6 عقيدة الإمام أبي حنيفة والطحاوي موافقتان لمذهب الأشعري،بيان حال الإمام أبي محمد عبد الله بن كُلاَّب

10- عقيدة الإمام أبي حنيفة والطحاوي موافقتان لمذهب الأشعري

قال الدكتور: {وكان الإمام الطحاوي معاصراً للأشعري، وكتب هذه العقيدة لبيان معتقد الإمام أبي حنيفة وأصحابه وهي مشابهة لما في الفقه الأكبر عنه، وقد نقلوا عن الإمام أنَّه صرَّح بكفر من قال: إنَّ الله ليس على العرش أو توقف فيه , وتلميذه أبو يوسف كفَّر بشراً المريسي، ومعلوم أن الأشاعرة ينفون العلو وينكرون كونه تعالى على العرش، ومعلوم أيضا أن أصولهم مستمدة من بشر المريسي}

أقول: قوله: (وكان معاصرا للأشعري): صحيحٌ.

وقوله: “وكتب هذه العقيدة لبيان معتقد أبي حنيفة وأصحابه”: هذا أيضا صحيحٌ ، لكن سياقه في مساق أنَّ هذه العقيدة مخالفةٌ لعقيدة الأشاعرة وإيهامَه ذلك غيرُ صحيح، فإنَّ هذه العقيدةَ معتمَدَةٌ عند أهل السنة والجماعة من الأشاعرة والماتريدية الحنفية إلا ثلاث مسائل خالف فيها الأشاعرة ووافق فيها الحنيفة. ومن المقرر أن مسائل الخلاف بين الأشعرية والماتريدية مسائل فرعية في العقيدة، لا تقتضى التبديع، ومن أجل ذلك لم يبدع أحدهما الآخر.

قال الزبيدي: قال التاج السبكي: سمعت الشيخ الإمام الوالد يقول: ما تضمنته عقيدة الطحاوي هو ما يعتقده الأشعري، لا يخالف إلا في ثلاث مسائل… وقد تأملت عقيدة أبي جعفر الطحاوي فوجدت الأمر على ما قاله الشيخ الإمام الوالد.

وعقيدة الطحاوي زعم أنها الذي عليها أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد. ثم تصفحت كتب الحنيفة فوجدت جميع المسائل التي بيننا وبينهم خلاف فيها ثلاث عشرة مسألة، منها معنوي ست مسائل، والباقي لفظي، وتلك الستة المعنوية لا تقتضي مخالفتهم لنا ولا مخالفتنا لهم تكفيراً ولا تبديعاً، صرح بذلك أبو منصور البغدادي وغيره من أئمتنا وأئمتهم، وهو غنيٌّ عن التعريف لوضوحه… ثم هذه المسائل الثلاثة عشر لم يثبت جميعها عن الشيخ ولا عن أبي حنيفة- رضي الله عنهما- ولكنَّ الكلام بتقدير الصحة. انتهى كلام السبكي[1].

ثم أن عقيدة الطحاوي مخالفة لعقيدة الدكتور في أهم مسائل العقيدة، ومن ذلك قوله في نفي الحدود والجهات: “تعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات” وقوله: “والعرش والكرسي حق، وهو مستغن عن العرش وما دونه، محيطٌ بكلِّ شيء، وبما فوقه” هكذا بلفظ “بما فوقه” وما فوق العرش هو اللوح المحفوظ كما في حديث الصحيحين: ” إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق، إن رحمتي سبقت غضبي، فهو مكتوبٌ عنده فوق العرش” وقال الطحاوي أيضا: “له معنى الربوبية ولا مربوب ، ومعنى الخالق ولا مخلوق” وهذا مخالف لقول من يقول بالقدم النوعي للعالم، وبتسلسل الحوادث في جانب الماضي.

وقول الدكتور: “وهي مشابهة لما في الفقه الأكبر عنه” هذا الكلام مثل الكلام السابق صحيحٌ، ولكن الخطأ في السياق والإيهام، والفقه الأكبر أيضا مشتمل على ما يخالف عقيدة الدكتور منها قوله: ” ومعنى الشيء إثباته –أي إثبات الله- بلا جسم ولا جوهرٍ ولا عَرَضٍ ولا حدَّ له، ولا ضدَّ له، ولا ندَّ له ، ولا مثلَ له ” ففيه نفي الحد عن الله تعالى الذي هو لازم للاستقرار على العرش.

ومنها قوله: ” ويتكلم لا ككلامنا، ونحن نتكلم بالآلات والحروف، والله تعالى يتكلم بلا آلة ولا حروف، والحروفُ مخلوقةٌ، وكلامُ الله تعالى غيرُ مخلوق. وهذا مخالف لمذهب من قال: إن الله تعالى يتكلم بحروف وأصوات.

وقول الدكتور: ” وقد نقلوا عن الإمام انه صرح بكفر من قال ان الله ليس على العرش أو توقف فيه”. أقول: الذي روى ذلك عن أبي حنيفة اثنان:

الأول: أبو مطيع البلخي، قال الإمام أحمد: لا ينبغي أن يُروَى عنه شيءٌ. وعن يحيى بن معين : ليس بشيء. وقال أبو حاتم الرازي: كان مُرْجِئاً كذاباً. راجع: (لسان الميزان) و(ميزان الاعتدال)

والثاني: هو نوح الجامع: قال العلماء فيه: كان جامعاً لكلِّ شيء إلا الصدق وهو وضاع مشهور، راجع “تهذيب التهذيب”.

وقول الدكتور: “ومعلوم أن الأشاعرة ينفون العلو وينكرون كونه تعالى على العرش”

أقول: الأشاعرة لا ينفون العلو كما لا ينكرون الاستواء على العرش، نعم ينفون استقراره تعالى على العرش وجلوسه عليه، لأنه لم يرد به كتاب ولا سنة، وقد رده العقل والشرع. قال الحافظ العسقلاني: (ولا يلزم من كون جهتي العلو والسفل محالاً على الله أن لا يوصف بالعلو لأن وصفه بالعلو من جهة المعنى، والمستحيل كون ذلك من جهة الحس)[2] وقال الإمام الخطابي ما نصه: وليس معنى قول المسلمين إن الله على العرش هو أنه تعالى مماس له أو متمكن فيه أو متحيز في جهة من جهاته، لكنه بائن من جميع خلقه، وإنما هو خبر جاء به التوقيف فقلنا به ونفينا عنه التكييف إذ (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)[3].

وقول الدكتور: (ومعلوم أيضا أن أصولهم مستمدة من بشر المريسي)

أقول: أولا:

الدعاوى إذا لم يقم عليها :: بينات أصحابها أدعياء.

وأقول ثانيا كما قال الزبيدي في شرح الإحياء: إن كلاً من الإمامين أبي الحسن وأبي منصور رضي الله تعالى عنهما وجزاهما الله عن الإسلام خيرا لم يبدعا من عندهما رأيا ولم يشتقا مذهبا، وإنما هما مقرران لمذهب السلف مناضلان عما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله تعلى عليه وآله وسلم، فأحدهما قام بنصرة نصوص مذهب الشافعي وما دلت عليه، والثاني قام بنصرة نصوص مذهب أبي حنيفة وما دلت عليه، وناظر كل منهما ذوي البدع والضلالات حتى انقطعوا وولوا منهزمين، وهذا في الحقيقة أصل الجهاد الحقيقي… فالانتساب إليهما إنما هو باعتبار أن كلا منهما عقد على طريق السلف نطاقا وتمسك وأقام الحجج والبراهين عليه، فصار المقتدى به في تلك المسائل يسمى أشعريا وماتريدياً.

وذكر العز بن عبد السلام أن عقيدة الأشعري أجمع عليها الشافعية والمالكية والحنفية وفضلاء الحنابلة، ووافقه على ذلك من أهل عصره شيخ المالكية في زمانه أبو عمرو بن الحاجب وشيخ الحنيفة جمال الدين الحصيري وأقره على ذلك التقي السبكي فيما نقله عنه ولده التاج.. انتهى … وأصل هذا الكلام لتاج الدين السبكي[4].

وقال التاج السبكي: وهذه المذاهب الأربعة -ولله الحمد- في العقائد واحدة إلا من لحق منها بأهل الاعتزال والتجسيم، وإلا فجمهورهم على الحق. يقرون عقيدة أبي جعفر الطحاوي التي تلقاها العلماء سلفا وخلفا بالقبول، ويدينون الله برأي شيخ السنة أبي الحسن الأشعري الذي لم يعارضه إلا مبتدع[5]. وقال: ولقد قلت مرة للشيخ الإمام رحمه الله: أنا أعجب من الحافظ ابن عساكر في عَدِّه طوائف من أتباع الشيخ، ولم يذكر إلا نزراً يسيرا وعدداً قليلا، ولو وَفَّى الاستيعاب حقه لاستوعب غالب علماء المذاهب الأربعة، فإنهم برأي أبي الحسن يدينون الله تعالى، فقال إنما ذكر من اشتهر بالمناضلة عن أبي الحسن، وإلا فالأمر كما ذكرت من أن غالب علماء المذاهب معه.[6]

11- بيان حال الإمام أبي محمد عبد الله بن كُلاَّب

قال الدكتور: {الحنابلة: موقف الحنابلة من الأشاعرة أشهر من أن يذكر، فمنذ بدع الإمام أحمد ابن كلاب وأمر بهجره وهو المؤسس الحقيقي للمذهب الأشعري- لم يزل الحنابلة منهم في معركة طويلة…}

أقول: ابن كُلاّب: هو عبد الله بن سعيد أبو محمد بن كُلاّب القطان: هو أحد الأئمة المتكلمين من أهل السنة قال السبكي: وابن كُلاّب على كل حال من أهل السنة، ثم نقل عن الإمام ضياء الدين الخطيب والد الإمام فخر الدين الرازي أنه قال: ومن متكلمي أهل السنة في أيام المأمون عبد الله بن سعيد التميمي الذي دمر المعتزلة في مجلس المأمون وفضحهم.[7] وقال الذهبي: والرجل أقرب المتكلمين إلى السنة، بل هو في مناظريهم. انتهى.[8] وقال الحافظ: وقول ابن نديم إنه من الحشوية، يريد من يكون على طريقة السلف في ترك التأويل للآيات والأحاديث المتعلقة بالصفات، ويقال لهم: المفوضة، وعلى طريقته مشى الأشعري في كتابه الإبانة.[9]

ثم إن ابن كُلاّب كان عمدة البخاري في نقل المذاهب الكلامية.[10]

وأما الإمام أحمد فقد كان يهجر كل من يخوض في الكلام أو في بعض مسائله: فقد هجر الحارث المحاسبي لذلك، وهجر الحسين الكرابيسي وكان من كبار المحدثين لقوله: لفظي بالقرآن مخلوق، وكان على رأي الكرابيسي هذا البخاري ومسلم وغيرهما، قال الذهبي: لا ريب أن ما ابتدعه الكرابيسي وحرره في مسألة اللفظ وأنه مخلوق هو حق. انتهى.[11]

وقد خاض في الكلام كثير من أئمة السلف لما رأوا الحاجة إلى ذلك لقمع المتبدعة. منهم الإمام أبو حنيفة والإمام الشافعي، وليس كلام الإمام أحمد وموقفه حجة على غيره من أئمة السلف، فلكل اجتهاده وأجره.

وأصل المشكلة عند الدكتور ومن هم على شاكلته أنهم يجعلون الإمام أحمد وابن تيمية من الأئمة المعصومين، ويجعلون كلامهم حجة على كل علماء الأمة وأئمتها، ويحكمون على كل من خالفهم بالخطأ الذي لا يحتمل الصواب، بل يبدعونهم من أجل ذلك.

قال الدكتور عن ابن كُلاّب: {وهو المؤسس الحقيقي للمذهب الأشعري}

أقول: قال الدكتور آنفا: إن أصول الأشاعرة مستمدة من بشر المريسي، وهو من أكبر رؤوس المتبدعة، كفره الإمام الشافعي.. ثم قال هنا: إن المؤسس الحقيقي لمذهب الأشاعرة هو ابن كلاب وهو أحد رؤوس أهل السنة ومتكلميهم، فأي الكلامين حق!؟ لا شك أن كلاهما باطلان. نعم قد استفاد الأشعري من ابن كلاب وأخذ ببعض آرائه كما هو الدارج في استفادة المتأخر من المتقدم، ولقي بعض أصحابه، وهذا لا يعني أنه المؤسس للمذهب الأشعري، والأشعري مقرر لمذهب السلف ومناضل عنه بالاستدلال له ودفع الشبه عنه.ولم يأت بشيء جديد في أصل العقيدة كما أن ابن كلاب أيضا لم يأت بشيء جديد في أصل العقيدة

[1] إتحاف السادة المتقين 2/78 طبقات الشافعية الكبرى 3/ 377

[2] فتح الباري 6/ 136.

[3] اعلام الحديث بشرح البخاري 3/137.

[4]انظر الطبقات 3/365

[5] معيد النعم ومبيد النقم 35

[6] الطقبات 3-365.

[7] الطبقات 2/300

[8] سير أعلام النبلاء 11/ 175.

[9] لسان الميزان 3/ 291.

[10] انظر فتح الباري 1/ 243.

[11] سير أعلام النبلاء 12/ 83