الصفحة الرئيسية  »  منهج الأشاعرة في العقيدة بين الحقائق والأوهام   »   كلمة شكر ، مقدمة المؤلف

كلمة شكر ، مقدمة المؤلف

كلمة شكر

أقدم الشكر الجزيل لكل من شارك في خدمة هذا الكتاب وتحضيره:

وفي مقدمتهم رفيقنا العالم الجليل البحاثة المغرم بتحصيل العلم، الدائب في طلبه الأستاذ الملا عبد الحليم (محمد حليم شن) بن إبراهيم المارديني الكرميتي.

ثم أقدم الشكر لأصحابنا وتلاميذنا الذين قدموا خدمة كبيرة للكتاب في صفه، وقراءة تجاربه، وتصحيحه، وإخراجه. وهم الأستاذ عبد الكريم العربكندي، والأستاذ تحسين گدر الدياربكري، وولدي محمد ضياء الدين، وعبد الرحمن شن سوي الموشي، وعلى بورا، وأخص منهم صاحبنا محمد دنز الچناري لما قدمه من جهد كبير مضن في كتابة الكتاب وتصحيحه، وأخانا في الله النشيط في خدمة العلم عبد الله فوزي قوجه أر على ما بذله من جهد في تصميم صفحات الكتاب.

وفقهم الله تعالى إلى ما فيه خير الدنيا والآخرة، وبارك عليهم.

مقدمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه،

أما بعد: فبينما كنت أُسَرِّح نظري في مكتبة أحد أصحابي في مدينة استانبول إذ بعنوان مكتوب على غلاف كُتَيِّبٍ صغير جلب انتباهي، وهو:

“منهج الأشاعرة في العقيدة” للدكتور سفر الحوالي، فطلبت الكتاب من هذا الأخ «علي رضى آق گون» فأهداه إياي، وبعد عودتي إلى منزلي في مدينة قونيه بفترة أخذت أتصفح الكُتَيِّبَ، فإذا بصاحبه قد حاول أن يثبت به أن مذهب الأشاعرة في العقيدة من ألفه حتى يائه مذهب مبتدع خارج عن مذهب أهل السنة والجماعة.

فأخذت أقرأه قراءة تدبر وتمعن وتدقيق، فوجدته قد احتوى على أخطاء كثيرة عظيمة، وقد يكون من المبالغة إذا قلت: إن مؤلفه لم يخط خطوة إلا وأخطأ خطئا، وقد تَكَثَّفَتْ هذه الأخطاء في صدر الكتاب ووسطه، وأما القسم الأخير منه فمعظمه تكرار، وقسم منه تهويشات، وكيل للتهم الباطلة للأشاعرة، ومحاولة مضنية لإخراج الأشاعرة عن مذهب أهل السنة والجماعة.

ورأيت أن السبب في تورط الدكتور سفر في هذه الأخطاء العلمية الكثيرة الجسيمة التي تعد بالمئات في هذا الكتيب الصغير المكون من خمسين صفحة بالتحديد ما يلي:

1- أن مذهب الأشاعرة في العقيدة مذهب عميق دقيق المدارك.

2- أن علم الكلام عامة أدق العلوم الإسلامية وأعمقها وأصعبها

3- أن كتب الأشاعرة الكلامية المطولة من أدق الكتب الإسلامية وأعمقها لا يتيسر فهمها على وجهها –أو نادرا ما يتيسر- إلا لمن درس هذا العلم على مشايخه المتضلعين منه وتمرس فيه، والدكتور سفر لم يدرسه على أحد من مشايخه، وإنما نظر في هذه الكتب بنفسه متسوراً عليها، فخالفه التوفيق في فهمها.

4- أن الدكتور سفر –بمقتضى نشأته العلمية وبيئته العلمية- قد تمكن في قلبه أن مذهب الأشاعرة مذهب مبتدع خارج عن مذهب أهل السنة، فأَدَّى به اعتقاده هذا إلى كراهة المذهب الأشعري وكراهة الأشاعرة، وتقررت عنده أحكام مُسْبَقَة خاطئة عن مذهب الأشاعرة لم يشك هو في صحة هذه الأحكام.

فرأى أن من واجبه –وهو يرى نفسه متخصصا في العقيدة- أن ينقُض هذا المذهب المبتدع الذي طبق العالم الإسلامي شرقا وغربا وجنوبا وشمالا، ويأتيَ على بنيانه من القواعد.

فحينما حاول القيام بواجبه هذا بكتابة هذا الكتيب راجع مجموعة كبيرة من كتب الأشاعرة ونظر فيها نظارات، ولكنه لم يراجعها لأجل فهم المذهب على وجهه من هذه الكتب، لأنه –على حسب زعمه- قد فهم المذهب من الخارج ولا حاجة له إلى فهمه ثانيا من هذه الكتب، وإنما راجعها ليتصيد منها الدلائل على ما تقرر عنده من الأحكام المسبقة، فكان هذا سببا ثانيا لعدم فهمها وعدم فهم المذهب على وجهه منها.

5- أن الدكتور لا يعلم بعض الاصطلاحات العلمية الواردة في كتب الأشاعرة كما ستقف عليه في ثنايا الكتاب.

6- وهناك مشكلة أخرى عند الدكتور سفر، وهي أن من عادته أن ينسب كل ما يراه حقا إلى السلف، وإلى مذهب أهل السنة والجماعة، بدون أن يتثبت في ذلك، ولعله يرى أن فهمه لأمر ما أنه حق كاف لأن يكون هذا الأمر عقيدة للسلف ولأهل السنة والجماعة، وينطبق على الدكتور ما قاله ابن تيمية في “التسعينية” 245 منتقدا أحد العلماء: قال: (فإنه دائما يقول: قال أهل الحق، وإنما يعني أصحابه، وهذه دعوى يمكن كل أحد أن يقول لأصحابه مثلها، فإن أهل الحق الذين لا ريب فيهم هم المؤمنون الذين لا يجتمعون على ضلالة، فأما أن يفرد الإنسان طائفة منتسبة إلى متبوع من الأمة ويسميها أهل الحق، ويشعرَ بأن كل من خالفها في شيء فهو من أهل الباطل، فهذا حال أهل الأهواء والبدع… فليس الحق لازما لشخص بعينه دائرا معه حيث دار لا يفارقه قط إلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم)

7- ومن مشاكل الدكتور أنه يرى مذهب أهل السنة والجماعة محصورا فيما ذهب إليه الإمام أحمد بن حنبل وشيخ الإسلام ابن تيمية، ويرى أنهما دائما على الحق في كل ما ذهبا إليه، وأن كل من خالفهما في العقيدة فهو مخطئ خارج عن أهل السنة، ويجعل كلامهما حجة على الآخرين. ونحن -على تقديرنا لهذين الإمامين العظيمين- لا نَعُدَّهما إلا إمامين من أئمة المسلمين يصيبان ويخطئان كغيرهما من أئمة المسلمين، وفي المسائل التى خالفا فيها غيرهما من أئمة أهل السنة قد يكونان مصيبين فيها، وقد يكونان مخطئين. وليس أحد الطرفين حجة على الطرف الآخر، ولم يجعل الله العصمة لأحد من الناس غير أنبيائه، كما قال الإمام مالك: كل أحد مأخوذ من قوله ومتروك إلا صاحب هذا القبر، وأشار إلى قبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم.

ومن التقليل من شأن الإسلام أن يُحْصَر فهمُه الصحيح في رجلين من علمائه.أو في مجموعة صغيرة من علمائه.

ثم إن كثيرا مما أنكره الدكتور على الأشاعرة هو مذهب الإمام أحمد، وكثيرا منه وافق الأشاعرة فيه ابن تيمية كما ستقف عليه في ثنايا الكتاب، ولكن الدكتور لم يعلم ذلك، ولو كان يعلمه لما أنكر هذه الأمور على الأشاعرة.

فهذه الأمور هي التى ورطت الدكتور فيما تورط فيه من الأخطاء في هذا الكتيب. وجعلته يفتعل من الأشاعرة خصما يجادله، وعدوا يجاهده.

وهذه الأخطاء منقسمة إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: خطأ في النسبة، فقد نسب إلى الأشاعرة جملة أمور هم ليسوا بقائلين بها، وبعضها هم قائلون بضدها!

القسم الثاني: خطأ في الفهم، فقد نسب إلى الأشاعرة جملة أمور هم قائلون بها ولكن الدكتور لم يقف على مرادهم منها، فحمل هذه الأمور على معان لم يقصدوها منها، وخطّأهم بناء على ذلك!

القسم الثالث: خطأ في الحكم، حيث خطأهم في أمورٍ هم قائلون بها، ولكنه هو المخطئ في حكمه عليهم بالخطأ فيها!

فالدكتور سفر في معظم الأحوال قد حكم على مذهب الأشاعرة بدون أن يتصوره، ومن المقرر أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فتورط فيما تورط فيه من الأخطاء، وصار بتأليفه لهذا الكتيب كما قال الشاعر:

كناطح صخرةً يوما ليوهنها :: فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل

بل كما قال الآخر:

يا ناطح الجبل العالي ليكلمه :: أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل

ونود أن نقرر هنا أمورا:

1- أن الأشاعرة أكبر فرقة إسلامية نافحت عن الإسلام ودافعت عن مبادئه وعقائده ضد غير المسلمين من اليهود والنصارى والثنوية والفلاسفة وغيرهم، وضد أهل البدع من المعتزلة والمرجئة والجهمية والخوارج والرافضة وغيرهم.

كما أنهم أكبر فرقة خدمت الإسلام وخدمت العلوم الإسلامية بنشرها، وبتأليف المؤلفات الكثيرة العظيمة في شتى أقسامها وأنواعها. فهم بمنزلة العمود الفقري من المسلمين ومن أهل السنة. كما أنهم –بحق- فحول الأمة.

وهذا من المقررات التي لا ينبغي أن يتشكك فيها منصف.

2- أن أصول مذهب الأشاعرة في العقيدة موافقة للسنة، ولا يوجد في أصول مذهبهم ما يخالف السنة، وما كان عليه سلف الأمة.

وأما غير الأصول من المسائل المتعلقة بالاعتقاد مما هي مجال للاجتهاد التي لا يكفر فيها المخالف ولا يُبَدَّعُ، فهم في هذه المسائل مجتهدون، وأعتقد أنهم في عامة الأحوال مصيبون فيها، ولا أعتقد أنهم مصيبون فيها في جميع الأحوال، أي مصيبون فيها مائة في المائة، فقد يكونون أخطئوا في قسم منها.

وقد خالفتُهم في مجموعة من هذه المسائل:

منها مسألة تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه حيث ذهبوا إلى أن أفعال الله تعالى وأحكامه غير معللة بالعلل والأغراض لكنها غير خالية عن الحكم والمصالح، فقد اخترت أن أفعال الله تعالى وأحكامه كما أنها غير خالية عن الحكم والمصالح، معللة بالعلل والأغراض أيضا.

ومنها مسألة الحسن والقبح حيث نفوا أصل وصف الحسن والقبح من الأفعال قبل ورود الشرع. وأما الماتريدية فقد ذهبوا إلى وجود وصف الحسن والقبح في الأفعال قبل ورود الشرع، وأما الحكم الشرعي نفسه فغير موجود قبل ورود الشرع، بل هو موقوف على ورود الشرع به، فاخترت مذهب الماتريدية في المسألة.

ومنها مسألة الكلام، فإن المختار لدي ما ذهب إليه فريق من المحققين من متأخري الأشاعرة من أن كلام الله تعالى قديم بلفظه ومعناه، وأن القديم ليس هو المعنى فقط كما قاله جمهور الأشاعرة.

ومنها مسألة أن صفات الله تعالى ليست عينه ولا غيره. وهذا كلام قد قرره السلف، وقد ظهر لي أن الجمهور الأعظم من متأخري الأشاعرة قد أخطئوا في فهم هذا الكلام، فخالفتُهم في فهم هذا الكلام، وذهبت إلى ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية والقاضي عضد الدين الإيجي من أن معناه أن صفات الله تعالى ليست عينه بحسب المفهوم، ولا غيره بحسب الهوية أي بحسب الوجود والتحقق.

وقد أعددت في كل من هذه المسائل رسالة.

3- أن كتاب الدكتور سفر “منهج الأشاعرة في العقيدة” قد انتشر في العالم الإسلامي، وشرَّق فيه وغرَّب. وأَعْلَمُ أن هناك مؤسسات تعتني بنشره بهدف نشر عقيدة أهل السنة والجماعة، والتعريف بما خالفها من المذاهب المبتدعة، والتنفير عنها. ومن هذه المؤسسات مؤسسة “الغرباء” في إستانبول التي يديرها صديقنا الفاضل «عبد الله بن عبد الحميد الأثري».

والمسائل التي تعرض لها الكتاب عند نقده لمذهب الأشاعرة – وكله نقد له- من المسائل الخفية على الجمهور الأعظم من القراء، بل معظم هذه المسائل غير معلومة بوجه دقيق للجمهور الأعظم من العلماء فضلا عن غيرهم من القراء، لأن هذه المسائل من أدق مسائل العلوم وأعوصها، وإنما يعلمها بوجه دقيق قلة من العلماء، وهم المتخصصون في علم الكلام. ولا أقصد بالتخصص التخصص الرسمي اللقبى ، وإنما أقصد به التخصص العلمي الواقعي.

فالجمهور الأعظم من القراء لهذا الكتاب – ولا سيما إذا قرأوه عن ثقة بمؤلفه واقتناع بما فيه- كما يحصل عندهم مجموعة كبيرة من الأخطاء الجسيمة عن مذهب أكبر فرقة إسلامية قدمت للإسلام أعظم خدمة، كذلك يتمكن في قلبهم البغض والكراهية لهذه الفرقة ولمذهبها، وتتقرر عندهم الأحكام المسبقة الخاطئة عن هذه الفرقة، وهذا مما يؤدى إلى التفرق والتدابر والتقاطع بين المسلمين عامة وبين علمائهم خاصة في وقت أحوج ما تكون فيه الأمة إلى وحدة الصف وتوحيد الكلمة. وهذا مما يجب الحيلولة دونه بقدر المستطاع

فمن أجل ما ذكرناه رأيت من واجبي أن أقوم ببيان ما حواه هذا الكتاب من أخطاء بطريقة علمية رصينة بعيدة عن المهاترة وكيل التهم.

وأَعِدُّ ما أقوم به من هذا العمل قربة أتقرب بها إلى ربي، ثم خدمة أقدمها للأمة، ولا سيما من تأثر بقراءة مثل هذا الكتاب منهم.

ثم أقدم عملي تحفة أهديها لأخينا الفاضل الدكتور سفر، وآمل أن يتقبلها بقبول حسن، لما أعلمه منه من الفضل وطيب النفس. وقد جاء عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه قال: (إذا أراد الله بعبد خيرا بصره بعيوب نفسه) وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: (رحم الله عبدا أهدى إلينا عيوبنا) وقد قالوا: (صَدِيقك من صَدَقَك لا من صدَّقك)

وأنا حَسَنُ الظن بالدكتور سفر، وأعلم أنه رجل فاضل طيب، وأقدره على ما أعلمه منه من الغيرة الشديدة على الإسلام، ومن تضحيته في سبيله بالنفس والنفيس، وعلى ما يقوم به من الريادة في النشاطات والأعمال الإسلامية الجليلة، شكر الله سعيه، وجزاه خير ما يجازي به عباده الصالحين.

وسدد الله خطانا وخطاه، ووفقنا وإياه إلى طيب النية، وصالح العمل، وحسن الختام، ورزقنا الحسنى وزيادة. آمـــين، والحمد لله رب العالمين.

محمد صالح بن أحمد الغرسي

جمادى الأولى 16/1427هـ الموافق 12/6/2006مـ

قونيه

استطلاع رأي زوار موقع المستنير