبيل إلى تكفيرهم إذ المجاز العقلي مستعمل في الكتاب والسنة فصدور ذلك الإسناد من موحد كاف في جعله إسناداً مجازياً لأن الاعتقاد الصحيح هو اعتقاد أن الله هو الخالق للعباد وأفعالهم لا تأثير لأحد سواه لا لحي ولا لميت فهذا الاعتقاد هو التوحيد بخلاف من اعتقد غير هذا فإنه يقع في الإشراك وليس في المسلمين إطلاقاً من يعتقد لأحد مع الله فعل أو ترك أو رزق أو إحياء أو إماتة وما جاء من الألفاظ الموهمة فإن مقصود أصحابها هو الاستشفاع إلى الله بتلك الوسيلة فالمقصود هو الله سبحانه وتعالى وليس من المسلمين رجل واحد يعتقد فيمن يطلبه أو يسأله أنه قادر على الفعل والترك دون التفات إلى الله تعالى من قريب أو بعيد أو مع التفات هو أدنى إلى الشرك بالله ونعوذ بالله أن نرمي مسلماً بشرك أو كفر من أجل خطأ أو جهل أو نسيان أو اجتهاد([3]) .

ونحن نقول : إن كان كثير من هؤلاء يخطئون في التعبير بطلب المغفرة والجنة والشفاء والنجاح وسؤالهم ذلك من رسول الله r مباشرة فإنه لا يخطئهم التوحيد ، لأن المقصود هو الاستشفاع إلى الله بتلك الوسيلة فكأنه يقول :يا رسول الله اسأل الله أن يغفر لي وأن يرحمني ، وأنا أتوسل بك إليه في قضاء حاجتي وتفريج كربتي وتحقيق رغبتي .

وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يستعينون به صلى الله عليه وسلم ويستغيثون ويطلبون منه الشفاعة ويشكون حالهم إليه من الفقر والمرض والبلاء والدين والعجز ، كما ذكرناه .

ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لا يفعل ذلك بنفسه استقلاًلاً بذاته أو بقوته ، وإنما هو بإذن الله وأمره وقدرته وهو عبد مأمور له مقامه وجاهه عند ربه ، وله كرامته التي يدخل بها على الله عامة البشر ممن يؤمنون به ويصدقون برسالته ويعتقدون فضله وكرامته ،ونحن نعتقد أن من اعتقد خلاف هذا فقد أشرك بلا خلاف .

ولذلك تراه صلى الله عليه وسلم في بعض الأحيان ينبه على هذا إذا ظهرله بطريق الوحي أو الحال أن السائل أو السامع ناقص الاعتقاد ففي موقف يخبر أنه سيد ولد آدم ، وفي موقف آخر ينبههم على أن السيد هو الله ، وفي موقف يستغيثون به ويعلمهم أن يتوسلوا به ، وفي موقف يقول لهم : إنما يستغاث بالله ولا يستغاث بي ، وفي موقف يسألونه ويستغيثون به فيجيبهم إلى طلبهم ، بل ويخيرهم بين أمرين ، الصبر على البلاء مع ضمانة الجنة أو كشف البلاء سريعاً كما خير الأعمى وخير المرأة التي تصرع ، وخير قتادة الذي ذهبت عينه ، وفي موقف يقول : من فرج عن مؤمن كربة .. وفي موقف يقول : لا يأتي بالخيرات إلا الله .

وبهذا يظهر لك أن عقيدتنا بحمد الله أصفى عقيدة وأطهر ، فالعبد لا يفعل شيئاً بنفسه مهما كانت رتبته أو درجته حتى أفضل الخلق صلى الله عليه وسلم ، إنما يعطي ويمنع ويضر وينفع ويجيب ويعين بالله سبحانه وتعالى .

فإذا استغيث به أو استعين أو طلب فإنما يتوجه إلى المولى جل شأنه سبحانه وتعالى ، فيطلب ويدعو ويسأل ويشفع فيجاب ويشفع .

وما كان يقول لهم : لا تطلبوا مني شيئاً ولا تسألوني ولا تشكوا حالكم إليَّ بل توجهوا إلى الله واسألوه فبابه مفتوح وهو قريب مجيب لا يحتاج إلى أحد ، وليس بينه وبين خلقه حجاب ولا بواب .

موقف الشيخ محمد بن عبد الوهاب من هذه الألفاظ التي زعموا أنها شرك أو ضلال

وللشيخ محمد بن عبد الوهاب موقف عظيم ورأي حكيم في هذا الباب وخصوصاً بالنسبة لبعض الألفاظ المشتهرة على الألسنة ، والتي زعم من يدعي حماية التوحيد والغيرة عليه أنه شرك ، وإن قائلها مشرك – وها هو إمام التوحيد ورأس الموحدين يقول : كلمته السديدة بحكمته الرشيدة التي بسببها انتشرت دعوته بين الأنام واشتهرت طريقته عند الخاص والعام ، استمع إلى قوله رحمه الله في عقيدته ضمن رسالته رحمه الله إلى عبد الله بن سحيم مطوع أهل المجمعة :

إذا تبين هذا فالمسائل التي شنع بها منها : ما هو من البهتان الظاهر ، وهي قوله : إني مبطل كتب المذاهب ، وقوله : إني أقول : إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء ، وقوله : إني أدعي الاجتهاد ، وقوله إني خارج عن التقليد ،وقوله : إني أقول : إن اختلاف العلماء نقمة ، وقوله : إني أكفر من توسل بالصالحين ، وقوله : إني أكفر البوصيري لقوله : ياأكرم الخلق ، وقوله : إني أكفر من توسل بالصالحين ، وقوله : إني أقول : لو أقدر على هدم حجرة الرسول لهدمتها، ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزاباً من خشب، وقوله : إني أنكر زيارة قبر النبي r ، وقوله : إني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهم ، وإني أكفر من يحلف بغير الله ، فهذه اثنتا عشرة مسألة ، جوابي فيها أن أقول : } سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ { ، ولكن قبله من بهت النبي محمداً r أنه يسب عيسى ابن مريم ، ويسب الصالحين ، } تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ { .

كذا في الرسالة الحادية عشرة من رسائل الشيخ ضمن مجموعة مؤلفاته القسم الخامس ص 61 .

وقد نشرتها جامعة محمد بن سعود الإسلامية في أسبوع الشيخ محمد ابن عبد الوهاب .

الخلاصــــة

والحاصل أنه لا يكفر المستغيث إلا إذا اعتقد الخلق والإيجاد لغير الله تعالى ، والتفرقة بين الأحياء والأموات لا معنى لها فإنه من اعتقد الإيجاد لغير الله كفر على خلاف للمعتزلة في خلق الأفعال ، وإن اعتقد التسبب والاكتساب لم يكفر .

وأنت تعلم أن غاية ما يعتقد الناس في الأموات هو أنهم متسببون ومكتسبون كالأحياء لا أنهم خالقون موجدون كالإله إذ لا يعقل أن يعتقد فيهم الناس أكثر من الأحياء وهم لا يعتقدون في الأحياء إلا الكسب والتسبب ، فإذا كان هناك غلط فليكن في اعتقاد التسبب والاكتساب لأن هذا هو غاية ما يعتقده المؤمن في المخلوق وإلا لم يكن مؤمناً والغلط في ذلك ليس كفراً ولا شركاً .

ولا نزال نكرر على مسامعك أنه لا يعقل أن يعتقد في الميت أكثر مما يعتقد في الحي فيثبت الأفعال للحي على سبيل التسبب ، ويثبتها للميت على سبيل لتأثير الذاتي والإيجاد الحقيقي فإنه لا شك أن هذا مما لا يعقل .

فغاية أمر هذا المستغيث بالميت – بعد كل تنزل – أن يكون كمن يطلب العون من المقعد غير عالم أنه مقعد ، ومن يستطيع أن يقول : إن ذلك شرك ؟ على أن التسبب مقدور للميت وفي إمكانه أن يكتسبه كالحي بالدعاء لنا فإن الأرواح تدعوا لأقاربهم .

وجاء عن النبي r أنه قال : إن أعمالكم تعرض على أقاربكم من الأموات فإن كان خيراً استبشروا به وإن كان غير ذلك قالوا : اللهم لا تمتهم حتى تهديهم إلى ما هديتنا ، أخرجه أحمد وله طرق يشد بعضها بعضاً ، أنظر الفتح الرباني ترتيب المسند ج7 ص89 وشرح الصدور للسيوطي .

وجاء عن ابن المبارك بسنده إلى أبي أيوب ، قال : تعرض أعمال الأحياء على الموتى ، فإذا رأوا حسناً فرحوا واستبشروا ، وإن رأوا سوءاً قالوا : اللهم راجع بهم . (أنظر كتاب الروح لابن القيم) .

([1]) هذه النقطة مفصلة في مبحث خاص بها بعنوان : (المجاز العقلي واستعماله) .

([2]) ذكرنا هذا الحديث في غير موضع من هذا الكتاب مع تخريجه .

([3]) تكرر إيراد هذه الحقيقة في كتابنا هذا لتعدد المناسبات ، وقد عقدنا لها مبحثاً خاصاً بعنوان : ((المجاز العقلي)) وبه ينجلي كثير من الأشكال وسوء الفهم .