بيان مسألة القدر على مذهب الأشاعرة،المحبة والرضى عند الأشاعرة غير الإرادة،بيان الاستطاعة على مذهب الأشاعرة

48 – بيان مسألة القدر على مذهب الأشاعرة:

قال الدكتور: {السادس: القدر: أراد الأشاعرة هنا أن يوفقوا بين الجبرية والقدرية، فجاؤوا بنظرية الكسب وهي في مآلها جبرية خالصة لأنها تنفي أيَّ قدرة للعبد أو تأثير أما حقيقتها النظرية الفلسفية، فقد عجز الأشاعرة أنفسهم عن فهمها فضلاً عن إفهامها لغيرهم}

أقول: الكسب الذي قال به الأشاعرة لا ينفي قدرة العبد ولا اختياره، وإنما ينفي تأثيرَ قدرته في شيء من أفعاله، وقد ساقهم إلى القول بذلك النصوصُ الكثيرةُ من الكتاب والسنة المصرحةِ بتفرُّدِهِ تعالى بخلقِ كلِّ شيءٍ، الدالة على أنه لا مؤثر في الكون إلا الله، لا محاولة التوفيق كما يقول الدكتور.

وأما عدمُ المعرفة التفصيلية لحقيقة الكسب وعدم تعريف الأشاعرة له بتعريف جامع مانع فإنما هو لأجل ما اختصَّتْ به المسألة من الغموضِ والخفاء، ومن أجلِ ذلك نهى السلفُ عن الخوضِ فيها. وقالوا: «إن القدر سر الله فلا تتكلفوه»، وجاء عن النبي أنه قال: (إذا ذكر القدر فامسكوا)، ولو كانت المسألة واضحة وكانت بحيث تعلم على وجه التفصيل لما أمر النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بالإمساك عن القدر، ولما نهى السلف عن الخوض فيه، فغموضُ المذهبِ من أدلة كونِهِ هو الصوابُ. واللهُ تعالى أعلمُ.

ثم إن مذهب الأشاعرة في القدر أوفق المذاهب بنصوص الكتاب والسنة، وهو الموافق لمذهب السلف ومذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، ففي عقيدة الإمام أحمد المطبوعة بآخر المجلد الثاني من طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى ما يلي:

«وكان يذهب إلى أن أفعال العباد مخلوقة لله عز وجل، ولا يجوز أن يخرج شيء من أفعاله عن خلقه، لقوله عز وجل: (خالق كل شيء)، ثم لو كان مخصوصا لجاز مثل ذلك التخصيص في قوله: (لا إله إلا الله) وأن يكون مخصوصا أنه إله لبعض الأشياء. وقرأ (وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة) وقرأ (عسى أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة) وقرأ (وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين)، وروي عن على ابن أبى طالب رضي الله تعالى عنه أنه سئل عن أعمال الخلق التي يستوجبون بها من الله تعالى السخط والرضا ؟ فقال: هي من العباد فعلا، ومن الله تعالى خلقا لا تسأل عن هذا أحدا بعدى»،[1] فمذهب الأشاعرة هو مذهب الإمام أحمد نفسه، وليت شعري ما الذي يعتقده الدكتور في القدر؟!

ثم أقول: قد قرر الإمامُ تاجُ الدين السبكي مذهبِ الأشاعرة في مسألة القدر بطريقة جيدة؛ فأردتُ أن أنقلَ كلامه هنا ليعلم الدكتور ومَنْ هم على شاكلته هل مذهبُ الأشاعرة في المسألة موافقٌ لنصوصِ الكتاب والسنة ولقواعد الإسلام ومذهب السلف أم أنه مخالفٌ لهم. قال التاج في “شرح مختصر ابن الحاجب” [2]:

ولي أنا طريقةٌ أراها الصواب فاقتصرُ على ذكرها قائلاً:

ثبت لنا قاعدتان، إحداهما: أنَّ العبدَ غيرُ خالقٍ لأفعال نفسه.

والثانية أنَّ اللهَ لا يعاقب إلا على ما فعله العبدُ، والثوابُ العقابُ واقعان على الجوارح، فلزمت الواسطة بين القَدَرِ والجَبْرِ، وساعدنا عِليها شاهدٌ في الخارج، وهو التفرقةُ الضرورية بين حركة المرتعش والمريد، فأثبتنا هذه الواسطة، وسميناها بالكسب لقوله تعالى: (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت)[3] وغير ذلك من الآي والأخبار، فإنْ سُئلنا عن التعبير عن هذا الكسب بتعريفٍ جامعٍ مانعٍ قلنا: لا سبيل لنا إلى ذلك والسلامَ، فرُبَّ ثابتٍ لا تحيطه العبارات، ومحسوسٍ لا تكتنفه الإشاراتُ. ومِنْ أصحابنا مَن أخَذَ يُحقِّقُ الكسبَ فوقع في مُعْضلٍ أربٍ لا قبَلَ له به.

والصوابُ عندنا: إنَّه أمرٌ لزم عن حقٍّ فكان حقاً، وعضده ما ذكرناه، فعرفناهُ على الجملةِ دونَ التفصيل.

وما أحسنَ قول عليِّ بن موسى الرضا وقد سُئل: أيكلِّف اللهُ العبادَ بما لا يطيقون؟ قال: هو أعدلُ من ذلك.

قيل: أفيستطيعون أن يفعلوا ما يريدون؟ قال: هم أعجزُ من ذلك.

وعليُّ بن الرضا هو ابنُ موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زينِ العابدين ابن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب – رضي الله عنهم – وهذا الذي قاله عينُ مذهبنا فافهمهُ. وهو قبل الأشعريِّ وفاةً بما ينيفُ على مائةٍ وعشرينَ سنة، فإنه ماتَ بـ”طوس” سنةَ ثلاثٍ ومائتين – قبل الشافعيِّ بسنة – والأشعريُّ مات بعد العشرين وثلاثمائة.

فإن قلت: وأيُّ برهانٍ قامَ على إبطال القدر والجبر؟

قلت: هذا الآنَ مِنْ فنِّ الكلام. وإدخالُهُ في الأصول فُضُول، ونحنُ نشيرُ إلى زُبدةِ القول فيه، فنقول:

قد تقرر عند كلِّ ذي لُبٍّ أنَّ الربَّ تعالى مُطالبٌ عباده بأعمالهم في حالهم، ومُثيبُهُم ويعاقبهم عليها في مآلهم، وتبيَّن بالنصوص المترقية عن درجات التأويل أنَّهم من الوفاء بما كلفوه بسبيل.

ومَنْ نظر في كليات الشرائع وما فيها من الاستحثاثِ على المَكْرُمَات، والزواجرِ عن الموبقات، وما اشتملت عليه من وعدِ الطائعين بالزُّلفى، ووعيدِ العاصين بسوء المنقلب، وما تضمَّنَه قولُهُ تعالى: تعدَّيتُم وعصيتم وأبيتُم، وقد أرخيتُ لكم الطّول وفَسَّحتُ لكم المَهْلَ، فأرسَلْتُ الرسُلَ وأوضحتُ السُّبُلَ لئلاّ يكون للناسِ على الله حُجَّة، وأحاط بذلك كُلِّه، ثُمَّ استرابَ في أنَّ القول بالجبر باطلٌ فهو مصابٌ في عقله، أو مُلْقى من التقليد في وَهْدَةٍ من جهله.

فإنْ أخذ الجبريُّ يقولُ: (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون)[4] قيلَ له: كلمةُ حَقٍّ أريد بها باطل، نعم يفعلُ اللهُ ما يشاءُ، ويحكُمُ ما يريدُ، ولكنْ يتقدَّسُ عن الخُلْفِ نقيضِ الصدق. وقد فهمنا بضرورات العقول مِنَ الشرع المنقول أنَّه عزَّتْ قدرتُه طالبَ عباده بما أخبر أنهم متمكِّنُون من الوفاء به، فلم يكلِّفْهُم إلا على مبلغ الطاقة والوُسعِ، فقد لاح إبطالُ القول بالجبر.

وأَسْفهُ مِنْهُ القولُ بخلقِ الأفعال؛ فإنَّ فيه مُروقاً عمّّا درجَ عليه الأوّلون واقتحامَ ورطات الضلال، ولزومَ حدوث الفعلِ الواحدِ بقادريْن، ومُدَاناة القولِ بشريكِ الباري، فلقد أجمع المسلمون قاطبةً قبل ظهور البِدَع والآراء، واجتماعِ أصحابِ الأهواء على أنَّه لا خالقَ إلا اللهُ، وفاهوا به كما فاهوا بقولهم: لا إله إلا الله، وبمدح الربِّ سبحانه وتعالى في آيٍ من الكتاب بقوله: (أفمن يخلق كمن لا يخلق)،[5] (هل من خالق غير الله)،[6] (وخلق كل شيء)،[7] فلا يشكِّ لبيبٌ أنَّ مَنْ وصفَ نفسَهُ بكونه خالقا على الحقيقة فقد أعظمَ الفِريةَ على ربه، فلقد وضح كالشمس أنِّ الجبريَّ مبطلٌ لدعوة الأنبياء عليهم السلامُ، والقدريَّ مُثْبت لربِّه شريكاً، وهذه جملة لا يقنَعُ بها الطالبُ للبسط، وفيها رَمْزٌ إلى خُلاصةِ ما يقولُهُ علماؤنا رضي الله عنه.

قال الدكتور: {ولهذا قال الرازي الذي عجز هو الآخر عن فهمِها: إنَّ الإنسانَ مجبورٌ في صورةِ مختارٍ.

أما البغداديُّ فأراد أن يوضحها، فذكر مثالاً لأحدِ أصحابِهِ في تفسيرها شَّبهَ فيه اقترانَ قدرةِ الله بقدرة العبد مع نسبةِ الكسبِ إلى العبد بالحجرِ الكبيرِ قد يعجَزُ عن حمله رجلٌ ويقدرُ آخرٌ على حملِهِ منفرداً به، فإذا اجتمعا جميعاً على حمله كانَ حصولُ الحملِ بأقواهُما، ولا خرجَ أضعفهما بذلك عن كونِهِ حاملاً}

وأقول تتميماً للمثال: وتوجُّهُ القويِّ إلى الحملِ مشروطٌ بتوجُّهِ الضعيفِ إليه، وحَمْلُ القويِّ إنما يتحقَّقُ عندَ عزمِ الضعيفِ على الحمل عزماً مصمماً واختياره له.

فالكسبُ عند الأشعريِّ عبارةٌ عن اختيار العبد للفعل وتعليق قدرته به وعنده تتعلق قدرة الله تعالى به. وأما خلقُ الفعلِ وإيجادُهُ فمِنَ اللهِ تعالى وأثر لقدرته، لا تأثير لقدرة العبد فيه، لأن التأثير والإيجاد والخلق من خصائص قدرة الله تعالى. والعباد إنما يجازون على كسبهم المذكور واختيارهم للفعل، وتعليق قدرتهم به الذي هو شرط عادي لتعلق قدرة الله بالفعل وتأثيره فيه. والجزاء على الكسب المذكور ليس فيه شائبة ظلم بل هو عدل محض لأن كسب العبد له دور كبير في وجود فعله وتحققه، لأنه شرط عادي لتعلق قدرة الله تعالى بالفعل وتأثيرها فيه.

وأنا أسأل الدكتور: هل أفعالُ العبادِ الاختيارية مخلوقةٌ لله أم مخلوقة للعباد؟ وليس بينَ الأمرين واسطة.

فمذهبُ أهلِ السنةِ أنها مخلوقةٌ لله تعالى لكن باختيارٍ وكسبٍ من العبد، وهو الذي دلت عليه النصوصُ الصريحةُ التي لا تقبلُ التأويل من الكتابِ والسنةِ، وهو مذهبُ الأشاعرة. ومذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى كما نقلنا كلامه آنفا.

ومذهبُ المعتزلة أنها مخلوقةٌ للعبد، ومذهبُ الجبرية أنها مخلوقةٌ لله بدونِ اختيارٍ ولا كَسْبٍ من العبد، فاخترْ أيها الدكتورُ منها ما شئت!

وقد كتبنا في مسألة الكسب وخلق أفعال العباد رسالة أحطنا فيها بمذاهب علماء الإسلام فيها، وبيناها بينا وافيا.

49-المحبة والرضى عند الأشاعرة غير الإرادة:

قال الدكتور:{والإرادة عند الأشاعرة معناها المحبة والرضا وأوَّلُوا قوله تعالى: (ولا يرضى لعباده الكفر) بأنه لا يرضى لعباده المؤمنين! فبقي السؤال وارداً عليهم: وهل رضيه للكفار أم فعلوه وهو لم يرده؟}

أقول: لا أدرى ماذا أقول لهذا الدكتور الذي يدعى التخصص في أصول الدين، وينتقد مذهب الأشاعرة بدون معرفة له ولا إلمام به، ومن المقرر أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.

ثم إنه من المقرر أن مذهب الأشاعرة أن المحبة والرضي غير الإرادة، فقد يريد الله الشيء ولا يحبه ولا يرضاه كالكفر من الكافر، وقد يحبه ويرضاه ولا يريده كالإيمان من الكافر، وقد يحبه ويرضاه ويريده كالإيمان من المؤمن، وأما كون الإرادة عبارة عن المحبة والرضا أو مستلزمة لهما فهو مذهب المعتزلة، ولم يذهب إليه من الأشاعرة إلا إمام الحرمين، وقد ردَّ عليه من أتى بعده. وانظر المسايرة لابن الهمام بشرحها لابن أبى شريف[8] ولعل الدكتور اغترَّ بما في “الإنصاف” للباقلاني حيث قال: (واعلم أنه لا فرق بين الإرادة والمشيئة والاختيار والرضى والمحبة على ما قدمنا)[9] وليس مراد الباقلاني أن هذه الكلمات بمعنى واحد كما توهم، وإنما مراده أن رضا الله تعالى للإنسان ومحبته له عبارة عن إرادة الخير والنفع له، فإن هذا هو الذي قدمه الباقلاني في كتابه دون الترادف، ويدل عليه لاحق كلامه، حيث قال عقب هذا الكلام: (واعلم أن الاعتبار في ذلك كله بالمآل لا بالحال، فمن رضي سبحانه عنه لم يزل راضياً عنه لا يسخط عليه أبدا وإن كان في الحال عاصيا. ومن سخط عليه فلا يزال ساخطاً عليه. ولا يرضى عنه أبدا وإن كان في الحال مطيعا)

ثم إن ما نسبه الدكتور إلى الأشاعرة خطئاً وانتقدهم بناءً على ذلك هو ظاهر كلام الإمام أحمد ففي اعتقاد الإمام أحمد الملحق بطبقات الحنابلة ما يلي: وكان أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه يقول: إن الله تعالى يكره الطاعة من العاصي، كما يكره المعصية من الطائع حكاه ابن أبي داود، وقرأ: (ولو أرادوا الخروج لأعدوا لهم عدة. ولكن كره الله انبعاثهم) وانبعاثهم طاعة الله. والله يكرهه.[10]

50-بيان الاستطاعة على مذهب الأشاعرة:

قال الدكتور: {ومن هذا القبيل كلامُهم في الاستطاعة. والحاصلُ أنَّهم في هذا البابِ خرجوا عن المنقولِ والمعقولِ ولم يُعْربوا عن مذهبهم فضلاً عن البرهنة عليه}

أقول: لا، بل هم قد أعربوا عنه، وبرهنوا عليه، ولكنْ من أجلِ دقَّةِ المسألةِ وغموضِها ودقة مذهبِ الأشاعرة فيها لم يستطع الدكتور أن يفهَمَه. ومن أجل ذلك أجمل الدكتور، فقال: «ومن هذا القبيل كلامهم في الاستطاعة».

فلا بد من بيان لمسألة الاستطاعة، والكلام عليها طويل لا يليق بهذا الكتاب، فنبينها على وجه الإجمال، فنقول: المسمى باسم الاستطاعة أمران:

أحدهما: سلامة الأسباب وصحة الآلات والتهيؤ لتنفيذ الفعل عن إرادة المختار، والمراد بصحة الآلات صلاحيتها لقبول القدرة الحقيقة، وأن تكون بحالة يصح الفعل بها عادة كصحة البدن والأعضاء والجوارح عن الأمراض والعلل التي تعوقها عن القيام بالفعل، وعلى هذا المعنى ورد قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) وقوله تعالى: (فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا) إلى غير ذلك من الآيات ولا خلاف في أن الاستطاعة بهذا المعنى سابقة على الفعل، وهي شرط لصحة التكليف ومتقدمة عليه.

وثانيهما: الاستطاعة المستجمعة لشرائط التأثير التي يقام بها الفعل ظاهرا. وعلى هذا المعنى ورد قوله تعالى: (ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون) وقوله تعالى: (إنك لن تستطيع معي صبرا) إلى غير ذلك من الآيات.

والاستطاعة بهذا المعنى هي التي اختلف فيها، فقال أهل السنة إنها مقارنة للفعل لا متقدمة عليه، وقالت المعتزلة: إنها متقدمة على الفعل.

وهذا الخلاف مبني على الخلاف في خلق أفعال العباد، فالمعتزلة من أجل قولهم بأن أفعال العباد الاختيارية مخلوقة لهم وأثرٌ عن قدرتهم قالوا: إن القدرة التي بها الفعل متقدمة على الفعل، لأن إيجاد الفعل عبارة عن إخراجه من العدم إلى الوجود، فلابد للقدرة المؤثرة في إيجاده من أن تقارن عدمه حتى يصح إخراجها إياه من العدم إلى الوجود، فلا بد من تقدمها على الفعل.

وأما أهل السنة فمن أجل قولهم: بأن القدرة التي بها الفعل ظاهراً غير مؤثرة في وجود الفعل، بل متعلقة به بدون تأثير لها فيه، قالوا: إنها مقارنة للفعل، لأن المقارنة لابد منها ليصح تعلقها بالفعل، ويصح كون الفعل مكسوباً للعبد، وأما تقدمها على الفعل فإنما يحتاج إلى القول به إذا قيل: إنها مؤثرة في الفعل، وأهل السنة لم يقولوا بتأثيرها، فلم يحتاجوا إلى القول بقدرة موجودة قبل الفعل.

وقد ذكر المتكلمون من أهل السنة في بيان أن القدرة مقارنةٌ للفعل لا متقدمة عليه دلائل أخرى ووجوها أخَر، ونحن نكتفي بهذا القدر.

ثم إن كون الاستطاعة مع الفعل هو مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، ففي عقيدة الإمام أحمد المطبوعة بآخر المجلد الثاني من طبقات الحنابلة ما يلي:

(وكان أحمد يذهب إلى أن الاستطاعة مع الفعل، وقرأ قوله عز وجل: (انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا) وقرأ ­­(ذلك تأويل ما لم تَسْطِع عليه صبرا) والقوم لا آفة بهم. وكان موسى تاركاً للصبر. وقرأ (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم) فدل على عجزنا. ودلَّ ذلك على أن الخلق بهذه الصفة لا يقدرون إلا بالله، ولا يصنعون إلا بقدرة الله)[11] يقصد الإمام أحمد رحمه الله أن قدرةَ الخلق المقرونة بالفعل غير مؤثرة في وجود الفعل، بل متعلقة به بلا تأثير، وأنها مخلوقة لله تعالى، فمن أجل ذلك فهم لا يقدرون إلا بالله، ولا يصنعون إلا بقدرة الله تعالى، لا بقدرتهم. ثم قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى إشارة إلى المعنى الأول للاستطاعة، وهي المتقدمة على الفعل اتفاقا: (وقد سمي الإنسان مستطيعاً إذا كان سليماً من الآفات)

هذا هو كلام الإمام أحمد، وهذا مذهبه، وهو مذهب الأشاعرة نفسه، فليت شعري ما الذي ينكره الدكتور على الأشاعرة في مسألة الاستطاعة، وما هو المنقول والمعقول الذي خرجوا عنه؟؟!!

[1] طبقات الحنابلة 2/299.

[2] 1/462.

[3] البقرة: 286.

[4] الأنبياء: 23.

[5] النحل: 17.

[6] فاطر: 3.

[7] الأنعام: 101.

[8] 124.

[9] 40

[10] طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى 2/301.

[11] طبقات الحنابلة 2/299.