هل صحيح أن الصوفية يقدمون الكشف والذوق على النص؟،دلائل وجود الله تعالى عند الأشاعرة

31- هل صحيح أن الصوفية يقدمون الكشف والذوق على النص؟

قال الدكتور: {هـ- مذهب طائفة منهم وهم صوفيتهم – كالغزالي والجامي – في مصدر التلقي هو تقديم الكشف والذوق على النص وتأويل النص ليوافقه، وقد يصححون بعض الأحاديث ويضعفونها حسب هذا الذوق كحديث إسلام أبوي النبي صلى الله عليه وسلم ودخولهما الجنة بزعمهم. ويسمون هذا «العلم اللدني» جريا على قاعدة الصوفية: «حدثني قلبي عن ربي»}

أقول: لم يثبت عن أحدٍ من الصوفية المعتبرين وفي مقدمتهم الغزالي والجامي أنه قال بأن الكشف والذوق مصدران لاستنباط الأحكام فضلا عن القول بتقديمهما على النص. نعم يستأنس بالكشف والإلهام فيما لا علاقة له بالأحكام الشرعية، وكذلك لم يصحح الحديث بطريق الكشف والذوق أحدٌ من الصوفية المعتبرين. ونحتم هذه الفقرة بكلام علمين من أعلام التصوف، قال السهروردي: (وكل علم لا يوافق الكتاب والسنة وما هو مستفاد منهما أو معين على فهمهما أو مستند إليهما –كائناً ما كان- فهو رذيلة وليس بفضيلة، يزداد الإنسان به هواناً ورذيلةً في الدنيا والآخرة)،[1] وقال الشيخ أحمد الرفاعي: (إذا رأيتم واعظاً أو قاصاً أو مدرسا فخذوا منه كلام الله وكلام رسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وكلام أئمة الدين الذين يحكمون عدلا ويقولون حقا، واطرحوا ما زاد، وإن أتى بما لم يأت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فاضربوا به وجهه)[2] هذا كلام أهل الرسوخ والتحقيق من الصوفية.

وأما نجاة والدي المصطفى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقد ذهب فريق من علماء الأمة إلى ذلك. وعمدتهم في الاستدلال عليه أنهما من أهل الفترة، وقد ثبت نجاة أهل الفترة بقوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)، وأما ما أشار إليه الدكتور من الحديث الضعيف فقد أورده بعض المتأخرين من الأشاعرة على وجه الاستئناس بعد احتجاجه على المسألة بما ذكرناه، ثم إن المسألة من مسائل الخلاف، وليست من مسائل الاعتقاد التى يبدع فيها أحد الطرفين أو يؤثم، فلكل فريق رأيه ودليله.

32- دلائل وجود الله تعالى عند الأشاعرة

قال الدكتور: {الثانى إثبات وجود الله. معلوم أن مذهب السلف هو أن وجود الله تعالى أمر فطري معلوم بالضرورة، والأدلة عليه من الكون والنفس والآثار والآفاق والوحي أجل من الحصر، ففي كل شيء له آية وعليه دليل

أما الأشاعرة فعندهم دليل يتيم – أي على وجوده تعالى – هو دليل الحدوث والقدم، وهو الاستدلال على وجود الله بأن الكون حادث وكل حادث فلابد له من محدث قديم}

أقول: يستدل السلف على وجوده تعالى كلٌ بما بدا له من الأدلة، وجل اعتمادهم على دليل النظام الذي ركز عليه القرآن الكريم، وليس للسلف في هذا الأمر مذهب موحد مقرر يصح نسبته إليهم. فقول الدكتور: معلوم أن مذهب السلف أن وجود الله تعالى أمر فطري معلوم بالضرورة غير صحيح، ومن عادة الدكتور نسبة ما يهواه إلى السلف وجعله مذهبا لهم. ولو كان وجود الله أمراً معلوما بالضرورة لما خالف فيه أحد من العقلاء ولما احتيج إلى الاستدلال عليه.

والأدلة المستنبطة من الكون والنفس والآثار والآفاق هي دليل النظام، وسماه ابن رشد «دليل العناية».. ودليل الحدوث وسماه ابن رشد «دليل الاختراع»، ودليل الإمكان إلى غير ذلك من الأدلة التي أوردها الأشاعرة في كتبهم.

وليس دليل الحدوث هو الدليل الوحيد عند الأشاعرة بل هو أحد أدلتهم، ومن أدلتهم كما ذكرنا دليل الإمكان ودليل النظام إلى غير ذلك كما لا يخفى على من مارس كتبهم. والذي ذكره الدكتور يسمى «دليل الحدوث» ولا يوجد لهم دليل يسمى «دليل الحدوث والقدم».

وننقل هنا شيئا من كلام الأشاعرة في الاستدلال على وجود الله تعالى كي يتحقق القارئ ما قلناه. قال الباقلاني: «ولابد لهذا العالم المحدَث المصوَّر من محدِث مصوِّر. والدليل على ذلك أن الكتابة لابد لها من كاتب ولابد للصورة من مصور، وللبناء من بان، وإنا لا نشك في جهل من خبرنا بكتابة حصلت لا من كاتب، وصياغة لا من صائغ، فوجب أن تكون صور العالم وحركات الفلك متعلقة بصانع صنعها إذ كان ألطف وأعجب صنعا من سائر ما يتعذر وجوده لا من صانع من الحركات والصور»[3] وقال الباقلاني: «وإن أردتم بقولكم ما هو ما الدلالة على وجوده؟ فالدلالة على وجوده جميع ما نراه ونشاهده من محكم فعله وعجيب تدبيره»[4] وقال الرازي: «ومن الناس من اعتمد (في إثبات وجود الله تعالى) على الإحكام والإتقان المشاهدين في السماوات والأرضين وخاصة في بدن الإنسان وما فيه من المنافع الجلية والبدائع الغريبة التي تشهد فطرة كل عاقل بأنها لا تصدر إلا عن تدبير حكيم عليم. وهذه الطريقة دالة على الذات وعلى العالمية، وهي طريقة من تأملها ورفض عن نفسه المقالات الباطلة وجد نفسه مضطرة إلى الاعتراف بإثبات المدبر عند مشاهدة خلقة أعضاء الحيوان»[5] وهذا الدليل الذي ذكره الرازي هو «دليل النظام» وكذالك الدليل الثاني للباقلاني.

[1] عوارف المعارف 1/48

[2] البرهان المؤيد 39

[3] تمهيد الأوائل 43 والإنصاف 27.

[4] تمهيد الأوائل 300.

[5] المباحث المشرقية 2/470-471.