تقسيم الأمور الوارد نسبتها إلى الله تعالى إلى أربعة أقسام، وبيان حكم كل قسم منها،هل يصح أن يقال: لله تعالى يدٌ لا كيدنا وجنبٌ لا كجنبنا….؟

35- تقسيم الأمور الوارد نسبتها إلى الله تعالى إلى أربعة أقسام، وبيان حكم كل قسم منها

وتتميماً لموضوع الصفات نقرر قاعدة مهمة جداً متعلقة بالصفات.

فنقول: الأصل في إثبات الأسماء والصفات لله تعالى ونفيها عنه نوعان من النصوص:النوع الأول نصوص الكتاب الواردة بتنـزيه الله تعالى عن كل عيب ونقيصة، النوع الثاني النصوص الواردة بمخالفته تعالى للمحدثات.

هذه النصوص هي الأصل في هذا الباب تقضي على ما عداها من النصوص المتعلقة بالأسماء والصفات الواردة في الكتاب والسنة، وتنَزلُ ما عداها من النصوص عليها، وتفسر على وفقها.

ثم نقول: الأمور الوارد نسبتها إلى الله تعالى في الكتاب والسنة أربعة أنواع:

النوع الأول: ما يوهم نقصاً بالنسبة إلى الله سبحانه تعالى، مثل ما ورد من نسبة النسيان إلى الله تعالى في قوله تعالى: (نسوا الله فنسيهم)[1] وقوله: (فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم)[2] ومثل ما ورد من نسبة المرض إليه تعالى في الحديث القدسي: (عبدي مرضت فلم تعدني)

فهذه النصوص يجب نفي ما توهمه من النقص من الأصل، ويجب تأويلها، ولا يتوقف فيها، فمن أجل ذلك أوَّلها العلماء، ولم يتوقفوا عن تأويلها.

وإنما قلنا: إن هذه النصوص توهم نقصا، فعبرنا بالإيهام، ولم نعبر بالدلالة أو الاقتضاء، لأن كل ما هو من هذا النوع من النصوص مقرون بقرائن تعين المعنى المجازي المراد منها، فلا يجوز مع ذلك أن يقال: إنها تدل على النقص أو تفيده أو تقتضيه.

النوع الثاني: ما يوهم مماثلته تعالى للمحدثات ومشابهته لها من ثبوت خواص الأجسام والمحدثات لله تعالى من الأعضاء والجوارح والحدود والغايات وحلول الحوادث والمكان لله تعالى. فهذه النصوص أيضا يجب نفي ما توهمه عن أن يكون مراداً منها، ثم هل يتوقف بعد هذا النفي، ويفوض المعنى المراد منها إلى الله تعالى، أو تفسر بمعان يصح نسبتها إلى الله تعالى وفق شروط التأويل؟ المذهبان المعروفان، وعبرنا هنا أيضا بالإيهام لما قلناه آنفا.

النوع الثالث: ما يفيد ثبوت صفات معنوية لله تعالى لا يصح إثباتها لله تعالى بحسب ما وضعت له من المعاني اللغوية التي يتصف بها الإنسان، لأن الاتصاف بها على ذلك الوجه يقتضي مماثلته تعالى للحوادث من التغير والانفعال، وكونَ المتصف بها محلاً للحوادث –تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا- وذلك مثل الرحمة والرضى والغضب كما قدمناه آنفا. وهذا النوع قريب من النوع الذي قبله، ويجرى فيه ما يجرى فيه من القولين المعروفين. لكنه يفترق عنه فيما سنذكره قريبا.

النوع الرابع: ما يفيد ثبوت صفات معنوية لله تعالى ليس في إثباتها لله تعالى إيهام نقص، وليس لهذه الصفات معان لغوية يمتنع اتصاف الله تعالى بها، بل هذه الصفات مقتضى ذاته تعالى ومقتضى إ̃لهيته وربوبيته من صفات العظمة والكمال والجلال، كالحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والحكمة والكبرياء.

فهذا النوع من الصفات يجب إثباته لله تعالى بالمعنى اللغوي لدوالها على وجه الكمال، كما أن بعضاً منها ثابت لغيره تعالى لكن لا على وجه الكمال، فإنها في المخلوقات عارضة ناقصة، و في الله تعالى واجبة في غاية ما يتصور من الكمال. فهذا النوع من الصفات أيضا تنفى عنها مماثلتها لصفات المخلوقين لكن من جهة الكيف لا من جهة الأصل.

فنفي مماثلته تعالى للحوادث المدلول عليه بقوله تعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) وبغيره من الآيات ثابت لله تعالى بالنسبة إلى الحوادث كلها ذواتها وصفاتها، لكن نفي المماثلة بالنسبة إلى بعض صفات المحدثين متوجه إلى أصلها ووجودها، فيمتنع قيامها بالله تعالى من الأصل وفي بعضها إلى كيفيتها ووصفها، فيمتنع قيامها بالله تعالى على الوجه الموجود في المخلوقين.

وقد أشار الله تعالى إلى هذا بقوله: (وهو السميع البصير)، حيث أثبت لنفسه السمع والبصر بعد نفيه تعالى المماثلة للحوادث عن نفسه، فنبه بذلك على أن نفي مماثلة الأشياء له إنما هو على الطريق الذي ذكرناه.

ومن هذا التفصيل ظهر أنه يصح أن يقال: لله تعالى علم ليس كعلمنا وقدرة ليس كقدرتنا إلى غير ذلك من النوع الأخير من الصفات، ولا يصح أن يقال: لله تعالى نسيان ليس كنسياننا ولا مرض ليس كمرضنا: وذلك لأن المرض منفي عن الله تعالى من الأصل رأسا، وكذلك النسيان: قال الله تعالى: (وما كان ربك نسيا)

36- هل يصح أن يقال: لله تعالى يدٌ لا كيدنا وجنبٌ لا كجنبنا….؟

وأما أنه هل يصح أن يقال: لله يد لا كيدنا وجنب لا كجنبنا ورجل لا كرجلنا وأصبع لا كأصبعنا؟ وهل يصح أن يقال: لله تعالى رحمة ليست كرحمتنا ورضى ليس كرضانا وغضب ليس كغضبنا؟. الثاني صحيح والأول غير صحيح. والفرق بينهما من وجوه:

الأول: أنك في الثاني تثبت صفة معنوية لله تعالى أثبتها الله تعالى لنفسه من الرضى والغضب ونحوهما، ثم تنفي عن الله تعالى ما يوهمه اللفظ من التغير والانفعال الذي هو على الله تعالى محال، فتعود هذه الصفات إلى صفة الإرادة أو إلى صفة الفعل كما قدمناه، فيكون كلامك من نوع قولنا: لله علم لا كعلمنا حيث أثبت لله تعالى العلم، ونفيت أن يكون على وجه النقص الذي هو في حقه تعالى محال، فينفعك قولك: «ليس كرضانا» بعد قولك: «لله تعالى رضا» حيث يفيد قولك هذا أن رضاه تعالى ونحوه ليس على وجه التغير والانفعال الذي هو على الله محال.

وأما في قولك: «لله تعالى يد لا كيدنا» فمن أجل أن اليد موضوع للعضو المعلوم، وهي منفية عن الله تعالى أصلا بدلائل مخالفته للحوادث، فقد أثْبَتَّ بقولك هذا لله ما هو منفي عنه أصلاً ورأسا، ولم تثبت له ما هو ثابت له أصلاً ومنفي عنه وصفاً وكيفية، حتى ينفعك بعد قولك: «لله يد» قولُك: «لا كيدنا»، بل يكون قولك: «لا كيدنا» كلاماً لا معنى له ومناقضاً لقولك: “لله يد” إن كنت أردت بقولك: «لا كيدنا» نفي الوصف والأصل لأنك نفيت به ما أثبته بقولك: “لله يد”، ويكون مؤكداً للتشبيه والتمثيل إن أردت بقولك: «لا كيدنا» نفي الوصف دون الأصل لأنك تكون قد أثبت لله أصل الجارحة، ونفيت عنها الوصف والهيئة المخصوصة ليد الإنسان، فيكون كلامك هذا من قبيل قولك: «لله نسيان لا كنسياننا ومرض لا كمرضنا».

والثاني: أن الله تعالى قد أسند الرحمة والرضى والغضب ونحوها إلى نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله على وجه الإسناد التام الذي هو بين الفعل وفاعله والمبتدأ وخبره ونحوها، حيث وصف الله تعالى نفسه بالغفور الرحيم والرحمن الرحيم، وقال: (إلا من رحم الله) الدخان 42 وقال تعالى: (رضي الله عنهم ورضوا عنه) وقال: (وغضب الله عليهم)

وأما ما هو موضوع للأعضاء والجوارح ونحوها فلم يرد في كلام الله تعالى وكلام رسوله إسنادها إلى الله تعالى على هذا الوجه، وإنما ورد نسبتها إلى الله تعالى على وجه الإضافة فقط كقوله تعالى: (بيده الملك) وقوله: (في جنب الله).

الثالث: أن الرضى والرحمة والغضب ونحوها قد سيقت في كلام الله تعالى وكلام رسوله على وجه إثباتها لله تعالى، ولم تسق فى كلامهما على طريق إثبات أمر آخر لله تعالى، وأما اليد والجنب والرجل والأصبع ونحوها فلم تسق فى كلام الله تعالى وكلام رسوله على طريق إثباتها لله تعالى، بل سيقت على طريق إثبات أمر آخر لله تعالى. فمثلا قوله تعالى: (تبارك الذي بيده الملك) سيق لإثبات الملوكية والسلطنة المطلقة لله تعالى ،لا لإثبات اليد لله تعالى، وقوله تعالى: (يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله) سيق لإثبات الحسرة على التفريط في حقوق الله، لا لإثبات الجنب لله تعالى.

وقول النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: (إن قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن) سيق لبيان أن قلب الإنسان طوع إرادته تعالى وقدرته يقلبه كيف يشاء، ولم يرد لإثبات الأصابع لله تعالى، ولا لبيان أن في جوف كل إنسان أصبعين من أصابع الرحمن مكتنفتين بقلبه، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا، إلى غير ذلك من الأمثلة، والله تعالى أعلم بالصواب.

قال الدكتور سفر: {الثالث التوحيد21: التوحيد عند أهل السنة والجماعة معروف بأقسامه الثلاثة، وهو عندهم أول واجب على المكلف.. أما الأشاعرة قدمائهم ومعاصروهم فالتوحيد عندهم هو نفي التثنية أو التعدد، ونفي التبعيض والتجزئة، أي بحسب تعبيرهم «نفي الكمية المتصلة والكمية المنفصلة»، ومن هذا المعنى فسروا الإله بأنه الخالق أو القادر على الإختراع، وأنكروا بعض الصفات كالوجه واليد والعين لأنها تدل على التركيب والأجزاء عندهم. أما التوحيد الحقيقي وما يقابله من الشرك ومعرفته والتحذير منه فلا ذكر له في كتب عقيدتهم إطلاقا، ولا أدرى أين يضعونه؟: أفي كتب الفروع؟ فليس فيها، أم يتركونه بالمرة؟ فهذا الذي أجزم به}

أقول: يقصد الدكتور بالأقسام الثلاثة للتوحيد ما شهره ابن تيمية من تقسيم التوحيد إلى توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.

وقد كتبنا رسالة متعلقة بهذا الموضوع فنوردها هنا بنصها، ثم نعود إلى كلام الدكتور. وهي هذه:

[1] التوبة 67.

[2] السجدة 14