مقدمة الدكتور سفر،حكم الدكتور على الأشاعرة بأنهم من المرجئة الغلاة،الأشاعرة أكبر فرقة إسلامية

2-مقدمة الدكتور سفر

قال الدكتور: {الحمد لله، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد فقد اطلعت على ما نشرته مجلة «المجتمع» في الأعداد رقم: 627-632 والمقالات السابقة لها، وكذلك المقالتان المتضادتان في العدد: 646 مما كتبه الشيخان الفوزان والصابوني عن مذهب الأشاعرة، وإذا كان من حق أي قارئ مسلم أن يهتم بالموضوع وأن يدلي برأيه إن كان لديه جديد، فكيف بمن هو متخصص في هذا الموضوع مثلي؟…

أما الصابوني فلا يؤسفنى أن أقول: إن ما كتبه عن عقيدة السلف والأشاعرة يفتقر إلى أساسيات بدائية لكل باحث في العقيدة، كما أن أسلوبه بعيد كثيرا عن المنهج العلمي الموثق وعن الأسلوب المتعقل الرصين}

أقول: سيظهر للقارئ من خلال قراءة تعليقاتنا على الكتاب مدى تخصص الدكتور سفر في الموضوع، والقارئ لتعليقاتنا يتحقق من أن ما قاله الدكتور سفر في حق ما كتبه الصابوني ينطبق على كتابه هذا تمام الانطباق.

3- حكم الدكتور على الأشاعرة بأنهم من المرجئة الغلاة

قال الدكتور: {فالأشاعرة … هي أكبر فرق المرجئة الغلاة، ولن أستعجل نتائج بحثي، ولكن حسبي أن أدعي دعوى وأطرحها للمناقشة، وأقبل بكل سرور من يدلي بوجهة نظره فيها}

أقول: قد اشتمل كلام الدكتور هذا على الخطأ والتناقض.

أما الخطأ :فقوله: (فالأشاعرة … وهي أكبر فرق المرجئة الغلاة)وهذه الدعوى من الدكتور هي الخطأ الأصل الذي تشعب عنه وتفرع عليه عشرات الأخطاء بل مئات الأخطاء التى تورط فيها في هذه الرسالة الصغيرة، ونظرته إلى الأشاعرة التى تفيدها هذه الجملة هي التى ورطته في هذه الأخطاء. ومحل الخطأ في كلامه هذا تقييده المرجئة بقيد الغلاة، وعده الأشاعرة أكبر فرق المرجئة الغلاة. وذلك أن الإرجاء نوعان: إرجاء السنة وإرجاء البدعة، والأشاعرة من مرجئة السنة. وهم الذين يرجئون أمر العصاة إلى ربهم إن شاء عفا عنهم، وإن شاء عاقبهم كما هو مذهب أهل السنة، ولعل هذا هو مذهب الدكتور سفر أيضا، وأما مرجئة البدعة فهم الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهؤلاء هم المرجئة الغلاة، وقد عدهم الأشاعرة من أهل البدعة، وردوا عليهم مذهبهم هذا، وبينوا زيغه في كتبهم. وفي مقابل مرجئة البدعة الخوارج الذين يكفرون العصاة ، والمعتزلة الذين يثبتون المنزلة بين المنزلتين، أي يرون أن مرتكب الكبيرة ليس مؤمنا ولا كافرا، ويحكمون بخلوده في النار. وسيأتى تفصيل مسألة الإرجاء في آخر هذه التعليقات. فالأشاعرة هم أكبر فرق مرجئة السنة، وليسوا أكبر فرق المرجئة الغلاة.

واماالتناقض: فإن هذا الحكم من الدكتور على الأشاعرة –كما أنه حكم بدون بينة- هو استعجال منه لأهم نتائج بحثه، ومن أجل أن المخطأ لابد أن يناقض نفسه شاء أو أبى -كما قالوا-. فقد ناقض الدكتور نفسه بقوله: ولن أستعجل نتائج بحثى.

وأما قوله: {ولكن حسبي أن أدعي دعوى، وأطرحها للمناقشة، وأقبل –بكل سرور- من يدلي بوجهة نظره فيها}

كلامه هذا إذا أخذناه مقطوعا عن سياقه، كلام جيد يصور ما ينبغى أن يكون عليه العالم المحايد غير المتحيز من عدم التعصب لطرف، وعدم التسرع في الحكم بالخطأ فضلا عن الحكم بالبدعة لطرف آخر.

لكن إيراد الدكتور لهذا الكلام في صدر رسالته هذه غير صحيح لأمرين:

الأول: أن الدعاوى لابد أن تكون مدعومة بالبينات، كما قال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: (لو أعطي الناس بدعواهم لادعى ناس دماء أقوام وأموالهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر) ومعظم دعاوى الدكتور التى ادَّعاها على الأشاعرة في هذا الكتيب ومنها دعواه هذه أن الأشاعرة أكبر فرق المرجئة الغلاة غير صحيحة لم يقم عليها لا بينات ولا شبهات، ولن يستطيع أن يقيم عليها شيئا من ذلك.

الثاني: أن كلامه هذا يصور دعواه التى ادَّعاها على الأشاعرة بأنها دعوى قابلة للمناقشة، وأن المسائل التي خالف فيها الأشاعرة مما يجوز فيها الخطأ والصواب على كل من الأطراف المتنازعة، وليست من المسائل التى يخطأ فيها على سبيل القطع طرف معين، فضلا أن يبدع من أجلها، ومن أجل ذلك يقبل بكل سرور من يدلي بوجهة نظره في هذه الدعوى، لكنه حينما يأتي بدعاويه التى ينسبها إلى من يسميهم بأهل السنة في ثنايا رسالته يوردها على أنها حقائق مسلمة غير قابلة للنقاش، ويورد ما ينسبه إلى الأشاعرة ومنها هذه الدعوى على أنه الخطأ الذي لا يحتمل الصواب، وأنه البدعة المخالفة للسنة. فكلام الدكتور هذا مشتمل على الخطأ والتناقض. وهو كما أنه مناقض لما سيأتى في ثنايا الكتاب مناقض لسابقه ولاحقه، وهو قوله: (وليكن معلوما أن هذا الرد الموعود…)

4- الأشاعرة أكبر فرقة إسلامية

قال الدكتور: -وقد وعد بكتابة رد مطول على الأشاعرة- {وليكن معلوماً أنَّ هذا الرد الموعود ليس مقصوداً به الصابوني ولا غيره من الأشخاص فالمسألة أكبر من ذلك وأخطر، إنها مسألة مذهبٍ بدعيٍّ له وجوده الواقعي الضخم في الفكر الإسلامي حيث تمتلئ به الكثير من كتب التفسير وشروح الحديث وكتب اللغة والبلاغة والأصول فضلاً عن كتب العقائد والفكر، كما أن له جامعاته الكبرى ومعاهده المنتشرة في أكثر بلاد الإسلام من الفلبين إلى السنغال}

أقول: هذا الكلام اعتراف من الدكتور سفر بأن مذهب الأشاعرة والماتريدية هو مذهب جمهور علماء المسلمين، فَجُلُّ كتب التفسير والحديث والعقائد والأصول، والبلاغة واللغة كتبها الأشاعرة والماتريدية، والجامعات العريقة تتبع هذا المذهب. أنطرح كلَّ هذه الكتب ونترك هؤلاء العلماءَ ونتبع الدكتور سفر؟ وهل من المعقول أن تكون الأمة المرحومة على ضلال طوال قرون حتى يأتي في القرن الخامس عشر من يصحح لها عقائدها، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ” عليكم بالسواد الأعظم” ؟

ونحن لا نعتقد العصمة للأشعرية ولا لغيرهم، ولكننا نرى مذهبهم ومذهب الماتريدية أقوم المذاهب وأقربها إلى الحق.

قال الإمام الحجة المحدث الفقيه الأصولي المتكلم النظار تقي الدين السبكي في مقدمة كتابه (السيف الصقيل):

المتكلمون طلبوه- أي العلم الإلهي- بالعقل والنقل معا وافترقوا ثلاث فرق:

إحداها غلب عليها جانب العقل وهم المعتزلة.

والثانية غلب عليها جانب النقل وهم الحشوية.

والثالثة ما غلب عليها أحدهما؛ بل بقي الأمران مرعيين عندهم على حد سواء وهم الأشعرية. وجميع الفرق الثلاث في كلامها مخاطرة: إما خطأ في بعضه وإما سقوط هيبة، والسالم من ذلك كله ما كان عليه الصحابة والتابعون وعموم الناس الباقون على الفطرة السليمة، ولهذا كان الشافعي رضي الله عنه ينهى عن الاشتغال بعلم الكلام ويأمر بالاشتغال بالفقه فهو طريق السلامة، ولو بقي الناس على ما كانوا عليه في زمن الصحابة كان الأولى للعلماء تجنب النظر في علم الكلام جملة؛ لكن حدثت بدعٌ أوجبت للعلماء النظر فيه لمقاومة المبتدعين ودفع شبههم حذراً من أن تزيغ بها قلوب المهتدين.

والفرقة الأشعرية هم المتوسطون في ذلك، وهم الغالبون من الشافعية والمالكية والحنفية وفضلاء الحنابلة وسائر الناس.

وأما المعتزلة فكانت لهم دولة في أوائل المائة الثالثة ساعدهم بعض الخلفاء ثم انخذلوا وكفى الله شرهم.

وهاتان الطائفتان الأشعرية والمعتزلة هما المتقاومتان، فالأشعرية أعْدلُها لأنها بنت أصولها على الكتاب والسنة والعقل الصحيح…

وأما الحشوية فهي طائفة… ينتسبون إلى أحمدَ وأحمدُ مبرأ منهم، وسبب نسبتهم إليه أنه قام في دفع المعتزلة وثبت في المحنة رضي الله عنه، نقلت عنه كليمات ما فهمها هؤلاء الجهال، فاعتقدوا هذا الاعتقاد السيئ، وصار المتأخر منهم يتبع المتقدم إلا من عصمه الله … ثمَّ جاء في أواخر المائة السابعة رجل له فضل ذكاء واطلاعٌ ولم يجد شيخاً يهديه، وهو على مذهبهم وهو جسورٌ متجردٌ لتقرير مذهبه، ويجد أموراً بعيدة فبجسارته يلتزمها، فقال بقيام الحوادث بذات الرب سبحانه وتعالى، وأنَّ الله سبحانه ما زال فاعلاً ، وأنَّ التسلسل ليس بمحالٍ فيما مضى كما هو فيما سيأتي , وشقَّ العصا ، وشوَّش عقائد المسلمين، وأغرى بينهم… ثم حدث من أصحابه من يشيع عقائده… حتى وقفت في هذا الزمان على قصيدةٍ نحو ستة آلاف بيتٍ يذكر ناظمها فيها عقائده وعقائد غيره، ويزعم بجهله أن عقائده عقائد أهل الحديث، فوجدت هذه القصيدة تصنيفاً في علم الكلام الذي نهى العلماء عن النظر فيه لو كان حقاً ، فكيف وهو تقريرٌ للعقائد الباطلة وبوحٌ بها، وزيادةٌ على ذلك، وهي حملُ العوامِّ على تكفير كل من سواه وسوى طائفته، فهذه ثلاثة أمور هي مجامع ما تضمنته هذه القصيدة… إلى آخر كلامه.

يقصد السبكي القصيدة النونية لابن القيم، وقد جرى الدكتور سفر في كتابه هذا على منوالها…