بيان مسألة التحسين والتقبيح العقليين ، أخطاء الدكتور في كلامه هذا

58 – بيان مسألة التحسين والتقبيح العقليين:

قال الدكتور: {العاشر: التحسينُ والتقبيحُ: ينكرُ الأشاعرة أن يكون للعقل والفطرة أيّ دور في الحكم على الأشياء بالحُسْنِ والقُبْحِ ويقولون: مردُّ ذلك إلى الشرع وحدَهُ، وهذا ردُّ فعل مغالٍ لقول البراهمةِ والمعتزلة: إنَّ العقلَ يوجبُ حُسْنَ الحسن وقُبحَ القبيح. وهو مع مُنافاته للنصوصِ مكابرة للعقول.

ومما يترتَّب عليه من الأصول الفاسدة قولُهم إنَّ الشرع قد يأتي بما هو قبيحٌ في العقلِ. فإلغاء دَوْرِ العقلِ بالمرَّةِ أسلمُ من نسبةِ القُبْحِ إلى الشرع مثلاً، ومثَّلوا ذلك بذبح الحيوان، فإنّه إيلامٌ له بلا ذنبٍ، وهو قبيحٌ في العقل ومع ذلك أباحه الشرعُ. وهذا في الحقيقةِ هو قولُ البراهمةِ الذين يُحرِّمون أكلَ الحيوان، فلما عجز هؤلاء عن ردِّ شُبْهتهم ووافقوهم عليها أنكروا حُكمَ العقلِ من أصلِه، وتوهَّموا أنهم بهذا يدافعون عن الإسلام. كما أنَّ مِنْ أسبابِ ذلك مناقضةُ أصلِ مَنْ قال بوجوب الثوابِ والعقابِ على الله بُحُكْمِ العقلِ ومقتضاه}

أقول: قد اشتمل كلام الدكتور في هذه الفقرة أيضاً على أخطاء جمة جسيمة.

ولا بد من تقرير المسألة وبيان مذهب الأشاعرة فيها أولاً كي نكون على بينة من أمرنا، ثم نتكلم على كلام الدكتور.

فأقول: الحسن والقبح عند أهل السنة شرعيان، وعند المعتزلة عقليان.

ولا بد من تحرير محل النـزاع بين الأشعرية القائلين بأن الحسن والقبح شرعيان، والمعتزلة القائلين بأنهما عقليان.

فنقول: الحسن والقبح يقال لمعان ثلاث:

الأول: صفة الكمال وصفة النقص، فالحسن كون الصفة صفة كمال كالعلم والجود والعدل والشجاعة، والقبح كون الصفة صفة نقصان كالجهل والبخل والظلم والجبن، ولا نزاع في أن هذا المعنى أمر ثابت للصفات في نفسها، وأن مدركه العقل ورد به الشرع أم لم يرد.

الثاني: ملائمة الغرض ومنافرته، وقد يعبر عنه بملائمة الطبع ومنافرته، وقد يعبر عنه بالمصلحة والمفسدة، وذلك كالعدل والظلم، وإنقاذ الغريق واتهام البرئ.

فيقال: ما وافق الغرض أو الطبع كان حسناً وما خالفه كان قبيحاً، وما ليس كذلك لم يكن حسناً ولا قبيحاً، ويقال: الحسن ما فيه مصلحة، والقبيح ما فيه مفسدة، وما خلا عنهما لا يكون شيئاً منهما. وهذا المعنى متداخل مع المعنى الأول قد يجتمعان كما في العدل والظلم. وهذا المعنى يختلف بالاعتبار، فإن قتلَ زيدٍ موافقٌ لغرض أعدائه ومصلحة لهم، ومخالفٌ لغرض أوليائه ومفسدة لهم. وهذا المعنى أيضاً عقلي مدركه العقل ورد به الشرع أم لم يرد.

قال التفتازاني: وبالجملة كل ما يستحق المدح أو الذم في نظر العقول ومجاري العادات فإن ذلك يدرك بالعقل ورد الشرع أم لا.[1]

وإنما النزاع في المعنى الثالث، وهو الحسن والقبح عند الله تعالى، بمعنى استحقاق فاعل الفعل في حكم الله تعالى المدح أو الذم، عاجلاً، والثواب أو العقاب آجلاً، فما تعلق به المدح في العاجل والثواب في الآجل من الأفعال فهو حسن، وما تعلق به الذم في العاجل والعقاب في الآجل فهو قبيح، وما لا يتعلق به شيء منهما فهو خارج عنهما.

فعند أهل السنة – ومنهم الأشاعرة – أن الحُسْن والقُبْح بهذين المعنيين شرعي بمعنى أن العقل لا يحكم بأن الفعل حسن أو قبيح في حكم الله تعالى، بل ما ورد الأمر به فهو حسن وما ورد النهي عنه فقبيح من غير أن يكون للفعل جهة محسِّنة أو مقبِّحة –بهذا المعنى- في ذاته، ولا بحسب جهاته واعتباراته.

وعند المعتزلة هما عقليان بمعنى أن للفعل عندهم جهة محسِّنة أو مقبِّحة في حكم الله تعالى يدركها العقل بالضرورة كحسن الصدق النافع وقبح الكذب الضار، أو بالنظر كحسن الكذب النافع وقبح الصدق الضار، أو بورود الشرع فيما توقف فيه العقل كحسن صوم يوم عرفة وقبح صوم يوم العيد.

والحاصل أن الأمر والنهي عند أهل السنة من موجبات الحسن والقبح، بمعنى أن الفعل أمر به فحسن، ونهي عنه فقبح، وعند المعتزلة من مقتضياته بمعنى أنه حسن فأمر به، وقبح فنهي عنه، فالأمر والنهي عندهم إذا ورد كشف عن حسن وقبح سابقين حاصلين للفعل لذاته أو لجهاته، قد يدركهما العقل في الفعل قبل ورود الشرع، فيتعلق الطلب أو الحظر بالمدرك بدون ورود الشرع بهما، ويترتب عليه الثواب والعقاب قبل ورود الشرع.

وقد تجتمع المعاني الثلاثة في شيء واحد كالعدل، فإنه وصف كمال، وموافق للطبع، وحسن عند الله يثيب الله عليه، وكالظلم، فإنه صفة نقص، ومنافر للطبع، وقبيح عند الله يعاقب الله تعالى عليه.

تمسك أهل السنة بدلائل منها قوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) وقوله تعالى: (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) وذلك أنه لو حسن الفعل أو قبح عقلاً كما تقول المعتزلة لزم تعذيب تارك الواجب، ومرتكب الحرام سواء ورد الشرع أم لا، بناء على أصلهم في وجوب تعذيب من استحق العذاب إذا مات غير تائب، واللازم باطل لقوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)، إلى غير ذلك من الدلائل المذكورة في مطولات كتب الكلام.

فهذا هو مذهب أهل السنة ومنهم الأشاعرة في القضية مفصلاً. وليس هو رد فعل لقول أحد، ولا مناقضة لأصل أحد كما زعم الدكتور، وليس منافياً للنصوص وإنما هو مأخوذ من الآية الكريمة، ولا مكابراً للعقول، وليس فيه إلغاء دور العقل مطلقاً، وإنما فيه إلغاء لدوره فيما لا مجال له فيه، وإعمال له في مجاله الذي ينبغي أن يعمل فيه، ويقابله مذهب المعتزلة الذي أعطى العقل من الدور زيادة على ما يستحقه.

ولولا أني أعتقد أن الدكتور كتب ما كتب عن جهل بالمسألة وبمذهب الأشاعرة فيها وعن جهل بمذهب المعتزلة، لولا ذلك لقلت: إن الدكتور يعتقد مذهب المعتزلة.

فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة :: وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

59- أخطاء الدكتور في كلامه هذا:

فظهر بهذا البيان أن كلام الدكتور -كما هو العادة المطردة في كلامه- قد احتوى على أخطاء جمة جسيمة:

الخطأ الأول: قوله: (ينكر الأشاعرة أن يكون للعقل والفطرة أي دور في الحكم على الأشياء بالحسن والقبح، ويقولون: مرد ذلك إلى الشرع وحده) وقد علمت أن الأشاعرة يثبتون دور العقل في الحكم بالحسن والقبح في الأفعال بمعنيين للحسن والقبح، الأول: الحسن والقبح بمعنى صفة الكمال وصفة النقص، الثاني: الحسن والقبح بمعنى المصلحة والمفسدة، وإنما ينكر الأشاعرة الحسن والقبح بالمعنى الثالث، وهو وجود الأحكام الشرعية التكليفية قبل ورود الشرع. وهذا الخطأ هو الخطأ الأصل الذي تورط فيه الدكتور في هذا الباب الذي تفرعت عنه الأخطاء الأخرى. ولو كان الدكتور تأنى وفهم مذهب الأشاعرة على وجهه لما تورط في هذه الأخطاء الجمة الجسيمة.

الخطأ الثاني: قوله: (وهذا رد فعل مغال لقول البراهمة والمعتزلة: إن العقل يوجب حسن الحسن وقبح القبيح) وقد علمت أن مذهب الأشاعرة في المسألة مأخوذ من قوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)، وليس برد فعل لمذهب أحد، بل هو رد للمذاهب الباطلة في المسألة.

الخطأ الثالث والرابع: قوله: (وهو مع منافاته للنصوص مكابرة للعقول) وقد علمت أنه الموافق للنصوص دون المذاهب الأخرى في المسألة، وهو الأوفق بالعقول أيضا، وهل من الأوفق بالعقول أن يعذب الله الناس على فعل شيء لم يرد الشرع بالمنع منه؟!

الخطأ الخامس: قوله: (ومما يترتب عليه من الأصول الفاسدة قولهم: إن الشرع قد يأتي بما هو قبيح في العقل) هذا ما لم يقله أحدٌ من الأشاعرة، ولا أحدٌ من المسلمين. قال القاضي عضد الدين الإيجي في “المواقف”: (إعلم أن الأمة أجمعت على أن الله لا يفعل القبيح، ولا يترك الواجب. فالأشاعرة من جهة أنه لا قبيح منه، ولا واجب عليه، وأما المعتزلة فمن جهة أن ما هو قبيح منه يتركه، وما يجب عليه يفعله)[2] وإنزال الأحكام فعل من أفعاله تعالى، فلو كان الشرع ورد بما هو قبيح لكان الله تعالى قد فعل ضد الحسن.

وينبغي التنبيه على أمرين:

الأول: أن الناس كثيرا ما يختلفون بحسب العادات وبحسب الأزمنة والأمكنة في الحكم على بعض الأشياء بالحسن والقبح كما في ذبح الحيوان فربما يستحسنه قوم، وربما يستقبحه قوم، وربما يكون بالنسبة إلى قوم وزمان ومكان حسنا، وربما يكون قبيحا. فالشرع قد يرد بما هو قبيح عند بعض الناس أو في بعض الأزمنة والأمكنة، لأن استقباحهم له مخالف للمصلحة، والشرع لا يرد إلا بالمصلحة. وأما ورود الشرع بما هو قبيح في نظر العقل الصحيح، فلم يقل به أحدٌ من المسلمين، لأن معنى قبحه في نظر العقل الصحيح كونه مفسدة، والشرع لا يرد بما هو مفسدة، ولم يرد إلا بالمصالح.

الثاني: أن كثيرا من الأفعال تقبح منا، ولا تقبح من الله تعالى كإيلام البرئ، وإهلاك الحرث والنسل إلى غير ذلك… فإن نفس الإغراق والإهلاك يحسن منه تعالى ولا يقبح، وذلك منا قبيح[3] فالله تعالى قد يفعل ما هو قبيح منا، لأن الله تعالى لا يحكمه شرع ولا قانون، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، وكل ما فعله فهو مقتضى حكمته، ولكن الله تعالى لا يشرع ذلك، فورود الشرع بما هو قبيح في العقل لم يقل به أحد من المسلمين.

الخطأ السادس: قوله: (ومثَّلوا ذلك بذبح الحيوان فإنه إيلام له بلا ذنب، وهو قبيح في العقل، ومع ذلك أباحه الشرع) فإنه لم يقل أحد من المسلمين: إن ذبح الحيوان قبيح في العقل.

الخطأ السابع:قوله: (وهذا في الحقيقة هو قول البراهمة الذين يحرِّمون أكل الحيوان)

أقول: صحيح أن هذا قول للبراهمة، وأما أنه قول للأشاعرة فمعاذ الله!!

الخطأ الثامن: قوله: (فلما عجز هؤلاء عن رد شبهتهم ووافقوهم عليها أنكروا حكم العقل من أصله، وتوهموا أنهم بهذا يدافعون عن الإسلام) وقد اشتملت هذه الجملة من كلام الدكتور على أربعة أخطاء:

الأول: قوله: (فلما عجزوا عن رد شبهتهم) فما قيمة شبهتهم حتى يعجز الأشاعرة الذين هم فحول الأمة عن ردها، وهي شبهة أوهى من نسج العنكبوت.

الثاني: قوله: (وافقوهم عليها) هل وافق الأشاعرة البراهمة على أن ذبح الحيوان قبيح مطلقا، أم أنهم قالوا: إنه قبيح عندهم، وليس بقبيح في الواقع، بل هو أمر حسن؟؟!!

الثالث: قوله: (أنكروا حكم العقل من أصله) قد علمت أنهم لم ينكروا حكم العقل من أصله، بل ينكرون حكم العقل بالحسن والقبح بالمعنى الثالث؟

الرابع: قوله: (وتوهموا أنهم بذلك يدافعون عن الإسلام) الناس كلهم يعلمون أن الأشاعرة أقوى فرقة دافعت عن الإسلام، لكنهم لم يدافعوا عن الإسلام بإنكار حكم العقل من أصله. وأنت أيها الدكتور تتهم الأشاعرة دائما بأنهم يقدمون العقل على النقل، فكيف تسوغ لنفسك أن تقول بعد ذلك: إن الأشاعرة ألغوا دور العقل، وأنكروا حكمه من أصله؟؟!!

التاسع: قوله: (كما أن من أسباب ذلك مناقضة أصل من قال بوجوب الثواب والعقاب على الله بحكم العقل ومقتضاه)

أقول: الأشاعرة قد ناقضوا هذا الأصل ونقضوه، لكن ليس الباعث لهم على نفي الحسن والقبح بالمعنى الثالث مناقضة هذا الأصل الفاسد، بل الباعث لهم على ذلك قوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)

ثم إن قول المعتزلة بوجوب الثواب والعقاب على الله بحكم العقل، مفروض في أفعال الله تعالى، وذلك أن المعتزلة أوجبوا على الله تعالى أربعة أمور: الأول: اللطف: وفسروه بأنه الذي يقرب العبد إلى الطاعة، ويبعده عن المعصية، كبعثة الأنبياء. الثاني: الثواب على الطاعة. الثالث: العقاب على المعصية. الرابع: الأصلح للعبد.

وأما قول الأشاعرة بنفي الحسن والقبح بالمعنى الثالث، فمفروض في أفعال المكلفين، فأين أحدهما من الآخر فلو فرض أن الأشاعرة وافقوا المعتزلة في قولهم بوجوب الثواب والعقاب على الله بحكم العقل، لساغ لهم أن يقولوا بنفي الحسن والقبح بالمعنى الثالث عن أفعال المكلفين، لأنه ليس بين القول بوجوب الثواب والعقاب وبين القول بالحسن والقبح أي ملازمة.

وهكذا يكون حال المتسوِّر على العلوم المتدخل فيما لا يعلم. كلما يخطو خطوة يخطئ خطأ!

عصمنا الله تعالى عن كثرة الخطأ والزلل.

[1] شرح المقاصد 3/148.

[2] المواقف 328.

[3] راجع نهاية الأقدام للشهرستاني 273-279.