المساجلة الدمشقية

المُسَاجَلَةُ الدِّمَشْقِيَّةُ

المُسَاجَلَةُ عِبَارَة عِنْ حِوارٍ شِعْري بين طرفين، وَقَدْ جَرَتْ هَذِهِ المُسَاجَلَةُ الشِّعْرِيَّةُ بَيْنِي وَبَيْنَ صَدِيْقِنَا الشَّيْخِ عَبْدِ الْعَزِيْزِ الْعُوَيِّد عِنْدَمَا سَافَرَ إِلَى دِمَشْقَ الشَّامِ لِيُصَوِّرَ بَرْنَامَجاً لَهُ هُنَاكَ، فَلَمَّا أَخْبَرَنِي صَاحِبِي بِسَفَرِهِ وَدَّعْتُهُ بِقَصَيْدَةٍ مِنَ البَحْرِ الطَّوِيْلِ أَرْسَلْتُهَا إِليْهِ، أَخْتَارُ لَكُمْ مِنْ أَبْيَاتِهَا قَوْلِيْ:

تَنَشَّقْ عَبِيْرَ الشَّامِ عَنِّي صُوَيْحِبِي

وَأَبْلِغْ دِمَشْقاً عَنْ هَوَايَ الْعَجَائِبَا

إذَا مَا دَخَلْتَ الشَّامَ يَا ابْنَ عُوَيِّدٍ

فَبَلِّغْ سَلَامِي رُفْقَتِي وَالْأَقَارِبَا

أَجِلْ فِيْ رُبَاهَا نَاظِرَيْكَ وَمَرْجِهَا

فَمَا أَطْيَبَ الْوَادِيْ وَتِلْكَ الْمضَارِبَا

تَرَى لِلْمَعَالِي فِي رُبَاهَا مَدَارِس

وَفِي كُلِّ سَاحٍ لِلْكُمَاةِ مَلَاعِبَا

إذَا مَا دَخَلْتَ الشَّامَ عَرِّجْ عَلَى الْلِّوَى

سَقَى اللهُ ذَاكَ الرَّبْعَ سُحْبًا سَوَاكِبَا

حَوَى الْعِلْمَ فِي جَنْبَيْهِ وَالمَجْدَ وَالْعُلَا

حَوَى أَنْجُماً زُهْراً وَشُهْبًا ثَوَاقِبَا

فَلَمَّا وَصَلَ صَاحِبِي الشَّامَ، وَاشْتَمَّ أَرِيْجَهَا، وَطَابَ لَهُ المُقَامُ، أَرْسَلَ إِليَّ قَصِيْدَةً مِنْ هُنَاكَ تَقُولُ أَبْيَاتُهَا:

َيا سَاكِنِيْ مِصْر فِيْكُمْ سَاكُنُ الشَّامِ …

يُكَابِدُ الشَّوْقَ مِنْ عَامٍ إِلَى عَامِ

اللهَ فِي رَمَقٍ أَوْدَى السَّقَامُ بِهِ …

كَمْ ذَا يُعَلَّلُ فِيْكُمْ نِضْوُ أَسْقَامِ

مَا ظَنُّكُمْ بَبَعِيْدِ الدَّارِ مُنْفَرِد …

حَلِيْف هَمٍّ وَأَحْزَانٍ وَآلَامِ

يَا نَازِحِينَ مَتَى تَدْنُو النَّوَى بِكُمُ …

حَالَتْ لِبُعْدِكُمْ حَالِي وَأيَّامِي

من ذا يلوم أخا وجدٍ بحبكُمُ …

فأبعد اللهُ عُذَّالِي وُلُوَّامِي

في ذمة اللهِ قومٌ ما ذكرتُهُمُ …

إلا ونمَّ بوجدي مدمعي الدامي

قومٌ أذابَ فؤادي فرطُ حبِّهِمُ …

وقد ألمَّ بقلبي أيَّ إلمام

ولا اتخذت سواهم منهم بدلا …

ولا نقضت لعهدي عقد إبرام

ولا عرفت سوى حبي لهم أبدا …

حُبّاً يعبرُ عنه جفني الهامي

والقصيدة من البحر البسيط وهي للشيخ تقي الدين ابن تمَّام قالها جواباً على قصيدة

للقاضي شهاب الدين محمود، وكان قد أرسله إليه مصر يقول فيها:

هل عند من عندهم برئي وأسقامي …

علمٌ بأنّ نَوَاهُم أصلُ آلامي

وأن جفني وقلبي بعد بعدهم …

ذا دائم وجده فيهم وذا دام

بانوا فبان رقادي يوم بينهم …

فلست أطمع من طيف بإلمام

كتمت شأن الهوى يوم النوى فنمى …

بسره من دموعي أي نمام

كانت ليالي بيضا في دنوهم …

فلا تسل بعدهم ما حال أيامي

وليس أصل ضنى جسمي النحيل سوى …

فرط اشتياقي إلى لقيا ابن تمام

مولى متى أخل من برء برؤيته …

خلوت فردا بأشجاني وأسقامي

نأى ورؤيته عندي أحب إلى …

قلبي من الماء عند الحائم الظامي

وصد عني فلم يسأل لجفوته …

عن هائم دمعه من بعده هام

يا ليت شعري ألم يبلغه أن له …

أخا بمصر حليف الضعف مذ عام

ما كان ظني هذا في مودته …

ولا الحديث كذا في ساكني الشام

فَلمَّا وَصلَتْنِي هَذه القصيدة من الشيخ عبد العزيز من دمشق، أعجبت فيها أيما إعجاب

وزادتني وَجْداً على وجْدٍ، وكان لا بد من الرد عليها بقصيدة جوابية تكون على وزنها وقافيتها لتكتمل المساجلة، فجردت عندها سلاحي _أعني: قلمي _ لأن الحرب سِجَالٌ كما قالوا، ومن هذا أخذ الشعراء اسم مساجلاتهم، ورددتُّ على أخينا بقصيدةٍ أختارُ مِنْهَا قَوْلِي:

هَيَّجْتَ خِلّيْ تَبَارِيْحِي وَأَسْقَامِي

فَأَسْبَلَ الدَّمْعُ مِنْ جَفْنِي وَأَقْلَامِي

دُرٌّ عَلَى الخَدِّ مَنْثُورٌ لِبُعْدِهُمُ

شِعْرٌ عَلَى الطِّرْسِ مَسْبُوكٌ بِإحْكَامِ

مَا قِيْمَةُ الْعِيْنِ لَا تَبْكِي لِذِكْرِكُمُ

أو قِيْمَةُ الشِّعْرِ لَا يَشْدُو بِآلَامِي

مَا أَجْمَلَ الشِّعْرَ فِي ذِكْرَاكُمُ عَبِقا

وَأَنْفَسَ الدَّمْعَ فِي وَجْدٍ وَتُهْيَامِي

وَجْدٌ أَصَابَ الْقَلْبَ فِي مَقَاتِلِهِ

بِسَهْمِ أَلْحَاظٍ مِنْ غَيْرِ مَا رَامِ

لِبُعْدِ يَوْمٍ شَكَى خِلِّي الفِرَاقَ فَمَا

تَقُولُ فِي هَجْرِ أَيَّامِ وَأَعْوَامِ

عند هذا الحد انتهت المُسَاجَلَةُ الشِّعْرِيَّةُ الدِّمَشْقِيَّةُ ، راجيا أن أكون قد أفدتكم وأمتعتكم.

أحمد إبراهيم المحمد