محاولة الدكتور لإخراج الأشاعرة من أهل السنة،الجمهور ألأعظم من علماء الأمة على المذهب الأشعري

8- محاولة الدكتور لإخراج الأشاعرة من أهل السنة

قال الدكتور: { المعنى الأخص: وهو ما يقابل المبتدعة وأهل الأهواء … وهذا المعنى لا يدخل فيه الأشاعرة … وقد نص الإمام أحمد على أن من خاض في شيء من علم الكلام لا يعتبر من أهل السنة وإن أصاب بكلامه السنة حتى يدع الجدل ويسلم للنصوص…}

أقول: قد خاض في شيء من الكلام كثير من أئمة السلف منهم الإمام الشافعيُّ، فقد كان ضليعاً فيه، وقد ناظر حفصاً الفرد وقطعه، وانظر( تبيين كذب المفتري) ومنهم الإمام أبو حنيفة فقد جرت له مناظراتٌ مع المبتدعة.

وأما نهيُ السلف -ومنهم الشافعي- عن الكلام فمرادهم الاعتمادُ عليه في إثبات العقائد الإسلامية، والإكثارُ منه، والدخولُ فيه لغير المتأهل الذي يخاف عليه الضلال، وهناك أسباب أخرى للنهي ذكرها العلماء. وقد كتبنا فيها رسالة.

وهذا النقل الذي نقله الدكتور عن الإمام أحمد إن صح عنه، ليس حجة على غيره ممن خاض في الكلام من أئمة السنة في عصره كالحارث المحاسبي والقلانسي وابن كلاّب والحسين بن علي الكرابيسي لما رءوا من الحاجة إلى ذلك. والكلام الذي نهى عنه الإمام أحمد قد خاض فيه كل من ابن تيمية وابن القيم، فعلى الدكتور أن يخرجهما من أهل السنة بالمعنى الأخص كما أخرج منهم الأشاعرة.

قال الدكتور: {الأشاعرة – كما سترى- تلقوا واستمدوا من غير السنة ولم يوافقوها في النتائج فكيف يكونون من أهلها}

أقول: ليس في أصول مذهبهم ما يخالف السنة، ومن ادَّعى المخالفة فعليه بالإثبات. وقد أثبتنا في تعليقاتنا هذه موافقة مذهبهم للسنة. وأنهم لم يستمدوا من غيرها، ولم يخالفوها. وسيأتي تفصيل هذا فيما بعد في الكلام على الموضوع الذي عنونه بمصدر التلقي.

9- الجمهور ألأعظم من علماء الأمة على المذهب الأشعري

قال الدكتور: مؤكداً أن الأشاعرة خارجون عن أهل السنة والجماعة، ومدعياً أن أئمة المذاهب الأربعة وعلماء الجرح والتعديل قد حكموا عليهم بذلك!: {وسنأتي بحكمهم- أي الأشاعرة- عند أئمة المذاهب الأربعة، فما بالك بأئمة الجرح والتعديل من أصحاب الحديث…}

أقول: الأئمة الأربعة قد توفوا قبل ولادة الأشعري: فإنه ولد سنة 260هـ، وآخر الأئمة موتاً هو الإمام أحمد، وقد توفي في سنة 241هـ، وإن أراد المؤلف علماء المذهب الأربعة الكبار من غير الأئمة فمن المقرر أن الجمهور الأعظم منهم أشعرية أو ماتريدية كما تقدم عن الإمام السبكي من أن الأشعرية هم الغالبون من الشافعية والمالكية والحنفية وفضلاء الحنابلة.

وقد اعترف بهذا، المؤلف نفسه في صدر الكتاب، وهو أمرٌ مقررٌ لا ينبغي أن يختلف فيه اثنان، قال الزبيدي: وذكر العز بن عبد السلام أن عقيدة الأشعري أجمع عليها الشافعية والمالكية والحنفية وفضلاء الحنابلة ووافقه على ذلك من أهل عصره شيخ المالكية في زمانه أبو عمرو ابن الحاجب وشيخ الحنيفة جمال الدين الحصيري، وأقرَّهُ على ذلك التقيُّ السبكي فيما نقله عنه ولده التاج.[1]

قال الدكتور: {عند المالكية: روى حافظ المغرب وعلَمُها الفذ ابن عبد البر بسنده عن فقيه المالكية بالمشرق ابن خويزمنداد أنه قال في كتاب الشهادات شرحاً لقول مالك: لا تجوز شهادة أهل البدع والأهواء، قال: ” أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع أشعرياً كان أو غير أشعري، ولا تقبل له شهادة في الإسلام أبدا، ويهجر ويؤدب على بدعته، فإنْ تمادى عليها استتيب منها”.}

أقول: ابن خويزمنداد ساقط عند علماء الجرح والتعديل وعند علماء المالكية أيضا، فقد طعن فيه الإمامان الباجيُّ وابن عبد البَرِّ وانظر لسان الميزان[2].

ثم قال الدكتور: {عند الشافعية: قال الإمام أبو العباس بن سريجٍ الملقبُ بالشافعي الثاني وقد كان معاصراً للأشعريِّ: “لا نقول بتأويل المعتزلة والأشعرية والجهمية والملحدة، والمجسمة والمشبهة والكرامية والمكيفة، بل نقبلها بلا تأويل، ونؤمن بها بلا تمثيل”}

أقول: الظاهر أن كلمة الأشعرية مدرجة في كلام ابن سريج، أو الكلام كله منحولٌ عليه، فإنَّ سياق هذا الكلام يقتضي أنه كان على عهد ابن سريج مذهبٌ يسمى مذهب الأشعري، وفرقة تسمى أشعرية، وقد قالوا إن تحول الأشعري عن الاعتزال كان سنة 300هـ وكانت وفاة ابن سريج سنة 306هـ. فكيف تحولت آراء الأشعري في هذه المدة الوجيزة وهي خمس سنين تقريباً إلى مذهب معروف يتناقلها العلماء في مؤلفاتهم؟ وقد نقل المصنف هذا الكلام عن كتاب( اجتماع الجيوش الإسلامية) والكلام منقول فيه بسند فيه انقطاع بين الزنجاني وابن سريج. فإن ابن سريج توفي سنة (306) والزنجاني ولد سنة (380) فبينهما مسافة شاسعة. فالرواية عن ابن سريج لم تصح لا متناً ولا سندا.

قال الدكتور: {قال الإمام أبو الحسن الكُرجي من علماء القرن الخامس الشافعية ما نصه:” لم يزل الأئمة الشافعية يأنفون ويستنكفون أن يُنْسبوا إلى الأشعري، ويتبرؤون مما بنى الأشعري مذهبَهُ عليه، وينهَوْنَ أصحابهم وأحبابهم عن الحَوْمِ حواليه على ما سمعت من عدةٍ من المشايخ والأئمة. وضرب مثلاً بشيخ الشافعية في عصره الإمام أبي حامد الإسفرايئني الملقب «الشافعي الثالث» قائلا: ومعلومٌ شدة الشيخ على أصحاب الكلام، حتى ميز أصول فقه الشافعي من أصول الأشعري… وبه اقتدى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي}

أقول: قال تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية الكبرى في ترجمة الكرجي: قال ابن السمعاني: وله- أي للكرجي- قصيدة بائية في السُنَّةِ شرح فيها اعتقاده واعتقاد السلف تزيد على مائتي بيت قرأتها عليه في داره في الكرج، ثم قال السبكي: قلت: ثبت لنا بهذا الكلام -إن ثبت أنَّ ابن السمعاني قاله- أن لهذا الرجل قصيدة في الاعتقاد وعلى مذهب السلف موافقة للسنة، وابن السمعاني كان أشعري العقيدة، فلا يعترف بأن القصيدة على السنة ومذهب السلف إلا إذا وافقت ما يعتقد انه كذلك وهو رأي الأشعري.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنا وقفنا على قصيدة تعزى إلى هذا الشيخ نال فيها من أهل السنة وباح بالتجسيم… إني ارتبت في أمر هذه القصيدة وصحة نسبتها إلى هذا الرجل، وغلب على ظني أنها مكذوبةٌ عليه كلُّها أو بعضها، ثم أورد السبكي الدلائل على أنَّها مكذوبةٌ فراجع كلامه[3]، فكلام السبكي هذا يدل على أن ما نقله الدكتور عن الكرجي لا يصح نسبته إليه.. وإن صح نسبة القصيدة إليه فالرجل عدوٌّ للأشاعرة لا تقبل شهادته عليهم.

وأما الإمام أبو حامد الإسفرايني فقد قرأت ترجمته في قريب من ثلاثين مصدراً ومرجعاً فلم أرَ أحداً أشار إلى عدائه لعلم الكلام وللمتكلمين. ولو سُلِّم عدائه للكلام فله رأيه وللمشتغلين بالكلام من قبله ومن بعده لما رأوا من الحاجة إلى ذلك رأيهم، وليس هو حجة على غيره كما أن غيره ليسوا حجة عليه، فلكل رأيه واجتهاده.

وأما أبو إسحاق الشيرازي فأشهر من نار على علم أنه من كبار أئمة الأشاعرة. وانظر ترجمته في {تبيين كذب المفترى} لابن عساكر، واقرأ معتقده في مقدمة “شرح اللمع” له حيث بَيَّنَ معتقده على وفق مذهب الأشعري، ثم عقَّبه بقوله: فمن اعتقد غير ما أشرنا إليه من اعتقاد أهل الحق المنتسبين إلى الإمام أبي الحسن الأشعري فهو كافر[4].

قال الدكتور: {وبنحو قوله –أي قول الكرجي- أو أشد منه قال شيخ الإسلام الهروي الأنصاري}

أقول: الهروي مع أنَّه عدوٌ للأشاعرة فلا تقبل شهادته عليهم، هو غير مرضيٍّ عند الحنابلة.

قال تاج الدين السبكي: كان… ابن تيمية مع ميله إليه يضع من هذا الكتاب – أعني منازل السائرين- قال شيخنا الذهبي: وكان –يعني ابن تيمية- يرمي أبا إسماعيل بالعظائم بسبب هذا الكتاب ويقول: انه مشتمل على الاتحاد.

قال تاج الدين السبكي: قلت: والأشاعرة يرمونه بالتشبيه، ويقولون: إنه كان يلعن شيخ السنة أبا الحسن الأشعري، وأنا لا أعتقد أنه يعتقد الإتحاد، وإنما أعتقد أنه يعتقد التشبيه، وأنه ينال من الأشاعرة، وأن ذلك لجهله بعلم الكلام، وبعقيدة الأشعرية، فقد رأيت أقواماً أتوى من ذلك. أهـ.[5] أقول: ومن هؤلاء الأقوام الدكتور سفر ومن هو على شاكلته حيث ينسبون إلى الأشعرية ما هم بريئون عنه لعدم معرفتهم بمذهب الأشعرية. وانظر إلى إنصاف التاج السبكي حيث نفى عن الهروي تهمة الإتحاد التي نسبها إليه ابن تيمية.

قال الدكتور: {الحنفية… الخ هذه الفقرة من كلامه}

أقول: قد احتوت هذه الفقرة من كلام الدكتور على مغالطات واشتملت على الحق والباطل والصواب والخطأ. نبينها فيما يلي.

قال الدكتور: {معلومٌ أنَّ واضع الطحاوية وشارحها كلاهما حنفيان}

أقول: نعم، واضع الطحاوية حنفيٌّ مقبولٌ ، وأما الشارحُ فغير مقبول، مُنْتَقَدٌ من أهل مذهبه ومن غيرهم . قال فيه علي القاري: والحاصل أنَّ الشارح يقول بعلوِّ المكان مع نفي التشبيه، وتبع فيه طائفةً من أهل البدعة… ومن الغريب أنَّه استدل على مذهبه الباطل برفع الأيدي في الدعاء إلى السماء.

ومن مستشنعاته قدحُهُ في عصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقولُهُ بتفضيل الملائكة على الأنبياء، وقد أنكر عليه أهلُ مذهبه وغيرُهم.. وممَّنْ أنكر عليه زين الدين بن رجب، وتقي الدين ابن مفلح وأخوه”[6].

[1] إتحاف السادة المتفين2/7. طبقات الشافعية الكبرى 3/365.

[2] 5/ 291 الطبقة الهندية

[3] الطبقات 6/140.

[4] شرح اللمع 1/111

[5] طبقات الشافعية الكبرى 4/272.

[6] شرح الفقه الأكبر 172 وراجع إنباء الغمر (2/ 96-97) للحافظ ابن حجر.